الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

الآخر من الآخر فيه. وكل هذا فاسد ومحال بالضرورة.

وأيضا فإن الخلاء عندهم مكان لا متمكّن فيه ، والفلك عندهم موجود في الخلاء إذ لا نهاية للخلاء عندهم من طريق المساحة ، فإذا كان الفلك متمكنا في الخلاء عندهم والخلاء عندهم مكان لا متمكّن فيه ، فالخلاء إذن مكان فيه متمكن ليس فيه متمكن. وهذا محال وتخليط.

وهذا بعينه لازم في قولهم إن ذلك الجزء من الخلاء لم ينتقل لحدوث الفلك فيه ، فإن قالوا انتقل ، فإنما صار إلى مكان لم يكن فيه قبل ذلك خلاء ولا ملاء فقد ثبت عدم الخلاء والملاء فيما فوق الفلك ضرورة ، وهذا خلاف قولهم.

وإن قالوا بطل ، لزمهم أيضا أنه قد عدّته المدد ضرورة ، فإذا عدّته المدد فقد تناهى من أوله بالمبدإ ضرورة.

فإن قالوا : بل لم يحدث الفلك في شيء من ذلك المكان الذي هو الخلاء. فقد أثبتوا حيزا آخر ، ومكانا للفلك غير الخلاء الشامل عندهم.

وإذا كان ذلك فقد تناهى كلا المكانين من جهة تلاقيهما ضرورة ، وإذا تناهيا من جهة تلاقيهما لزمتهما المساحة ، ووجب تناهيهما لتناهي ذرعهما ضرورة.

ويسألون أيضا عن هذا الخلاء الذي هو عندهم مكان لا متمكّن فيه : هل له مبدأ متصل بصفحات الفلك العليا أم لا مبدأ له من هنالك؟ ولا بد من أحد الأمرين ضرورة.

فإن قالوا : لا مبدأ له. وهو قولهم. قيل لهم إنّ قول القائل «مكان» ، إنما يفهم منه ما يتمثل في النفس من المقصود بهذه اللفظة وموضعها في اللغة لتكون عبارة عن التفاهم بالمراد بها أنه مساحة ، ولا بدّ للمساحة من الذرع (١) ضرورة ، ولا بد للذرع من مبدأ لأنه كمية ، والكمية أعداد مركبة من الآحاد.

فإن لم يكن له مبدأ من واحد ، اثنين ، ثلاثة ، لم يكن عدد. وإذا لم يكن عدد لم يكن ذرع أصلا. وإذا لم يكن ذرع لم تكن مساحة ، ولا انفساح ولا مسافة.

وكل هذه الألفاظ واقعة إما على ذرع المذروع ، وإما على مذروع بالذرع

__________________

(١) الذرع : القياس بالذراع.

٤١

ضرورة. فإن قالوا : له مبدأ من هنالك. وجبت له النهاية ضرورة لحصر العدد لمساحته بوجود المبدأ له.

ويسألون أيضا : أمماس هو للفلك أم غير مماس ، وباين عنه أم غير باين (١)؟

فإن قالوا : لا مماس ولا مباين. فهذا أمر لا يعقل بالحس ، ولا يتشكل في النفس ، ولا يقوم على صحته برهان أبدا إلّا في الأعراض المحمولة في الأجسام. وهم يقولون : إن الخلاء عرض محمول في جسم. وكل دعوى لم يقم عليها دليل فهي باطلة مردودة.

وإن أثبتوا المماسة أو المباينة وجب عليهم ضرورة إثبات النهاية له كما لزم بإثبات المبدأ ، إذ النهاية منطوية في ذكر المبدأ ، والمماسة أو المباينة ضرورة لا شك فيها. وبالله التوفيق.

ويسألون أيضا عن هذا الخلاء الذي يذكرون ، والزمان الذي يثبتون : أمحمولان هما أم حاملان؟ أم أحدهما محمول والثاني حامل؟ أم كلاهما لا حامل ولا محمول؟

فأيهما أجابوا فيه بأنه حامل فلا شك في أن محموله غيره ، إذ لا يكون الشيء حاملا لنفسه ، فله إذا محمول لم يزل وهو غير الزمان. فإن قالوا ذلك كلّموا بما قدّمنا قبل على أهل الدّهر القائلين بأزلية العالم.

وأيضا فإن كان المكان حاملا فلا يخلو ضرورة من أحد وجهين :

إما أن يكون حاملا لجرم متمكن فيه ، وهذا يوجب النهاية له لوجوب نهاية الجرم المتمكن فيه بالدلائل التي قدمنا في إثبات نهايات الأجرام. وإمّا أن يكون حاملا لكيفياته ، فإن كان حاملا لكيفياته فهو مركب من هيولاه (٢) وأعراضه ، وجنسه وفصوله.

وبالضرورة يعلم كل ذي حس سليم أن كل مركب فهو متناه بالجرم والزمان بالدلائل التي قدمنا. ولا سبيل إلى حمل ثالث.

وأيهما قالوا فيه إنه محمول فإنه يقتضي حاملا ، وبعكس الدليل الذي ذكرنا آنفا سواء بسواء.

__________________

(١) باين : مباين ، بعيد.

(٢) الهيولى : هي المادة القابلة لأن تكون أي شيء ، وهذه القابلية تسمى «القوّة» فإذا تشكّلت صارت موجودة بالفعل.

٤٢

وأيهما قالوا فيه إنه حامل محمول وجب كل ما ذكرنا فيه أيضا بعكسه.

وأيهما قالوا فيه لا حامل ولا محمول ، فلا يخلو من أن يكون باقيا أو يكون بقاء.

فإن كان باقيا فهو مفتقر إلى بقاء وهو مدته إذ لا باقي إلا ببقاء.

وإذا كان بقاء فلا بدّ له من باق به ، وهذا من باب الإضافة.

والمدة وهي البقاء إنما هي محمولة ، وباعثة للباقي بها ضرورة ، هذا الذي لا يقوم في العقل سواه ، ولا يقوم برهان إلّا عليه.

ويسألون أيضا عن هذا الزمان الذي يذكرون : هل زاد في مدة اتصاله مذ حدث الفلك إلى يومنا هذا ، أو لم يزد في أمده؟

فإن قالوا : لم يزد ذلك في أمده ، كانت مكابرة لأنها مدة متصلة بها مضافة إليها وعدد زائد على عدد.

فإن قالوا : زاد ذلك في أمده سئلوا : متى كانت تلك المدة أطول؟ أقبل الزيادة أم هي وهذه الزيادة معا؟

فإن قالوا : هي والزيادة معها ، فقد أثبتوا النهاية ضرورة ، إذ ما لا نهاية له فلا يقع فيه زيادة ولا نقص ، ولا يكون شيء مساويا له ، ولا أكثر منه ، ولا أنقص منه. ولا يكون هو أيضا منفصلا أصلا ، فلا يكون مساويا لنفسه كما هو ، ولا أكثر من نفسه ولا أقل منه.

فإن قالوا : ليست هي والزيادة معها أطول منها قبل الزيادة ، فقد أثبتوا أن الشيء وغيره معه ليس أكثر منه وحده ، وهذا باطل.

وهم يقولون : إن الخلاء والزمان المطلق شيئان متغايران ، فيقال لهم : فإذا هما كذلك فبأي شيء انفصل بعضهما من بعض؟

فإن قالوا : انفصلا بشيء ما وذكروا في ذلك أيّ شيء ذكروه ، فقد أثبتوا لهما التركيب من جنسهما وفصلهما.

وأيضا فجعلهم لهما شيئين إيقاع منهم للعدد عليهما ، وكل عدد فهو متناه محصور ، وكل محصور فقد سلكته (١) الطبيعة ، وكل ما سلكته الطبيعة فهو متناه ضرورة.

__________________

(١) سلكته الطبيعة : أي احتوته.

٤٣

فإن أرادوا إلزامنا في الباري تعالى مثل ما ألزمناهم في هذا السؤال ، فقالوا : أيما أكثر : الباري تعالى وحده أم الباري وخلقه معا؟

قلنا : هذا سؤال فاسد بالبرهان الضروري ، لأن هذا البرهان إنما هو على وجوب حدوث الزمان ، وما لم ينفك من الزمان ، وعلى حدوث النوامي كلها فقط. والباري تعالى لا زمان له ولا هو من النوامي.

وأيضا فإن الباري تعالى ليس عددا ، ولا بعض عدد ، ولا هو أيضا معدود ولا بعض المعدود ، لأن واحدا ليس عددا بالبرهان الذي نورده في الباب الذي يتلو هذا الباب إن شاء الله تعالى.

ولا واحد على الحقيقة إلّا الله عزوجل فقط. فهو الذي لا يتكثر البتة ولا ينضاف إلى سواه ، إذ لا يجمعه مع شيء سواه عدد ولا صفة البتة ، لأن كل ما وقع عليه اسم واحد مما دونه تعالى ، فإنما هو مجاز لا حقيقة. لأنه إذا قسّم استبان أنه كان كثيرا لا واحدا. فلذلك وقع العدد على الأجرام والأعداد المسماة آحادا في العالم. وأما الواحد في الحقيقة فهو الذي ليس كثيرا أصلا ، ولا يتكثر بوجه من الوجوه فلا يقع عليه عدد بوجه من الوجوه ، لأنه يكون حينئذ واحدا لا واحدا كثيرا وهذا تخليط ومحال وممتنع لا سبيل إليه.

فلا يجوز أن يضاف الواحد الأول إلى شيء مما دونه لا في عدد ، ولا كمية ، ولا في جنس ، ولا في صفة ، ولا في معنى من المعاني أصلا.

وبالله تعالى التوفيق.

فإن ذكر ذاكر قول الله تعالى : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) [سورة المجادلة : ٧].

فمعنى قوله تعالى : «هو رابعهم ، وهو سادسهم» ، إنما هو فعل فعله فيهم وهو أنه ربّعهم بإحاطته بهم لا بذاته ، وسدّسهم بإحاطته بهم لا بذاته ، أو قد يربّعهم بملك يشرف عليهم ، ويسدّسهم كذلك.

وبرهان هذا القول : أن الله تبارك وتعالى إنما عنى بهذه الآية ـ بلا خلاف بل بضرورة العقل من كل سامع ـ أنه لا تخفى عليه نجواهم ، وهذا نص الآية لأنه تعالى افتتحها بذكر نجوى المتناجين ، إنما أراد عزوجل علمه بنجواهم لا أنه معدود معهم بذاته إلى ذواتهم. حاشا لله من ذلك. إذ من المحال الممتنع الخارج عن رتبة الأعداد

٤٤

والمعدودين أن يكون الله عزوجل معدودا بذاته مع ثلاثة بالهند ، ومع ثلاثة بالسند ، ومع ثلاثة بالعراق ، ومع ثلاثة بالصين في وقت واحد ، لأنه لو كان ذلك لكان الذين هو رابعهم بالهند ، مع الثلاثة الذين هو رابعهم بالصين ، ثمانية كلهم لأنهم أربعة وأربعة بلا شك ، فكان تعالى حينئذ يكون اثنين وأكثر وهذا محال.

وكذلك إذا كان بذاته سادسا لخمسة هاهنا فهم ستة ، ورابعا لثلاثة هنالك فهم أربعة فهم كلهم بلا شك عشرة فهو إذا اثنان.

وكذلك قوله تعالى في الآية نفسها (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) [سورة المجادلة : ٧].

إنما أضاف تعالى الأينية إليهم لا إلى نفسه تعالى ـ معناه أينما كانوا فهو تعالى معهم بإحاطته ، إذ محال أن يكون بذاته في مكانين.

فبطل اعتراضهم والحمد لله رب العالمين كثيرا.

وليس قول القائل : الله ورسوله ، أو الله وعمر ، مما يعترض به علينا ، لأننا لم نمنع من ضم اسمه تعالى إلى اسم غيره معه ، لأن الاسم كلمة مركبة من حروف الهجاء ، وإنما منعنا من أن تعد ذاته تعالى مع أي شيء غيره ، إذ العدد إنما هو جمع شيء إلى غيره في قضية ما والله تعالى لا يجمعه وخلقه شيء أصلا ، فصح انتفاء العدد عنه تعالى. وإذ صحّ انتفاء العدد عنه صح أنه ليس معدودا البتة ، والحمد لله رب العالمين.

ويسألون أيضا : أهذا الزمان والمكان اللذان يذكران ، أهما واقعان تحت الأجناس والأنواع أم لا؟ وهل هما واقعان تحت المقولات العشر (١) أم لا؟

فإن قالوا : لا ، فقد نفوهما أصلا ، وأعدموهما البتة ، إذ لا مقول من الموجودات إلّا هو واقع تحتها ، وتحت الأجناس والأنواع. حاشا الحق الأول الواحد الخالق عزوجل الذي علم بضرورة الدلائل ، ووجب لها خروجه عن الأجناس والأنواع والمقولات.

وبالجملة شاءوا أو أبوا ، فالخلاء والزمان المطلق اللذان يذكران إن كانا موجودين فهما واقعان تحت جنس الكمية والعدد ضرورة ، فإذا كان ذلك كذلك فهذا الزمان الذي ندريه نحن وهم ، وذلك الزمان الذي يدّعونه هما واقعان جميعا تحت جنس «متى».

__________________

(١) المقولات العشر الأرسطية هي : الكمية ، والكيفية ، والإضافة ، والمكان ، والزمان ، والوضع ، والملك ، والفعل ، والانفعال ، والجوهر. انظر الموسوعة العربية الميسرة (ص ١٧٣١ ، ١٧٣٢).

٤٥

وكذلك المكان الذي يدّعونه واقع مع المكان الذي نعرفه نحن وهم تحت جنس «أين».

وبالضرورة يجب أن ما لزم بعض ما تحت الجنس مما يوجبه له الجنس ـ فإنه لازم لكل ما تحت ذلك الجنس ، وإذ لا شك في هذا فهما مركبان ، والنهاية فيهما موجودة ضرورة إذ المقولات كلها كذلك.

وأيضا فإن المكان لا بدّ له من مدّة يوجد فيها ضرورة ، فنسألهم : هل تلك المدة هي الزمان الذي يدّعونه أم هي غيره؟

فإن كانت هي هو ، فهو زمان للمكان فهو محمول في المكان ، فهو ككل زمان لذي الزمان فلا فرق.

وإن كانت غيره ، فها هنا إذن زمن ثالث غير مدة ذلك المكان ، وغير الزمان الذي ندريه نحن وهم ، وهذه وساوس لا يعجز عن ادّعائها كل من لم يبال بما يقول ولا استحيا من فضيحة.

ويقال لهم : إذ ليس المكان الذي تدّعونه والزمان الذي تدّعونه واقعين مع المكان المعهود والزمان المعهود تحت جنس وحدّ واحد ... فلم سميتموه مكانا وزمانا؟ وهلّا سميتموهما باسمين مفردين لهما ليبعدا بذلك عن الإشكال والتلبيس والسفسطة بالتخليط بالأسماء المشتركة؟! فإن كانا مع الزمان والمكان المعهودين تحت جنس واحد ، فقد بطلت دعواكم زمانا ومكانا غير الزمان والمكان المعهودين بالضرورة. وبالله تعالى التوفيق.

ويسألون أيضا عن هذا الزمان والمكان غير المعهودين : أهما داخل الفلك أم خارجه؟ أم لا داخل ولا خارج؟

فإن قالوا : هما داخل الفلك فالخلاء إذا هو الملاء ، والمكان إذا في المتمكن يعني في داخله. وهذا محال ، والزمان إذن هو الذي لا يعرف غيره.

وإن قالوا : هما خارج الفلك ، أوجبوا لهما نهاية ابتداء مما هو خارج الفلك.

وإن قالوا : لا خارج ولا داخل ، فهذه دعوى مفتقرة إلى برهان ، ولا برهان على صحتها فهي باطل.

فإن قالوا : أنتم تقولون هذا في الباري تعالى؟ قلنا لهم : نعم ، لأن البرهان قد قام على وجوده ، فلما صحّ وجوده تعالى قام البرهان بوجوب خلافه لكل ما في العالم على

٤٦

أنه لا داخل ولا خارج ، وأنتم لم يصح لكم برهان على وجود الخلاء والزمان الذي تدّعونه ، فصار كلامكم كله دعوى. وبالله التوفيق.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ولم نجد لهم سؤالا أصلا ، ولا أتونا قط بدليل فنورده عنهم ، ولا وجدنا لهم شيئا يمكن الشغب به في أزلية الخلاء والمدة فنورده عنهم ، وإن لم يتنبهوا له ، وإنما هو رأي قلدوا فيه بعض قدماء الملحدين فقط. وبالله التوفيق.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ومما يبطل به الخلاء الذي سموه مكانا مطلقا ، وذكروا أنه لا يتناهى ، وأنه مكان لا متمكن فيه ، وأنه برهان ضروري لا انفكاك منه ـ وأطرف شيء أنه برهانهم الذي موّهوا به وشغبوا بإيراده ، وأرادوا به إثبات الخلاء ـ وهو أننا نرى الأرض والماء والأجسام الترابية من الصخور والزئبق ونحو ذلك طباعها السفل أبدا ، وطلب الوسط والمركز ، وأنها لا تفارق هذا الطبع فتصعد إلّا بقسر (١) يغلبها ويدخل عليها كرفعنا الماء والحجر قهرا ، فإذا رفعناهما ارتفعا ، فإذا تركناهما عادا إلى طبعهما بالرسوب ، ونجد النار والهواء طبعهما الصعود والبعد عن المركز والوسط ، ولا يفارقان هذا الطبع إلا بحركة قسر تدخل عليهما. ويرى ذلك عيانا كالزقّ (٢) المنفوخ ، والإناء المجوف المصوب في الماء ، فإذا زالت تلك الحركة القسرية رجعا إلى طبعهما ، ثم نجد الإناء المسمى سارقة الماء يبقى الماء فيها صعدا ولا يسفل. ونجد الزرّاقة (٣) ترفع التراب والزئبق والماء ، ونجد إذا حفرنا بئرا امتلأ هواء وسفل الهواء حينئذ. ونجد المحجمة (٤) تمص الجسم الأرضي إلى نفسها.

فليس كل هذا إلّا لأحد وجهين لا ثالث لهما ، إمّا عدم الخلاء جملة كما نقول نحن وإمّا لأن طبع الخلاء يجتذب هذه الأجسام إلى نفسه كما يقول من يثبت الخلاء.

__________________

(١) القسر : الغلبة والإجبار.

(٢) الزّقّ : وعاء من جلد يجزّ شعره ولا ينتف ، للشراب وغيره (المعجم الوسيط : ص ٣٩٦).

(٣) الزرّاقة : أنبوبة من الزجاج ونحوه أحد طرفيها واسع والآخر ضيّق في جوفها عود يجذب السائل ثم يدفعه (المعجم الوسيط : ص ٣٩٣).

(٤) المحجمة : هي أداة الحجم ، والحجم والحجامة : امتصاص الدم بالمحجم (المرجع السابق : ص ١٥٨).

٤٧

فنظرنا في قولهم : إن طبع الخلاء يجتذب هذه الأجسام إلى نفسه كما يقول من يثبت الخلاء فوجدناه دعوى بلا دليل فسقط.

ثم تأملناه أخرى : فوجدناه عائدا عليهم ، لأنه إذا اجتذبت الأجسام ولا بد فقد صار ملاء ، فالملاء حاضر موجود ، والخلاء دعوى لا برهان عليها ؛ فسقطت وثبت عدم الخلاء.

ثم نظرنا في قولنا ، فوجدناه يعلم بالمشاهدة ، وذلك أننا لم نجد لا بالحس ولا بتوهم العقل بالإمكان مكانا يبقى خاليا قطّ دون متمكّن ، فصحّ الملاء بالضرورة وبطل الخلاء ، إذ لم يقم عليه دليل ولا وجد قط ، وبالله تعالى التوفيق.

ثم نقول لهم : إن كان خارج الفلك خلاء على قولكم فلا يخلو من أن يكون جنس هذا الخلاء الذي تدّعون أنه يجتذب الأجسام بطبعه ، أو يكون من غير جنسه ، لا بد من أحد هذين الوجهين ضرورة ، ولا سبيل إلى ثالث البتة.

فإن قالوا : هو من جنسه ـ وهو قولهم ـ فقد أقروا بأن طبع هذا الخلاء الغالب بجميع الطبائع هو أن يجتذب المتمكنات إلى نفسه فيمتلئ بها ، حتى أنه يحيل قوى العناصر عن طباعها ، فوجب أن يكون ذلك الخلاء الخارج عن الفلك كذلك أيضا ضرورة ، لأن هذه صفة طبعه وجنسه ، فوجب بذلك ضرورة أن يكون متمكنا فيه ولا بدّ وإذا كان هذا ـ وذلك الخلاء عندهم لا نهاية له ـ فالجسم المالئ له أيضا لا نهاية له ، وقد قدّمنا البراهين الضرورية أنه لا يجوز وجود جسم لا نهاية له وهذا القول يوجب وجود جسم لا نهاية له ، وكل ما أوجب كون ما لا يكون فهو باطل لا يكون أصلا فالخلاء باطل.

ولو كان ذلك أيضا لكان ملاء لا خلاء ، وهذا خلاف قولهم.

ثم يقال لهم : بأي شيء عرفتموه؟ وبم استدللتم عليه؟ وكيف وجب أن تسموه خلاء ، وهو ليس خلاء ، وهذا لا مخلص لهم منه. وبالله تعالى التوفيق. وهم في هذا سواء ومن قال : إنّ في مكان خارج من العالم ناسا لا يحدّون بحدّ الناس ، ولا هم كهؤلاء الناس ، أو من قال : إنّ في خارج الفلك نارا غير محرقة ليست من جنس هذه النار وكل هذا حمق وهوس.

قال «أبو محمد» : وكل ما أدخلنا في الباب من إبطال قولهم بأزلية المكان والزمان ، فهو لازم في قولهم بأزلية النفس أيضا ولا فرق ، وبالله تعالى التوفيق.

٤٨

باب الكلام على من قال : إن فاعل العالم ومدبّره أكثر من واحد

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : افترق القائلون بأن فاعل العالم أكثر من واحد فرقا ، ثم ترجع هذه الفرق إلى فرقتين :

(أ) فإحدى الفرقتين تذهب إلى أن العالم غير مدبّريه ، وهم القائلون بتدبير الكواكب السبعة ، وأزليتها ، وهم المجوس ، فإن المتكلمين ذكروا عنهم أنهم يقولون : إن الباري عزوجل لما طالت وحدته استوحش ، فلما استوحش فكر فكرة سوء فتجسمت فاستحالت ظلمة ، فحدث منها «اهرمن» وهو إبليس ، فرام البارئ تعالى إبعاده عن نفسه فلم يستطع ، فتحرز منه بخلق الخيرات ، وشرع «اهرمن» في خلق الشر ، ولهم في ذلك تخليط كثير.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وهذا أمر لا تعرفه المجوس بل قولهم الظاهر هو أن الباري تعالى ، وهو «أورمن» ، وإبليس وهو «اهرمن» ، و «كام» وهو الزمان ، و «جام» وهو المكان ، وهو الخلاء أيضا ، و «توم» وهو الجوهر ، وهو أيضا «الهيولى» ، وهو أيضا «الطينة» و «الخميرة» خمسة لم تزل. وأن «أهرمن» هو فاعل الشرور. وأن «أورمن» فاعل الخيرات. وأن «توم» هو المفعول فيه كل ذلك.

وقد أفردنا في نقض هذه المقالة كتابا في نقض كلام محمد بن زكريا الرازي الطبيب ، في كتابه الموسوم ب «العلم الإلهي».

والمجوس يعظمون الأنوار ، والنيران ، والمياه ، إلّا أنهم يقرون بنبوّة «زرادشت» ، ولهم شرائع يضيفونها إليه.

ومنهم «المزدكية» : وهم أصحاب مزدك الموبذ ، وهم القائلون بالمساواة في المكاسب ، والنساء.

والخرّمية (١) : أصحاب بابك. وهم فرقة من فرق المزدكية ، وهم أيضا سر مذهب

__________________

(١) هم اتباع بابك الخرمي ، وهو رجل فارسي مجوسي الأصل دخل في الإسلام وتسمى الحسن. قتل سنة ٢٢٣ ه‍ بأمر المعتصم. وقد ظهر بابك الخرمي في جبل البدين بناحية أذربيجان وكثر بها أتباعه ، واستباحوا المحرمات وقتلوا الكثير من المسلمين. وجهز إليه خلفاء بني العباس جيوشا كثيرة مع أفشين الحاجب ومحمد بن يوسف الثغري وأبي دلف العجلي وأقرانهم ، وبقيت العساكر في وجهه مقدار عشرين سنة إلى أن أخذ بابك وأخوه إسحاق بن إبراهيم وصلبا بسرّ من رأى. انظر الفرق بين الفرق (ص ٢٠١ ، ٢٠٢) ومروج الذهب (٤ / ٥٥).

٤٩

الإسماعيلية ، ومن كان على قول القرامطة ، وبني عبيد (١) وعنصرهم.

وقد يضاف إلى جملة من قال إن مدبّر العالم أكثر من واحد الصابئون ، وهم يقولون بقدم الأصلين على ما قدمنا من نحو قول المجوس ، إلّا أنهم يقولون بتعظيم الكواكب السبعة ، والبروج الاثني عشر ، ويصورونها في هياكلهم ويقولون بقدمها ، ويقربون الذبائح ، والدخن (٢) ، ولهم صلوات خمس في اليوم والليلة تقرب من صلوات المسلمين ، ويصومون شهر رمضان ، ويستقبلون في صلاتهم الكعبة والبيت الحرام ، ويعظمون مكة والكعبة ، ويحرمون الميتة ، والدّم ، ولحم الخنزير ، ويحرمون من القرائب ما يحرم على المسلمين ، وعلى نحو هذه الطريقة تفعل الهند بالبددة (٣) في تصويرها على أسماء الكواكب وتعظيمها ، وهو كان أصل الأوثان في العرب ، والدقاقرة في السودان ، حتى آل الأمر طول الزمان إلى عبادتهم إيّاها. وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر ، والغالب على أهل الدنيا إلى أن أحدثوا فيه الحوادث ، وبدّلوا شرائعه بما ذكرنا ، فبعث الله عزوجل إليهم إبراهيم خليله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بدين الإسلام الذي نحن عليه الآن ، وتصحيح ما أفسدوه بالحنيفية السمحة التي أتى بها محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، من عند الله تعالى. فبيّن لهم كما نصّ في القرآن بطلان ما أحدثوه ، من تعظيم الكواكب وعبادتها وعبادة الأوثان ، فلقي منهم ما نصّه الله في كتابه ، وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمّون بالحنفاء (٤) ، ومنهم اليوم بقايا «بحرّان» (٥) ، وهم قليل جدّا فهذه فرقة. ويدخل في هذه الفرقة من وجه ، ويخرج منها من وجه آخر النصارى.

فأما الوجه الذي يدخلون به فهو قولهم بالتثليث ، وأن خالق الخلق ثلاثة.

وأمّا الوجه الذي يخرجون به فهو أنّ للصابئين شرائع يسندونها إلى «هرمس» ويقولون إنه «إدريس» ، وإلى قوم آخرين ، يذكرون أنهم أنبياء «كإيلون» ويقولون إنه «نوح» عليه‌السلام ، و «اسفلانيوس» صاحب الهيكل الموصوف و «عاظيمون» و «يوداسف»

__________________

(١) هم العبيديون ، أي الفاطميون الإسماعيليون.

(٢) الدّخن : ما يتبخّر به من الطيب (المعجم الوسيط : ص ٢٧٦).

(٣) جمع بدّ : وهو الصنم ، أو بيته (المرجع السابق : ص ٤٣).

(٤) الحنفاء : فريق من العرب قبل الإسلام كانوا ينكرون الوثنية ، منهم أمية بن أبي الصلت. والحنفاء أيضا : من كانوا على دين إبراهيم عليه‌السلام في الجاهلية (المرجع السابق : ص ٢٠٣).

(٥) حرّان : مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور ، بينها وبين الرها يوم ، وبين الرقة يومان ، وهي على طريق الموصل والشام والروم (معجم البلدان : مادة حران).

٥٠

وغيرهم. والنصارى لا يعرفون هؤلاء ، لكن يقرون بنبوة كل نبي تعرفه من بني إسرائيل ، وإبراهيم وإسحاق ، ويعقوب عليهم‌السلام ، ولا يعرفون نبوة إسماعيل ، وصالح ، وهود ، وشعيب. وينكرون نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلى إخوته الأنبياء

عليهم‌السلام ، والصابئون لا يقرون بنبوة أحد ممن ذكرنا أصلا ، وكذلك المجوس لا يعرفون إلّا زرادشت فقط.

(ب) وأما الفرقة الثانية فإنها تذهب إلى أنّ العالم هم مدبروه لا غيرهم البتة ، وهم : الديصانية ، والمرقيونية ، والمانية : القائلون بأزلية الطبائع الأربع وأنها بسائط غير ممتزجة ، ثم حدث الامتزاج فحدث العالم بامتزاجها. فأمّا المانية فإنهم يقولون إنّ أصلين لم يزالا وهما نور وظلمة ، وأن النور والظلمة حيان ، وأن كليهما غير متناه إلّا من الجهة التي لاقى منها الآخر ، وأما من جهاته الخمس فغير متناه ، وأنهما جرمان ، ثم لهم في وصف امتزاجهم أشياء شبيهة بالخرافات ، وهم أصحاب «ماني». وقال المتكلمون : إن «ديصان» كان تلميذ «ماني» وهذا خطأ بل كان أقدم من «ماني» لأن «ماني» ذكره في كتبه وردّ عليه. وهما متفقان في كل ما ذكرنا إلّا أنّ الظلمة عند «ماني» حية ، وقال «ديصان» : هي موات.

وكان «ماني» راهبا بحرّان ، وأحدث هذا الدّين ، وهو الذي قتله الملك «بهرام بن بهرام» وإذ ناظره بحضرته «أذرباذ بن ماركسفند موبذ موبذان» في مسألة قطع النسل ، وتعجيل فراغ العالم ، فقال له «الموبذ» : أنت الذي تقول بتحريم النكاح ليستعجل فناء العالم ، ورجوع كل شكل إلى شكله ، وإن ذلك حقّ واجب؟

فقال له «ماني» : واجب أن يعان النور على خلاصه بقطع النسل مما هو فيه من الامتزاج.

فقال له : «أذرباذ» فمن الحق الواجب أن يعجّل لك هذا الخلاص الذي تدعو إليه ، وتعان على إبطال هذا الامتزاج المذموم. فانقطع «ماني». فأمر «بهرام» بقتل «ماني» فقتل هو وجماعة من أصحابه. وهم لا يرون الذبائح ، ولا إيلام الحيوان ، ولا يعرفون من الأنبياء عليهم‌السلام إلا عيسى عليه‌السلام وحده ، ويقرون بنبوة «زرادشت» ويقولون بنبوة «ماني».

وقالت : «المزدقية» أيضا كذلك إلّا أنهم قالوا : نور وظلمة لم يزالا ، وثالث أيضا بينهما لم يزل ، إلّا أن هؤلاء كلهم متفقون على أن هذه الأصول لم تحدث شيئا هو غيرها ، لكن حدث من امتزاجها ومن أبعاضها بالاستحالة صور العالم كله.

فهذه الفرق كلها مطبقة على أن الفاعل أكثر من واحد ، وإن اختلف في العدد والصفة ، وكيفية الفعل ، وإلزامات الشرائع.

٥١

وكلامنا هذا كلام اختصار وإيجاز وقصد إلى استيعاب قواعد الاستدلال ، والبراهين الضرورية ، والنتائج الواجبة من المقدمات الأولية الصحيحة ، وإضراب عن الشغب والتطويل الذي يكتفى بغيره عنه ، فإنما وعدنا بعون الله تعالى أن نبين بالبراهين الضرورية : أن الفاعل واحد لا أكثر البتة ، ونبين بطلان أن يكون أكثر من واحد كما فعلنا بتأييد الله عزوجل ، إذ بينا بالبراهين الضرورية أن العالم محدث كان بعد أن لم يكن ، وأن له مخترعا ومدبرا لم يزل فإذا ثبت أنه تعالى واحد بطلت الأقوال التي ذكرنا كلها وسقطت خرافاتهم المضافة إلى الأوائل الفاسدة في وصفهم الفاعلين وكيفية أفعالهم ، إذ لا تكون صفة إلّا لموصوف ، فإذا بطل الموصوف بطلت الصفة التي وصفوه بها.

وأما الاشتغال بأحكامهم الشرعية فلسنا من ذلك في شيء ، لأنه ليس من الشرائع العلمية شيء يوجبه العقل ، ولا شيء يمنع منه العقل ، بل كلها من باب الممكن ، فإذا قامت البراهين الضرورية على صحة قول الآمر بها ، ووجوب طاعته ، وجب قبول كل ما أتى به كائنا ما كان من الأعمال ، ولو أنه قتل أنفسنا ، وأبناءنا ، وآباءنا ، وأمهاتنا ، وإذا لم يصح قول الآمر بها ، ولم يصح وجوب طاعته لا يلتفت إلى ما يأمر به أي شيء كان من الأعمال.

وكل شريعة كانت على خلاف هذا فهي باطلة.

فكلامنا مع الفرق التي ذكرنا في إثبات أن الفاعل الأول واحد لا أكثر ، وإبطال أن يكون أكثر من واحد. وهو حاسم لكل شغب يأتون به بعد ذلك ، وكاف من التكلف لما قد كفته المرء بيسير من البيان. وما توفيقنا إلا بالله تعالى.

ونبدأ بحول الله تعالى وقوته بإيراد عمدة ما موّهوا به في إثبات أن الفاعل أكثر من واحد. ثم ننقضه بحول الله تعالى وقوّته بالبراهين الواضحة ، ثم نشرع إن شاء الله تعالى في إثبات أنه تعالى واحد بما لا سبيل إلى ردّه ولا اعتراض فيه كما فعلنا فيما خلا من كتابنا والحمد لله رب العالمين.

فنقول وبالله تعالى التوفيق :

حجج القائلين بأن الفاعل أكثر من واحد

إنّ عمدة ما عوّل عليه القائلون بأن الفاعل أكثر من واحد ، استدلالان فاسدان :

أحدهما : هو استدلال : المانية ، والديصانية ، والمجوس ، والصابئة ، والمزدكية

٥٢

ومن ذهب مذاهبهم ، وهو أنهم قالوا : وجدنا الحكيم لا يفعل الشر ، ولا يخلق خلقا ثم يسلط عليه غيره ، وهذا عيب في المعهود. ووجدنا العالم كله ينقسم قسمين ، كل قسم منهما ضد الآخر كالخير والشر ، والفضيلة والرذيلة ، والحياة والموت ، والصدق والكذب.

فعلمنا أن الحكيم لا يفعل إلّا الخير ، وما يليق فعله به ، وعلمنا أن الشرور لها فاعل غيره ، وهو شر مثلها.

والاستدلال الثاني : وهو استدلال من قال بتدبير الكواكب السبعة ، والاثني عشر برجا ، ومن قال بالطبائع الأربع. وهو أن قالوا :

لا يفعل الفاعل أفعالا مختلفة إلّا بأحد وجوه أربعة :

إمّا أن يكون ذا قوى مختلفة.

وإمّا أن يفعل بآلات مختلفة.

وإما أن يفعل باستحالة.

وإما أن يفعل في أشياء مختلفة.

قالوا : فلما بطلت هذه الوجه كلها ، إذ لو قلنا : إنه يفعل بقوى مختلفة لحكمنا عليه بأنه مركب ، فكان يكون من أحد المفعولات.

ولو قلنا : إنه يفعل باستحالة ، لوجب أن يكون منفعلا للشيء الذي أحاله ، فكان يدخل في جملة المفعولات.

ولو قلنا إنه يفعل في أشياء مختلفة لوجب أن تكون تلك الأشياء معه ، وهو لم يزل ، فتلك الأشياء لم تزل فكان حينئذ لا يكون مخترعا للعالم ولا فاعلا له.

قالوا : فعلمنا بذلك أن الفاعلين كثير ، وأن كل واحد يفعل ما يشاكله.

إبطال هذه الأدلة

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : فهذه عمدة ما عوّل عليه من لم يقل بالتوحيد ، وكلا هذين الاستدلالين خطأ فاحش على ما نبين إن شاء الله تعالى.

فيقال وبالله تعالى التوفيق ، لمن احتج بما احتجت به المانية ، من أنه لا يفعل الحكيم الشر ولا العبث :

ـ لا يخلو علمكم بأن هذا الشيء شر وعبث من أحد وجهين لا ثالث لهما :

٥٣

إمّا أن تكونوا علمتموه بسمع وردكم وخبر.

وإمّا أن تكونوا علمتموه بضرورة العقل.

فإن قلتم : إنكم علمتموه بطريق السمع. قيل لكم : هل معنى السمع شيء غير أن مبتدع الخلق ومرتبة سمّى هذا الشيء شرّا وأمر باجتنابه ، وسمّى هذا الشيء الآخر خيرا وأمر بإثباته؟

ـ فلا بدّ من نعم ، إذ هو هذا معنى اللازم عند كل من قال بالسمع.

فيقال لهم : فإنما صار الشرّ شرّا لنهي الواحد الأول عنه ، وإنما صار الخير خيرا لأمره به.

فلا بدّ من نعم. فإذا كان هذا ، فقد ثبت أن من لا مبدع ولا مدبر له ولا آمر فوقه لا يكون شيء من فعله شرّا ، إذ السبب في كون الشرّ شرّا هو الإخبار بأنه شر ، ولا مخبر يلزم طاعته إلا الله تعالى.

فإن قالوا : فكيف يفعل هو شيئا قد أخبر أنه شر؟

قيل لهم : ليس يفعل الجسم فيما يشاهد غير الحركة والسكون ، والحركة كلها جنس واحد في أنها نقلة مكانية ، وكذلك السكون جنس واحد كله ، فإنما أمرنا تعالى بفعل بعضها ، ونهانا عن فعل بعضها ، ولم يفعل هو تعالى الحركة قط على أنه متحرك بها ، ولا السكون على أنه ساكن به ، وإنما فعلهما على سبيل الإبداع. فتحرّكنا نحن بحركة نهينا عنها ، وسكوننا بسكون نهينا عنه هو الشر لا شر غيره أصلا. وكذلك اعتقاد النفس ما نهيت عنه ـ وهذا كله غير موصوف به الباري تعالى.

وإن قالوا : علمنا ذلك ببداهة العقل.

قيل لهم وبالله التوفيق :

أليس العقل قوة من قوى النفس وداخلا تحت الكيفية على الحقيقة أو تحت الجوهر على قول من لا عقل؟ فلا بد من نعم ، إنما يؤثر العقل ما هو من شكله في باب الكيفيات فيميز بين خطئها وصوابها ، ويعرف أحوالها ومراتبها.

وأمّا فيما هو فوقه ، وفيما لم يزل والعقل معدوم ، وفي مخترع العقل ومرتبه كما هو ، فلا تأثير للعقل فيه ، إذ لو أثّر فيه لكان محدثا ، لما قدّمنا من أنّ الأثر من باب المضاف ، فهو يقتضي مؤثرا فكان يكون الباري تعالى منفعلا للعقل ، وكان يكون العقل فاعلا فيه تعالى ، وحاكما عليه جلّ الله عن ذلك.

٥٤

وقد بيّنا في كتابنا هذا أن الباري تعالى لا يشبهه شيء من خلقه بوجه من الوجوه ، ولا يجري مجرى خلقه في معنى ولا حكم.

وذكرنا أيضا فيه إبطال قول من قال بتسمية الباري حيّا ، أو حكيما ، أو قادرا ، أو غير ذلك من سائر الصفات من جهة الاستدلال حاشا أربعة أسماء فقط ، وهي : الأول ، الواحد ، الحق ، الخالق فقط. وهذه الأسماء هي التي لا يستحقها شيء في العالم غيره ، فلا أول سواه البتة ، ولا واحد سواه البتة ، ولا خالق سواه البتة ، ولا حقّ سواه البتة على الإطلاق. وكل ما دونه تعالى فإنما هو حق بالباري تعالى ، ولو لا الباري تعالى ما كان شيء في العالم حقّا ، وما دونه تعالى فإنما حقّ بالإضافة.

ولو لا أن السمع قد ورد بسائر الأسماء التي ورد الخبر الصادق بها ، ما جاز أن يسمى الله عزوجل بشيء منها ، ولكن قد بيّنا في مكانه من هذا الكتاب على أي شيء تسميته بما ورد السمع ، وأن ذلك تسمية لا يراد بها غيره تعالى ، ولا يرجع منها إلى شيء سواه البتة.

وأيضا فإنّ دليلهم فيما سموا به الباري تعالى ، وأجروا عليه إقناعيّ شغبيّ وفيه تشبيه للخالق بخلقه.

وفي تشبيههم له بخلقه حكم عليه بالحدوث ، وأن يكون الفاعل مفعولا ، وقد قدمنا إبطال ذلك.

ويقال لهم : إن التزمتم أن يكون فاعل الشر فيما عندنا عابثا فقررتم بذلك على أن يكون فاعل العالم واحدا ، فقد علمنا فيما بيّنّا أن تارك الشيء لا يغيره وهو قادر على تغييره عابث ظالم.

ولا يخلو فاعل الخيرات عندكم من أن يكون قادرا على تغيير الشر والمنع منه أو لا يكون قادرا على ذلك ، فإن قلتم إنه قادر على تغييره والمنع منه ولم يغيّره ، فقد صار عندكم عابثا ضرورة ، فقد وقعتم فيما عنه فررتم ضرورة.

وإن قلتم : إنه غير قادر على تغييره ، ولا المنع منه ، فهو بلا شك عاجز ضعيف.

وهذه صفة سوء عندكم ، فهلا تركتم القول بأنه أكثر من واحد لهذا الاستدلال ، فإنه أصح على أصولكم ومقدّماتكم؟

وأما نحن فمقدمتكم عندنا فاسدة بالبرهان الذي ذكرناه.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : والمانية تزعم أن النور كان في العلو إلى ما

٥٥

لا نهاية له ، وأن الظلمة في السفل إلى ما لا نهاية له ، وأن كل واحد منهما متناهي المساحة من الجهة التي لاقى منها الآخر ، وغير متناه من جهاته الخمس ، وأن اللذة للنور خاصة لا للظلمة ، وأن الأذى للظلمة خاصة لا للنور.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : فأما بطلان هذا القول في عدم التناهي من الجهات الخمس (١) ، فيفسد بما أوجبنا به تناهي جسم العالم.

وأمّا قولهم بالعلو والسفل فظاهر الفساد ، لأن السفل لا يكون إلا بالإضافة (٢) ، وكذلك العلو.

فكل علو فهو سفل لما فوقه حتى تنتهي إلى الصفحة العليا من الفلك الأعلى التي لا صفحة فوقها ، وهم يقرون بهذا.

وكل سفل فهو علو لما تحته حتى تنتهي إلى المركز ، وهم يقرون بهذا.

فصح ضرورة أن في الظلمة على قولهم علوّا وأن في النور سفلا.

وأمّا قولهم في اللّذة والأذى ففاسد جدّا ، لأن اللذة لا تكون إلّا بالإضافة ، وكذلك الأذى.

فإنّ الإنسان لا يلتذ بما يلتذ به الحمار ، ويتأذى بما لا تتأذى به الأفعى ، فبطل هوسهم بيقين والحمد لله رب العالمين.

سؤال على المانية دامغ لقولهم بحول الله وقوته ، وهو أن يقال لهم :

ألهذه الأجساد أنفس أم لا؟

فإن قالوا : لا. قيل لهم : فهذه الأجساد لا تخلو على أصولكم من أن يكون في كل جسد منها نور وظلمة أو يكون بعض الأجساد نورا محضا ، وبعضها ظلمة محضة؟

فإن قالوا : في كل جسد نور وظلمة ـ قيل لهم : فهل يجوز من الظلمة فعل الخير؟ فلا بدّ من لا ، لأنه لو فعلت الخير لانتقلت إلى النور ، وكذلك لا يجوز أن يفعل النور شرّا لأنه كان يصير ظلمة.

__________________

(١) الجهات الستّ هي : الشمال والجنوب والشرق والغرب والعلو والسفل.

(٢) بالإضافة إلى الآخر ، أي العلو. وكذا العلو لا يكون إلا بالإضافة إلى السفل. وكذلك كل شيء له ضدّ لا يكون إلا بالإضافة إلى ضده ، كالطول والقصر ، والخفة والثقل ... الخ.

٥٦

فيقال لهم : فأي معنى لدعائكم إلى الخير ، ونهيكم عن النكاح (١) والقتل؟ وأخبرونا ، من تدعون إلى كل ذلك؟

فإن كنتم تدعون النور فهو طبعه ، وهو فاعل له بطبعه قبل أن تدعوه إليه ، لا يمكنه أن يحول عنه. فدعاؤكم له إلى ما يفعله ، وأمركم له بترك ما لا يفعله عبث من النور ، داع إلى المحال. وهذا خلاف أصلكم.

وإن كنتم تدعون للظلمة فذلك عبث من النور الداعي لها إلى ذلك ، إذ لا سبيل لها إلى ترك طبعها.

وهكذا يقال لهم سواء بسواء ، إن قالوا : إنّ من الأجساد ما هو نور محض ، ومنها ما هو ظلمة محضة.

وهكذا يسألون في الأرواح إن أقروا بها.

ثم يسألون عمن رأيناه ينكح ، ويقتل ، ويظلم ، ويكذب ثم تاب عن كل ذلك من القاتل الظالم؟ أهو النور أم الظلمة؟ ومن التائب؟ النور أم الظلمة؟

فأيّ ذلك قالوا فهو هدم مذهبهم ، وقد جوّزوا الاستحالة.

فإن قالوا : معنى دعائنا إلى ما ندعو إليه من ذلك إنما هو حض للنور على المنع للظلمة من ذلك.

قيل لهم : أكان النور قادرا على منعها قبل دعائكم أم لا؟

فإن قالوا : كان قادرا. قيل لهم : فقد ظلم بتركه إيّاها تظلم وهو يقدر على منعها قبل دعائكم.

وإن قلتم : لم يذكر حتى نبّه. قيل لهم : فهذا نقص منه وجهل ، وصفات شر لا تليق بالنور على قولكم.

وهذا ما لا انفكاك لهم منه.

وأيضا فيقال لهم : إنّ الدّاعي منكم إلى دينه لا يقول لمن دعاه كف غيرك عن ظلمه ، إنما يقول له : كفّ عن ظلمك ، وارجع عن ضلالك ، ولقد أحسنت في رجوعك عن الباطل إلى الحق.

فإن كنتم تأمرون بأن يخاطب بذلك الظلمة فالآمر بذلك كاذب آمر بالكذب.

__________________

(١) يدعون إلى النهي عن الزواج لأن الإنجاب عندهم شرّ ، وفناء البشر خير.

٥٧

وإن كنتم تأمرون بأن يخاطب بذلك النور ، فالآمر بذلك أيضا كاذب آمر بالكذب.

فإن قالوا : فأي معنى لدعائكم إلى الخير ، وقد سبق علم الله تعالى فيمن يعلمه ومن لا يعلمه؟

قيل لهم : جواب بعضنا في هذا هو أنّ كل من يدعى إلى الخير فممكن وقوعه منه ، وممكن أيضا فعل الشر منه ، ومتوهم كل ذلك منه ، فوجه دعائنا له معروف ، وليس علم الله تعالى إجبارا ، وإنما هو أنه تعالى علم ما يختاره العبد.

وجواب بعضنا في ذلك هو : أن فاعل كل ما يبدو في العالم فعل خلق وإبداع فهو لله عزوجل لا يتعقب عليه ، فهو خالق دعائنا من ندعوه (١). فإذ ذلك كذلك فلا يجوز سؤال الخالق لما شاء بلم فعلت؟ وهذا هو الجواب الذي نختاره.

ويقال لهم أيضا : أخبرونا عن «ماني» و «المسيح» و «زرادشت» وأنتم تعظمونهم ، أفيهم ظلمة أم كانوا أنوارا محضة؟

فمن قولهم ولا بد : إن فيهم ظلمة ، لأنهم يتغوّطون ، ويجوعون ويألمون. فيقال لهم : فبعض من تعظمون ظلمة مسخوطة ، ويقال لهم : من فعل تلك العجائب التي تنسبون إليهم؟ فمن قولهم : النور الذي فيهم. فيقال لهم : فلم عجز النور الذي فيكم عن مثل ذلك؟

فإن قالوا : لقلّته. قيل لهم : فكان يجب أن يأتي من المعجزات ولو بيسير على قدره. وهذا ما لا مخلص لهم منه البتة أصلا.

ويقال لهم أيضا : إنّ من العجائب التزامكم ترك النكاح لتعجلوا قطع التناسل فهبكم قدرتم على ذلك في الناس ، فكيف تصنعون في الوحش ، والطير ، وسائر الحيوان البري ، والحشرات ، وحيوان المياه والبحار التي تقتل بعضها بعضا أشدّ من قتل بعض الناس لبعض وأكثر؟ فكيف السبيل إلى قطع تناسلها وفراغ امتزاجها؟ وهذا ما لا سبيل لكم إليه أصلا.

فإن كان النور عاجزا عن قطعها عن ذلك فلا سبيل له إلى خلاص أجزائه أبد الأبد. وإن كان على ذلك قادرا فلم لم يعجل خلاص أجزائه؟ ولم يتركها تتردّد في الظلمات؟

__________________

(١) قوله «من ندعوه» لعله يريد : الذي ندعوه.

٥٨

وأعجب شيء منعهم من القتل ، وهذا عون منهم على بقاء المزاج ، وعلى منع الخلاص وتأخره ، وكان القتل أبلغ شيء في تمام مرادهم وبغيتهم من تعجيل الخلاص واستنقاذ النور وقطع المزاج. وهذا تناقض ظاهر منهم لا خفاء به ، وبالله تعالى نتأيد.

وكل ما قدمنا من البراهين على حدوث العالم ، وإيجاب النهاية في جرمه وأشخاصه وأزمانه فهو لازم للأصلين النور والظلمة على أصول المانية ، وعلى كل من يقول بأن الفاعل أكثر من واحد ، وأنه لم يزل مع الفاعل غيره لزوم ضرورة. وبالله تعالى التوفيق.

وأما الاستدلال الثاني الذي عوّلوا فيه على أقسام من يفعل أفعالا مختلفة فهو استدلال فاسد أيضا ، لأنهم إنما عوّلوا فيه على الأقسام الموجودة في العالم.

وقد قدمنا البراهين الضرورية على حدوث العالم ، وعلى أنّ محدثه لا يشبهه في شيء من الأشياء ، فلا سبيل إلى أن يدخل تحت شيء من أقسام العالم ، لكنه تعالى يفعل الأشياء المختلفة والأشياء المتفقة مختارا لكل ذلك كما شاء وحين شاء ، لا علة لشيء من ذلك ، إذ قدّمنا أنّ كل ما حصرته الطبيعة فهو متناه ، والمتناهي محدث على ما قدّمنا ، وكل من فعل فعلا واحدا لا يفعل غيره فإنما يفعل بطباعه كالنار التي لا تفعل إلا فعلا واحدا وهو الإحراق ، وتصعيد الرطوبات ، وسائر ما يفعل بطباعه. فلو كان الباري تعالى لا يفعل إلا فعلا واحدا لوجب أن يكون ذا طبيعة ، وإذ ليس ذا طبيعة فواجب في العقل ألا يكون يفعل فعلا واحدا بل أفعالا مختلفة ، وبطلت الأقسام الأربعة التي قدمنا من أن يكون ذا قوة مختلفة أو فاعلا بآلات ، أو فاعلا باستحالة ، أو فاعلا في أشياء ، لأن هذا كله يقتضي أن يكون محدثا تعالى الله عن ذلك ، وهو لم يزل ، فقد وجب ضرورة أن يكون الباري تعالى يفعل ما يشاء من مختلف ومتفق ، مختارا دون علة موجبة عليه شيئا من ذلك ، ولا بقوة هي غيره. وبالله تعالى التوفيق.

وكلّ ما ألزمناه من يقول إنّ العالم لم يزل من البراهين الضرورية فهو لازم للمانية ، والدّيصانية ، والمرقونية ، والقائلين بأزلية الطبائع والهيولى ، لأن العالم عند هؤلاء ليس هو شيئا غير تلك الأصول التي لم تزل عندهم ، وإنما حدثت فيهم عندهم الصورة فقط.

ويدخل أيضا عليهم القول بتناهي الأصلين لأنهما عندهم جسمان ، والجسم متناه ضرورة لبرهانين نوردهما إن شاء الله تعالى. وذلك أننا نقول :

لا يخلو كل جرم من الأجرام من أن يكون متحركا أو ساكنا.

٥٩

فإن كان متحركا فقد علمنا أن المسافة التي تتناهى لا تقطع أصلا ، لا في زمان متناه ، ولا في زمان غير متناه.

ثم لا تخلو حركته من أن تكون ، إمّا باستدارة وإمّا إلى جهة من الجهات ، ولا ثالث لهذين الوجهين.

فإن كان متحركا باستدارة وهو غير متناه فهذا محال ، لأن الخطّين الخارجين من الوسط إلى الشرق وإلى العلو غير متناهيين إذن ، فكان يجب أن يكون الجزء الذي في سمت المشرق منه لا يبلغه إلى العلو الذي هو سمت الرأس منه أبدا ، فقد بطلت الحركة إذن على هذا ، فهو متحرك لا متحرك ، وهذا محال مع مشاهدة العيان ، لقطع كل جزء من الفلك الكلي جميع مسافته ورجوعه إلى حيث ابتدأ منه في كل أربع وعشرين ساعة.

وإن كان متحركا إلى جهة من الجهات فهذا أيضا محال ، لأن الحركة نقلة من مكان إلى مكان ، فإذا وجد هذا الجسم مكانا ينتقل إليه لم يكن فيه قبل ذلك فقد ثبتت النهاية له ضرورة ، لأن وجوده غير كائن في المكان الذي انتقل إليه موجب لانقطاعه قبله.

وإن كان لم يزل في المكان الذي انتقل إليه ، وهكذا فيما بعده من الأمكنة فلم يزل غير منتقل ، وقد قلتم : إنه لم يزل منتقلا ، فهو إذن متحرك لا متحرك ، وهذا محال.

وإن قلتم : ساكن. قلنا لكم : اقطعوا من هذا الجرم قطعة بالوهم ، فإذا توهّموا ذلك سألناهم : متى كان هذا الجرم أعظم؟ أقبل أن تقطع منه هذه القطعة؟ أو بعد أن قطعت؟ فأيّا ما قالوا ، أو إن قالوا : إنه مساو لنفسه قبل أن تقطع منه هذه القطعة ، فقد أثبتوا النهاية ، إذ لا تقطع الكثرة والقلة والتساوي إلّا في ذي نهاية.

وأيضا فإن المكان والجرم مما يقع تحت العدد كوقوع الزمان تحت العدد إلّا في نهاية ، وأيضا فإن كان المكان والجرم مما يقع تحت العدد فكل ما أدخلناه ـ فيما خلا من تناهي الزمان ـ من طريق العدد فهو لازم في تناهي المكان والجرم من طريق العدد بالمساحة. وبالله تعالى التوفيق.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وكل ما ألزمنا من يقول بأن الأجسام لم تزل فهو لازم بعينه لمن يقول بأن السبعة الكواكب والاثني عشر برجا لم تزل لأنها أجسام جارية تحت أقسام الفلك وحركته ، فانظر هنالك ما ألزمناه في حدوث الأجسام وأزمانها فهو لازم لهؤلاء ، وتركنا ما يلزم المانية وغيرها في فروع أقوالهم ، كقولهم في المزاج

٦٠