🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (١) فوقعت خيرته على الافسد وهو يظن انه الاصلح.

وهذا نبينا محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو سيد الرسل وافضل الخلق اجمعين قد اختار أبا بكر لتبليغ آيات من سورة براءة الى اهل مكة ويقرؤها في الموسم بناء على صلاحيته لذلك في الظاهر فلم تكن خيرته مطابقة لخيرة الله في باطن الغيب فاتاه جبرائيل (عليه‌السلام) عن الله تعالى يقول «لا يبلغ عنك الا انت أو رجل منك» فأعطاها عليا (عليه‌السلام) وعزل عنها أبا بكر والقصة مشهورة كالشمس وفيها سر عجيب واشارة لطيفة ليس هنا مقام بيانها ، فإذا كان الكليم والحبيب من اولي العزم من الرسل وناهيك بهما لما اختارا من دون وحي وقعت خيرتهما على غير الأصلح لما اختاراه ولم توافق خيرتهما خيرة الله فكيف يدعي احد من الناس او يدعى له ان رأيه لا يخطئ الواقع وان خيرته من قبل نفسه ملازمة لاصابة خيرة الله حتى يكون الذي ينصبه من تلقاء نفسه وميل قلبه لله رضا وانه مختار الله؟ وأي شيء اعظم فرية على الله واشد كفرا من دعوى أنّ احدا من الناس اسدّ رأيا وأجود إصابة من الأنبياء المرسلين بحيث ان خيرته تلازم اصابة الواقع وتوافق خيرة الله دون الأنبياء من أولي العزم؟ ما اظن احدا من المسلمين عاقلا يسوغ لنفسه ذلك ، ولا يتجاسر على هذه الدعوى ، فإذن خيرة الناس لا يلزم منها إصابة الواقع فليس لهم أن يختاروا إماما لأنا بينا ان شرط صحة الاختيار علم المختار بصلاحيته من اختاره لما اختاره في باطن الأمر عند الله تعالى وقد أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله (وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ) (٢) فليس للجاهل بما هو صالح عند الله ان يختار عليه ويفرض إمامة من لم يفرض الله

__________________

(١) البقرة : ٥٥.

(٢) الدخان : ٣٢.

١٦١

إمامته ، فتبين من جميع ذلك ان الاختيار في الامامة لا عبرة به ولا تأثير له ولا تعويل عليه والامام به ليس بإمام حق تجب طاعته ولا بدليل هدى يتحتم الاقتداء به ، ومن انصف عرف ذلك وتحققه ، واذا بطل كون الامامة بالاختيار وجب ان تكون بالنص او المعجز اذ لا طريق غير ذلك لها فثبت ما قلناه والله الهادي.

واعلم انه ليس لمخالفينا على ما ادعوا من صحة الامامة بالاختيار حجة من آية او رواية ، ولا عثرنا لهم في كتبهم على ذلك بمتمسك يتمسكون به ، ولا ذكروا له دليلا سوى ما حدث من بعض الصحابة حيث بايعوا أبا بكر ونصبوه إماما ولم يكن منصوصا عليه ، فلولا ان الاختيار طريق للامامة لم تكن إمامة ابي بكر صحيحة لكنها صحيحة لاجماع الصحابة عليها فيكون الاختيار مثبتا للامامة لم نجد لهم سوى هذه الشبهة الواهية وفسادها ظاهر لاهل النظر ، بل ليست مما ينبغي ان يذكرا وذلك من وجوه.

الاول انها مصادرة على المطلوب اذ لا تصح إمامة المذكور الا بعد جواز الاختيار والاختيار باطل بالأدلّة ، والباطل لا يثبت شيئا ولا يصححه ، فكان الواجب أولا ان يصححوا الاختيار بدليل حتى يثبتوا به إمامة الرجل ، وهم انما صححوا الاختيار بامامته التي لا تصح الا بالاختيار فيلزم من ذلك الدور وهو باطل.

الثاني منع الاجماع فإن المعروف من معنى الاجماع عند الخصوم كما ذكروه في كتبهم الاصولية انه عبارة من اتفاق اهل الحل والعقد ، ومعلوم ان اتفاق اهل الحل والعقد لم يحصل على إمامة ابي بكر بالرضا والاختيار ، بل كان الناس بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على ثلاث فرق ، فرقة ما لو إلى علي (عليه‌السلام) واخرى الى سعد بن عبادة ، واخرى الى ابي بكر ، وما زال الاختلاف باقيا الى يومنا هذا ولقد أجاد من قال.

١٦٢

وكيف صيرتم الاجماع حجّتكم

والناس ما اتفقوا يوما ولا اجتمعوا

امر علي بعيد عن مشورته

مستكره فيه والعباس ممتنع

وليس يخفي على ذي اطلاع ما وقع بين الصحابة في خلافة ابي بكر من الخصام والنزاع ، وان اكثر من بايعه ليس على وجه الرضا ، وسيأتي جملة من بيان ذلك وقد مضى شيء منه اشارة فلا اجماع ولا اتفاق ، وإن كان الاجماع اتفاق جماعة ولو كانوا اثنين او ثلاثة فذلك مخالف لما ذكروه من معنى الاجماع ، بل ليس اجماعا قطعا وجزما اذ لو كان كذلك لكان كل قول اتفق عليه ثلاثة مثلا كان اجماعا فاذن كثرت الاجماعات وتعارضت وفساد هذه الدعوى بين لا يحتاج الى البيان الذي فهم.

الثالث منع حجية الاجماع المدعى ، وذلك انا بينا فيما مر ان الاجماع لا يكون حجة الا بدخول من لا يجوز عليه الخطأ في جملة المجمعين ، ومن المتفق عليه بين المسلمين انه لا معصوم من الداعين الى بيعة ابي بكر ولا من المبايعين ، بل لم تدع العصمة لرجل من الصحابة اذ ذاك إلا لعلي (١) (عليه‌السلام) وقد صح عند كل الامة ان عليا لم يدخل في بيعة ابي بكر وابي خلافته وانكرها وما زال منكرا لها حتى اكره على البيعة وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما (٢) ان عليا (عليه‌السلام) امتنع من بيعة ابي بكر مدة حياة فاطمة وقد عاشت بعد ابيها ستة اشهر فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي (عليه‌السلام) فضرع الى مبايعة ابي بكر ، ومن اليقين ان البيعة لو كانت حقا لما قعد عنها علي (عليه‌السلام) (وهو مع الحق والحق

__________________

(١) باعتبار قول الامامية بعصمته.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ٨٢ كتاب المغازي باب غزوة خيبر وصحيح مسلم ٥ / ١٥٤.

١٦٣

معه) (١).

وليس بعد الحق الا الضلال بنص الكتاب.

واما مبايعته أبا بكر بعد انصراف وجوه الناس عنه فامر اضطراري اذ لا يسعه الانفراد بنفسه ، على ان الامر خلاف هذا وانما ذكرنا الرواية حجة على الخصم ، وإذا لم يكن على الذي هو ثابت العصمة مع المجمعين فلا عبرة بالاجماع لو كان قد حصل ، والحاصل ان مبنى هذه الشبهة على الوثوق بجملة الصحابة والحكم عليهم بانهم لا يتعمدون مخالفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهذا المبني متهدم وسيتضح لك فساده تمام الاتضاح في الفصل الثاني ان شاء الله ، وانت بعد تأمل الادلة المتقدمة وما حررناه هنا لا تشك في بطلان هذه الشبهة واندفاعها.

الرابع ان الامامة لو كانت بالاختيار لم تكن ائمتهم أئمة لان معنى اختيار المسلمين هو اختيار اهل العلم والرأي منهم في جميع بلاد الاسلام ، واقل ما يفهم من الاختيار اختيار اهل الفضل والعلم من بلد الامام بان يجتمعوا بعد موته ويتشاوروا فيما بينهم ويجيلوا الرأي حتى تتفق كلمتهم على واحد معين وتظهر لهم جلية الحال فيه ، فإذا اجتمع رأيهم عليه بعد المشاورة والنظر بايعوه لا معنى للاختيار غير هذا ولا ريب ان البيعة لواحد اذا وقعت على غير هذا الوجه لم تكن واقعة باختيار المسلمين فتقع باطلة لبطلان شرطها وهو اختيار المسلمين ، ومن يدعي للاختيار معنى غير هذا فهو مكابر جاحد أو جاهل معاند ، ومعلوم ان واحدا من ائمتهم لم تقع إمامته على هذا الوجه ، هذا ابو بكر وهو رئيس ائمتهم لم تقع بيعته الا باختيار رجلين عمر بن

__________________

(١) ستأتي مصادر هذا الحديث في جملة الأحاديث التي أوردها المؤلف في فضائل الامام علي (عليه‌السلام).

١٦٤

الخطاب وابي عبيدة بن الجراح لم يحضرها من المهاجرين غيرهما وحضرها المغيرة بن شعبة وهو اذ ذاك ليس من اهل الشورى عند القوم وجميع اهل الفضل من المهاجرين غير حاضرين لم يشاوروا فيها ولم يناظروا ، والانصار وهم المعتمد في نصرة الاسلام نازعوا فيها وخاصموا فاخرجهم عمر بن الخطاب من الشورى بما روى عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (إن الأئمة من قريش) فلم يجعل لهم في الامامة اختيارا وكانوا قد اختاروا سيدهم سعد بن عبادة الخزرجي واقعدوه في سقيفة بني ساعدة ليبايعوه فابطل عمر وصاحباه امرهم بالرواية المذكورة تارة وبغيرها اخرى واخرجوهم من هذا الامر بالمرة ، وحسبك من ذلك قول عمر «كانت بيعة ابي بكر فلتة» (١) يعني بغير مشورة كما قاله تابعوه في معناها ، والا فالكلمة اعظم من ذلك كما يصرح به قوله بعد «وقي الله المسلمين شرها فمن عاد الى مثلها فاقتلوه» والكل مذكور مبين في مواضعه فاين اختيار المسلمين في هذا الامر واين مشاورتهم في هذه البيعة؟ وليس لاحد ان يدعي خلاف ذلك لانه يدخل حينئذ في حيّز العناد البحت والجهل الصرف بما وقع عليه امر بيعة الرجل فلم تكن بيعة ابي بكر واقعة باختيار المسلمين بالقطع واليقين ، وانما هي باختيار عمر وابي عبيدة خاصة ، فان قال قائل : ان اختيار الرجلين المذكورين ماض على جميع المسلمين فليس لهم بعد اختيارهما اختيار قلنا له : أولا هذا رجوع عن القول بالاختيار ومناقض له وعدول الى القول بالاختصاص ولا بد من ابطالك احد المتناقضين ، فأبطل ما شئت منهما تخصم ، ويقال له ثانيا : فيلزمك الحكم بفسق من تخلف من عظماء الصحابة عن بيعة ابي بكر ولم يعتد باختيار الرجلين ولا جعله مؤثرا شيئا حتى الزم قوم منهم بالمبايعة على غير وجه جميل

__________________

(١) روى هذه الفلتة البخاري في صحيحه ٨ / ٢١٠ كتاب المحاربين من اهل الكفر والردة باب رجم الحبلى ص ٨٦.

١٦٥

كعلي (عليه‌السلام) ومن معه مثل العباس وبني هاشم والزبير وسلمان والمقداد وابي ذر وعمار وبقي جماعة على الإباء والامتناع كسعد بن عبادة وتابعيه من حيث انهم لم يجعلوا اختيار عمر وابي عبيدة ماضيا عليهم ولم يرضوا بمن اختاراه ، قل ما شئت تخصم نفسك وتبطل مذهبك ان قلت : إن اختيار الرجلين غير ماض على المسلمين ابطلت تلك البيعة وطعنت في صحتها وعاقديها ، وان قلت ان اختيار الرجلين ماض على المسلمين طعنت فيمن رده وأبطله وجعل وجوده كعدمه ، فاختر ـ اعزك الله ـ من هذين الوجهين ما تريد يكن فيه ابطال مذهبك وتكذيب دعواك هذه الحال في بيعة ابي بكر.

واما خلافة عمر فانها صدرت باختيار ابي بكر خاصته ولم تكن بمشاورة غيره ، وطلب فيها طلحة الشورى واباها هو وقوم معه اشد الآباء وأزرى على ابي بكر استخلافه عمر وخوفه من الله في ذلك ، فجبهه أبو بكر وتنقصه بان قال له «عمر خير الناس وانت شرهم (١)» وتهدده وتوعده بما هو عند مخالفينا مذكور وفي كتبهم مسطور وقد مر عليك ذكره ، فاين اختيار المسلمين في هذه البيعة ،؟ بل هي اعظم من سابقتها اختصاصا ومن اين جاز لابي بكر ان يجعل لعمر الخلافة من غير مشاورة المسلمين من اهل السابقة والعلم والدين من الصحابة وهو يعلم انها لا تصح الا باختيارهم كما قلتم؟ وكيف زاد على ما فعل باجبار من ابى عن بيعة عمر مع سبقه عليه اسلاما وكونه اكثر منه جهادا على طاعته؟ وكيف استحل عمر الولاية من جهة ابي بكر خاصة مع عدم رضا جماعة من اعيان المسلمين وهو القائل لأبي بكر حين اقطع عينيه بن حصين والأقرع بن حابس (٢) ارضا بعد ما استشار من حوله من المسلمين

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١ / ٦٥ و ١٩٥.

(٢) عينية بن حصن الفزاري أسلم بعد الفتح وشهد حنينا والطائف وكان من المؤلفة قلوبهم ومن الأعراب الجفاة وارتد بعد وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وتبع طليحة الأسدي وقاتل معه وأسر وحمل الى أبي بكر فكان صبيان المدينة يقولون له يا

١٦٦

«اخبرني عن هذه الارض التي اقطعتها هذين الرجلين أهي لك خاصة أم بين المسلمين؟ قال : بين المسلمين ، قال : فما حملك أن تخصّ بها هذين دون جماعة المسلمين قال : استشرت الذين حولي ، فاشاروا بذلك ، فقال : أفكل المسلمين اوسعتهم مشورة ورضا» فقال «ابو بكر «فقد كنت قلت لك انك اقوى على هذا الامر مني لكنك غلبتني» وقد كان قبل ان يأتي أبا بكر ويسأله بما سمعت اخذ كتاب الاقطاع من الرجلين ثم تفل فيه فمحاه كما رواه اولياؤه من فعله ٣ فوا عجباه من عمر يرد اقطاع ابي بكر لعيينة والاقرع أرضا خربة مع رضا كثير من المسلمين بذلك لعدم رضا جميعهم ثم يتولى الخلافة بقول ابي بكر وعهده إليه مع عدم رضا جماعة من المسلمين مثل طلحة واضرابه ولم يقل لأبي بكر لا أتولى بقولك حتى توسع كل المسلمين عذرا ومشورة؟ واين هو اذ ذاك عن كلامه الاول وهو يعلم ان الخلافة باختيار المسلمين فأين الاختيار وأين المشورة في خلافته وهل هي الا فلتة كالأولى؟! ثم البيعة الثالثة لعثمان مثلها فان عمر قصر الاختيار فيها في ستة اخرج جميع المسلمين منها ومن المشورة فيها ثم اخرج منها خمسة وقصرها على رأي واحد وهو عبد الرحمن بن عوف وابطل اختيار الباقين ، وامر بقتل من خالف عبد الرحمن من الخمسة وغيرهم وبقتل الستة جميعا إن مضت ثلاثة ايام ولم يبايعوا الواحد منهم ، فأين اختيار المسلمين في ذلك؟ واين وقوع هذه

__________________

عدو الله كفرت بعد إيمانك فيقول : ما آمنت بالله طرفة عين وأسلم فاطلقه ابو بكر (رضي الله عنه) ، (أسد الغابة ٤ / ١٦٧).

وأما الأقرع بن حابس فهو من بني تميم وفد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) مع أشراف قومه بعد فتح مكة وجرت بينهم وبين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) محاورة لطيفة نقلها ابن الأثير اسد الغابة ١ / ١١٩ بترجمة الأقرع بن حابس المذكور وأسلم الأقرع يومئذ وكان شريفا في الجاهلية والاسلام وشهد فتح الأنبار مع خالد بن الوليد واصيب بالجوزجان وكان قد بعثه عبد الله بن عامر على جيش بعثة الى خراسان.

١٦٧

البيعة باختيارهم؟ وانما وقعت بخيرة عبد الرحمن خاصة وكان جماعة من خيار الصحابة كعمار بن ياسر والمقداد بن الاسود وامثال هذين وسعد بن ابي وقاص في رواية كلهم اشاروا على عبد الرحمن بمبايعة علي بن ابي طالب (عليه‌السلام) وترك مبايعة عثمان فلم يلتفت الى قولهم ولم يشر بمبايعة عثمان الا رجل طليق من بني مخزوم ممن لا تجوز مشاورة مثله في تمرة من بيت مال المسلمين (١) فضلا عن الرئاسة العامة على الامة فأين اختيار اهل الفضل من الصحابة لهذه البيعة؟ وكل هذه الامور معلومة لا يستطيع احد الى انكارها سبيلا فاللازم على الخصوم اما القول ببطلان اختيار المسلمين في الامامة وانها كالملك الجبري تكون لمن غلب كما هي حالها بعد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واما القول ببطلان إمامة الثلاثة لعدم وقوعها باختيار المسلمين كما عرفت او الحكم بفسق كثير من الصحابة الطاعنين في تلك المبايعات والرادين لها كما مر عليك بيانه مشروحا في المقام وان كان مختصرا وكل ذلك لا يقول به الخصوم فما ادرى ما ذا يقولون؟ وبما ذا يجيبون في هذه الامامة التي يقولون انها باختيار المسلمين ثم يعقدها لواحد آخر على رغم اناف المسلمين ، فما اشد مناقضة هذا الفعل لذلك القول ، ومن هذا يعلم ان الامامة لا تصح بالاختيار ، وانها لم يلها احد باختيار المسلمين من أئمة القوم بالمرة فلا بد في صحتها وثبوتها من النص وقد تبين غاية التبيين من جميع ما ذكرناه ان كل من ادعى الامامة او ادعيت له بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ما خلا عليا (عليه‌السلام) ليست إمامته صحيحة لفقدانهم الشروط الواجبة في الامام بالأدلة القاطعة والبراهين النيرة اللامعة من العصمة والقرابة والنص عليهم من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والفضل لا سيما بالمعنى الثاني من معنييه وهو الجمع للصفات الحميدة

__________________

(١) الرجل المقصود عبد الله بن سعد بن أبي سرح واشارته نقلها ابن ابي الحديد في شرح النهج ١ / ١٩٣ كما نقل إشارة سعد والآخرين كما في المتن.

١٦٨

لقصورهم عن كثير من الصحابة في ذلك فضلا عن ان يوازنوا فيها امير المؤمنين ، ولم يكن احد منهم إماما بالنص عليه من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) باتفاق الامة واقرار الخصوم ، واذا بطلت إمامة الكل ما خلا إمامنا عليا (عليه‌السلام) تعين ان يكون هو الامام بالضرورة لعدم جواز إمامته غيره ، وعدم جواز خلو الارض من امام وذلك هو المطلوب والمراد ، ولنختم هذا الفصل بايراد حديث شريف في هذا المعنى رواه الشيخان الجليلان محمد بن يعقوب الكليني ، ومحمد بن علي بن بابويه القمي واللفظ هنا لمحمد بن يعقوب قال قدس الله نفسه وطهر رمسه ابو محمد القاسم بن العلاء رحمه‌الله رفعه عن عبد العزيز بن مسلم قال كنا مع الرضا بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فاداروا امر الامامة وذكروا اختلاف الناس فيها فدخلت على سيدي (عليه‌السلام) ـ يعني الرضا ـ فاعلمته خوض الناس فيه فتبسم ثم قال : (يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم ان الله عزوجل لم يقبض نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حتى اكمل له الدين وانزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء بين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا ، فقال الله عزوجل (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) (١) وانزل في حجة الوداع وهي آخر عمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٢) وامر الامامة من تمام الدين ولم يمض (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق واقام لهم عليا (عليه‌السلام) علما وإماما وما ترك شيئا تحتاج إليه الامة الا بينه فمن زعم ان الله عزوجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ومن رد كتاب الله فهو كافر ، هل يعرفون قدر الامامة ومحلها من الامة فيجوز فيها

__________________

(١) الأنعام : ٣٨.

(٢) المائدة : ٣.

١٦٩

اختيارهم ، إن الامامة اجل قدرا واعظم شأنا وأعلا مكانا وامنع جانبا وابعد غورا من ان يبلغها الناس بعقولهم او ينالوها بآرائهم او يقيموا إماما باختيارهم ، ان الامامة خص الله عزوجل بها ابراهيم الخليل بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها واشار بها ذكره فقال : (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) فقال الخليل (عليه‌السلام) سرورا بها (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) قال الله تبارك وتعالى : (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (١) فابطلت هذه الآية إمامة كل ظالم الى يوم القيامة وصارت في الصفوة ، ثم اكرمه الله تعالى بان جعلها في ذرية اهل الصفوة والطهارة فقال : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) (٢) فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله عزوجل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فقال جل وتعالى (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (٣) فكانت له خاصة فقلدها (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليا (عليه‌السلام) بأمر الله عزوجل على رسم ما فرض الله فصارت في ذريته الاصفياء الذين اتاهم الله العلم والايمان بقوله جل وعلا (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ) (٤) فهي في ولد علي (عليه‌السلام) خاصة الى يوم القيامة اذ لا نبي بعد محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فمن أين يختار هؤلاء؟!.

ان الامامة هي منزلة الأنبياء ووراثة الأوصياء.

__________________

(١) البقرة : ١٢٤.

(٢) الأنبياء : ٧٣.

(٣) آل عمران : ٦٨.

(٤) الروم : ٥٦.

١٧٠

إن الامامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ومقام امير المؤمنين وميراث الحسن والحسين (عليهما‌السلام)

إن الامامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين.

إن الامامة اس الاسلام النامي وفرعه السامي ، بالامام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وامضاء الحدود والاحكام ومنع الثغور والاطراف.

الامام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ويدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة.

الامام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الافق بحيث لا تنالها الايدي والابصار.

الامام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى واجواز البلدان والقفار ولجج البحار.

الامام الماء العذب على الظمأ والدال على الهدى والمنجي من الردى.

الامام النار على اليفاع الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك من فارقه فهالك.

الامام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والسماء الظليلة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة.

الإمام الانيس الرفيق والوالد الشفيق والاخ الشقيق والام البرة بالولد الصغير ومفزع العباد في الداهية النئاد.

الامام أمين الله على خلقه وحجته على عباده وخليفته في بلاده والداعي الى الله والذاب عن حرم الله.

١٧١

الامام المطهّر من الذنوب والمبرأ من العيوب المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.

الامام واحد دهره لا يدانيه احد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب بل اختصاص من المفضل الوهاب ، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام او يمكنه اختياره ، هيهات هيهات ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الالباب وخسئت العيون وتصاغرت العظماء وتحيرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الالباء وكلت الشعراء وعجزت الادباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه وفضيلة من فضائله واقرت بالعجز والتقصير ، وكيف يوصف بكله او ينعت بكنهه ، او يفهم شيء من امره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه لا كيف واني وهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين؟ فأين الاختيار من هذا وأين العقول عن هذا وأين يوجد مثل هذا؟ يظنون ان ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كذبتهم والله انفسهم ومنتهم الاباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تزل عنه الى الحضيض اقدامهم راموا إقامة الامام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلة فلم يزدادوا منه الا بعدا قاتلهم الله اني يؤفكون ولقد راموا صعبا وقالوا افكا وضلوا ضلالا بعيدا ووقعوا في الحيرة اذ تركوا الامام عن بصيرة وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الى اختيارهم والقرآن يناديهم (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١) وقال عزوجل (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ

__________________

(١) القصص : ٦٨.

١٧٢

وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١) الآية وقال (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ) (٢) وقال عزوجل (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) أم (طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أم (قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) أم (قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا) بل هو (فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فكيف لهم باختيار الإمام والامام عالم لا يجهل وراع لا ينكل معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة مخصوص بدعوة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ونسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب ولا يدانيه ذو حسب في البيت من قريش والذروة من هاشم والعترة من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والرضا من الله عزوجل ، شرف الاشراف والفرع من عبد مناف نامي العلم كامل الحلم مضطلع بالامامة عالم بالسياسة مفروض الطاعة قائم بامر الله عزوجل ناصح لعباد الله حافظ لدين الله إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق علم اهل زمانهم في قوله جل وتعالى (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (٣) وقوله تبارك وتعالى (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (٤) وقوله في طالوت (إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ

__________________

(١) الأحزاب : ٣٦.

(٢) القلم : ٤٠.

(٣) يونس : ٣٥.

(٤) البقرة : ٢٦٩.

١٧٣

وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (١) وقال لنبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (٢) وقال في الأئمة من اهل بيت نبيه وعترته وذريته (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) (٣) وان العبد اذا اختاره الله عزوجل لامور عباده شرح صدره لذلك واودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم الهاما فلم يعي بعده بجواب ولا يحير فيه عن الصواب فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد آمن من الخطأ والزلل والعثار ، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه و (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (٤) فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه ، او يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه تعدوا ـ وبيت الله ـ الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون ، وفي كتاب الله الهدى والشفاء فنبذوه واتبعوا اهواءهم فذمهم الله ومقتهم وانفسهم فقال جل وتعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٥) قال (فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) (٦) وقال (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (٧) وصلى الله على النبي محمد وآله وسلم تسليما كثيرا تمام

__________________

(١) البقرة : ٢٤٧.

(٢) النساء : ١١٣.

(٣) النساء : ٥٤.

(٤) الجمعة : ٤.

(٥) القصص : ٥٠.

(٦) محمد : ٨.

(٧) غافر : ٣٥.

١٧٤

الخبر (١). وهو كما ترى قد اشتمل على المطالب الجليلة وصرح بالفوائد الجزيلة نسأل الله التوفيق لفهم معانيه والعمل على ما فيه انه خير مسئول واكرم مأمول.

__________________

(١) الكافي ١ / ١٥٤ إكمال الدين ص ٦٣٢.

١٧٥
١٧٦

الفصل الثاني

في ذكر النصوص على امير المؤمنين والأئمة (عليهم‌السلام)

وهو يشتمل على مسائل :

١٧٧
١٧٨

المسألة الأولى : في ايراد النصوص على سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب (عليه‌السلام) بالامامة ، واعلم ان لأصحابنا في اثبات الإمامة لأمير المؤمنين (عليه‌السلام) بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بلا فضل ثلاثة طرق.

الأوّل : ابطال إمامة غيره ممن ادعيت له الامامة بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لتثبت له الامامة بالضرورة.

الثاني : النصوص الواردة في إمامته من الكتاب والسنة النبوية.

الثالث : ظهور المعجز على يده مع دعواه الإمامة.

أمّا الطريق الأول فقد بيناه في آخر الفصل الأول بما يكفي في البيان لأولي الأذهان وسيأتي في مطاوى هذا الفصل له مزيد تبيان إن شاء الله.

وأما الطريق الثاني : فنقول إن الامامية وجملة من فرق الشيعة متفقون على أن المنصوص عليه من الله ومن الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بالامامة بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) هو علي بن أبي طالب (عليه‌السلام) فيكون هو الامام بعده (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) إذ لا نص على غيره باتفاق الأمة ، وزعم ابن ابي الحديد وشيوخه المعتزلة كالأشاعرة انه لا

١٧٩

نص على علي (عليه‌السلام) بالامامة صريحا يقطع العذر ويقيم الحجة وإنما كان هناك تلويح لا تصريح وتعريض لا توضيح لا تثبت به الحجة القاطعة للمنازعة وانما طلبها بالأفضلية والقرابة من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، والأشاعرة قالوا بعدم النص على علي (عليه‌السلام) وانّ أبا بكر احق منه بالخلافة لأنه افضل ، وغير ذلك. مما تصدى قوم من اصحابنا لإبطاله وابطلوه ، وستسمع في كلامنا إفساده بحول الله وقوته ، فلنجعل أصل المناظرة هنا مع ابن ابي الحديد ونقتصر من النصوص على جملة مما رواه هو وصححه ، او ما روى في الكتب الصحيحة بزعمه وقبل ذكر النصوص لا بد من بيان معنى النص في هذا المقام فنقول : المراد بالنص في هذا الموضع الأمر الدّال على الامامة بالصريح من فعل وقول ، فالفعل مثل تأهيل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) رجلا لامرة لا يصلح ذلك الفعل إلا له (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، مثل أن يعلم من قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه لا يبلغ عنه الأمر الفلاني مثلا إلا من كان صالحا لأن يقوم مقامه فيبعث رجلا للتبليغ عنه فانه يعلم بهذا الفعل أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أهّله لمقامه من بعده ورشحه لخلافته ويكون المخالف له رادا للنص وطاعنا فيه ، والقول ما افاد معنى الامامة اما بلفظها أو ما يقاربه في المعنى كلفظ الأمرة والأمارة وما شاكلهما ، أو بلفظ الوصي والخليفة والوزير وشبهه ، أو بلفظ الطاعة مثل أن يقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فلان امام بعدي أو اميركم وشبههما ، أو هو وصيي وخليفتي أو طاعته طاعتي ، أو هو وزيري ، أو ان يقول هو مثلي أو تمسكوا به من بعدي ، أو هو وليكم ، او منزلته مني منزله فلان من فلان ويشير الى خليفة نبي فهذه الألفاظ كلها دالة على الامامة فهي نصوص صريحة فيها من غير ضم شيء إليها داخلي أو خارجي ، ومثلها فلان وارثي فلان أحق بمقامي اولى بي فلان المختار بعدي فلان سيد أمتي ، وقد يفيدها ألفاظ أخر كقول النبي (صلى الله

١٨٠