🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

وهذه الأخبار واضعافها مما رواه ابن ابي الحديد عن الثقات عنده ، وسيأتي أيضا جملة اخرى منها ان شاء الله تعالى كلها دالة باوضح دلالة على ان عليا (عليه‌السلام) رغب في الخلافة بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وطلبها وطلبها له جماعة من اعيان الصحابة وحضروا ليبايعوه وجمعوا السلاح لو لا انهم عوجلوا وغلب على امرهم ، وانه (عليه‌السلام) نازع في خلافة ابي بكر اشد المنازعة وجرد اصحابه السيف بامره لقتال اتباعه ، واستنجد الناس عليه ودعاهم الى حربه واعانته على ذلك فاطمة بنت رسول الله (صلوات الله عليها) فلم يجد منجدا ولا معينا ، وانه غير راض بخلافة ابي بكر ومصرحة بذلك اتم تصريح وانه ما سكت وكف ، بل غلب وقهر واخرج ملببا واوعد باحراق منزله وهو بيت النبوة ، وواضحة في انه (عليه‌السلام) ما غمد السيف وترك المناهضة لأبي بكر واتباعه الا بعد ان تحقق عنده عدم الناصر له ، فهو سكوت عن اضطرار لا عن رضا واختيار ، ولو لم توجد هذه الأخبار وامثالها الدالة على ما ذكرناه لكان في قوله (عليه‌السلام) المشهور عنه في خطبة النهج (فنظرت فاذا ليس لي معين إلّا اهل بيتي فضننت بهم عن الموت واغضيت على القذى وشربت على الشجى وصبرت على اخذ الكظم وعلى امر من طعم العلقم) (١) كفاية في الدلالة على ان علة سكوته وكفه عن جهادهم فقده الناصر والمعين وليس عن رضا نفس ، وانه تجرع في صبره عن ذلك ما هو امر من العلقم فمن يقول هذا القول وأشباهه وهو كثير كيف يعقل انه كف عن رضا وسكت عن اختيار؟ ما هذا الا تجاهل وتغافل؟ وقد وضح من هذه الأخبار بطلان ما قاله ابن ابي الحديد ان عليا (عليه‌السلام) ما نازع الثلاثة ولا طلب في ايامهم الخلافة واقض عجبا منه ومن أغاليطه حيث يروي هذه الأخبار

__________________

(١) نهج البلاغة من الخطبة ٢٦ وسترى في آخر الكتاب ان هذا الفصل من خطبة له (عليه‌السلام) نقلها المؤلف عن كتاب الغارات لابن هلال الثقفي.

٢٠١

وامثالها مع كونها نصّا في طلب أمير المؤمنين الخلافة وعدم رضاه بخلافة الرجل وانه اخرج من بيته مقهورا وطلب ناصرا فلم يجد ، ثم يقول إنّ عليا (عليه‌السلام) ما نازع أبا بكر ولا طلب الخلافة لنفسه في زمانه ولا جرد السيف ولا استنجد الناس ولا ولا ، فليختر ابن ابي الحديد الآن أحد وجهين لا محيص له عن واحد منهما اما تكذيب هذه الأخبار التي صححها ، أو تكذيب علي (عليه‌السلام) فيما أخبر به عن نفسه من عدم الرضا بخلافة من تقدم عليه وانه لم يكف عن منابذتهم ومناجزتهم الا لعدم المعين وفقدان الناصر فيكون قد كذّب من هو مع الحق والحق معه بروايته ، وكذّب ثقاة المحدثين عنده ، واما ان يحكم ببطلان خلافة من تقدم عليه ويجزم بخروجهم من الامامة لعدم شرط صحتها عنده وهو عدم رضا امير المؤمنين (عليه‌السلام) بها كما تقدم في قوله ، لأنا قد اقمنا الأدلة الصحيحة لديه على عدم رضا علي (عليه‌السلام) بها بتمام التحقيق ، واي الوجهين اختاره ابن ابي الحديد فقد امكن الرأي من ثغرة نحره وذبح نفسه بخنجره فليكن ذلك محققا.

وأما ما ورد بلفظ : الامارة والإمرة فلم يورده ابن ابي الحديد ولكنه أورد ما هو بمعناه وزيادة ، ومن المعلوم انه لا فرق بين ان يذكر الشيء او يذكر مرادفه فليس بين قولك جاءني بشر وجاءني انسان أو حيوان ناطق فرق في افادة المعنى المقصود فها نحن نذكر ذلك عنه قال في اوائل شرح النهج : «وتزعم الشيعة ان يعني عليا (عليه‌السلام) خوطب في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بأمير المؤمنين خاطبه بذلك جملة المهاجرين والأنصار ولم يثبت ذلك في اخبار المحدثين (١) الا انهم قد رووا ما يعطي هذا المعنى وان لم يكن اللفظ بعينه وهو قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) له (انت يعسوب الدين والمال يعسوب الظلمة) ، وفي رواية اخرى (هذا يعسوب المؤمنين وقائد الغر

__________________

(١) رواه ابن عساكر في تاريخه ٢ / ٢٦٠ عن بريدة الأسلمي.

٢٠٢

المحجلين) واليعسوب ذكر النحل وأميرها ، روى هاتين الروايتين أبو عبد الله احمد بن حنبل الشيباني في المسند وفي كتابه في فضائل الصحابة ورواهما ابو نعيم الحافظ في حلية الأولياء انتهى (١).

اقول : وقد مر ذكر هذه اللفظة في الأحاديث المذكورة أولا فراجع وفي رواية ابي رافع عن ابي ذر من قول الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لعلي (عليه‌السلام) (وانت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكافرين) وستاتي بتمامها ان شاء الله وقد اعترف ابن ابي الحديد كما سمعت في كلامه بان معنى اليعسوب الأمير فثبت من ذلك ان عليّا (عليه‌السلام) أمير المؤمنين على لسان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اذ لا فرق بين اللفظ ومرادفه عند جميع العقلاء فيثبت انه امامهم لأن معنى أمير المؤمنين امامهم بغير اختلاف فهي نص على إمامته بلا ريب ، فمن كان من المؤمنين واهل الدين فعلى أميره ومن لم يكن على اميره فليس من المؤمنين ولا من أهل الدين ، فما انكر ابن ابي الحديد أن يكون جملة من المهاجرين والأنصار خاطبوا عليا (عليه‌السلام) بأمير المؤمنين في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (١) ثم انكروا ذلك بعد واخفوه كسائر ما انكروا من فضائله واخفوا من مناقبه ، فإنه قد تواتر عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه قال : (سلموا على علي بامرة المؤمنين) ، فاخفى القوم ذلك وستروه فصار مجهولا عند العامة ومعلوما عند الخاصة وسيأتي اعتراف المعتزلي بأن القوم قد فعلوا بفضائل امير المؤمنين (عليه‌السلام) ما ذكرناه وبه يزول ما استنكر منه هنا مع اعترافه بورود مماثلة في المعنى وكل ذلك من استحكام الشبه في اوهام القوم.

وأما ما ورد بلفظ : الوصي فكثير منها ما رواه ابن ابي الحديد عن صاحب كتاب الفردوس واكثره عنه وعن احمد بن حنبل عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١ / ١٢.

٢٠٣

(كنت انا وعلي نورا بين يدي الله عزوجل قبل ان يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق آدم قسم ذلك النور وجعله جزءين فجزء أنا وجزء على ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوة ولعلي (عليه‌السلام) الوصية) (١).

وفي حديث انس المتقدم قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في علي (عليه‌السلام) : (وخاتم الوصيين وقائد الغر المحجلين) وروى ابن ابي الحديد في شرح النهج عن علي (عليه‌السلام) انه قال : (انا خاتم الوصيين وان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عهد الي واني وصي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وما يعطي هذا المعنى في كثير من كلامه.

وروى عن ابي مخنف انه لما بلغ حذيفة بن اليمان أن عليا (عليه‌السلام) قد قدم ذا قار واستنفر الناس دعا اصحابه فوعظهم وذكرهم الله وزهدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة ، وقال لهم «الحقوا بامير المؤمنين ووصي سيد المرسلين فإن من الحق ان تنصروه» (٢).

ومن اشعار الصحابة والتابعين المتضمنة انه وصى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كثير لا يحصى وقد رواه المحدثون الموثقون عند الخصوم كأبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي وابراهيم بن ديزيل الهمداني ونصر بن مزاحم المنقري وغيرهم من أهل التواريخ والسير كل روى منه شيئا.

وذكر ابن ابي الحديد منه طائفة ونحن هنا نذكر منه نبذة يسيرة تبركا وتيمنا بمدحه (عليه‌السلام) فمن ذلك قول ابي الهيثم بن التيهان (٣) وكان

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ١٧١ ونقله المحب في الرياض النضرة ٢ / ١٦٤.

(٢) شرح نهج البلاغة ٢ / ١٨٧.

(٣) أبو الهيثم هو مالك بن التيهان صحابي جليل استشهد يوم صفين بين يدي علي (عليه‌السلام) سنة ٣٧ وكان علي (عليه‌السلام) يحن الى ذكره ويشتاق إليه.

٢٠٤

بدريا.

قل للزبير وقل لطلحة اننا

نحن الذين شعارنا الانصار

نحن الذين رأت قريش فعلنا

يوم القليب (١) أولئك الكفار

كنا شعار نبينا ودثاره

تفديه منا الروح والأبصار

ان الوصي إمامنا وولينا

برح الخفاء وباحت الأسرار (٢)

اقول قوله (رضي الله عنه) : ان الوصي إمامنا الى اخر البيت ، اخبار عن نفسه وعن امثاله من قومه وهم صلحاء الأنصار بأنه كان يعتقده واياهم إمامة امير المؤمنين سابقا ويخفونه في نفوسهم في زمان الثلاثة ويسرون عن الناس قد اظهروه اليوم وباحوا به حيث ارتفع الخوف وزال المانع من اظهاره بوجود الناصر والمعين عليه ، ففيه دليل ظاهر على ان أبا الهيثم وأشباهه لم يكونوا معتقدين إمامة غيره ، وانما الامام عندهم بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) امير المؤمنين علي (عليه‌السلام) لأنه وصيه ولكنهم يجمجمون (٣) ذلك في الصدور ويخفونه حتى تمكنوا من اظهاره فاظهروه ، ونحن على ما هم عليه ان شاء الله.

وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (٤) وكان بدريا أيضا يوم الجمل.

أعائش خلّي عن علي وعيبه

بما ليس فيه انما انت والده

وصي رسول الله من دون اهله

وانت على ما كان من ذاك شاهده

__________________

(١) يريد به قليب بدر

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٣.

(٣) يجمجمون ذلك أي لم يظهروه يقال : جمجم الرجل وتجمجم اذا لم يبين كلامه.

(٤) خزيمة بن ثابت صحابي شهد بدرا يقال له ذو الشهادتين لأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) جعل شهادته شهادة رجلين ـ في قضية معروفة ـ شهد مع علي (عليه‌السلام) حرب الجمل واستشهد بين يديه في صفين بعد عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

٢٠٥

وحسبك منه بعض ما تعلمينه

ويكفيك لو لم تعلمي غير واحدة

اذا قيل ما ذا عبت منه رميته

بقتل ابن عفان وما تلك ايده

وليس سماء الله قاطرة دما لذاك

ولا الأرض الفضاء بمائدة (١)

والأخير من الأبيات يومي الى

أنه غير آمر بما جرى لعثمان

وقال النعمان بن العجلان الانصاري (٢) :

كيف التفرق والوصي إمامنا

لا كيف إلا حيرة وتخاذلا

لا تغبنن عقولكم لا خير في

من لم يكن عند البلابل عاقلا

وذروا معاوية الغوى وتابعوا

دين الوصي لتحمدوه اجلا (٣)

وقال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب :

وصي رسول الله من دون اهله

وفارسه ان قيل هل من منازل

فدونك ان كنت تبغى مهاجرا

اشم كنصل السيف غير حلاحل (٤)

وقال حسان بن ثابت في جملة أبيات أيام المخاصمة بين المهاجرين والانصار بعد موت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) :

جزى الله عنا والجزاء بفضله

أبا حسن خيرا ومن كأبي حسن

سبقت قريشا بالذي انت اهله

فصدرك مشروح وقلبك ممتحن

تمنت رجال من قريش أعزة

مقامك هيهات الهزال من السمن

حفظت رسول الله فينا وعهده

أليك ومن اولي به منك من ومن

الست اخاه في الهدى ووصيه

واعلم منهم بالكتاب وبالسنن

فحقك ما دامت بنجد وشجة

عظيم علينا ثم بعد على اليمن (٥)

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٦.

(٢) النعمان بن عجلان الأنصاري كان شاعرا فصيحا سيدا في قومه واستعمله علي (عليه‌السلام) على البحرين ترجم له ابن الأثير في اسد الغابة ٥ / ٢٦ ولم يذكر سنة وفاته.

(٣) شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٩.

(٤) أيضا ١ / ١٥٠.

(٥) أيضا ٦ / ٢٣٥ عن الموفقيات للزبير بن بكار وسيكرر الاستشهاد بها عند كلامه على

٢٠٦

الى ذلك من الأشعار من محبيه ومبغضيه مما لا يسع المقام عشر عشيرها مما تضمن لفظ الوصي والولي فقد صح ان عليا (عليه‌السلام) وصى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ومنه يعلم ان ما ذكره ابن ابي الحديد عن عائشة وبعض تابعيها من ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لم يوص (١) باطل بلا شبهة لمعارضته لشهادة خيار الصحابة لعلي (عليه‌السلام) بأنه وصي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ودلالة الأخبار على ذلك ، وعائشة متهمة في علي (عليه‌السلام) وكيف تقر له بالوصية وهي تعيبه وتذمه وهي في الغاية القصوى من البغض له ، والا فهي شاهدة وصية الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) إليه ونصه عليه كما هو صريح شعر خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين الذي ذكرناه وأيضا ان شهادة عائشة وتابعيها على النفي وشهادة الجماعة لعلي (عليه‌السلام) على الاثبات وشهادة الاثبات مقدمة على الشهادة على النفي اجماعا من اهل العلم.

ثم ان المعروف من معنى الوصي على جهة الاطلاق هو القائم مقام الموصي في جميع ما للموصي الولاية فيه وعليه.

ومن معنى الوصية اقامة الموصي الوصي مقامه في جميع ما له التصرف فيه والولاية عليه ولا معنى للوصي والوصية عند العلماء غير هذا والمعروف من

__________________

سبق علي (عليه‌السلام).

(١) روى هذا الانكار البخاري في موضعين من صحيحه الأول في ج ٢ / ٨٣ في كتاب الوصايا وفي ج ٣ / ٦٤ في باب مرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ووفاته ورواه مسلم في كتاب الوصية من صحيحه ج ٢ / ١٤ قال «ذكر عند عائشة (رضي الله عنه) ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أوصى الى علي رضي الله عنه فقالت : من قاله ، لقد رأيت النبي وإني لمسندته الى صدري فدعا بطشت فانخنت فمات فما شعرت فكيف أوصي الى علي ، وللسيد شرف الدين في المراجعات ص ٢٣٣ تعليق على هذا الحديث حري بالباحث ان يقف عليه.

٢٠٧

معنى وصي النبي هو القائم مقامه في الأمر والنهي بعهد من النبي إليه ، واذا كان علي (عليه‌السلام) هو الوصي لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كان هو القائم مقامه في تنفيذ الأحكام وسياسة الأمة وغير ذلك من ولايات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيكون هو خليفته والامام بعده ، اذ لا معنى لخلافته الا القيام مقامه ولا معنى لوصيه الا القائم مقامه بنصبه اياه ، ولا معنى للامامة الا هذا ولا يعرف لها معنى غيره ، وهذا بحمد الله واضح.

قال ابن ابي الحديد «واما الوصية فلا ريب عندنا ان عليا (عليه‌السلام) كان وصي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وان خالف في ذلك من هو منسوب عندنا الى العناد ولسنا نعني بالوصية النص والخلافة لكن امورا لعلها اذا لمحت أشرف واجل» (١) انتهى.

قول اخراج اللفظ عن صريح معناه تشهيا من دون حجة بينة ولا سبب داع هو ديدن ابن ابي الحديد واصحابه وامثالهم ، وليس النزاع بيننا وبينهم في هذا كما علمت أولا فانا مقرون لهم بانهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه ويدفعون النصوص بالشبهات ويصرفون الألفاظ الصريحة عن معانيها بمجرد الشهوات هذه عادتهم المعروفة وسجيتهم المألوفة ، وانما النزاع بيننا وبينهم انا ندعي النص من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على علي (عليه‌السلام) بالامامة والقائم مقامه فعلينا أن نأتي من اقوال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بما هو صريح في المعنى ونص في المطلب مثل لفظ الامام والأمير والوصي وما اشبهها مما سنورده ، وقد اتينا منه بما يقرون به ولا ينكرونه وما نسبوا جاحده الى العناد مع ان ذلك الجاحد أمّ المؤمنين عائشة

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١ / ١٤٠ وانظر الى ابن أبي الحديد لما عجز عن التوجيه والتأويل جعل المعنى في قلب الشاعر ـ كما يقول المثل العامي ـ فاذا لم تكن الوصاية هي النص على الخلافة فعلى أي شيء! أعلى الترك والنبي لا يورث كما يزعمون!؟.

٢٠٨

وبعض من الناس كما قدمنا ، وليس علينا ان نحبس ألسنتهم عن التأويلات الفاسدة والتمحلات الممتنعة التي لو صدرت عن غيرهم لحملوه على عدم الفهم وحكموا عليه بالبلادة والعصبية والعناد ، فلا ذنب لنا ولا ابطال لدعوانا بسبب تأويلاتهم الركيكة الباطلة بل حجتنا واضحة وحجتهم داحضة.

فما ذنبنا ان جاش بحر بفضلنا

وبحرك ساج لا يوارى الدعاء مصا (١)

وما قدمنا من بيان معنى الوصي متكفل بابطال دعوى ابن ابي الحديد بان الوصية في غير الخلافة ولأنه يدعى التقييد في المطلق فعليه أن يأتي بالمقيد ، وأنّى له به؟ ولنا على ابطال قوله مضافا الى ما ذكرنا وجوه اخر.

الأول : أن الوصية لا تثبت بغير النص من الموصي على الوصي يقينا واذا سلم الخصم أن عليا (عليه‌السلام) وصى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وذلك ما ندعي ، فقوله ولسنا نعني بالوصية النص كلام لا معنى له.

الثاني : ان اهل العقول من جميع المسلمين لا يعلمون منزلة بعد النبوة اشرف واجل من الامامة حتى تنصرف وصية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الى علي (عليه‌السلام) إليها كما ادعاه فعليه وعلى من يدعي دعواه تبيين تلك المنزلة حتى نعرفها ، ثم لو كانت ثمة منزلة أعلى واجل من الامامة كما ذكر لكانت أيضا منضمة إليها وداخلة معها علوم الوصية فتتناول جميع المنازل حتى يثبت المخصص وليس ثمة مخصص ، فقوله : «لعلها اذا لمحت اشرف واجلّ» دعوى مستحيلة ، ولو أمكنت لكانت مع الامامة مندرجة في

__________________

(١) الدعامص جمع الدعموص : دويبة صغيرة تكون في مستنقع الماء ويجمع على دعاميص أيضا والبيت للأعشى.

٢٠٩

الوصية ،

الثالث : إن المسلمين من اولى العلم كافة يعلمون أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لم يترك أموالا كثيرة ولا خلف اطفالا صغارا يحتاج الى الايصاء في حفظ اموالهم والقيام بمصالحهم الى وصي يقوم بذلك وليس له حاجة في الوصية الا في القيام مقامه بمصالح الأمة وحماية الملة وانفاذ الأحكام وجهاد المشركين ودعوتهم الى دين الاسلام لا غير ذلك ، فوصيه هو المنصوص عليه منه بذلك والمنصوب منه له وتلك هي الامامة بلا ريبة ولا يشك في ذلك عاقل غير معاند.

الرابع : ان الأخبار المذكورة والأشعار الواردة التي قدمناها وغيرها يتبادر من لفظ الوصي فيها بل لا يفهم من معناها الا كون أمير المؤمنين وصي رسول الله على ما هو المعنى المعروف من اوصياء الأنبياء وهو الخلافة بعدهم لا شيء اخر ، فان قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (لي النبوة ولعلي الوصية) وقوله : (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (خاتم الوصيين) (١) لا يعقل منه الا ان لعلي خلافة الأنبياء ، وانه خاتم خلفاء النبيين ، لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) خاتم الأنبياء فلا نبي بعده فلا خليفة نبي بعد علي (عليه‌السلام) بدون واسطة خليفة غيره ، لأن الوصية المقابلة للنبوة هي الخلافة من غير شبهة ، والوصي المقابل للنبي هو الخليفة بعده لا يتصور منه غير هذا المعنى ولا يراد به غيره عند الاطلاق ببديهة العقل ، وليس يعقل منها الفطن اللبيب ان لعلي الوصية المقابلة للنبوة في امر مخصوص ، أو أنه خاتم الوصيين في أمور أخر غير الخلافة كمال أو حكم خاص أو سر في معنى خاص ولا يحملها على هذا المعنى الا معوج الفهم بسبب استيلاء الشبه على عقله وممازجتها للبّه ، فيجعل عقله تبعا لمشتهاه ، وسالكا في أثر تقليده ومما

__________________

(١) تاريخ بغداد : ١٠ / ٣٥٦.

٢١٠

يزيد المعنى وضوحا في أن المراد بالوصي هو القائم مقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في جميع أمره ما رواه ابن ابي الحديد قال : قال : نصر يعني ابن مزاحم المنقري وحدثنا عبد العزيز بن سياه قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال : حدثنا سعيد التيمي المعروف بعقيصا قال : كنا مع علي (عليه‌السلام) في مسيره الى الشام حتى اذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس واحتاجوا الى الماء ، فانطلق بنا علي (عليه‌السلام) حتى أتى الى صخرة ضرس (١) في الأرض كأنها ربضة عنز (٢) فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا تحتها ماء فشرب الناس وارتووا ثم أمرنا فاكفاناها حتى اذا مضى قليلا ، قال : أمنكم احد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا : نعم يا امير المؤمنين قال : فانطلقوا إليه ، فانطلق هنا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا الى المكان الذي نرى أنه فيه فطلبناه فلم نقدر على شيء ، حتى إذا عيل علينا انطلقنا الى دير قريب منا فسألناهم اين هذا الماء الذي عندكم؟ قالوا : ليس قربنا ماء ، فقلنا : بلى انا شربنا منه ، قالوا : انتم شربتم منه؟ قلنا : نعم ، فقال صاحب الدير : والله ما بني هذا الدير الا لذلك الماء وما استخرجه الا نبي او وصي نبي» (٣) ومن المعلوم انه لا يريد بوصي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) هنا الا الخليفة بعده لا ما يقوله ابن ابي الحديد واصحابه والأشاعرة.

الخامس : ان ايصاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الى رجل في أمر مخصوص أو امور مخصوصة لا يصيره وصي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على الاطلاق ، ولا يسمى عند احد بوصي الرسول (صلى الله عليه

__________________

(١) الضرس : الأكمة الخشنة.

(٢) الربضة ـ بضم الراء وكسرها أيضا : ـ مقدار جثة العنز إذا ربضت.

(٣) شرح نهج البلاغة ٣ / ٢٠٤.

٢١١

وآله وسلم) ، فقد روى ابن ابي الحديد وغيره أن أبا أيوب الانصار قال في كلام ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، «عهد إلينا ان نقاتل مع علي (عليه‌السلام) الناكثين والقاسطين والمارقين» (١) ولا نجد احدا قال ان أبا أيوب وقومه اوصياء الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ورووا ان أبا ذر قال «ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عهد الي أنه يلي غسلي وتجهيزي قوم من المؤمنين» (٢) في حديث طويل ولم يقل احد من الصحابة وغيرهم ان أبا ذر وصي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ورووا ان عمار بن ياسر قال : يوم صفين في كلام «عهد الي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أنه يكون اخر زادي من الدنيا ضياحا من لبن» (٣) ورووا عن كثير من الصحابة مثل هذا ولم يسم احد منهم بوصي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لذلك الأمر الذي عهد إليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيه والأمور المخصوصة وهذا مما يدل صريحا على انه لا يسمى رجل وصي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على الإطلاق الا المنصوص عليه بخلافته والموصى إليه منه بالقيام مقامه ، فأمير المؤمنين وصى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بهذا المعنى لا غيره فهو الإمام بعده لا محالة وقد اتضح الأمر وزال تشبيه المعتزلي وثبت المراد والله ولي التوفيق الى السداد.

__________________

(١) أيضا ٣ / ٢٠٧ واسد الغابة ٤ / ٣٢ و ٣٣ ومستدرك الحاكم ٣ / ١٣٩.

(٢) أيضا ١٥ / ٩٩ والاستيعاب ١ / ٢١٥ وفي صفين لنصر بن مزاحم (إن آخر زادك من الدنيا شربة من لبن) وجاء في زيارة أمير المؤمنين (عليه‌السلام) المروية عن الامام.

علي بن محمد الهادي عليهما‌السلام : «وقال ـ أي عمار ـ : قال لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن تقتلك الفئة الباغية) وان عمارا لما استسقى وسقي اللبن كبر وذكر ذلك مفاتيح الجنان للقمي ص ٣٧١ والضياح ـ بالفتح ـ : اللبن الرقيق الكثير الماء.

(٣) الاستيعاب ٢ / ٤٨.

٢١٢

وأما ما ورد بلفظ الخليفة : فهو الخبر الصحيح عند القوم كافة قال ابن ابي الحديد «وأما خبر الوزارة فقد ذكره الطبري في تاريخه عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام) قال : لما انزلت هذه الآية (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (١) على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) دعاني فقال : يا علي ان الله امرني ان انذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعا وساق الرواية ـ الى ان قال ـ ثم تكلم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقال : يا بني عبد المطلب اني والله ما اعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، اني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد امرني الله ان ادعوكم إليه ، فايكم يوازرني على هذا الأمر على ان يكون اخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فاحجم القوم عنها جميعا فقلت : انا واني لأحدثهم سنا وارمصهم عينا واعظمهم بطنا واحمشهم ساقا : انا يا رسول الله اكون وزيرك عليه ، واعاد القول فامسكوا واعدت ما قلت ، فأخذ برقبتي ثم قال لهم : هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا إليه واطيعوا ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع» (٢) وهذه الرواية مع صحتها عند الخصوم نص صريح في أن عليا (عليه‌السلام) خليفة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على من يطيعه ، وانه وصيه ووزيره فاي نص على الخلافة اصرح من هذا؟ ولشهرة هذه الرواية احتج بها ابو جعفر الاسكافي في نقضه على الجاحظ (٣) وما ادري ما ذا يقول ابن ابي

__________________

(١) الشعراء : ٢١٤.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١٣ / ٢١٠. تاريخ الطبري ٢ / ٢١٦.

(٣) قال ابو جعفر الاسكافي في نقض العثمانية للجاحظ : «فهل يكلف عمل الطعام ودعاء القوم صغير غير مميز ، وغر غير عاقل ، وهل يؤتمن على سر النبوة ابن خمس سنين» ـ الى ان قال ـ : وهل يصنع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يده في يده ويعطيه صفقة يمينه بالاخوة والوصية والخلافة الا وهو أهل لذلك بالغ حد التكليف ، محتمل لولاية الله وعداوة اعدائه» الخ ..

٢١٣

الحديد في ذلك فانه لم يتعرض فيها بتأويل؟ وأظنه لعجزه عنه ، ولو ادرك إليه منفذا لسارع عليه ولعله يرى أن امير المؤمنين خليفة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في أمور أخرى كما قال في الوصية فيكون جوابه ، هنا مثل جوابه هناك.

وأما ما ورد بلفظ الوزارة : فمنه حديث ابي ذر عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وفيه بعد ما ذكرنا في لفظ اليعسوب وانت اخي ووزيري والحديث المتقدم صريح ، وقال ابن ابي الحديد بعد ذكره (ويدل على انه (عليه‌السلام) وزير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من نص الكتاب والسنة قول الله تعالى (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (١) وقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الخبر المجمع على روايته بين فرق الاسلام : (انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي) فأثبت له جميع مراتب هارون ومنازله من موسى ، فاذن هو وزير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وشادّ أزره ولو لا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره» (٢) ، انتهى.

اقول : فاذا كان علي (عليه‌السلام) وزير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والوزير هو المعين على الأمر فاذن علي (عليه‌السلام) هو معين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على اظهار دعوة الاسلام واقامة احكام النبوة فيكون له مقامه في حياته وبعد وفاته والأمر ظاهر ، ثم ان ابن ابي الحديد حيث استفاد من هذا الحديث انه نص في وزارة علي لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأنها من جملة منازل هارون من موسى بنص الكتاب وان جميع منازل هارون من موسى الا النبوة ثبتت لعلي (عليه

__________________

(١) طه : ٢٩.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١٣ / ٢١١.

٢١٤

السلام) من رسول الله (عليه‌السلام) ، فيلزمه على هذا الحكم أيضا بان الحديث نص في خلافة علي (عليه‌السلام) لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأن الخلافة ثابتة لهارون بنص الكتاب وهو قوله تعالى : (وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) (١) الآية ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لم يستثنها مع النبوة فتكون خلافة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ثابتة لعلي (عليه‌السلام) بنص الكتاب والسنة كما ثبتت الوزارة له بنصهما على ما قررا أفأبلغ شاهد من هذا يريد عبد الحميد؟ وهل تراه يخفي عليه مثل هذا المعنى الواضح كالشمس الصاحية؟ ولكن غلب عليه الف المذهب وتقليد الأسلاف كما غلبا على غيره فصاروا يرون الحق باطلا والنص الجلي متشابها والمعنى الواضح خفيا والصواب خطأ فاذا ورد عليهم ما يوافق مذهبهم من المشتبهات صيروه كالبدر الأتم وضوحا وصراحة ، واذا عثروا على ما يطابق مشتاهم من المزخرفات المضطربة الألفاظ تلقوه بالقبول الأعظم ووصفوه بغاية الصحة ونهاية الفصاحة ، أو جاءهم في ذلك شيء من الموهونات صيروه كالطود الأشم قوة ورجاحة ، فنعوذ بالله من كتمان الحق للأغراض الدنيوية وترويج الباطل للعناد والعصبية.

وأما ما ورد بلفظ الطاعة : فمنه ما تقدم في حديث الخلافة والوزارة من قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (اسمعوا له واطيعوه) وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في حديث ابي برزة المتقدم اخبارا عن الله تعالى في شأن علي (عليه‌السلام) وهو الكلمة التي الزمتها المتقين من احبه فقد أحبني ومن اطاعه فقد اطاعني) (٢) واذا كان علي (عليه‌السلام) طاعته طاعة الله وجب ان يكون خليفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأن الذي طاعته طاعة

__________________

(١) الأعراف : ١٤٢.

(٢) شرح نهج البلاغة ١٣ / ١٦٧ عن حلية ابي نعيم.

٢١٥

الله هو النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لقوله تعالى : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) (١) ولا نبوة بعد نبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فتبقى الخلافة ، فالحديث نص على إمامته لوجوب طاعته ولا طاعة واجبة لغير الله والنبي والإمام ، وفي حديث انس المتقدم : (وامام اوليائي ونور جميع من اطاعني) والمراد بنور من اطاعني قدوتهم الذي يقتدون به في الأحكام ويهتدون به عن الضلال ، واذا كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) امر بالسمع والطاعة لعلي وجعله الله قدوة المطيعين وهاديهم وجب أن يكون إماما ، لأن غير الإمام لا يجب له السمع والطاعة على المكلفين ، وانما ذلك لولي الأمر خاصة ، ويستفاد من الخبر أن من لم يقتد بعلي (عليه‌السلام) في دينه فليس مطيعا لله لأنه لم يأتم بالنور الذي جعله لمن أطاعه ولم يستضيء بضيائه فلم يكن من اهل النور ، فاذن ليس هو من اهل طاعة الله ، وفي حديث عمار ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله) رواه كثير من خصومنا (٢).

وأما ما ورد بالمثلية : فمن القرآن قوله تعالى : (وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ) (٣) ولم يدع غير علي (عليه‌السلام) بالاجماع ، فهو اذن نفس الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وليس على جهة الاتحاد قطعا فيكون المراد به المثلية ، واذا كان مثل الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وجب أن يكون الامام بعده اذ لا نبي بعد محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم).

ومن السنة ما رواه ابن ابي الحديد عن احمد بن حنبل ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (لتنتهن يا بني وليعة

__________________

(١) النساء : ٨٠.

(٢) نقله في مجمع البيان ٤ / ٥٣٤ عن أبي طالب الهروي بسنده عن أبي أيوب الأنصاري.

(٣) آل عمران : ٦١.

٢١٦

او لأبعثن إليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم امري يقتل المقاتلة ويسبي الذرية) قال ابو ذر فما راعني الا برد كف عمر من حجزتي من خلفي يقول من تراه يعني؟ فقلت : انه لا يعنيك وانما يعني خاصف النعل وانه (قال هو هذا) (١) قال : وقال لوفد ثقيف (لتسلمن او لابعثن إليكم رجلا مني او قال عديل نفسي فليضربن اعناقكم وليسبين ذراريكم وليأخذن اموالكم) قال عمر فما تمنيت الامارة الا يومئذ وجعلت انصب لها صدري رجاء ان يقول هو هذا فالتفت فاخذ بيد علي فقال : (هو هذا مرتين) (٢) وقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في حديث مشهور سيأتي ذكره (إن عليا مني وانا من علي) واذا كان علي (عليه‌السلام) نفس الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله) وعديل نفسه ، وانه منه كان مماثلا له البتة ، ولما كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) خاتم الأنبياء فلا نبوة بعده وجب أن يكون علي (عليه‌السلام) الامام بعده لقضيّة المماثلة وإلا فلا معنى للماثلة قطعا ، ومثله قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (على اخي) لأن الأخوة النسبية بينهما معلومة الانتفاء فثبت انه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يريد بها المماثلة ، وليس الا في الصفات فما لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من الصفات غير النبوة فهو ثابت لعلي (عليه‌السلام) للمماثلة ومن جملة ذلك الامامة ، فهذا نص صريح من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على استخلاف علي (عليه‌السلام) من غير شك وفي قول (منّي) معنى عميق وهو انه مخلوق من نوره وان ذلك النور كان في اوّل الخلق شيئا واحدا ثم انقسم الى قسمين احدهما كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والثاني عليا (عليه

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٦٨ ورواه المحب الطبري في الرياض النضرة ٢ / ١٦٤ وقال : أخرجه احمد في المناقب».

(٢) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٦٧ ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب ٣ / ٤٦ والمحب في الرياض ٢ / ١٦٤.

٢١٧

السلام) فكل واحد من الآخر ، فعلي (عليه‌السلام) عديل نفس رسول الله وكنفسه بعد الانقسام والعديل بمعنى المعادل ، وهو أيضا نفس الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأنهما في الأصل نور واحد يدل على ذلك صريحا حديث ابن ابي الحديد عن مسند احمد بن حنبل وكتابه في الفضائل وعن كتاب الفردوس من قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (كنت انا وعلي نورا بين يدي الله عزوجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر الف عام فلما خلق آدم قسم ذلك النور فيه وجعله جزءين فجزء أنا وجزء علي) (١) ... الخبر وقد ذكرناه بتمامه في لفظ الوصية ، ومثله في طرقنا وطرق غيرنا كثير وهذا المعنى هو الذي يشير إليه امير المؤمنين متبجحا به ومفتخرا بقوله في مواضع كثيرة (وانا من محمد كالضوء من الضوء) (٢) وحق له ان يفتخر بذلك ويتبجح به ويحتج على خصمه به فانه لا فضل أعلى منه وان علا ولا رفعة الا وهي دونه ولا شرف الا وهو منحط عنه ، فقد فاق به الأنبياء المرسلين رفعة ومجدا وشرفا وفضلا ولقد احسن الحسن البصري في قوله كما رواه عنه الخصم : (ولقد اخا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بين اصحابه فآخى بين علي وبين نفسه فرسول الله خير الناس نفسا وخيرهم اخا) (٣) انتهى. واذا كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد صرح في علي (عليه‌السلام) بهذه المقالات بمحضر من الصحابة فاي شيء تراه ترك بعد هذا المقال من النص على استخلافه عليا (عليه‌السلام) حتى يقول ابن ابي الحديد واشباهه : ليس هناك نص صريح وانما هو تعريض وتلويح ، نسأل الله أن يوفقنا لأبطال الباطل وتصحيح الصحيح ، وأي عاقل منصف سلم

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٧١ ورواه المحب في الرياض ٢ / ١٦٤ عن الفضائل للامام احمد.

(٢) الملل والنحل ١ / ١٨٩ وفي نهج البلاغة في الكتاب ٤٥ : (الصنو من الصنو).

(٣) شرح نهج البلاغة ٤ / ٩٥.

٢١٨

من علة تقليد السلف والف الشبه يشك في إمامة علي (عليه‌السلام) بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بعد أن سماه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (على عديل نفسي ونفسي) : ويرتاب في ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اراد بذلك استخلافه؟ او يجوز تقديم من ليس من النبي على من هو عديل نفسه في مقامه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حاشا وكلام يأبى العقل الذكي ذلك الا بعلة.

واما ما ورد بلفظ التمسك : به من بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وما هو في معناه فكثير شيء منه بافراده بنفسه وشيء منه بضمه الى عترة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وشيء منه بضمه الى الكتاب والعترة معا ، ونحن نورده جميعا فنقول :

روى ابن ابي الحديد عن الحافظ ابي نعيم في حلية الأولياء وعن احمد بن حنبل في المسند وكتاب الفضائل عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه قال : (من سره ان يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب) (١) وعن ابي نعيم عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في حديث سنذكر صدره فيما يأتي ان شاء لله قال : فيه فلما جاء ارسل الى الأنصار فاتوه فقال : (يا معشر الأنصار الا ادلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا ابدا) قالوا بلى يا رسول الله قال : (هذا علي فاحبوه بحبي واكرموه بكرامتي فان جبرائيل امرني بالذي قلت لكم عن الله عزوجل) (٢) وعن الحافظ ابي نعيم عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه قال : (من سره ان يحيى

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٦٨ وحلية الأولياء ١ / ٨٦ وقال المحب في الرياض ٢ / ٢١٥ : «اخرجه احمد في الفضائل».

(٢) شرح نهج البلاغة : ٩ / ١٧٠ وحلية الأولياء ١ / ٦٣.

٢١٩

حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي فليوال عليا من بعدي وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فانهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهما وعلما فويل للمكذبين من امتي القاطعين فيهم صلتي لا انالهم الله شفاعتي) (١) والموالاة والاقتداء بمعنى المتابعة وهو معنى التمسك وهذه الرواية كما انها نص على إمامته علي (عليه‌السلام) كذلك هي نص على إمامة الأئمة من عترة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ونص في حرمان الشفاعة لمن كذب بامامتهم وقطع صلة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيهم فقد صرحت بحقّيّة مذهب الامامية الاثني عشرية باتم تصريح وبينته باوضح بيان.

وروى ابن ابي الحديد عن احمد بن حنبل في المسند وكتاب الفضائل عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه خرج على الحجيج عشية عرفة فقال لهم : (ان الله باهي بكم الملائكة عامة وغفر لكم عامة وباهى بعلي خاصة وغفر له خاصة اني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي ، ان السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته) (٢) تمام الخبر والمحبة من لوازمها المتابعة والطاعة ومن لم يطع احدا فليس بمحب له وقد نطق بذلك الكتاب الالهي في قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) (٣) من يتبع الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فهو غير محب لله وقال بعض الأبرار.

تعصي الإله وانت تزعم حبه

هذا كلام في المقال بديع

لو كان قولك صادقا لأطعته

ان المحب لمن يحب مطيع

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٦ / ٧١٧١ وحلية الأولياء ١ / ٨٦.

(٢) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٦٨ عن مسند أحمد وفضائله.

(٣) آل عمران : ٣١.

٢٢٠