🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

والآفات الردّية والخلائق الغير المرضية ، كالبخل والجبن والغلظة والفظاظة والبرص والجذام والعنن وغيرها من الأمراض المنفّرة والمسقطة لمحل الامام من القلوب كل ذلك لمنافاتها منصبه واحتمال وقوعه في المعصية لو كان بخيلا أو جبانا باستئثاره بمال أو منعه حقّا أو فراره من زحف ، ويكون أيضا منزها عن الطعن في نسبه وقد ذكر في اخبارنا وذكره أيضا بعض أصحابنا انّه يشترط في الامام ان يكون مسلما لا عن كفر استناد الى آية الخليل ، وقد علمت ان اشتراطنا العصمة في جميع العمر يكفي عنه لدخوله فيه وقد قال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (من عبد صنما ووثنا لا يكون إماما).

المسألة الثانية (١) :

يجب ان يكون الامام أفضل أهل زمانه لنذكر أوّلا معنى الفضل فنقول الفضل على معنيين احدهما كثرة الثواب فيقال : زيد مثلا أفضل من عمرو أي اكثر ثوابا منه ، والثاني الجمع للخصال الحميدة من العلم والحلم والعبادة والسّخاوة والشجاعة وغير ذلك كما يقال فلان افضل من فلان أي اجمع منه لخصال الخير وأرجح منه فيها ، ومن المعنى الاوّل قوله تعالى : (فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) (٢) أي جعل له ثوابا زائدا على القاعدين ، ومنه ما ورد في الحديث (ركعتان يصليهما متزوّج افضل من سبعين ركعة يصلّيها اعزب) (٣) وما ورد (انّ العالم افضل من سبعين عابدا) (٤) وما اشبه ذلك ومن المعنى الثّاني قوله تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) (٥) يريد انه

__________________

(١) ينظر في هذه الرواية وامثالها كتاب تحفة العالم.

(٢) أي من مسائل شروط الامام.

(٣) النساء : ٩٥.

(٤) الوسائل ١٤ / ٦ كتاب النكاح ب ٢ ح ١.

(٥) الاسراء : ٧٠.

١٢١

جمع لهم خصالا زائدة على خصال كثير من خلقه وليس يريد الثواب لدخول الكفّار في الآية والكافر لا ثواب له يقينا ، وقوله تعالى : (وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) (١) وقوله تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (٢) يحتمل المعنيين وهو في لفظ التّفضيل والايتاء اقرب الى الثّاني كما ان لفظ ورفع الى درجات يختصّ بالاوّل وقوله تعالى : (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (٣) يحتمل الوجهين أيضا ، اذا تبيّنت ذلك فاعلم ان اصحابنا الامامية قد اتفقوا على انّه يشترط في الامام ان يكون افضل اهل زمانه من رعيّته بالمعنيين جميعا وهذا القول هو المعتمد ولنا على صحته وجهان من الدّليل احدهما خاص والثّاني عام.

فالاوّل : في المعنى الاوّل انّ الامام متحمل اعباء الخلافة وقائم بارشاد الامّة ومقيم للوظائف الشّرعية مجرّد نفسه لسياسة الرّعية وحماية حوزة الدّين ولم شعث المسلمين مكاشف للأباعد والاقارب في إمضاء الاحكام واقامة الحدود على جميع اهل الاسلام فكان تكليفه اشق من غيره فوجب ان يكون ثوابه اكثر لانّ كثرة المشقة في التكليف توجب الاكثريّة في الثواب ، ولانّ الامام متبوع ومن سواه من الرّعية تابع له ومقتد به والمتبوع يجب ان يكون اكثر ثوابا من التابع كما يرشد إليه حديث (من سن سنة كان له اجرها واجر العامل بها الى يوم القيامة من غير ان ينتقص من اجورهم شيء) (٤) ولذا

__________________

(١) الرعد : ٤.

(٢) البقرة : ٢٥٣.

(٣) الاسراء : ٥٥.

(٤) صحيح مسلم ٨ / ٦١ وفي الدر المنثور / : (من سن خيرا كان له اجره ومن اجور من تبعه غير منتقص من اجورهم شيئا ... الحديث).

١٢٢

كان صلحاء الصّحابة افضل من صلحاء من بعدهم لانّهم السّابقون الى الدّين ومتبوعون فيه وغيرهم تابع لهم.

وفي المعنى الثّاني : امّا اشتراط كون الامام اعلم من كلّ رعيّته فلانّه مقتدى الامّة فلو كان فيهم من هو اعلم منه لوجب عليه الاقتداء بذلك الغير فخرج الامام عن كونه مقتدى الامّة فلم يكن إماما ، ولانّه الّذي ترد إليه الامّة الامر عند التنازع فيرفع عنهم الاختلاف بيانه كما دلت عليه آية : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (١) على ما مر من توضيحها ، واذا كان في المختلفين من هو أعلم منه لم يرتفع الخلاف ببيانه بل احتاج هو الى بيان ذلك الاعلم فلم يحصل بالردّ إليه الغرض من رفع الاختلاف وازالة الشبه وذلك خلاف المراد من الردّ فوجب ان يكون هو الأعلم وانّ علمه لا يتغير ولا يختلف كما مرّ عليك بيانه في المقدّمة وبعضه في المسألة الاولى.

وامّا اشتراط كونه أسخى فلأنّه ولي أموال المسلمين وخازنها فاذا لم يكن سخيّا تاقت نفسه الى جمع المال وادخاره فساءت حاله عند أصحابه وسقطت من القلوب منزلته ، اذ من المعلوم انّ السّخي الباذل تكون له جلالة عظيمة في النّفوس وقبول عند الناس ومحبّة اكيدة وموقع في القلوب ، والامام أولى بذلك كلّه من غيره وأحوج الى أن تقع جلالته في النّفوس فيحصل المسارعة الى انفاذ أوامره ونواهيه ، ويكون مرجوا سيبه (٢) ممدودة إليه اعناق الرجال ، وهكذا يجب أن يكون الامام ، وانّ البخيل الشحيح لا جلالة له في النفوس ولا تعظيم ولا محبة ولا قبول ، بل يكون ثقيلا على القلوب محقّرا عند العباد ، والامام يجب أن يكون منزّها عن ذلك لانه ينافي ما يجب من ولايته ، ولأجل

__________________

(١) النساء : ٨٣.

(٢) السيب : الماء الجاري ، والمراد به هنا النقع.

١٢٣

ما ذكرنا يجب ان يكون الامام ازهد اهل زمانه واورعهم واتقاهم واكثرهم على المندوبات مواظبة وللمكروهات الشرعيّة اجتنابا ليكون اعبد النّاس وابعدهم عن همز هامز ولمز لامز.

واما اشتراط كونه احلم الناس فللعلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه لنبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (١) وإذا كانت الغلظة في النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو صاحب الشريعة موجبة لانفضاض الناس عنه فهم الى الانفضاض عن الامام بها اقرب ، ولانه لو كان في الرعية من هو احلم من الإمام لكان عند الناس اكمل وكانت القلوب إليه اميل والإمام احق بهذه المرتبة فوجب ان يكون احلم من رعيته ليعظم قدره في النفوس وتأتلف له القلوب ، ومن هنا يجب ان يكون خاليا من العجلة والطيش والتضجر والتبرم في مقام الحكم والفتوى وقسمة الفيء والاموال ، متأنيا في الامر وفيما يردّ عليه من الوقائع والحوادث ومحاورة الخصوم لأنه الحاكم بين المسلمين والقاسم لفيئهم واموالهم من الصدقات والغنائم وغير ذلك من الحقوق وليتمكن سائله من طلب التفهم والخصم عنده من بيان حجته والشاهد من ان يتتعتع في شهادته الى غير ذلك من المصالح التي يتوقف عليها حصول ميزان العدل والانصاف الذي يقوم به الامام.

واما اشتراط كونه اشجع فلأنّ الإمام الفئة التي يرجع إليها المسلمون في القتال فإذا لم يكن اثبت منهم قلبا وأمضى منهم في جهاد العدو فاذا ما حاد كما يحيدون (٢) وفر كما يفرون فلأي فئة حينئذ يرجعون ، ومن هذا يشترط أن يكون الإمام أقوى اهل زمانه في امر الله تعالى لأنه المتولى لانفاذ الاحكام

__________________

(١) آل عمران : ١٥٩.

(٢) حاد : انحرف.

١٢٤

وإقامة الحدود واخذ القصاص وتجهيز الجيوش وسد الثغور ، وإذا لم يكن اقوى الأمة في ذلك قصر عما لا يقصر عنه غيره وذهب بقصوره جملة من مصالح نصبه ، ومن ذلك يجب ان يكون أسدّ النّاس رأيا وأحسنهم للامور تدبيرا فيما لا يخالف الشرع ، واصبرهم على احتمال المكاره وتحمل الشدائد في جنب الله ليكون القدوة للرعية في الصبر والاحتمال ، وقد اشار الى ذلك كله أمير المؤمنين (عليه‌السلام) في خطبة له قال فيها (ايها الناس ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واعلمهم بامر الله فيه) (١) وقال في اخرى : (ان اولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاءوا به) قال المعتزلي الرواية اعلمهم والصحيح اعملهم (٢) أقول ولا مناقشة معه في ذلك لأن الكلام على كلا الوجهين دال على قولنا باوضح دلالة وقال (عليه‌السلام) : (ان العجلة والطيش لا تقوم بهما حجج الله وبيناته) الى غير ذلك من اقواله.

والثاني (٣) من وجوه

الاول العقل وبيانه ان تقديم المفضول على الافضل قبيح عقلا ، وتقديم المساوى ترجيح بدون مرجح ، وهو أيضا قبيح فانا نقطع بذم العقلاء رجلا اراد سلوك طريق لحاجته إليه وقد اخبره رجل ثقة عالم بتلك الطريق مجرب لها مطلع على أخبارها بأنّها طريق حزنة (٤) لا يمكن السلوك فيها الا بشدة المشقة فترك سلوكها وفوّت نفسه الحاجة ترجيحا لقول هذا الجاهل غير الثقة على

__________________

(١) نهج البلاغة من الخطبة ١٧٠.

(٢) شرح نهج البلاغة ١٨ / ٢٥٢ وانظر مصادر نهج البلاغة وأسانيده ٤ / ٩٠.

(٣) أي الثاني وهو العام من وجهي الدليل على وجوب افضلية الامام فهو من وجوه الأول الخ.

(٤) الحزن ـ بفتح فسكون ـ : ما غلظ من الأرض ، يقال : في الطريق حزونة أي ضد السهولة.

١٢٥

قول ذلك العالم الثقة المجرب ، ونجزم بتوجه العقل الى تجهيله في ذلك ولومه وعذله على ترجيحه خبر ذلك الجاهل على خبر ذلك المطلع الثقة وتفويته حاجته لذلك ، وهذا أمر وجداني لا شك فيه ، وما ذاك الّا لما ارتكز في العقول السليمة من قبح تقديم المفضول على الافضل ولزوم العكس ، وأيضا انّ المقطوع به من سيرة الناس في الاعصار والامصار من المسلمين والكفار استقباح تقديم اهل الغباوة والحمق في جميع الامور التي لها شأن وخطر على ذوي الفطنة والذكاء ، وتقديم المتهورين على ذوي الآراء السديدة في المشورة وإجالة الرأي في عقد او حل ، وتقديم من ليس كاملا ومتقنا في الصناعات والحرف على أولى الكمال والاتقان فيها ، وما ذاك إلا لاستقباح العقول تأخير الأفضل وتقديم المفضول ، فيثبت ذلك في الشرع اذ لا تخالف بين العقل والشرع في المعلومات والمعتزلة يسلمون ذلك فيثبت المطلوب.

الثاني النقل من الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (١) فأوجب الكون مع الصادق ، ولا يتم الا بترك الكون مع غير الصادق مع فرض اختلافهما فتكون الآية نصا في وجوب تقديم الأفضل على المفضول ، وقوله تعالى (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (٢) وهذه الآية صريحة في ان الهادي الى الحق بعلمه احق بالاتباع ممن يحتاج في الاهتداء الى من يهديه والأحق بالشيء من ليس لغيره فيه حق معه فالآية ناصة كالأولى على وجوب اتباع الافضل وترك المفضول ، وحاثة على ذلك بأشدّ ما يكون من الحث ، ومهددة على المخالفة كما هو صريح قوله تعالى (فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) فثبت من صريحها وجوب تقديم الأفضل على المفضول على ان ابن ابي الحديد قد

__________________

(١) التوبة : ١١٩.

(٢) يونس : ٣٥.

١٢٦

استدل بها على تحريم القول بأفضلية غير علي (عليه‌السلام) وسمّاه منكرا ، وحكم أنّ الآية ناهية عنه ، واذا استدل بها على تحريم تفضيل غير علي (عليه‌السلام) عليه لفضله الظاهر وجب ان يحرم اتباع غيره لذلك لأنها في النهي عن اتباع المفضول وترك الأفضل نص ، وفيما ذكره باللزوم وقوله عز من قائل (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) (١) فبين عزوجل انه لا تجوز التسوية بين العالم وبين غير العالم فمن قدم غير العالم على العالم واقتدى به وترك العالم فقد رجح غير العالم على العالم ، وإذا كانت التسوية بينهما غير جائزة بصريح الآية فكيف يجوز تقديم المرجوح منهما على الراجح؟ فالآية ظاهرة ظهورا بينا في لزوم تقديم الأفضل على المفضول ، وغير ذلك من الآيات التي يطلع عليها من طلب علم القرآن وتأمل دلالاته

ومن السنة كثير فمنها ما رواه ابن ابي الحديد عن احمد بن حنبل في كتاب الفضائل قال خطب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الناس يوم الجمعة فقال : (قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها ، قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم ، وامانة رجل من قريش تعدل امانة رجلين من غيرهم ، أيها الناس اوصيكم بحب ذي قرباها اخي وابن عمي علي بن ابي طالب (عليه‌السلام) (٢) الخبر وهو صريح في وجوب تقديم قريش لفضلها على الناس ، وتقديم علي لفضله عليها فدل على ما قلناه ومما يرشد الى ذلك مما لا ينكر من فعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه لم يؤمر على علي (عليه‌السلام) احدا من الصحابة وأمر على من سواه الامراء وأمّره هو على كل من كان من الصحابة في مواضع كثيرة وما ذاك إلا لأن عليا (عليه

__________________

(١) الزمر : ٩.

(٢) شرح نهج البلاغة ٩ / ١٧٢. وكنز العمال للمتقي الهندي ٧ / ١٤٠.

١٢٧

السلام) افضل الصحابة وانه لا يجوز تقديم المفضول على الأفضل وهذا الوجه بعينه استدل به ابو سعيد الحسن البصري (١) على افضلية علي (عليه‌السلام) على جميع الصحابة وقد رواه عنه ابن ابي الحديد وصححه عنه (٢) ومنه يستفاد وجوب تقديم الافضل ، ولو لا ذلك لامر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على علي (عليه‌السلام) من الصحابة في وقت من الاوقات ، بل لو كان ذلك جائزا لوجب على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ان يفعله وقتا ما ليبين للناس الجواز ، فإن قيل : انما لم يأمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على علي (عليه‌السلام) غيره لانه اشجع من غيره واعرف بقيادة الجيوش ، قلنا : فهذا اعتراف منك بان الافضل مقدم على المفضول ، وهو عين مدعانا لانا ندّعي انه لا يجوز تقديم أحد في امر على من هو أفضل منه فيه ، وأنت باعتراضك اعترفت لنا بما ندعى.

ومنها ما صح روايته عند الخصوم واشتهر بينهم انه لما طعن الصحابة على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في تأميره اسامة بن زيد (٣) على جلة

__________________

(١) أبو سعيد الحسن بن يسار مولى زيد بن ثابت الأنصاري وأمه خيرة مولاة أمّ سلمة زوجة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وكان يتهم بالانحراف عن علي (عليه‌السلام) حتى عده ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ٤ / ٩٥ من المبغضين لعلي (عليه‌السلام) وقال ابن حجر في تقريب التهذيب ١ / ١٦٥ كان يرسل كثيرا ويدلس وكان يروي عن جماعة لم يسمع منهم ويقول : حدثنا وكذلك قال عنه في تهذيب التهذيب ١ / ٢٧٠ ومع ذلك فقد وثقة مات سنة ١١٠.

(٢) شرح نهج البلاغة ٣ / ٩٥.

(٣) أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) امة أم أيمن أمره رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على البعث الذي أراد تنفيذه قبيل وفاته وله من العمر ثماني عشرة سنة ، امتنع من البيعة لعلي (عليه‌السلام) ولم يشهد معه مشاهده توفي بالمدينة أواخر ايام معاوية على اختلاف في سنة وفاته.

١٢٨

المهاجرين والانصار وقالوا يؤمر هذا الغلام الحدث على جلة المهاجرين والانصار قام خطيبا فقال فيما اجابهم به : (لأن طعنتم على في تأميري اسامة فقد طعنتم في تأميري اباه من قبله وايم الله انه كان لخليقا بالامارة وابنه من بعده لخليق بها وانهما لمن احب الناس إليّ) الى قوله (فانه من خياركم (١)) فما نرى الصحابة رجعوا في انكارهم الا الى قبح تقديم المفضول على الافضل لزعمهم ان في القوم الذي امر عليهم اسامة من هو افضل منه وما نرى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اجاب عن انكارهم الا بان اسامة خليق بالامارة لأنه من خيارهم ولم يجبهم بانه لا بأس بتقديمه لأن المفضول يجوز تقديمه على الافضل ومن هذا الخبر يعلم ان الصحابة لا يجوزون تقديم المفضول على الافضل وان غلطوا في التفضيل وانهم ان قدموا المفضول فهو خلاف مذهبهم او لتوهمهم افضليته غلطا.

ومنها ما رووه وصححوه من قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لأبي الدرداء (٢) حين كان يمشي امام ابي بكر (أتمشي امام من هو خير منك!) وهذه الرواية (٣) وإن لم تكن عندنا بشيء لكنا نحتج بها على مخالفينا من باب الزام الخصم بما الزم به نفسه وهي صريحة تمام الصراحة في قبح تقدم المفضول على الافضل في المشي فما ظنك في تقدمه عليه في الامامة والامر والنهي والحكم والصلاة وغير ذلك من المناصب الشرعية ، وهل تجويز ذلك الا مخالفة لما صح عندهم عن الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) على عمد.

__________________

(١) انظر شرح نهج البلاغة ١ / ١٥٨.

(٢) ابو الدرداء عامر بن زيد الأنصاري صحابي معروف ولي القضاء بدمشق لعثمان وتوفي بعد صفين على الأصح سنة ٨ أو ٣٩.

(٣) نور الأبصار للشبلنجي ص ٥٤ وفيه (خير منك في الدنيا والآخرة).

١٢٩

ومنها ما استفاض من طرقنا عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه قال (من أم قوما وفيهم من هو افضل منه لم يزل امرهم في سفال الى يوم القيامة) (١) وفي رواية اخرى (من تقدم قوما وفيهم من هو أعلم منه كبه الله على منخريه في النار) وهما صريحتان في المدعي وليس للخصوم ان يقدحوا فيهما بعد ما رووا عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ما يوافق مضمونهما مما مر ذكره وغيره ، وما يفهم من مذهب الصحابة مما مضى بيانه ويأتي عن قريب وقد تبين من جملة ما حررناه وجوب افضلية الامام على رعيته ، وانه لا يجوز ان يكون في رعية الامام من هو افضل منه بوجه من الوجوه ، وخالفنا في ذلك اكثر العامة من الاشاعرة وغيرهم فجوزوا إمامة المفضول ، وبالغ في ذلك المعتزلة غاية المبالغة فصححوا إمامة الخلفاء الثلاثة مع ذهاب المعظم من محققيهم كمعتزلة بغداد قاطبة وجماعة كثيرة من معتزلة البصرة الى تفضيل علي (عليه‌السلام) على جميع الصحابة بالمعنيين من التفضيل وصرح عز الدين عبد الحميد بن ابي الحديد المدائني وهو من اعاظم المعتزلة في شرح نهج البلاغة تمام التصريح (٢) به قال وهو يخبر عن الله بزعمه : وقدم المفضول على الافضل لمصلحة اقتضاها التكليف (٣) والمقصود من هذه العبارة ان الله أوجب الاقتداء بالمفضول واتباعه وترك اتباع الافضل للمصلحة المذكورة وفي كتابه عنه ونقلا عن اصحابه مثل هذا كثير

اقول وهذه الدعوى مع ما فيها من الافتراء على الله قد كذبتها ـ مضافا

__________________

(١) نقله المجلسي في البحار ج ٨٨ ص ٨٨ عن الصدوق في ثواب الأعمال وعلل الشرائع والمحاسن للبرقي والسرائر لابن ادريس بلفظ «الى سفال» بدل «في سفال».

(٢) شرح نهج البلاغة : ١ / ٩.

(٣) نفس المصدر : ١ / ١.

١٣٠

الى ما مضى من الأدلة ـ سيرة ائمة المعتزلي وما صح نقله عنده من طريقهم وذلك من وجوه.

الاول ان أبا بكر لما قال لأصحاب السقيفة «هذان عمر وأبو عبيدة فبايعوا احدهما» قال له عمر «كيف أتقدم عليك وانت اقدم مني اسلاما وانت صاحب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وثاني اثنين في الغار ، وقدمك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الصلاة رضيك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لديننا أفلا نرضاك لدنيانا»؟ وقال للناس «ايكم يطيب نفسا ان يتقدم قدمين قدمهما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الصلاة» (١) فنرى عمر لم يجوز لنفسه ولا لغيره التقدم على ابي بكر لافضلية ابي بكر عليه وعلى غيره في الخصال التي ذكرها بزعمه لا لشيء آخر وما نراه قال لأبي بكر نعم أنا افضل منك أو هنا من هو افضل منك ، ولكن المصلحة التي اقتضاها التكليف تقديمك على من هو افضل منك كما ادعاه المعتزلي.

الثاني : ان أبا بكر لما استخلف عمر قال له طلحة : «ما ذا انت قائل لربك إذا قدمت عليه وقد وليت علينا فظا غليظا» فغضب ابو بكر وقال لطلحة «ا بالله تخوفني اذا لقيت ربي فسألني قلت خلفت عليهم خير أهلك» فقال طلحة «أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله» فاشتد غضبه فقال «أي والله هو خيرهم وانت شرهم» (٢) فما نرى أبا بكر احتج على تقديمه عمر على الناس الا لأفضليته عليهم عنده ، وما نرى طلحة انكر على ابي بكر تقديمه عمر الا لمفضوليته عنده وكونه على صفة لا يصلح صاحبها للإمامة ، وهي كونه فظا غليظا كما صرح به ، وما اجاب ابو بكر طلحة عن ذلك ولا اعتذر

__________________

(١) نفس المصدر : ٦ / ٣٩.

(٢) المصدر السابق : ١ / ١٦٥.

١٣١

له بما قال المعتزلة بأنّ عمر ليس أفضل عندي منكم ولكن جاز تقديمه عليكم لمصلحة اقتضاها التكليف بل اجابه بانه خيرهم كما سمعت.

الثالث ان عمرو بن العاص لما كلم عمر وطلب منه ان يكلم أبا بكر ان يجعله اميرا على جيوش المسلمين بالشام ويعزل أبا عبيدة ويجعله تحت امره اجابه عمر بان أبا عبيدة عندنا خير منك وقد سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يقول : (ابو عبيدة امين هذه الامة) فامتنع ابو بكر وعمر من تقديم ابن العاص على أبي عبيدة لأفضلية ابي عبيدة عليه (١) عندهما كما ترى لا لما ذكره المعتزلي وقبيله الى غير ذلك مما رووه من اقوال ائمتهم وافعالهم مما هو مماثل في المعنى لما ذكرناه وكل ذلك رواه ابن ابي الحديد وصححه وهو صريح في مخالفة قوله ومناقضة دعواه ، فاتضح منه ان المعتزلة والاشاعرة وغيرهم قد خالفوا أئمتهم وتركوا قول من جعلوا دعواهم وسيلة لتقديمهم وكفى بقولهم بطلانا مخالفته لحكم من يقتدون به والذي يمكن تمسك المعتزلة به في قولهم ذلك وجهان يظهران من مطاوي كلام ابن ابي الحديد.

الاول ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أمر على ابي بكر وعمر وعثمان أبا عبيدة بن الجراح مرة وأمر عليهم عمرو بن العاص تارة وخالد بن الوليد اخرى وأسامة بن زيد رابعة (٢) وابو بكر وعمر وعثمان افضل من هؤلاء المؤمّرين عليهم بالاجماع فيعلم من ذلك جواز تقديم المفضول على الافضل ، والجواب انه ان اراد اجماع الصحابة فقد عرفت انه قائم على قبح

__________________

(١) انظر فتوح الشام للواقدي ١ / ٨.

(٢) إمرة أبي عبيدة حين أرسله مددا لعمرو بن العاص في سرية ذات السلاسل (سيرة ابن هشام ٤ / ٢٠٠) وإمرة عمرو بن العاص في سرية ذات السلاسل (شرح نهج البلاغة ٦ / ٢٤) وسيرة ابن هشام ٤ / ٢٠١ ولم أعثر على إمرة خالد عليهم واما اسامة ففي بعث اسامة المشهور.

١٣٢

تقديم المفضول على الافضل ولذا انكروا على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) تأمير اسامة بن زيد زعما منهم ان اسامة مفضول بالنسبة الى المؤمر عليهم ولم ينكروا تأمير ابي عبيدة وعمرو وخالد على ابي بكر وعمر وعثمان فدل ذلك من فعلهم وقولهم على انهم لا يرون لهم فضلا على الامراء المذكورين في ذلك الزمان وان قال به البعض بعد ما صار الثلاثة خلفاء فهو قول متجدد ، وقد فضل الانصار سعد بن عبادة على ابي بكر وقدموه عليه لو لا ما رواه عمر من قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (الأئمة من قريش) وادعاء ابي بكر وصاحبيه القرابة من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وميل بعض الانصار لقريش حسدا لسعد وطعن سعد المذكور على ابي بكر وعمر بالمعصية في قوله : لو اجتمع الثقلان ما بايعتكما ايها الغاصبان ، وطعن الحباب بن المنذر على عمر بالجهل وطعن طلحة عليه بالفظاظة والغلظة وانكر على ابي بكر قوله فيه «انه خير الناس» ، وكل ذلك محقق عندهم فاين الاجماع من الصحابة على فضلهم فضلا عن افضليتهم؟ على ان هذا الاجماع المدعي لو تحقق منهم لكان مناقضا لقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في حديث تأمير اسامة وإذا كان الاجماع مناقضا لقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كان باطلا والحق ان افضلية الثلاثة لم تكن معروفة في زمان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بين الصحابة وانها بعده من المختلف فيه بينهم وان اراد اجماع الاشاعرة فهو لا يرضى به فانهم وان لم يستقبحوا تقديم المفضول على الافضل بناء على اصلهم من نفي الحسن والقبح العقليين لكنهم يفضلون الثلاثة على علي (عليه‌السلام) في معنى كثرة الثواب ، وهو يبطل ذلك كله وإن اراد اجماع اصحابه المعتزلة فهو معارض باجماع الشيعة على تفضيل اسامة على ابي بكر وعمر وعثمان وان الباقين احسن حالا منهم لا سيما في كثرة الجهاد ، والشيعة اكثر من المعتزلة فيحتاج في ترجيح احد الاجماعين على الآخر الي مرجح من الادلة فإن احتج بالسبق

١٣٣

الى الاسلام اجيب بان السبق على ابي عبيدة ممنوع في عمر فان أبا عبيدة اسلم قبله وعثمان أيضا غير متحقق اسلامه قبل ابي عبيدة وخاصّية السبق على اسامة منتفية لتولده في دعوة الاسلام وعدم سبق الكفر منه ، ثم ان السبق الى الاسلام لا يصلح بنفسه خاصة ان يكون موجبا للافضلية اذا عارضه ما هو مثله او اقوى منه من الصفات الموجبة للتفضيل ما لم ينضم إليه المساواة في باقي الصفات الحميدة ليكون للسابق الزيادة على الآخر المساوي في الصفات بالسبق فيفضله به وذلك بأن نفرض شخصين تساويا في الخصال المحمودة لكن احدهما أسبق في الاسلام من صاحبه فالسابق افضل بالسبق من اللاحق أما إذا كان اللاحق قد ادرك من صفات الخير مثل العلم والسخاوة وكثرة الجهاد وغير ذلك مما يقابل السبق ويربو عليه ولم يكن للسابق من ذلك شيء أو لم يكن فيه توغل كاللاحق لم يكن السابق افضل من المسبوق ، وآية (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) (١) الآية ظاهرة في المعنى الاول بل لا تحتمل غيره وقوله تعالى (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) (٢) شاهد للمعنى الثاني فغير ممتنع ان يكون لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد بعد دخولهما في الاسلام خصائص تقابل سبق الثلاثة وتربو عليه وبذلك قدمهما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليهم ، هذا كله اذا أريد من الأفضلية كثرة الثواب ، واما اذا أريد الجمع للخصال الحميدة كان استحقاق عمرو وخالد التقدم في الامارة على الثلاثة اوضح من ان يوضح لحصول الشجاعة والثبات في الجهاد فيهما دونهم ، ولو احتج بالأحاديث المروية في فضل الثلاثة اجيب بوجهين :

الاول انها مفتعلة موضوعة كما دل عليه احتجاج ابي بكر وعمر على

__________________

(١) الحديد : ١٠.

(٢) آل عمران : ١٩٥.

١٣٤

المنازعين لهما في امور كثيرة قد مر بعضها لخلوه عن ذكر شيء منها مع احتياجهم إليها لأن حديثا منها اوضح من جميع ما احتجوا به على مطالبهم مما لا يغني شيئا ولا يجدي نفعا ، ولم لا احتج ابو بكر أو احتج عمر له على الانصار بما يروي بعد من قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (لا ينبغي لقوم فيهم ابو بكر ان يتقدم عليه غيره) واحتج ابو بكر على طلحة في تفضيل عمر الذي ادعاه بقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (ضرب الحق على لسان عمر (١)) لو كان شيء من ذلك موجودا فعدم تعرضهم لها مع الحاجة إليها وارتفاع المانع من ذكرها دليل على عدم وجودها عندهم واذا لم تكن موجودة عندهم كانت لا محالة موضوعة ، والامر في عثمان اوضح لان حاجته كانت الى الحجة الصحيحة اشد ، وتلك الاخبار في حقه لو كانت موجودة لكان الاحتجاج بها انفع له مما ذكره من كل غث وسمين مما لم يدفع عنه حجة خصومه ، على ان بعض العامة طعن فيها بالوضع لما ذكرناه ، وطعن الشيعة فيها لذا وغيره معلوم مشهور فتكون باطلة لا تقوم بها حجة وسيأتي لهذا زيادة توضيح في موضع هو أملك به من هذا الموضع.

__________________

(١) قيل في رد هذا الحديث : إن صح فيقتضي عصمته ولم يدع ذلك عمر (رضي الله عنه) ولا ادعاه لواحد وقد شهد هو على نفسه بالخطإ ورجع عن بعض الأحكام واعترف بذلك في اكثر من موطن كقوله : (لو لا علي لهلك عمر) قال ذلك في اكثر من موطن انظر السنن الكبرى للبيهقي ٧ / ٤٤٢ تفسير الرازي ٧ / ٤٨٧ الدر المنثور ١ / ٢٨٨ الرياض النضرة ٢ / ١٩٤ الخ. وقوله (لو لا معاذ لهلك عمر) (سنن البيهقي ٧ / ٤٤٣ الاصابة ٣ / ٤٢٧ فتح الباري ١٢ / ١٢٠ و (كل الناس افقه من عمر) تفسير القرطبي ٥ / ٩٩ تفسير النيسابور ١ / الأربعين للرازي ص ٤٦٧ نور الأبصاري للشبلنجي ص ٧٩ الدر المنثور للسيوطي ٢ / ١٣٣ قيل ولم نر عمر (رضي الله عنه) احتج لنفسه بهذا الحديث في المواطن التي احتاج الى الحجاج فيها.

١٣٥

الثاني (١) انها معارضة بما روى من مدح المأمّرين المذكورين وقد رواه من روى مدح الثلاثة من المحدثين مثل (ابي عبيدة امين هذه الامة) و (عمرو بن العاص أحبّ الناس إليّ) و (خالد سيف الله) والتأمير يكون قرينة الترجيح فان رد الجميع بالوضع فلا احتجاج بالكل فتأمل الوجه الثاني (٢) ان علي بن ابي طالب (عليه‌السلام) رضي بتقديم ابي بكر وعمر وعثمان عليه في الخلافة وهو عند نفسه افضل منهم وعندنا كذلك ، ولو لم يجز تقديم المفضول على الافضل عنده لما رضي بتقدمهم عليه ، وهذه الحجة مع انها معتمدهم واهية جدا والجواب عنها يمنع المقدمة الاولى فإن عدم رضي امير المؤمنين بتقدم ابي بكر عليه اظهر من الشمس الضاحية ، وقد روى هذا المحتج فيما صح عنده من الروايات امتناع علي (عليه‌السلام) عن بيعة ابي بكر مع جملة من اصحابه وهم خيار الصحابة وصلحاؤهم ، وتألمه من تقدم ابي بكر عليه حتى أخرج الى البيعة بالقهر والغلبة على اوعر وجه وأشد هوان هو ومن معه وروى أيضا ان عليا استنصر الناس على ابي بكر ، كان يركب فاطمة على حمار ويأخذ معه الحسن والحسين ويمضي الى دور المهاجرين والانصار يطلب منهم النصرة على ابي بكر وتطلب فاطمة (عليها‌السلام) منهم له الانتصار على ابي بكر فلم يجبه الا أربعة او خمسة (٣) وقد عيّره معاوية بذلك في مراسلاته وبأنه قيد الى البيعة كما يقاد البعير المخشوش (٤) فما انكر شيئا من ذلك بل كان من جوابه لمعاوية (وقلت : اني اقاد كما يقاد البعير

__________________

(١) من الوجوه في رد بعض الأحاديث الموضوعة في الفضائل.

(٢) أي الوجه الثاني من الوجهين اللذين تمسك بهما المعتزلة من جواز تقديم المفضول على الأفضل.

(٣) شرح نهج البلاغة ١١ / ١٤.

(٤) المصدر السابق ٢ / ٤٧ والخشاش ـ بكسر الخاء المعجمة ـ : عود يجعل في عظم أنف الجمل الصعب ليسهل قياده.

١٣٦

المخشوش فلعمري لقد اردت ان تذم فمدحت وان تفضح فافتضحت وما على المؤمن من غضاضة اذا كان مغلوبا عليه ما لم يكن شاكا في دينه أو مرتابا في يقينه (١)) كل ذلك رواه (٢) وروى أيضا ان عليا (عليه‌السلام) كان يقول (لو وجدت اربعين ذوى عزم لناهضت القوم) (٣) يعني أبا بكر واصحابه فاين رضاه بتقدم ابي بكر على هذا وما سيأتي بعده من البيان في مواضعه؟ فالمعلوم من ذلك ان عليا (عليه‌السلام) ما ترك مناجزتهم الا لعدم وجوده الناصر وأمور أخرى يأتي إيضاحها ان شاء الله فإذا بطل رضاه بتقدم الاول بطل رضاه بتقدم الاخيرين البتة ؛ وتظلمه (عليه‌السلام) منهم في زمان خلافته في كلماته وخطبه مشهور معلوم ، وقوله في بعض خطبه في ايام الجمل (فو الله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا عليّ منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا) (٤) معروف غير منكور قد رواه المحدثون وصححه ابن ابي الحديد (٥) ولو عمدنا الى ذكر ما ورد في الروايات المصححة عند الخصم من تظلمه (عليه‌السلام) وتألمه وتشكيه من تقدم الثلاثة عليه اذن لاحتاج الى كتاب مفرد ، وليس المقصود هنا الا بيان عدم رضاه بتولي القوم عليه وهو حاصل ببعض ما ذكرناه ، ومنه صح ان يدعى رضى امير المؤمنين (عليه‌السلام) بتقدم من تقدم عليه مبطل في دعواه فبطل ما بنى عليه من القول بجواز تقديم المفضول على الافضل على ان المعتزلي قد ذكر في موضع من كلامه ما حاصله ان الناس الذين لم يشاهدوا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ولم يسمعوا منه ما قال في حق علي (عليه‌السلام) من

__________________

(١) المصدر السابق ٢ / ٤٥ ونهج البلاغة برقم ٢٨ كتب.

(٢) الضمير في «رواه» لابن أبي الحديد لأنه في معرض الرد عليه.

(٣) نفس المصدر.

(٤) نهج البلاغة برقم ٦ خطب.

(٥) شرح نهج البلاغة ١ / ٢٢٥ و ٢٢٧.

١٣٧

الاقوال الجميلة انما دعاهم الى القول بافضلية المتقدمين عليه في الخلافة تقديمهم عليه فيها لاعتقادهم ان الافضلية هي سبب التقديم وهذا الكلام مؤيد لما قلناه من انه قد ارتكز في العقول قبح تأخير الافضل عن المفضول وذلك مبطل لما يقول ولهذا كان من قدم الثلاثة على امير المؤمنين (عليه‌السلام) مع اشتهار فضائله وشياع مناقبه ووفور مآثره وتواتر اقوال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في تفضيله وتبجيله اعتمادا على فعل قوم من الناس ظهرت منهم مخالفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في مواضع كثيرة مخالفا لمذهبه ومكابرا لمقتضى عقله فلا عذر له عند الله يوم المئاب ولا حجة له عند الحساب لاكتفائه بالتقليد عن النظر مع وضوح الامر وصراحته.

ثم ما ادرى أي مصلحة في التكليف اقتضت تقديم المفضول على الافضل (١) والتكليف دائر مدار المصلحة وهي عندنا وعنده عقلية والعقل ينكر تقديم المفضول ويقبحه؟ فاين هذه المصلحة؟ ما هذا الّا تناقض في القول وتشبث بما لا يسمن ولا يغني من جوع فبطل ما قال وصح ما قلنا من وجوب تقديم الافضل على المفضول.

وبعد فاي عاقل يجوّز لنفسه ترك الاخذ بقول رجل فاضل متقن للاحكام محرز لادلة المسائل العلمية والعملية ويأخذ بقول رجل قاصر العلم ضعيف الاتقان؟ او يقدم لقيادة الجيوش رجلا خوارا لا يصبر عند اللقاء ولا يثبت عند منازلة الاعداء؟ بل يفر ويولى الدبر ويؤخر عن ذلك رجلا مقداما صبورا عند الهزاهز وقورا عند الشدائد قويا على محاولة الشجعان بصيرا في مطاعنة الاقران عارفا بقيادة الجيوش وسياسة الامور كرارا غير فرار ويقدم في المشورة في الامور المهمة رجلا جامدا القريحة متردد الذهن ضعيف العزم على

__________________

(١) يشير الى قول ابن ابي الحديد في مقدمة شرحه على نهج البلاغة : «وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف».

١٣٨

رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة صرام للامور نافذ البصيرة عارف بانواع المصالح والمفاسد ، او يقدم في الامانة رجلا غير تام الوثاق ولا مستكمل الديانة على رجل آخر معروف بالعفاف والامانة وكمال الديانة مقطوع بصلاحه مشهورة ثقته الى غير ذلك من الاوصاف المتقابلة التي لا يرتاب عاقل غير معاند ولا مكابر في استقباح تقديم القاصر فيها على الكامل؟!! ولكن القوم (١) خالفوا عقولهم وناقضوا احلامهم فسفهوها بقبح اقوالهم وكل ذلك إرادة منهم لتصحيح إمامة القاصرين من المتقدمين ، وقد بان مما حررناه بطلان ما اثبتوه والله المستعان.

المسألة الثالثة (٢) يشترط في الامام ان يكون قريبا من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في النسب بل يجب ان يكون اقرب الناس إليه اما القرابة في الجملة فظاهر الصحابة والتابعين بل جميع المسلمين عليها ، ولذا احتج بها ابو بكر وصاحباه في السقيفة على الانصار عند رومهم مبايعة سعد بن عبادة ، وروى لهم عمر عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (ان الأئمة من قريش (٣)) واحتج لقريش على الانصار جماعة منهم فانصرفوا بها عن مبايعة سعد واحتج امير المؤمنين (عليه‌السلام) بها على ابي بكر واصحابه في استحقاق

__________________

(١) يريد بالقوم ابن ابي الحديد وأصحابه المعتزلة ولا يريد المصنف بهذا الكلام الا تفنيد ما يذهبون إليه من جواز تقديم المفضول على الأفضل.

(٢) من المسائل في شروط الامام.

(٣) حديث (الأئمة من قريش) رواه جماعة رووا أن أبا بكر (رضي الله عليه) احتج به على الأنصار ولكن الجمع بين ذلك وبين قوله الذي رواه الطبري في التاريخ ٤ / ٢١٤ حوادث سنة ١٣ وغيره في جملة مسائله التي ودّ لو سأل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عنها : «ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق» يوقع الباحث في حيرة خصوصا بعد المقارنة بين ذلك وبين قول عمر (رضي الله عنه) أيضا «لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته» ومعلوم أن سالما ليس بقرشي.

١٣٩

الامامة دونهم ، فما انكر الاحتجاج بها على اولويته بالخلافة منهم احد بل اعتذر منهم من اعتذر بامور اخرى كما سيأتي مشروحا ولم يخالف في ذلك ممن ينتحل الاسلام الا الخوارج (١) ولا عبرة بهم لخرقهم اجماع المسلمين ، نعم ربما يتصور الخلاف في اشتراط الاقربية من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الإمامة فإن اكثر المخالفين لم يشترطوها واصحابنا جميعا على الاشتراط ، والعباسية كذلك وهذا هو الاصح وعليه المعتمد لنا قوله تعالى (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ) (٢) في الانفال وفي الاحزاب (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) (٣) وهما شاملتان للمال والمنزلة بل هما للمنزلة اقرب وفيها اظهر لان سياق الآيتين في معنى الولاية لا سيما الثانية فانها في مساق ولاية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو قوله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ) الآية وذلك مرجح ليس له معارض ، وقوله تعالى في ابراهيم (عليه‌السلام) (وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) (٤) والكلمة الامامة وهو اشارة الى قوله تعالى عزوجل (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) (٥) وبه قال جماعة من المفسرين وهو عند اصحابنا متفق عليه فالآية صريحة في المطلوب وقوله جل وعلا (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (٦) يومي الى ذلك بل يصرح به قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (لا يؤدي عني الا انا

__________________

(١) حيث جوز الخوارج أن تكون الامامة في غير قريش (انظر الملل والنحل ١ / ١١٦).

(٢) الأحزاب : ٣٣.

(٣) الأنفال : ٥٧.

(٤) الزخرف : ٢٨.

(٥) البقرة : ١٢٤.

(٦) آل عمران : ٣٤.

١٤٠