🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه الى الحسين (عليه‌السلام) كنت في الخيل الذي بعث إليهم ، فلما انتهيت الى الحسين واصحابه عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع علي (عليه‌السلام) والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذي قاله فكرهت مسيري ، فاقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين (عليه‌السلام) فسلمت عليه وحدثته بالذي سمعت من ابيه في هذا المنزل ، فقال الحسين (عليه‌السلام) أمعنا أم علينا؟ فقلت : يا بن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لا معك ولا عليك تركت ولدي وعيالي اخاف عليهم من ابن زياد؟ فقال الحسين : فول هربا حتى لا ترى مقتلنا فو الذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم مقتلنا احد ثم لا يعيننا الا دخل النار ، قال : فاقبلت في الأرض اشتد هربا حتى خفي على مقتلهم (١).

قال نصر : وحدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن بكير عن ابيه : ان عليا (عليه‌السلام) اتى كربلاء فوقف بها فقيل له : يا امير المؤمنين هذه كربلاء ، فقال : ذات كرب وبلاء ، ثم اومى بيده الى مكان فقال : هاهنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم ، ثم اومى بيده الى مكان آخر فقال هاهنا مراق دمائهم ثم مضى الى ساباط (٢).

وروى قيس بن الربيع عن يحيى بن هاني المرادي عن رجل من قومه يقال له : زياد بن فلان ، قال : كنا في بيت مع علي نحن وشيعته وخواصه فالتفت فلم ينكر منا احدا ، فقال : ان هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون ايديكم ، ويسملون اعينكم ، فقال له رجل منا : وانت حي يا امير المؤمنين ، قال : اعاذني الله من ذلك ، فالتفت فاذا واحد يبكي فقال له : يا بن الحمقاء أتريد اللذات في الدنيا والدرجات في الآخرة انما وعد الله

__________________

(١) أيضا ٣ / ١٦٩ وصفين لنصر بن مزاحم ١٥٧.

(٢) أيضا ٣ / ١٧. وصفين ١٥٨.

٥٤١

الصابرين جميع ذلك ذكره ابن ابي الحديد في كتابه (١) وذكر غيره من هذا الباب اضعافه فلنقتصر على ما ذكرناه لحصول الغرض به اذ لا منكر لهذا الأمر من مطلعي الخصوم ، واذا كان علي (عليه‌السلام) ادعى الامامة وظهر المعجز على يديه وجب ان يكون إماما ، لأنا قدمنا ان الامامة تثبت بالمعجز كما تثبت به النبوة.

واجاب القوشجي عن هذا بعد اعترافه بصحته : بانا لا نسلم انه ادعى الامامة قبل ابي بكر ولو سلم فلا نسلم ظهور تلك الأمور في مقام التحدي.

اقول هذا الجواب تشبيه على الواضحات وتغطية للظاهرات فان ادعاء علي (عليه‌السلام) الامامة بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واحتجاجه على الصحابة وتظلمه منهم اذ منعوه عن الخلافة بين مشهور ، وظاهر غير مستور ، بل من متواترات الأمور ، وقد سبق بيانه وسطع في كلامنا المتقدم برهانه ، واشرقت شموسه وزهر تبيانه بحيث لا ينكره الا جاهل جاحد أو متعصب معاند.

واما معجزاته ، فمنها ما هو جار على سبيل الارهاص وهي التي في زمان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واكثرها واقع بعد دعواه الامامة فيكون مقرونا بالتحدي ، وكم كان يستدل على إمامته بذلك مثل قوله : (سلوني قبل ان تفقدوني) (٢) وقوله وهو شابك يديه على بطنه : (هذا سفط العلم

__________________

(١) أيضا ٤ / ١٠٩.

(٢) في الاستيعاب ٣ / ٤٠ عن سعيد بن المسيب قال : «ما كان احد من الناس يقول : سلوني غير علي بن ابي طالب» قال شيخنا الأميني في الغدير ٦ / ١٩٥ : «وما تفوه بهذا المقال احد بعد امير المؤمنين (عليه‌السلام) إلا وفضح ووقع في ربيكة وأماط بيده الستر عن جهله المطبق» ثم ذكر (رحمه‌الله) نوادر وقعت لجماعة خانهم التوفيق فتفوهوا بها ففضحوا أنفسهم ، وظهر عجزهم وقد سئلوا عن أبسط المسائل امثال ابراهيم بن هشام المحزومي ومقاتل بن سليمان وقتادة وغيرهم.

٥٤٢

هذا لعاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وقوله (عليه‌السلام) احق الناس بهذا الأمر اقواهم عليه واعلمهم بامر الله فيه) وقوله ما مضمونه ان الله تعالى قال في طالوت : (إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) (١) فاوجب له التقدم عليهم بذلك ، فهل ترون لمعاوية زيادة على علي في العلم والجسم ، ويكفي في ذلك قوله لأبي بكر واصحابه : (فو الله يا معشر المهاجرين لنحن اهل البيت احق بهذا الأمر منكم أما كان منا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنة ، المطلع بامر الرعية ، والله انه لفينا) أفليس هذا القول منه صريحا في دعواه الامامة دون كل الناس وتحديهم بالعلم وغيره ، لكن الأعراض عن الحق والانصراف عن الحجة داء لا دواء له ، والله المستعان على ما يصفون ، فظهر لك صحته ما قلناه واندفاع جوابه ، وانت ايها الناظر المنصف اذا تأملت فيما حررناه وتبصرت فيما سطرناه تبين لك ان مذهب الامامية هو الحق الذي يحق اتباعه ، قد أيدته الآيات القرآنية ، ونصرته الأخبار النبوية ، وعضدته الأدلة الاعتبارية؟ وساعدته البراهين العقلية ، والحمد لله على هدايته ايانا للحق الواضح والطريق القويم وتوفيقه ايانا لنهج الصواب.

__________________

(١) سورة البقرة آية : ٢٤٧.

٥٤٣
٥٤٤

سؤال وجواب

ان قال قائل : انكم حكمتم بان عليّا (عليه‌السلام) هو امام الحق بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بنصه عليه وانهم قد ظلموه وردوا نص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليه بغير حجة ولا برهان ، وهذا عندكم رجوع على الأعقاب وخروج من الحق الى الضلال ، فما الذي منع امير المؤمنين من قتلهم وقتالهم مع انه عندكم اشجع الخلق ، وغيركم أيضا مقر بشجاعته وانتم تقولون لو قاتله اهل الأرض كلهم لغلبهم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب؟ فاذ حكمتم بضلالهم لزمكم الحكم بخطإ علي (عليه‌السلام) في ترك جهادهم ، وعدوله عن قتالهم كما فعل بالناكثين والقاسطين والمارقين ، والحكم بصحة ما فعلوه قلنا له ، لهذا السؤال وجوه متعددة من الأجوبة كل منها كاف في دفعه وشاف في رفعه.

الأول ان عليا (عليه‌السلام) عندنا كما ذكرت من الشجاعة الا انه مع ذلك لا يمكنه الجهاد بنفسه ولا القتال بمفرده لانه بشر مكلف ، وله شواغل من الضروريات البدنية كالنوم والأكل والشرب وغيرها وله شواغل من لوازم التكليف كالصلاة والصوم وغيرهما ، ويشغله شأن عن شأن والنوم والصلاة والأكل والشرب من الضروريات واللوازم الدائمة المستمرة على الانسان لا يخلو منها في اليوم والليلة ابدا ، فليس بمنكر من القوم لو قاتلهم بنفسه ان

٥٤٥

يفروا عنه في وقت تجرده لجلادهم ولا يلاقوه في معركة النزال ويتربصوا به ساعة شغله ووقت تلبسه بما يمنعه من مدافعة خصمه وكف عدوه كالصلاة والنوم فينتهزوا فيه الفرصة ويدركوا من قتله الأرب لعلمهم انه واحد لا حارس له ولا ممانع عنه ، وقد علمت ان عبد الرحمن بن ملجم قتله في صلاته مع علو كلمته واستمداد سلطنته ، وانقياد جيوش المسلمين الى أمره ، ووقوفهم على حدود طاعته ، لا سيما في مثل تلك الأيام من زمان خلافته فانه اجتمعت إليه كلمة اصحابه واستقام له أودهم ، فجمع الجموع وعقد الرايات ليسير بهم الى حرب معاوية ولم تكن بسطة يده وكثرة جنده مانعة من قتله في وقت اشتغاله بصلاته ، فكيف وهو واحد متفرد بنفسه وليس ابن ملجم باجرأ عليه من خالد بن الوليد والوليد بن عقبة وطلحة وعمرو بن العاص واسيد بن حضير وسالم مولى ابي حذيفة واضرابهم واشباههم ولا باشجع من احدهم ، ولا اشد بغضا لعلي (عليه‌السلام) وحقدا عليه من واحد منهم ، فلا امتناع من اقتحام بعض هؤلاء او غيرهم او جماعة منهم عليه وقت نومه أو صلاته فيقتل حينئذ ولا مانع من ان ينازلوه أيضا فتلاقيه منهم شرذمة وتأتي من ورائه طائفة وقوم عن يمينه وآخرون عن شماله فيبلغون فيه الغرض ، وهو مشغول بجلاد الفرقة التي هي أمامه وجائز أيضا ان يلجئوا عند حملته عليهم الى الدور ، ويغلقوا الأبواب فيرمونه من أعلى السطوح بالسهام والحجارة من كل الجوانب فيصيبوه قبل ان يصل إليهم ، وكل هذا ممكن غير ممتنع وقريب غير بعيد ، فعلى هذا يكون قتاله اياهم منفردا تغريرا بنفسه وإلقاء بيده الى التهلكة ، وذلك غير جائز شرعا ومن المعلوم المقرر عند اهل العلم ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واسترجاع المظلمة من الظالم يسقط وجوبه عند حصول الظن القوي بوصول الضرر الى النفس فكيف مع تيقنه؟ فلذلك لم يجز لأمير المؤمنين (عليه‌السلام) ان يقاتل القوم وهو واحد ، بل الواجب عليه الكف حتى يحصل التمكن ففعل ما وجب عليه

٥٤٦

الثاني انا وان قلنا في علي (عليه‌السلام) من الشجاعة ما قلنا الا انه لم يقل منا احد بانه اقوى بأسا من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، ولا أمضى منه عزيمة في انفاذ امر الله ، وقد علمت ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد بقي في مكة ثلاث عشرة سنة من بعد المبعث وهو يؤذي ويشتم ويكذب ويرتكب منه القبيح ويطلب قتله مع وجود جماعة عنده قد اتبعوه ومنهم علي (عليه‌السلام) لكن لا يقومون بقتال اعدائه فلم يكلفه الله بجهاد ولا امره بقتال ، بل أمره بالكف وذم من اراد فتح باب الحرب هناك من اصحابه بقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ) (١) الآية فلما وجد الأعوان وحصل الناصر بعد الهجرة امره الله بقتالهم ، فرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اسوة (٢) لأمير المؤمنين (عليه‌السلام) يجب عليه الكف عند عدم الناصر والجهاد في طلب حقه عند وجود المعاون ، لم يكن الله ليكلفه بما لم يكلف به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيوجب عليه القتال بنفسه منفردا ، ولو جاز ذلك لوجب ان يكون افضل من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأن شدة المشقة في التكليف توجب زيادة الثواب وهذا باطل عندنا ، واعتقاده كفر صريح ، بل المحقق ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) افضل المخلوقات ، وان تكليفه اشد مشقة من تكليف علي كوجوب المجاهرة بالحق ، ورفع التقية ، ووجوب صلاة الليل عليه ، وغير ذلك من خصائصه المذكورة في كتب الفقه ولقد قال علي (عليه‌السلام) (انما انا عبد لمحمد) لما قال له يهودي أنبي انت؟ وعلي (عليه‌السلام) لم يقعد عما وجب عليه فانه طلب الناصر على ظالميه واستصرخ الناس للمعونة على

__________________

(١) النساء : ٧٧.

(٢) الأسوة : القدوة.

٥٤٧

غاصبيه كما صح باتفاق النقل من طريق الرواية فلما لم يجد معينا يعينه ، ولم يظفر بمساعد يساعده كف متأسفا واغضى حزينا ، الا تراه كيف يقول : (فنظرت فاذا ليس لي معين الا اهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ، واغضيت على القذى وشربت على الشجى (١) واقواله في هذا المعنى كثيرة قد تقدم جملة منها ، فلم يزل كافا وهو يتجرع الغيظ والغصص كما كف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عن قتال اهل مكة قبل الهجرة الى ان وجد الأعوان على الحق بعد قتل عثمان فبادر الى قتال من اراد احياء الضلال ، واتخاذ دين الله عوجا ، مشمر الذيل ماضي العزيمة ، كادحا نفسه في اعلاء كلمة الله ، باذلا جهده في اقامة عمود الدين ، مستفرغا وسعه في ازالة الفساد من الأرض ، ألا تسمع قوله : (والله لا اكون كالضبع تنام على اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها ، ولكني اضرب بالمقبل الى الحق المدبر عنه ، وبالسامع المطيع العاصي المريب ابدا حتى يأتي علي يومي) (٢) فكفه أولا ليس الا لعدم وجود الناصر ، وقتاله اخيرا لم يكن الا لوجوده المعين ، وما كان كفه عن قتال الأولين تصويبا لهم فيما ارتكبوه ، ولا تصحيحا لما فعلوه ، ومما يوضح هذا المعنى ويؤكده ان عليا (عليه‌السلام) مع مضي عزيمته واجماعه على قتال معاوية كف عن قتاله بعد رفع المصاحف في صفين مع علمه وتصريحه لصحبه ان معاوية واهل الشام لم يريدوا حكمها وانما رفعوها خديعة وذلك لمخالفة جماعة كثيرة من اصحابه امره بالمضي في الجهاد وطلبهم الموادعة ، وميلهم الى المحاكمة ، وما ذاك الا لأن من بقي على طاعته من اصحابه لا يقوم في ذلك الوقت بقتال الخارجين منهم عن الطاعة ، وقتال اهل الشام ، ثم كفه بعد تحكيم الحكمين عن قتال معاوية ومعاوية يغزوا أطرافه ، ويشن الغارات على اعماله ، ويتغلب على بعض بلاده كمصر

__________________

(١) هذه الكلمة من خطبة له (عليه‌السلام) تأتي في آخر الكتاب.

(٢) نهج البلاغة الخطبة ١٤٦.

٥٤٨

وغيرها لم يكن عدولا عن نيته في قتاله ، ولا رجوعا عن ايثار قتاله ، ولا ترددا في عزمه المصمم على حربه ، ولكن لانتكاث عزم اصحابه ، وتكاسلهم عن اجابته ، وتثاقلهم عن الخروج معه الى حرب معاوية ، لأنه كان يحثهم على الشخوص ، ويوبخهم على القعود عن الجهاد ، ويقرعهم اشد التقريع كقوله لهم : (يا اشباه الرجال ولستم بالرجال) (١) وقوله : (وددت ان اصارف بكم معاوية اهل الشام مصارفة الدينار بالدرهم العشرة بواحد) (٢) وقوله (عليه‌السلام) : (اذا دعوتكم الى الجهاد في الصيف قلتم يمنعنا الحر ، وإذا دعوتكم في الشتاء قلتم يمنعنا القر ، فاذا كنتم من الحر والقر تفرون فانتم من السيف افر (٣) وغير ذلك من شديد اقواله فيهم ، الى ان اجابوه واصفقوا اصفاقا واحدا على طاعته فعقد الرايات وصمم العزم على مناهضة معاوية بعد شهر رمضان فاغتاله ابن ملجم فتفرق الجمع ، وتشتت الكلمة ، ولله امر هو بالغه فما حاله في امره الأول والآخر الا واحدة يجاهد الظلمة عند وجود الناصر ، ويكف عنهم عند عدمه لا فرق بين حاليه ولقد كشف عن هذا المعنى قوله في خطبه الشقشقية : (اما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس اولها) (٤) يقول لو لا قيام الحجة على من الله بوجود الناصر على اقامة الحق واني مكلف بها عند القدرة لتركت قتال الناكثين والقاسطين والمارقين كما تركت جهاد ائمتهم السابقين.

الثالث ان عليا (عليه‌السلام) وان كان على ما هو عليه من الشجاعة

__________________

(١) نفس المصدر الخطبة ٢٧.

(٢) أيضا الخطبة ٩٥.

(٣) أيضا الخطبة ٢٧.

(٤) أيضا الخطبة ٣.

٥٤٩

لكن لم يكن عليه القتال مفروضا بعد موت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الا وهو أمير متبع ورئيس مطاع ، ولم يجز أن يكلف بالقتال منفردا ، والسر في ذلك انه لو قاتل وحده لكان السامع بأمره من الناس يجريه مجرى اللص المحارب أو المفسد المشاغب ولم يكن احد يتوهم انه مصيب في فعله ، ولا يذهب ذاهب الى رشده في علمه ، مع اتفاق الصحابة على التقاعد عن نصرته ، وخلود جملتهم الى خذلانه ، ولم يكن الله ليكلف وصي نبيه بما تتسرع العقول لأجله الى الحكم بخطئه ، وتعجل الأفهام بسببه الى نسبته لارتكاب ما لا يحل له ، بخلاف ما اذا نهض لجهاد القوم ومعه جماعة معروفون بالخير والصلاح من خيارا لصحابة يمنعون حوزته ، ويجالدون بين يديه ، فان العقول تتسرع الى اعتقاد اصابته الحق لقيام اولئك الرهط الأخيار دونه وبذلهم الجهد في طاعته وقتال مخالفه ، وينضاف الى ذلك ما يعلمونه من قربه من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وما طرق اذانهم من اقواله الجميلة فيه ، فينشط الى نصرته من يطلب الحق ، ويدنو من اجابته من يحب الصدق ، واقل الأمور ان يكون الناس بين مصوب له وواقف متردد بين الأمرين ، الا ان الأكثر يكونون على تصويبه كما جرى له في ايام خلافته ليسرع الى نصرته من صوبه ، ويقف عن قتاله من تردد في امره وهو (عليه‌السلام) طلب الناصر والمعين من ذوي السابقة فما اجابه الا أربعة او خمسة مما لا تحصل بهم الكفاية ويقتلون في اوّل المنازلة ، فكان يقول : (لو وجدت اربعين ذوي عزم لناهضت القوم) وهذا هو السر في عدم اصغائه الى قول ابي سفيان بن حرب اذ عرض عليه نصرته لعلمه بان الغرض لا يحصل بمثله ، وهذه الوجوه الثلاثة من جملة الأسرار التي لأجلها اوصاه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بالكف والصبر حتى يجد اربعين رجلا فصاعدا لا اقل من الأربعين ، وتخصيص الأقل بالأربعين من الأسرار الغيبية لم اجد الى معرفتها سبيلا الا بالظن والتخمين ، فعلمه مردود الى اهله ، فليس امير المؤمنين

٥٥٠

(عليه‌السلام) اذ لم يقاتل القوم بنفسه حين لم يجد الناصر مصوبا لهم ولا مرتكبا للمحظور بترك الانكار لما بيناه من لزوم القبح في تكليفه بالقتال منفردا فكان الواجب عليه اذ ذاك ان يصبر ويكف ففعل ما وجب عليه كما هو شأنه.

الرابع انه (عليه‌السلام) خاف من قتالهم بنفسه انمحاء دعوة الاسلام ، وارتداد العرب وذلك ان الناس حديثوا عهد بجاهلية ، ولم يرسخ الاسلام في قلوبهم ، على ان اكثرهم انما اسلموا كرها وانهم اذ جاءهم خبر وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اظهر قوم الفرح ، وارتدوا ، وآخرون انتظروا حال اهل المدينة من الصحابة هل يكون فيهم بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من يقوم بهذه الدعوة ويكون مطاعا متبوعا أم لا؟ فان لم يصر احد بهذه المثابة ارتدوا ظاهرا ، والأقل منهم من هو متمسك بالاسلام بنية صحيحة الا ان دوامها لا يكون الا باستمرار الدين عند اصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، ولا شك ان الجماعة الذين توثبوا على اخذ حق امير المؤمنين (عليه‌السلام) قد صحت عزائمهم في قتاله ان نازعهم في الأمر ولم يسالمهم ، فيلزم حينئذ من قتالهم بنفسه اما قتله (عليه‌السلام) كما وجهناه في اوّل الوجوه ، أو ان يبيدهم من جديد الأرض فتجد العرب الى ارتدادها سبيلا وتتخذ هذا الأمر على بطلان هذا الدين حجة ودليلا ويعود الأمر الى الجاهلية الأولى ، ويفسد ما اصلحه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وينهدم ما بناه في ثلاث وعشرين سنة في ساعة واحدة ، وقد دل على ذلك ما رواه ابن ابي الحديد من ان فاطمة (عليه‌السلام) حرضت امير المؤمنين (عليه‌السلام) يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن اشهد ان محمدا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقال لها : ايسرك زوال هذا النداء من الأرض؟ قالت : لا قال : فانه ما

٥٥١

اقول لك (١) وقد ذكر (عليه‌السلام) ذلك كثيرا واعتذر لا عن تركه مناهضة القوم بخوف ان تقع ثلمة في الاسلام لا تلتئم في جملة من خطبه وكلماته كما هو مذكور في نهج البلاغة وغيره ، ويكفي من ذلك هنا قوله في الخطبة التي رواها ابو الحسن المدائني عن عبد الله بن جنادة وهو : (اما بعد ، فانه لما قبض الله نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قلنا ، نحن اهله وورثته وعترته واولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه احد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، اذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فصارت الأمرة لغيرنا ، وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ، ويتعزز علينا الذليل ، فبكت الاعين منا لذلك ، وخشنت الصدور ، وجزعت النفوس ، وايم الله لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين وان يعود الكفر ، ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم) (٢) الخطبة.

وفي اخرى رواها الكلبي : (ان الله لما قبض نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) استأثرت علينا قريش بالأمر ، ودفعتنا عن حق نحن احق به من الناس كافة ، فرأيت ان الصبر على ذلك افضل من تفريق كلمة المسلمين ، وسفك دمائهم ، والناس حديثوا عهد بالاسلام ، والدين يمخض مخض الوطب يفسده ادنى وهن يعكسه اقل خلق) (٣) الخطبة ... ذكرهما جميعا ابن ابي الحديد في شرحه وهما صريحتان فيما نقول من اغتصاب القوم حقه وميراثه ، وانه ترك قتالهم حذرا من زوال كلمة الاسلام ، وعود الأمر الى انكار الربوبية والرسالة ، ومن المتيقن ان انكار الامام مع الاقرار بالله وبالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وان اوجب الضلال الا انه اقل قبحا واهون

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١١ / ١١٣ و ٢٠ / ٣٢٦.

(٢) رواها ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ / ٣٠٧. عن المدائني.

(٣) رواها ابن ابي الحديد في الشرح ١ / ٣٠٧ عن ابن الكلبي.

٥٥٢

ضررا من انكار الجميع ، فهو قد ترك قتالهم ارتكابا لأقل الضررين في الدين كما هو الواجب فيما اذا تعارض الضرران ان يرتكب اقلهما قبحا فأمير المؤمنين فعل ما هو تكليفه في ذلك الوقت بخلاف حاله في زمان خلافته ، فانه ليس هناك الا انكار الامام والضرر الأعظم مأمون من وقوعه ، فقاتل لرفع ذلك الضرر عن الدين ، وهذا كله بخلاف ما لو وجد في اوّل الأمر اعوانا وانصارا فان كثيرا من الناس اذا رأوا انتصاره ينحازون إليه ، ويكثرون عنده لأن الناس مع الظاهر الغالب ومن في نفسه شك او ريبة تزول فتبقى الدعوة قائمة مستمرة ، ومن ارتد من العرب بعث إليه من يقاتله من جنود المسلمين فيستقيم امر الملة ، ولا يحصل الضرر بزوال كلمة الاسلام ، لكنه لم يجد الأنصار اذ طلبهم فكف وسكت حذرا من لزوم ذلك اللازم الأعظم ضررا على الدين.

الخامس ما روى عن سيدنا ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه‌السلام) من طرقنا حين سأل ألم يكن علي (عليه‌السلام) قويا في بدنه قويا في امر الله؟ فقال : بلى قيل : ما منعه ان يدفع او يمتنع قال سألت فافهم الجواب ، منع عليا (عليه‌السلام) من ذلك آية من كتاب الله فقيل وأية آية فقرأ : (لَوْ تَزَيَّلُوا) (١) الآية انه كان لله تعالى ودائع مؤمنون في اصلاب قوم كافرين ومنافقين ، فلم يكن علي (عليه‌السلام) ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع فلما خرجت ظهر على من ظهر وقتله وكذلك قائمنا اهل البيت لن يظهر ابدا حتى تخرج ودائع الله ، فاذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله (٢) وفي هذا اشارة صريحة الى ان عناية الله تعالى باخراج المؤمن من حيز العدم الى عالم الوجود التكليفي اشد من عنايته بقتل الكافر وازالة كفره ، كما أن عنايته

__________________

(١) الفتح ، ٢٥.

(٢) تفسير نور الثقلين ٥ / ٧٠ عن تفسير علي بن ابراهيم القمي.

٥٥٣

بحفظ المؤمن وحقن دمه اشد من عنايته بقتل الكافر ، ولذا كف الله ايدي المسلمين من اصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عن قتال اهل مكة ، وامره بالصلح لوجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات قد اخفوا ايمانهم فلم يتميزوا من الكفار ، فلو كان ثم قتال لقتلوا وأصاب السبي النساء ، فكان لآية المؤمنين والمؤمنات عن القتل والسبي اثر عند الله تعالى من قتل الكافرين ، وسبى الكفارات فقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) الى قوله : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١) ـ واذا جاز للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ترك قتال الكفار لحفظ دم بعض المؤمنين ، وصيانة بعض المؤمنات عن السبي ، فاولي بان يجوز لعلي (عليه‌السلام) ترك القتال لخروج تلك الذرية المؤمنين من اصلابهم ، وهكذا لم تزل افعاله (عليه‌السلام) تابعة لأفعال رسول الله في كل الأحوال ، وهذا بحمد الله ظاهر بيّن ، فزال بهذه الوجوه الأشكال وسقط السؤال ، وذهب الأعضال ، وتبين صدق مقالنا وحقيه مذهبنا ، وسلامة طريقتنا من التعسف والميل عن الصواب ، والانحراف عن الصراط ، وذلك بنعمة الله وفضله.

فائدة مهمة في بيان بطلان دعوى القوم ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) امر أبا بكر بالصلاة وذلك من ثلاث جهات.

الأولى ما اشرنا إليه في مطاوي هذا الكتاب من انكار امير المؤمنين ذلك ونسبته صدور الأمر بالصلاة الى عائشة من تلقاء نفسها من غير رضا من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وقد روى الخصم (٢) عن جملة من اصحابه ذلك

__________________

(١) الفتح ٢٥.

(٢) يعني بالخصم ابن ابي الحديد والرواية ذكرها في شرح نهج البلاغة ٩ / ١٩٧ و ١٦٨ في

٥٥٤

عن امير المؤمنين وصححوه عنه ورووا عنه أيضا ان قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (انكن كصويحبات يوسف) في عائشة وحفصة حيث امرت كل واحدة منهما بلالا ان يأمر اباها ان يصلي بالناس ، يعني ان صويحبات يوسف كذبن عليه في رميهن له بإرادة الفاحشة وان المرأتين كذبتا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في تأمير ابويهما بالصلاة فاذا صح عندهم النقل بهذا كله عن امير المؤمنين (عليه‌السلام) كما هو عندنا وجب ان تكون دعوى امر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أبا بكر بالصلاة كاذبة لأن عليا (عليه‌السلام) ينكرها وهو لا ينكر حقا ولا يكذب صدقا لأنه مع الحق دائما بنص الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لا ينكر ذلك ولا يرتاب فيه الا من ليس بمؤمن ولا مسلم وحيث ان عليا انكر صدور الأمر من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأبي بكر بالصلاة وجب ان يكون غير صادر ولا واقع وصح ان مدعيه مبطل.

الثانية انهم اتفقوا على ان أبا بكر وعمر وأبا عبيدة كانوا في بعث اسامة الا ما كان من شاذ متعصب من الرواة لا يعبأ به وقد اتفقت رواياتهم على ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد حثهم على المسير ونهاهم عن التأخير كما قدمنا رواية ذلك ، وهذا يدل على عدم جواز الأمر من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأبي بكر بالصلاة وذلك ان امر الحاضرين بالصلاة خلف رجل يقتضي يقينا كونه حاضر البلد متمكنا شرعا وعقلا من حضور المسجد غير ممنوع بشيء من الموانع ، وليس يجوز ولا يعقل ان يأمر الحاضرون بالصلاة خلف رجل غير حاضر البلد ، ولا متمكن من الحضور حالة الأمر في المسجد ، لأنه قد وجب عليه السفر شرعا فهو ممنوع من حضور المسجد ، فلو ترك الرحيل وحضر البلد لكان عاصيا واذا كان النبي (صلى

__________________

كلام نقله عن شيخه ابي يعقوب يوسف بن اسماعيل اللمعاني.

٥٥٥

الله عليه وآله وسلم) قد امر أبا بكر بالنفوذ كغيره في جيش اسامة ونهاهم عن تأخير المسير ، وحثهم على تعجيل الرحيل ، ولعن المتخلف من المأمورين عن الجيش ، وعلم انهم خرجوا من المدينة فكيف يجوز ان يصدر منه الأمر بصلاة حاضري البلد خلف ذلك الرجل المسافر الذي اوجب عليه في تلك الحال مفارقة البلد والبعد عنها وأي عاقل يخفى عليه التناقض الشديد والتمانع البعيد بين الأمرين ، وأي فطن يجوز صدور مثل هذا التناقض من عاقل فكيف يصدر عن سيد المرسلين وافضل المخلوقين حيث يقول لحاضري المدينة صلوا في مسجدي خلف فلان الذي اوجبت عليه المسير حالة الصلاة الى الشام ونهيته عن اللبث في المدينة أو يقول للرجل الذي هذا حاله احضر وقت الصلاة في المسجد وصل بالناس وقد حرمت عليك في ذلك الوقت دخول المدينة مضافا الى ان رواياتهم مصرحة بان أبا بكر وعمر كانا خارج المدينة في الوقت الذي ادعوا ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) امر أبا بكر بالصلاة فيه ففي الرواية الي قدمناها بعد قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (نفذوا بعث اسامة لعن الله من تخلف عنه) ويكرر ذلك ما نصه فخرج اسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى اذا كان بالجرف (١) نزل ومعه ابو بكر وعمر واكثر المهاجرين ومن الأنصار اسيد بن حضير (٢) وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه فجاءه رسول أمّ ايمن يقول له ادخل فان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يموت فقام من فوره فدخل المدينة

__________________

(١) الجرف ـ بضم فسكون ـ : موضع على ثلاثة اميال من المدينة نحو الشام (معجم البلدان).

(٢) اسيد بن حضير الأنصاري الأوسي ، قال ابن الأثير بترجمته في اسد الغابة ١ / ٩٢ : «وكان ابو بكر الصديق (رضي الله عنه) يكرمه ولا يقدم عليه احدا» قال : «وله في بيعة ابي بكر اثر عظيم» قال : «توفي في شعبان سنة عشرين وحمل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) السرير حتى وضعه في البقيع وصلى عليه».

٥٥٦

واللواء معه ، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ورسول الله قد مات في تلك الساعة ، فما كان ابو بكر وعمر يخاطبان اسامة الى ان ماتا بالأمير (١) وفي رواية اخرى رواها ابن ابي الحديد أيضا وفيها بعد ذكر طعن القوم على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في تأمير اسامة على جلة الصحابة وخروج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بعد ان بلغه ذلك عنهم وخطبته فيهم وما قال فيها : (لأن طعنتم في تأميري اسامة فقط طعنتم في تأميري اباه من قبل) (٢) في كلام مر في ابحاث هذا الكتاب ما هذا لفظه : وجاء المسلمون يودعون رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ويمضون الى عسكر اسامة بالجرف ، وثقل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واشتد ما يجده فارسل بعض نسائه الى اسامة وبعض من كان معه يعلمونهم ذلك ، فدخل اسامة من معسكره والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه فتطأطأ اسامة عليه فقبله ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد اسكت فهو لا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ويضعهما على اسامة كالداعي له ، ثم اشار إليه بالرجوع الى عسكره والتوجه لما بعثه فيه فرجع اسامة الى عسكره ، ثم ارسل نساء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الى اسامة يأمرنه بالدخول ويقلن ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد اصبح بارئا ، فدخل اسامة من معسكره يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول فوجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) مفيقا فامره بالخروج ، وتعجيل النفوذ ، وقال : (اغد علي بركة الله) وجعل يقول : (انفذوا بعث اسامة) ويكرر ذلك فودع رسول الله وخرج ومعه ابو بكر وعمر ، فلما ركب جاء رسول أمّ ايمن فقال ان رسول الله

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ / ٥٢.

(٢) نفس المصدر ١ / ١٥٩ وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢ / ٣٥٥.

٥٥٧

(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يموت فاقبل ومعه ابو بكر وعمر وابو عبيدة فانتهوا الى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حين زالت الشمس من هذا اليوم وهو الاثنين وقد مات واللواء مع بريدة بن الحصيب (١) فدخل باللواء فركزه عنده باب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو مغلق ، وعلي (عليه‌السلام) وبعض بني هاشم مشتغلون باعداد جهازه (٢) ، وذكر في آخر الخبر اقعاد الأنصار سعدا في السقيفة للبيعة ، وسبق ابي بكر اياهم (٣) بها ، وهذان الخبران مشهوران معلومان خصوصا عند الخصوم ، وهما كما ترى مصرحان بان أبا بكر أقبل قبل ان يثقل مرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وفي حال ثقله وحال موته كان خارج المدينة ، وانه لا يدخل الا احيانا مع اسامة بن زيد ويخرج معه فكيف يأمره النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ان يصلي بالناس في المسجد وهو قد امره ان يأتم باسامة خارج المدينة ، وفي الطريق التي امرهم بسلوكها ذهابا وايابا أفيأمره بذا في حالة امره بان يؤم الناس في المسجد ، وهل يسع ان يقع مثل هذا التضاد والتعاند في أوامر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الحكيم مع استلزامه تكليف ما لا يطاق ، وكل ذلك لا يجري على مذهب المعتزلة ولا يتمشى على قواعدهم وهذا يدل صريحا على بطلان ما ادعاه ابن ابي الحديد من ان أبا بكر كان يصلي بالناس

__________________

(١) بريدة ـ بضم الباء وفتح الراء والدال ـ ابن الحصيب ـ بضم الحاء المهملة والصاد المهملة أيضا ـ الأسلمي اسلم حين مر به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وسلم مهاجرا هو ومن معه وكانوا ثمانين بيتا فصلى بهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) صلاة العشاء ، ثم قدم على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بعد احد وشهد معه مشاهده ، وكان من ساكني المدينة ثم تحول الى البصرة وابتنى بها دارا ، ثم خرج منها غازيا الى خراسان واقام بمرو حتى مات ودفن بها ، وبقي بها ولده.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ١٦٠.

(٣) المصدر السابق ٢ / ٥٢.

٥٥٨

في مسجد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) مريض يومين حتى قبض (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (١) ، ولم يكن صلى إلا صلاة واحدة فقط ولا ادري متى صدر الأمر من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على انه وقت الأمر المدعى غير حاضر المسجد ولا هو داخل المدينة! وانما هو خارج منها ونازل بالجرف ملزوم بالصلاة خلف اسامة ، ولا ادري من اخذوه ويعلم من هذا بطلان ما ذكره بعض محدثيهم من ان أبا بكر ليس في جيش اسامة لأن تلك الرواية مع معارضتها ما صح عند اكثرهم كما سمعته قد تضمنت ان أبا بكر كان معروفا بانه خليفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قبل موته وانه بويع والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حي وهذا مخالف لما صح عليه الاتفاق من الأمة ان بيعة ابي بكر انما وقعت في السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فكيف تصح الرواية المخالفة لاتفاق الأمة ، ويبطل أيضا ما ذكره قاضي القضاة من استدلاله على ان أبا بكر ليس في جيش اسامة بان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) امره بالصلاة وهو رد للروايات الصحيحة بالمشكوك فيه واستدلال بالموهوم على بطلان المعلوم ، وليس الاستدلال على ان أبا بكر ليس في بعث اسامة بان رسول الله امره بالصلاة باولى من الاستدلال على ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لم يأمره بها بانه في ذلك البعث ان لم يكن هذا اولى ، ثم وا عجباه من عبد الحميد المعتزلي في عدم اكتفائه لأبي بكر بصلاة واحدة كغيره من الأقوام حتى ادعا له ما سمعت بعد روايته لذينك الخبرين فما اكذب دعواه وما اشد تلبيسه ، واعظم تدليسه وما اكثر تلاعبه بدينه وحمايته على باطله ، وما امضى عزيمته في تصحيح الأباطيل والأضاليل ، وليس هذا باغرب من دعواه ان روح الله عيسى بن مريم (عليه‌السلام) كان يشرب الخمر ، وكم له مثل هذه الدعاوى.

__________________

(١) أيضا ١٠ / ١٨٤.

٥٥٩

ومما يعجبني من كلامه في هذا المقام ما اورده في موضع من كتابه بعد نقل رواية رواها هناك ، وانا اذكرها واذكر كلامه بعدها في مطلبنا هذا ليتضح للناظر صحّة ما قلناه من ان هذا الرجل يعدل عن الحق على عمد وينصرف عن الصواب على معرفة ويدخل في الباطل بغير شبهة.

قال روى الأرقم بن شرحبيل قال سألت ابن عباس : هل أوصى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم)؟ قال : ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال في مرضه : (ابعثوا الى علي فادعوه) فقالت عائشة : لو بعثت الى ابي بكر ، وقالت حفصة : لو بعثت الى عمر فاجتمعوا عنده جميعا هكذا لفظ الخبر على ما اورده الطبري في التاريخ (١) ولم يقل فبعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) إليهما قال ابن عباس : فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (انصرفوا فان تكن لي حاجة ابعث إليكم) فانصرفوا ، وقيل لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الصلاة فقال : (مروا أبا بكر ان يصلي بالناس) فقالت عائشة ان أبا بكر رجل رقيق فمر عمر ، فقال مروا عمر فقال عمر ما كنت لأتقدم وابو بكر شاهد ، فتقدم ابو بكر فوجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) خفا فخرج فلما سمع ابو بكر حركته تأخر فجذب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ثوبه فاقامه مكانه وقعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقرأ حيث انتهى ابو بكر قلت (٢) عندي في هذه الواقعة كلام ويعترضني فيها شكوك واشتباه اذا كان قد اراد ان يبعث الى علي (عليه‌السلام) ليوصي إليه فنفست عائشة فسألت ان يحضر ابوها ، ونفست حفصة فسألت ان يحضر ابوها ثم حضرا ولم يطلبا فلا شبهة ان

__________________

(١) انظر تاريخ الطبري ٤ / ١٨١١ ليدن.

(٢) القائل هو ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣ / ٣٤.

٥٦٠