🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

تؤدي الى اختلال النظام ، ولو كانت الرئاسة مقصودة على الدنيا لفات انتظام امر الدين الذي هو المقصد الاهم من الإمامة انتهى.

فان قيل : نفرض اتفاق الأئمة في الأمر والنهي فيزول المحذور ، قلنا : انتم تجعلون الإمام كواحد من المجتهدين فهذا الفرض غير ممكن الحصول على قولكم لأن اتفاق المجتهدين في جميع احكام الدين وامور الدنيا مما لم يقع ولا يقع ابدا على ان التزام هذا الفرض يقتضي الحكم بوحدة الإمام ، لأن الآمر والناهي على قولكم واحد والباقين موافقون له في الحالين تابعون لأمره ونهيه فيكون هو الإمام واولئك اتباعا له فهم من جملة الرعية المطيعين فلا تعدد على هذا في الإمام اذ لا رئاسة لمن لا يأمر ولا ينهي الا تبعا لغيره ،.

وبالجملة فالمعتمد هو وجوب وحدة الإمام في العصر واستقلاله بالنهي والامر وعموم رئاسته على جميع المكلفين.

وبقيد الإنسان يخرج الملك وغيره فلا يكون الملك إماما قال الله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) (١) وورد عن ابي جعفر الباقر (عليه‌السلام) : (ان لله لم ينزل ملائكة يجعلهم في الأرض حكاما وانما جعل ذلك من البشر ، قال تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) (٢)) واذ امتنع ان يكون الرسول ملكا امتنع ان يكون الإمام كذلك للاولوية او للاشتراك في العلة وهي عدم قيام الحجة على المكلّفين باتيان الملك بما هو خارق للعادة لعدم ثبوت كونه معجزا لاحتمال انه من قدرة الملك لا من فعل الله لتصديقه في دعواه الرسالة لأن قدرة البشر تعجز عن قليل من قدرة الملك فلم يكن في اتيانه بما يعجز عنه البشر معجزة تقوم بها الحجة على صحة رسالته وغير ذلك من العلل ليس هنا

__________________

(١) الأنعام : ٩.

(٢) يوسف : ١٠٩.

٢١

مقام بيانها ومحله مبحث النبوة ، وهذا يتمشى على قواعدنا من اشتراط المعجزة في الإمام كالنبي ، وعلى قواعد غيرنا للسمع والأولوية ، او لأنه نائب عن النبي فيجب ان يكون من نوعه او علة اخرى.

وبقيد الخلافة خرجت النبوة ، وفي بعض الحدود نيابة عن النبي والمعنى واحد ، ونقل عن بعض الفضلاء انه عرف الامامة بانها رئاسة عامة في امور الدين والدنيا لشخص انساني بحق الاصالة ، قيل : واحترز به عن نائب يفوّض إليه الإمام عموم الولاية فان رئاسته عامة لكن ليست بالاصالة ، واجيب بان النائب المذكور لا رئاسة له على امامه فليست رئاسته بعامة فتخرج بقيد العموم ولا يحتاج في اخراجها من الامامة الى ذكر الاصالة ، وجعل بعض الافاضل موضع خلافة عن النبي في الحد لفظ بحق النيابة عن النبي أو بواسطة بشر وكلاهما يؤدي مؤدّى لفظ الخلافة عن النبي الا ان الأول يزيد عليه بالتصريح باخراج الامامة بالاختيار من الحد حيث اخذ حق النيابة قيدا للرئاسة ولا يعلم ان النائب تحق له النيابة عن النبي الا بنصه عليه ، وظني ان هذا التقييد زائد عن مفهوم الإمامة من حيث هي هي ، فان كون الإمامة مشروطة صحتها بالنص أم تصح بالاختيار امر اخر وراء مفهوما وحقيقتها.

واما الثاني : وهو قوله بواسطة احد من البشر فلا يقتضي اكثر من كون الإمام منصوبا من قبل احد من البشر وهذا لا ينفي الاختيار في الإمامة فيرجع في نفسه فيها الى أمر اخر وهو ما سنذكره من الادلة على بطلان الاختيار ، على ان كلّا من لفظ الخلافة والنيابة يقتضي النص عندنا لزوما لأن مرادنا من الإمامة الصحيحة ولا تكون كذلك الا باستخلاف النبي واستنابته ولا يكون ذلك الا بنصه فيكون بحق في قوله بحق النيابة مستغني عنه لانه مؤكد لا مؤسس.

٢٢

ثم ان الامامة تجامع النبوة فان كل نبي امام ، وقد تكون مجرّدة عن النبوة كامامة الأئمة في هذه الأمة لختم النبوة بنبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فلا نبي بعده ، والإمامة في النبي من حيث النبوة غير الإمامة من حيث النيابة عن النبي لثبوت الأولى بثبوت النبوة وعدم احتياجها الى امر اخر واحتياج الثانية الى نصب النبي اذ ليس كل نبي نائبا عن الذي قبله والا لتعددت النواب لكثرة الأنبياء في الأمم السالفة والمعلوم خلافه ، فان موسى ما كان وصيه الا يوشع بن نون وداود لم يكن وصيه الا ابنه سليمان وكذا غيرهما من الأنبياء كل نبي يوصي الى واحد بعينه فيكون خليفته مع تعدد الأنبياء في تلك الأزمان وان جميعهم ائمة من حيث النبوة لأن كل نبي امام وليس كل امام من حيث النيابة نبيا والا لامتنعت الامامة في نواب نبيّنا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لامتناع النبوة فيهم ولذا احتاج موسى في استخلافه اخاه هارون إلى نصه عليه بقوله : (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) (١) ولم يكف في نيابته عنه كونه نبيا مرسلا معه ، فظهر ان الإمامة من حيث النيابة عن الأنبياء منفكة عن الامامة من حيث النبوة وبالعكس ، وان حيثيّة احدهما غير حيثية الاخرى واختلاف الحيثيات كاف في اختلاف الحقائق وتغاير المفهومات وان اجتمعتا في الوجود في شخص واحد كاجتماعهما في هارون واشباهه من الأنبياء الذين كانوا نوابا عمن كان قبلهم من الأنبياء بنصبهم لهم واستخلافهم اياهم على اممهم في انفاذ الاحكام واقامة امر الدين كشيث وسام واسماعيل واسحاق وغيرهم ، وبين الامامتين عموم وخصوص من وجه.

وأيضا للإمامة مفهومان آخران قال الشيخ ابو علي في مجمع البيان : «المستفاد من لفظ الإمام امران احدهما انه المقتدى به في افعاله واقواله ، والثاني : انه الذي يقوم بتدبير الامة وسياستها والقيام بامورها

__________________

(١) الأعراف : ١٤٢.

٢٣

وتأديب جناتها وتولية ولاتها واقامة الحدود على مستحقيها ومحاربة من يكيدها ويعاديها ، فعلى الوجه الأول لا يكون نبي من الأنبياء الا وهو امام ، وعلى الوجه الثاني لا يجب في كل نبي ان يكون إماما اذ يجوز ألا يكون مأمورا بتأديب الجناة ومحاربة العداة والدفاع عن حوزة الدين ومجاهدة الكافرين» انتهى (١) ، وانت خبير بأن الإمامة المذكورة في الحد شاملة للوجهين المذكورين لانها رئاسة في الدين والدنيا فتخرج النبوة بقيد الخلافة او النيابة ، ثم ان الإمامة على ما هي مذكورة في الحد هي الملك العظيم المذكور في قوله تعالى : (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (٢) فالكتاب النبوة ، والحكمة العلم والملك العظيم الامامة وهي عبارة عن فرض الطاعة على المكلّفين وهو معنى الرئاسة العامة وفي قوله تعالى في شأن داود : (وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) (٣) جمع الله له النبوة والرئاسة العامة كما جمعهما من قبله لموسى (عليه‌السلام) ومن بعده لابنه سليمان كما جمعا لنبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واختص نوابه بالثاني لأن النبوة قد ختمت به والرسالة قد كملت برسالته فلا نبي بعده ولا شريعة بعد شريعته ، وقد انكر تقسيم الشيخ ابي علي (رحمه‌الله) في زماننا هذا من لم يعرف معنى الإمامة وزعم ان النبي لا يلزم ان يكون إماما مطلقا وهو مع ذلك يدعى انه من العارفين لكنه جاهل جهله ولا عبرة بمثله.

ثم اعلم أيضا ان للإمام تقسيما اخر وهو اما ان يكون الإمام إماما ليس عليه امام او يكون إماما وعليه امام.

والأول : يختص باهل الشرائع الست وهم آدم ونوح وابراهيم وموسى

__________________

(١) مجمع البيان ١ / ٢٠١.

(٢) النساء : ٥٤.

(٣) البقرة : ٢٥١.

٢٤

وعيسى ومحمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأنهم أئمة الامم وليس على واحد منهم امام يأتم به.

والثاني : يشتمل على ما سواهم من الأنبياء والأئمة لرجوع الجميع منهم الى شرائع الستة المذكورين فقد حصل الاتفاق على انحصار الشرائع المبتدأة والناسخة في تلك الست وان لا شريعة غيرها ، روى الشيخ الجليل ثقة الإسلام ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني بالسند عن ابن ابي يعفور (١) قال سمعت أبا عبد الله (عليه‌السلام) يقول : (سادة النبيين والمرسلين خمسة وهم أولو العزم من الرسل وعليهم دارت الوحى نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وعلى جميع الأنبياء) (٢). وروي بسنده عن درست بن ابي منصور (٣) قال : قال ابو عبد الله (عليه‌السلام) : (الأنبياء والمرسلون على اربع طبقات فنبي منبأ في نفسه لا يعدو غيرها ، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ولم يبعث الى احد وعليه امام مثلما كان ابراهيم على لوط ، ونبي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد ارسل الى طائفة قلوا او كثروا كيونس قال الله تعالى ليونس (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ

__________________

(١) ابن ابي يعفور هو ابو محمد عبد الله الكوفي من اصحاب الامام الصادق (عليه‌السلام) وكان كريما عليه ومات في أيامه ، وقد أثنى عليه الصادق (عليه‌السلام) في حياته وبعد مماته وهو القائل للصادق (عليه‌السلام) : والله لو فلقت رمانة بنصفين وقلت : هذا حرام وهذا حلال لشهدت أن الذي قلت حلال حلال وأن الذي قلت حرام حرام ، قال رحمك الله رحمك ، ونبزه أبو يوسف القاضي بالميل الى الرفض فبكى عبد الله حتى سالت دموعه وقال : نسبتني الى قوم أخاف ان لا اكون مهم ، وكان عبد الله قارئا يقرئ في مسجد الكوفة ، وبعد من كبار فقهاء الشيعة ، وثقاة رواتهم ، ومن الأوائل من مؤلفيهم.

(٢) الكافي (الأصول : كتاب الحجة) ١ / ١٣٤.

(٣) درست بن ابي منصور الواسطي قال الشيخ الطوسي في الفهرست : ص ٦٩ : «له كتاب».

٢٥

أَوْ يَزِيدُونَ) (١) قال يزيدون ثلاثين الفا وعليه امام ، والذي يرى في نومه ويعاين في اليقظة وهو امام مثل اولى العزم ... الخبر) (٢) والاخبار عن ساداتنا في هذا المعنى كثيرة مودعة في محالها ولا حاجة الى التطويل بنقلها لوضوح المقام عند اولى الافهام وغير خفي عليك ان الإمام المبحوث عنه هنا من القسم الثاني لكون إمامته خلافة عن النبي.

__________________

(١) الصافات : ١٤٧.

(٢) الكافي (الأصول : كتاب الحجة) ١ / ١٣٣.

٢٦

المبحث الثاني :

في نصب الامام هل هو واجب أم لا؟ وعلى تقدير وجوبه فهل هو واجب على الله أو على المكلفين؟ وهل هو من جهة العقل أو السمع ، وقد اختلف الناس في ذلك فذهب الأشاعرة والمعتزلة والزيدية الى وجوبه على الخلق ثم اختلفوا فقال : الأوّلون سمعا ، وقالت المعتزلة والزيدية : عقلا ، وقال الحرورية : انه غير واجب مطلقا (١) وقال ابو بكر الأصم (٢) من المعتزلة انه يجب مع الخوف وظهور الفتن ولا يجب مع الآمن لعدم الحاجة إليه وقال الفوطي (٣) واتباعه : يجب مع الآمن لاظهار شعائر الشرع ولا يجب عند ظهور الفتن لأن الظلمة ربما لم

__________________

(١) الملل والنحل : ١ / ١١٦.

(٢) ابو بكر الأصم من شيوخ المعتزلة ومن اصحاب الفوطي ورأيه في الامامة كرأي الفوطي ويقول ـ كما نقل عنه الشهرستاني في الملل والنحل ١ / ٧٢ ـ : «الامامة لا تنعقد إلا باجماع الأمة عن بكرة أبيهم» قال الشهرستاني : «وانما اراد الطعن في إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ كانت بيعته أيام الفتنة» ولا أدري أي خليفة قبل علي بن أبي طالب انعقدت بيعته بالاجماع!!

(٣) هشام بن عمرو الفوطي كما ضبطه ابن حجر في لسان الميزان ٦ / ١٦٤ «بضم الفاء واسكان الواو» نسبة الى بيع الفوط ـ كصرد ـ ثياب تجلب من السند أو مآزر مخططة واحدتها فوطة او هي لغة سندية. وغلط من كتبه بالغين المعجمة ظنا منه ان النسبة الى غوطة دمشق وهو من المعتزلة وامام فرقة منهم تسمى الهشامية وكان يجوز قتل واغتيال المخالف لمذهبه واخذ اموالهم لاعتقاده كفرهم توفي سنة ٢٢٦.

٢٧

يطيعوه وصار سببا لزيادة الفتن (١) وذهب اصحابنا الامامية الى انه واجب على الله عقلا وهو المعتمد وعليه المعول ، ولنا في ذلك وجوه :

الأول : ان كل ما دل على وجوب النبوة من الفوائد التي من جملتها معاضدة النقل فيما يدل عليه العقل ، واستفادة الحسن والقبح في الافعال التي لا يهتدي العقل الى مواقعها وحفظ النوع الانساني وتكميل اشخاصه وتعليم الأخلاق الفاضلة والسياسات الكاملة ورفع الاختلاف عنهم في امر دينهم ودنياهم ، وغيرها مما ذكر هناك فهو دال على وجوب الامامة لأنها خلافة عنها والامام خليفة النبي في جميع منازله الا في تلقي الوحي بلا واسطة احد من البشر فان ذلك مخصوص بالنبي ، ولو لم تجب الامامة بعد النبوة لزالت فائدة البعثة لأن النبي اذا ارتحل من الدنيا الى جوار الملك الأعلى ولم يجعل الله له خلفا يقوم بتلك المصالح ويقرر تلك الفوائد ويجمع الأمة عن شتات الكلمة رجع الناس بعد النبي الى الاختلاف واستعمال الآراء المؤدي الى الخلط في الدين ، وذهاب الألفة وتشتيت الكلمة لاستغناء كل برأيه واتباع كل مريد شيء هواه ، فيرجع الأمر من الصلاح الى الفساد ، وتضعف قواعد شريعة النبي لكثرة الاختلاف فيها وتذل تلك الملة لافتراق اهلها وعدم تناصرهم كما نشاهده في هذا الزمان الذي منع الناس فيه انفسهم اللطف باخافة الامام من استيلاء الكفرة اللئام على اهل الاسلام وابطالهم احكام شريعة سيد الانام وقعود المسلمين عن جهادهم لعدم اجتماعهم وتعاونهم وما ذاك الا لعدم رجوعهم الى رئيس مطاع مأمون على الدين ، ومعلوم على هذا ان فوائد البعثة مع عدم نصب امام لا تبقى بل تزول وتفنى فوجب على الله في حكمته نصب الامام لابقاء فوائد النبوة كما وجب في الحكمة احداث النبوة لحصول تلك الفوائد والعقلاء يجزمون بأن ما وجب إحداثه لادراك مصلحة يجب ابقاؤه

__________________

(١) ذكر ذلك بمعناه الشهرستاني في الملل والنحل : ١ / ٧٢.

٢٨

أو احداث ما يقوم مقامه لاستبقاء تلك المصلحة.

الثاني : ان الامام لطف من الله في حق عبادة لأنه يقرب الى الطاعة ويبعد عن المعصية ، وبيانه ان الناس اذا كان لهم رئيس مطاع يمنعهم من المحظورات ويحثهم على الطاعات كانوا معه الى الطاعة اقرب ومن المعصية أبعد منهم بدونه وذلك هو الامام فيكون لطفا واللطف واجب على الله تعالى ، والمعتزلة يوافقونا في وجوب اللطف على الله والأشاعرة ينفونه بناء على اصلهم من نفي الحسن والقبح العقليين وقد ابطل اصحابنا هذا الأصل وهدموه بما لا مزيد عليه من القول في مبحث العدل ، وليس هذا الموضع محل ذكره فليطلب من موضعه ، على انه يكفي في بطلان قولهم قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) (١) فانه واضح في وجوب اللطف على الله تعالى ، واعترض مخالفونا على هذا الدليل بأن الامام إنما يكون لطفا اذا خلا عن المفاسد كلها وهو ممنوع ، لأن اداء الواجبات وترك الحرام مع عدم الامام اكثر ثوابا لكونهما اقرب الى الاخلاص لانتفاء كونهما من خوف الامام والجواب من وجوه.

الأول : القدح في العلة فان اداء الواجب على وجهه وترك الحرام من جميع جهاته لا يحصل بدون الامام.

الثاني : منع اكثرية الثواب في اداء الواجب وترك الحرام بدون الامام لقربه الى الاخلاص لاحتمال إرادة الرياء او خوف المسلمين ان يسقطوا منزلته لا سيما اذا كان الشخص من اولي المناصب فليس عدم الامام بكاف في قرب العمل الى الاخلاص.

__________________

(١) طه : ١٣٤.

٢٩

الثالث : انه لو كان احتمال الخوف من الامام في اداء الواجب وترك الحرام مفسدة توجب خروجه عن كونه لطفا لكان احتمال الخوف من النبي في اظهار كلمة الاسلام وفعل الواجب وترك الحرام مفسدة توجب خروجه عن كون بعثته لطفا لاشتراك العلة فيهما فيجب الا يبعث نبي واللازم باطل بالاتفاق فالملزوم مثله ، على ان اللطف كما علمت هو ما يحصل به الحث على الطاعة والردع عن المعصية ولا يبلغ الى حد الالجاء فالخوف منه في اداء الواجب وترك الحرام هو نفس كونه لطفا فكيف يكون مخرجا له عن اللطف؟ فحاصل هذا الاعتراض أن اللطف ليس بلطف ولا خفاء في تناقضه فالاعتراض به باطل من أصله غير محتاج الى الجواب عنه ، والعجب من القوشجي (١) كيف اعترض به على الدليل ثم عقبه بقوله : ولو سلم فانما يجب لو لم يقم لطف اخر مقامه كالعصمة مثلا لم لا يجوز أن يكون زمان يكون الناس فيه معصومين مستغنين عن الامام ، والجواب ان هذا الفرض معلوم الاستحالة كما نعلم استحالة ان يكون زمان يكون الناس جميعهم فيه مؤيدين بالوحي السماوي والالهام الإلهي والعصمة فيكونون مستغنين عن النبي لوجهين :

الأول : ان النفوس البشرية ليست بجملتها ذوات ذكاء وفطنة بحيث تكون قابلة للهداية بدون واسطة ولا ذوات قوة ونباهة بحيث يشرق عليها نور العرفان فتستغني به في ترك القبيح عن مؤدب كما هو المشاهد في الأمصار والأعصار ، بل كثير من النفوس كالحشرات لا تقبل التعليم ولا التأديب كما قال تعالى : (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (٢) فاين الجميع من

__________________

(١) القوشجي : علاء الدين علي بن محمد من علماء الدولة العثمانية له تصانيف منها «شرح التجريد» المشهور بالشرح الجديد ، وكل ما نقله المؤلف في هذا الكتاب عن القوشجي منقول من الشرح المذكور توفي سنة ٨٧٩ بمدينة القسطنطينية (استانبول).

(٢) الفرقان : ٤٤.

٣٠

العصمة بل من العدالة!.

الثاني : ما ورد في الكتاب العزيز من الأخبار عن اكثر الناس بعدم الايمان تارة وعدم العلم اخرى وعدم الفقه ثالثة وتخصيص الشاكرين بالأقل مطلق غير مقيد بوقت مثل قوله : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وَقَلِيلٌ ما هُمْ) (١) الى غير ذلك من الآيات الموجبة للقطع بامتناع هذا الفرض بل بامتناع حصول العدالة لجميع الناس فيكون ما فرضه غير واقع دائما ، ثم لو سلمنا امكان وقوع الفرض عقلا لرددناه بمقتضى العادة المستمرة المفيدة لليقين ، وبيان ذلك انا انما نتكلم على ما جرت به العادة الموجبة للقطع بان ذلك الفرض وهو عصمة جميع الناس لم يحصل فيما مضى من الأزمنة ولا يحصل فيما يأتي لتساوي الأزمان واشخاص النوع الانساني وحذو هذه الأمة حذو من سبقها من الأمم كما افصح عنه قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيما صح من الأخبار (٢) ، فكان العلم بامتناع عصمة جميع الناس من جهة العادة جاريا مجرى العلم بامتناع عصمة جميع الناس من جهة العادة جاريا مجرى العلم بامتناع انقلاب أواني الجمادات وصيرورتها رجالا كاملين علماء ومشايخ مهذبين فضلاء من جهتها ، وان كان غير ممتنع ذلك في قدرة الله تعالى فعلم أنه لا لطف يقوم مقام الامام ، بل تعيّن انحصار اللطف فيه ، فوجب في حكمة الله نصبه لأن الاخلال بما وجب في الحكمة قبيح لا يصدر من الحكيم ، فان حصل زمان تنخرق فيه العادة ويعصم الناس فيه عن آخرهم حكمنا باستغنائهم عن الامام من هذا الوجه لا من جميع الوجوه لكن

__________________

(١) ما بين القوسين أبعاض آيات من : هود : ١٧ ، والأنعام : ٣٧ ، وآل عمران : ١١٠ وسبأ ١٣ وص ٢٤.

(٢) يشير الى الحديث الذي رواه الامام احمد في المسند ٤ / ١٢٥ : (ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم اهل الكتاب حذو القذة بالقذة).

٣١

ذلك لا يحصل ابدا فالحاجة الى الامام حاصلة دائما ، هذا كله مع ان العلم بالتجاء العقلاء في جميع الأعصار والامصار الى نصب الرؤساء في حفظ نظامهم وضبط احوالهم دال على انتفاء طريق سوى الامامة وعدم قيام غير الامام مقامه ، والا لكانوا يلتجئون إليه ويتمسكون به ، ومن هذا يعلم انحصار اللطف عند العقلاء في الامام فيتعين وجوبه ، وعلم من جميع ما ذكرنا امتناع الفرض المذكور عقلا وسمعا وعادة ، ومنه يتضح صحة ما قاله رئيس المحققين نصير الدين (١) في التجريد من معلومية انتفاء المفاسد وانحصار اللطف في الامام للعقلاء (٢) ، وقول القوشجي انهما مجرد دعوى فاسد ناش عن غير تأمل وقال أيضا في الاعتراض على دليلنا : «وأيضا انما يكون لطفا اذا كان الامام ظاهرا قاهرا زاجرا عن القبائح قادرا على تنفيذ الأحكام واعلاء لواء الاسلام ، وهذا ليس بلازم عندكم فالامام الذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب» والجواب المعارضة بالأنبياء فان النبي لطف ولم يشترط في كونه لطفا قدرته على الزجر عن القبائح وقهره على الطاعة ولم تبطل نبوته وإمامته بعصيان العصاة ، فانا نعلم باخبار الكتاب العزيز ان نوحا. وهودا ولوطا (عليهم‌السلام) عصاهم قومهم ولم يقدروا على الزجر عن القبائح وانفاذ الأحكام ، وان ابراهيم خليل الرحمن القاه قومه في النار ليحرقوه ، وان هارون عصاه بنو اسرائيل وعكفوا على عباده العجل

__________________

(١) نصير الدين الطوسي محمد بن الحسن الفيلسوف المتكلم المجمع على فضله ولد بطوس سنة ٥٩٧ وتوفي ببغداد سنة ٦٧٢ ودفن في رواق المشهد الكاظمي في تربة كان الخليفة الناصر لدين الدين العباسي قد أعدها لنفسه ولكنه لم يدفن بها وقبر الطوسي مزور مشهور له كتب منها «تجريد الاعتقاد» شرحه جماعة من العلماء كالعلامة الحلي بكتاب «كشف المراد» كما شرحه القوشجي بكتابه المعروف بالشرح الجديد وكثيرا ما ينقل المؤلف عن هذين الكتابين.

(٢) لاحظ «شرح تجريد الاعتقاد» للعلامة الحلي ص ٢٨٥.

٣٢

ولم يستطع كفهم عن ذلك ، وموسى طلبه فرعون ليقتله ومن معه ولم يقدر على مدافعة فرعون واضطر الى عبور البحر ، وان عيسى بن مريم اراد اليهود قتله فرفعه الله ، وغيرهم من الأنبياء الذين اوذوا وقتلوا وكلهم لم يكونوا متمكنين مما ذكره من القهر والزجر والقدرة على تنفيذ الأحكام واعلاء لواء الاسلام (١) اما دائما أوفى اكثر الأحوال ومع هذا لم تبطل نبوتهم وإمامتهم في حال من الأحوال ولا كان عدم تمكنهم واقتدارهم على ما ذكره وسطره مخرجا لهم عن كونهم الطافا ولا مقتضيا للقدح في إمامتهم ، واذا لم يكن عدم القدرة على انفاذ الأحكام واعلاء لواء الدين موجبا لخروج النبي عن كونه لطفا من الله في خلقه لم يكن ذلك مبطلا للطفيّة خليفته لتساويهما في كونهما معا منصوبين من قبل الله تعالى فلا يخرجان عن الامامة بعصيان الخلق ، وقد علمت ان نبينا محمدا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد كذبه قومه كأبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان واضرابهم من رؤساء قريش وارادوا قتله واخافوا سبيله وجهدوا انفسهم في ذلك حتى الجئوه تارة الى الحصار واخرى الى الغار والهجرة عن الوطن إلى الدار (٢) ورمته العرب عن قوس واحدة وبذلوا جهدهم في قتله وقتل من معه افترى انه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حين كان غير متمكن من الزجر عن القبائح ولا من اعلاء لواء الاسلام وغير قاهر اولى العصيان ليس بنبيّ ولا امام وليس بلطف من الله في الأنام فيكون قد بطلت بذلك نبوته وزالت إمامته ولطفيته؟ ما اراك تقول ذلك ولا ترضى به ، بل تقول نبوته (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لم يبطلها تكذيب المكذبين وإمامته (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لم يفسدها عصيان العاصين ، وكونه

__________________

(١) لا يريد بالاسلام هنا شريعة خاتم الأنبياء (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وانما اشارة الى (الاسلام دين الفطرة) ، (ملّة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين).

(٢) يريد بالدار المدينة المنورة قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ). الحشر / ٩.

٣٣

لطفا لم يزله عناد المعاندين ، واذا لم تقل بان عدم التمكن والقهر في النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قادح في صحة نبوته ولا مبطل لفرض إمامته ولا مخرج له عن اللطف لزمك القول بان عدم التمكن مما ذكرته أيضا غير قادح في إمامة وصيه ولا مزيل للطفية خليفته لاتحاد العلة ، ثم انا نعلم ان التكليف لطف لأنه زاجر عن القبيح وحاث على الطاعة ، وهو عبارة عن امر ونهي وانه لا يخرجه عن اللطفية عدم عمل المكلفين بمقتضاه ، وخروجهم من حدوده ، ومن ذا يتبين أن عمل الناس بمقتضى اللطف واجابتهم اياه ليس بشرط في كون اللطف لطفا؟ فعدم حصوله لا يبطل لطفيّة اللطف فالامام لا يبطل لطفيته عدم تمكنه من الأمور التي ذكرها المعترض لعصيان الرعية ، فما ادعينا وجوبه لطف فيكون واجبا ، وهذا الجواب هو الحاصل من كلام جماعة من قدماء اصحابنا كالصدوق (١) وابن قبة (٢) في ابطال تلك الشبهة واجاب اصحابنا المتأخرون كنصير الدين الطوسي وجمال الدين الحلي (رضي الله عنه) (٣) عنها بان وجود الامام لطف تصرف او لم يتصرف لقيام حجة الله

__________________

(١) الصدوق : الشيخ ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رئيس المحدثين له نحو من ثلاثمائة مصنف توفي بالري سنة (٣٨١) وقبره هناك مشهور مزور.

(٢) ابن قبة ـ بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها ـ ابو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي من فقهاء الامامية ومتكلميهم صاحب كتاب «الأنصاف» في الامامة ينقل عنه العلماء في كتبهم كالمفيد في «المحاسن» والمرتضى في «الشافي» كان في ابتداء امره من المعتزلة ثم تحول الى الامامية ، وقد حمل هذا الكتاب ابو الحسين السوسنجردي ـ وهو من علماء الامامية أيضا ـ الى بلخ وعرضه على أبي القاسم البلخي من شيوخ المعتزلة ، فنقضه البلخي بكتاب «المسترشد» فعاد به السوسنجردي الى ابن قبة فنقضه بكتاب «المستثبت» فعاد به الى الري فوجد ابن قبة قد توفي رحمه‌الله وانظر مصادر نهج البلاغة وأسانيده ١ / ٣١٠.

(٣) جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي المعروف بالعلامة ولد سنة ٦٤٨

٣٤

على عباده به ولأن المكلف اذا علم بوجود امام في العالم يجوز ظهوره وتسلطه على الرعية فيعاقب العصاة ويؤدب الجناة كان الى فعل الطاعة والانزجار عن المعصية اقرب منه اذا علم انتفاء وجوده فيحصل من وجوده اللطف وان لم يتصرف ، وتصرفه الظاهر لطفا آخر لا يفوت الأول بفواته وعدمه انما جاء من قبل المكلفين وسوء اختيارهم حيث اخافوا الامام وتركوا نصرته ففوتوا انفسهم مصلحة تصرفه في انفاذ الأحكام واقامة الحدود واخذ الحقوق واعزاز الدين وحماية الاسلام والمسلمين حتى الجئوه الى الاستتار والغيبة.

وحاصل هذا الوجه ان الواجب على الله في الحكمة ايجاد الامام ودلالة العباد عليه وليس يجب على الله تصيير العباد منقادين لحكم الامام ومطيعين لأمره ، بل الواجب في حكمة الله امرهم بطاعته والواجب عليهم الانقياد له والتسليم لامره والرضا بحكمه ونصرته على من ناواه ، وقد قال تعالى لنبيه : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (١) والله سبحانه قد فعل ما وجب في حكمته فاوجد الامام ودل عليه وامر بطاعته بقوله : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢) والعباد لم يفعلوا ما وجب عليهم من الطاعة للامام فكان فوات اللطف الظاهر وهو تصرف الامام منهم ولذا قال بعض المحققين : «التحقيق ان اللطف في امر الامامة يتم بامور منها ما يجب على الله تعالى وهو خلق الامام وتمكينه من القدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه وهذا قد فعله الله تعالى ، ومنها ما يجب على الامام وهو تحمله الامامة

__________________

وتوفي سنة ٧٢٦ بالحلة وحمل الى النجف الأشرف ودفن في حرم امير المؤمنين (عليه‌السلام) وقبره عن يمين الداخل من الباب الشمالية من ابواب الإيوان الذهبي وهو معروف.

(١) النساء : ٦٥.

(٢) النساء : ٥٩.

٣٥

وقبوله لها وهذا قد فعله الامام ، ومنها ما يجب على الرعية وهو المساعدة والنصرة له وقبول اوامره وامتثال قوله وهذا لم يفعله الرعية ، فكان اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الامام» انتهى فتبين ان وجود الامام لطف على الاستقلال غير متوقف على التصرف فبطل بذلك ما قال القوشجي : «بانا لا نسلم ان وجوده بدون التصرف لطف» لانا قد بينا ان مسارعة العبد الى الطاعة وانزجاره عن القبيح بسبب علمه بوجوده وامكان تصرفه اقرب منه اذا علم عدمه لأنه اذا اعتقد وجوده كان دائما يخاف ظهوره ويترقب تصرفه فيمتنع من القبائح ، وذلك هو اللطف.

واما قوله : «بان مجرد الحكم بخلقه وايجاده في وقت ما كاف في هذا المعنى فان ساكن القرية اذا انزجر عن القبيح خوفا من حاكم من قبل السلطان مختف في القرية لا اثر له كذلك ينزجر خوفا من حاكم علم ان السلطان يرسله إليها متى شاء» ففاسد لأن محصله ان علم المكلف بقدرة الله تعالى على ايجاد امام في وقت من الأوقات وتمكينه من التصرف قائم مقام وجوده في حصول الخوف للمكلف فيحصل به اللطف ولا يحتاج في ذلك الى كون الامام موجودا ، وفساده من وجوه.

الأول : ان ما فرضه خوف من المعدوم ولا خفاء ان الخوف من المعدوم غير حاصل للعقلاء بخلاف الخوف من الموجود المترقب ظهوره فان الخوف منه حاصل فكان لطفا دون الأول ، فقوله بعد : «وليس هذا خوفا من المعدوم بل موجود مترقب» عدول عما فرضه ومغالطة في القول فان الفرض انه ليس بموجود لكن يمكن وجوده واما اذا كان موجودا كان هو عين ما فرضناه لا ما فرضه.

الثاني : ان المكلف لو علم أنّ في القرية حاكما مختفيا من جهة السلطان سيظهر ويعاقب على فعل القبيح يكون دائما خائفا من اطلاعه عليه اذا فعل

٣٦

قبيحا لعلمه بوجوده وعدم معرفته بعينه وتصوره ان انكاره فعل القبيح لا ينفعه اذا ظهر ذلك الحاكم لاطلاعه عليه بخلاف ما اذا علم خلو القرية منه ولم يبق الا علمه بامكان وجوده فيما بعد فانه لا يرتدع عن القبيح لذلك لتمكنه من الانكار عند وجود ذلك الحاكم وهذا ظاهر عند العقلاء فاللطف يحصل بما فرضناه دون ما فرضه للفرق الظاهر بين الحالين.

الثالث : ان ما ذكره لا يتمشى على قواعدهم لأن نصب الامام عندهم ليس من الله بل من المكلفين فلا امام على قولهم يترقب نصبه من الله فلا لطف حاصل بالمرة ، وقد علم من هذا ان اللطف منحصر في وجود الامام وان العلم بامكان ايجاده لا يقوم مقام وجوده فثبت ان وجوده لطف فهو واجب في حكمة الله ووضح سلامة الدليل من الخدش فيه ، كل هذا مع ما في كلامه من التدافع فانه فيما مر عليك من قوله ابطل لطفية الامام بخوف المكلف منه في اداء الطاعة فمقتضى كلامه هناك ان الامام لا يكون لطفا اذا كان متمكنا من ردع العاصين ومعاقبة الجانين فيكون لطفية مشروطة بعدم تصرفه ثم هو هنا يقول ان الامام لا يكون لطفا الا اذا كان متصرفا قاهرا زاجرا عن القبيح ، فما جعله هنا شرطا في كون الامام لطفا جعل ضده هناك شرطا في ذلك ، وهذا تناقض واضح فيكفي في بطلان قوليه تضادهما وتنافيهما.

الثالث (١) : من ادلتنا انه لا شك ان الله تعالى انظر لخلقه منهم لأنفسهم وأرأف بهم وأرحم بهم منهم على انفسهم ، وليس من نظر الله لهم ورأفته عليهم ورحمته بهم ان يتركهم هملا ويهملهم سدى كالغنم لا راعي لها بل مقتضى الرحمة والرأفة بهم يوجب في حكمة الله ان ينصب لهم من يقيم أودهم (٢) ويجمع كلمتهم ويهتدون الى سبيل النجاة بضياء علمه وينزجرون

__________________

(١) أي من الأدلة على أن نصب الامام واجب على الله تعالى لطفا منه.

(٢) الأود ـ بالتحريك ـ : الاعوجاج.

٣٧

عن القبيح بنافذ حكمة ويقتدون في امر دينهم ودنياهم بقوله وفعله وذلك هو الامام ، فنصب الامام واجب في الحكمة بمقتضى نظر الله لخلقه ورأفته بهم وهو المطلوب ، وهذا الوجه لبعض متكلمينا من اصحاب ابي عبد الله الصادق (عليه‌السلام) (١) ولا قدح باحتمال قيام ايجاب الله على العباد نصب الإمام لحصول الفوائد المذكورة مقام نصبه لهم إماما في حصول الرأفة بهم لأن ذلك مناف للرأفة للعلم بأن تفويض الأمر الى الخلق مما يوجب لهم الاختلاف والنزاع المؤدي الى الفساد واختلال النظام لاختلاف الآراء وميل الأهواء فيميل كل قوم الى شخص غير الذي اختاره غيرهم فيقع الخصام ويشيع الجدال فيما بينهم فلا يتم الغرض المطلوب بل تصير الرحمة بذلك نقمة وهو خلاف المراد.

احتج القائلون بوجوب نصب الامام على العباد عقلا بأن في نصب الرئيس دفعا للضرر عن انفس الخلق ودفع الضرر واجب عقلا اما الأولى فظاهرة لأن الخلق اذا لم يكن لهم رئيس يحسم مادة النزاع فيما بينهم ويأخذ للضعيف من القوى انتشر أمرهم وفشا الفساد فيهم ، واما الكبرى فمعلومة والجواب انه لا نزاع في كون الامامة دافعة للضرر وكون دفع الضرر واجبا انما النزاع في تفويض الأمر الى اختيار الخلق فانا لا نسلم كون الامامة على هذا الوجه دافعة للضرر لاختلاف الخلق في تعيين الامام فيؤدي الى الضرر المطلوب زواله كما قدمناه فالواجب جعل ذلك الى الله تعالى على ان الاختيار في الامامة سنبطله إن شاء الله تعالى في محل الكلام عليه بادلة واضحة.

واحتج القوشجي للأشاعرة بوجوه قال :

الأول : وهو العمدة اجماع الصحابة حتى جعلوا ذلك اهم الواجبات

__________________

(١) هو هشام بن الحكم في مناظرة له مع عمرو بن عبيد في مسجد البصرة (انظر سفينة البحار ٢ / ٢٦٦ مادة «عمر».

٣٨

واشتغلوا به عن دفن الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وكذا عقيب موت كل امام ، روى انه لما توفي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) خطب أبو بكر فقال : «يا ايها الناس من كان يعبد محمدا ، فان محمدا قد مات ، ومن كان يعبد رب محمد فانه حي لا يموت ، لا بد لهذا الأمر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله»

وهذه الحجة فاسدة من وجوه.

الأول : ان دعوى الاجماع من الصحابة على المبادرة الى تعيين الامام ونصبه خطأ فاحش فقد صح في روايات قومه واهل مذهبه ان الذين بادروا الى ذلك الانصار وثلاثة من المهاجرين ابو بكر وعمر وابو عبيدة ومضوا ينازعون الانصار في سقيفة بني ساعدة حتى غلبوا عليهم وجميع المهاجرين غيرهم لم يحضروا ذلك الأمر ولا بادروا إليه وهم وجوه الصحابة واعلم الصحابة على (عليه‌السلام) وهو وجميع بني هاشم واشياعهم يشتغلون بجهاز النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ودفنه عن ذلك الأمر ، فاين اجماع الصحابة على المبادرة الى نصب الامام واشتغال جميعهم به عن دفن الرسول كما ادعاه؟ فلو كان نصب الامام على الرعية واجبا لكان احق الناس بالمبادرة إليه علي بن ابي طالب وشيعته مثل عمه العباس ، وسلمان وابي ذر والمقداد واضرابهم ، ولو كان مبادرة الثلاثة والانصار الى المنازعة في الخلافة حقا لما تأخر علي (عليه‌السلام) وشيعته لأنه مع الحق والحق معه ولما قعد عنه أكابر الصحابة عندهم كعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعثمان بن عفان وأشباههم فلا اجماع منهم على ما ذكره المحتج.

الثاني : ان الذين بادروا الى عقد الامامة من الصحابة الذين ذكرناهم لم يكن غرضهم ما ذكره من تعيين الامام لكونه واجبا وانما كان غرضهم امرا

٣٩

دنيويا ، أما الانصار فسارعوا الى ذلك خوفا من أن تلي الخلافة قريش فيأخذوا منهم ثار من قتله الانصار من رجال قريش في حروب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وأما الثلاثة المذكورين فبادروا الى ذلك خوفا من خروج الأمر من ايديهم وولاية الأنصار عليهم ، ولم يكن احد الفريقين طلب بما اراد امرا دينيا ولا وجها شرعيا كما ادعاه في الحجة ، وقد روى ما ذكرناه جميع من روى اخبار الصحابة كأبي بكر الجوهري (١) ومحمد بن جرير الطبري (٢) ويحيى بن جابر البلاذري (٣) وغيرهم من رجال العامة وثقاة محدثيهم وها نحن نذكر بعض ما رواه مما يصرح بما قلناه وينطق بما إليهم نسبناه ، قال ابو بكر الجوهري : اخبرنا احمد بن اسحاق بن صالح ، قال : حدثنا عبد الله بن عمر عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال : لما توفي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اجتمعت الأنصار الى سعد بن عبادة فاتاهم ابو بكر وعمر وابو عبيدة فقال الحباب بن المنذر : منا امير ومنكم امير والله ما ننفس هذا الأمر عليكم ايها الرهط ولكنا نخاف ان يليه بعدكم من

__________________

(١) ابو بكر الجوهري احمد بن عبد العزيز عالم محدث له كتاب «السقيفة» ينقل عنه ابن ابي الحديد كثيرا في «شرح نهج البلاغة».

(٢) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب «التفسير الكبير» والتاريخ الشهير وغيرهما من الكتب مثل كتاب «الولاية» الذي جمع فيه طرق (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) حتى اندهش الذهبي لما اطلع عليه لكثرة طرقه ، كما له طرق حديث الطير توفي سنة ٣١٠ ودفن ليلا لغضب الحنابلة عليه لأنه لم يذكر الامام احمد بن حنبل في اختلاف الفقهاء وكان يقول : «لم يكن أحمد فقيها وانما كان محدّثا» وقد قسمت أوراق مؤلفاته على أيام عمره منذ بلغ الحلم فلحق كل يوم اربع عشرة ورقة.

(٣) يحيى بن جابر البلاذري أبو جعفر كاتب شاعر مترجم له من الكتب «فتوح البلدان» و «انساب الأشراف» وهو احد النقلة من الفارسية الى العربية كان مقربا عند المتوكل والمستعين والمعتز توفي سنة ٢٧٦.

٤٠