الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

هو صلة الضمير الذي هو النون والألف اللذان في «معنا» لا فيما نخبر به عن الله تعالى ، وهذا هو معنى قوله : «هو معهم أينما كانوا ، وهو معكم أينما كنتم».

وذهب قوم إلى أن الله تعالى في مكان دون مكان.

وقولهم هذا يفسد بما ذكرنا ، ولا فرق.

واحتجّ هؤلاء بقوله تعالى : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) [سورة طه : ٥].

قال أبو محمد : وقد تأوّل المسلمون في هذه الآية تأويلات أربعة.

أحدها : قول المجسمة ، وقد بان بحول الله فساده.

والثاني : قالت المعتزلة : هو أن معناه «استولى» وأنشدوا :

قد استوى بشر على العراق (١)

قال أبو محمد : وهذا فاسد لأنه لو كان كذلك لكان العرش أولى بالاستيلاء عليه من سائر المخلوقات. ولجاز لنا أن نقول : «الرحمن على الأرض استوى» لأنه تعالى مستول عليها ، وعلى كل ما خلق. وهذا لا يقوله أحد. فصار هذا القول دعوى مجرّدة بلا دليل فسقط.

وقال بعض أصحاب ابن كلاب : إن الاستواء صفة ذات ، ومعناه نفي الاعوجاج.

قال أبو محمد : وهذا القول في غاية الفساد لوجوه :

أحدها : أنه تعالى لم يسمّ نفسه مستويا ، ولا يحل لأحد أن يسمّي الله تعالى بما لم يسمّ به نفسه ، لأنه من فعل ذلك فقد ألحد في أسمائه أي مال عن الحق ، وقد حدّ الله تعالى في تسميته حدودا فقال تعالى : (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [سورة الطلاق : ١].

وثانيها : أن الأمة مجمعة على أنه لا يدعو أحد يقول : «يا مستوي ارحمني» ، ولا يسمّي ابنه عبد المستوي.

وثالثها : أنه ليس كل ما نفي عن الله عزوجل وجب أن يوقع عليه ضده ، لأننا ننفي عن الله عزوجل السكون ، ولا يحل أن نسمي الله عزوجل متحركا ، وننفي عنه الحركة ، ولا يجوز أن يسمّى ساكنا ، وننفي عنه الخشم (٢) ولا يجوز أن يسمى شمّاما

__________________

(١) الرجز في لسان العرب (١٤ / ٤١٤ ـ مادة سوا) ورصف المباني (ص ٥٠٧) وبعده :

من غير سيف ودم مهراق

(٢) الخشم : داء يعتري الخيشوم فيفقده حاسّة الشم (المعجم الوسيط : ص ٢٣٦).

٣٨١

وننفي عنه النّوم ، ولا يجوز أن يسمى يقظان ، ولا منتبها ، ولا يسمّى لنفي الانحناء عنه مستقيما ، وكذلك كلّ صفة لم يأت بها النصّ ، فكذلك الاستواء والاعوجاج منفيان عنه معا ، سبحانه وتعالى عن ذلك لأن كل ذلك من صفات الأجسام ، ومن جملة الأعراض ، والله قد تعالى عن الأعراض.

ورابعها : أنه يلزم من قال بهذا القول أن يكون العرش لم يزل تعالى الله عن ذلك ، لأنه تعالى علّق الاستواء بالعرش فلو كان الاستواء لم يزل لكان العرش لم يزل فهذا كفر.

وخامسها : أنه لو كان الاستواء هاهنا نفي الاعوجاج لم يكن لإضافة ذلك إلى العرش معنى ، ولكان كلاما فاسدا لا وجه له.

فإن اعترضوا فقالوا : إنكم تسمّونه سميعا بصيرا ، وأنه لم يزل كذلك فيلزم على هذا أن المسموعات والمبصرات لم تزل.

قلنا لهم وبالله تعالى نتأيد : هذا لا يلزمنا لأننا لا نسمي الله تعالى إلّا بما سمّى نفسه فنقول إن الله تعالى السميع البصير لم يزل وهو السميع البصير بذاته كما هو لا بسمع ولا ببصر ، ولم نزد على ما أتى به النص شيئا. ونحن نقول : إنه تعالى لم يزل بصيرا بالمبصرات ، سميعا بالمسموعات يرى المرئيات ويسمع المسموعات ، ومعنى هذا كله أنه عالم بكل ذلك ويعلم كل ذلك على ما يكون عليه ثم على حقيقته وعلى ما هو عليه ، هذا معنى العلم الذي لا يقتضي وجودا لمعلومات لم تزل ، وهذا نجده حسّا ومشاهدة وضرورة ، لأننا لما بينا زيدا سيموت وأن موته لم يقع بعد وليس هكذا قولهم في الاستواء لأنه مرتبط بالعرش. فإن قالوا فإذن معنى «سميع بصير» هو معنى «عليم» فقولوا : إنه تعالى يبصر المسموعات ويسمع المرئيات؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق :

ما نمنع من هذا ولا ننكره ، بل هو صحيح لأن الله تعالى إنما قال : أسمع وأرى. فهذا إطلاق على كل شيء على عمومه ، وبالله تعالى التوفيق.

والقول الرابع في معنى الاستواء : هو أنّ معنى قول الله تعالى (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) : أنه فعل فعله في العرش وهو انتهاء خلقه إليه ، فليس بعد العرش شيء ، ويبيّن ذلك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكر الجنات وقال : «فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنّه وسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوق ذلك عرش الرحمن» (١) فصحّ أنه ليس وراء العرش

__________________

(١) تقدم تخريجه في هذا الجزء. انظر الفهارس العامة.

٣٨٢

خلق ، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء ، ومن أنكر أن يكون للعالم نهاية من المسامحة والزمان والمكان أو من جرمه فقد لحق بقوله الدّهرية ، وفارق الإسلام.

والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء ، قال تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) [سورة القصص : ١٤].

أي : فلما انتهى إلى القوة والخير. وقال تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) [سورة فصلت : ١١].

أي أنّ خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه وبالله تعالى التوفيق.

وهذا هو الحق وبه نقول لصحة البرهان به وبطلان ما عداه. فأمّا القول الثالث في المكان : فهو أن الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلا ، وهو قول الجمهور من أهل السنة وبه نقول ، وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان ما عداه ، ولقوله تعالى : (أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) [سورة فصلت : ٥٤].

فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به من جهة ما أو من جهات ، وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة ، والمكان شيء بلا شك ، فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطا بمكانه ، وهذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة. وبالله التوفيق.

وأيضا فإنه لا يكون في مكان إلّا ما كان جسما أو عرضا في جسم ، هذا الذي لا يجوز سواه ، ولا يتشكل في العقل والوهم غيره البتة ، فإذا انتفى أن يكون الله عزوجل جسما أو عرضا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلا وبالله تعالى نتأيّد.

وأمّا قوله تعالى : (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) [سورة الحاقة : ١٧].

فقوله الحق نؤمن به يقينا والله أعلم بمراده في هذا القول ، ولعلّه عزوجل عنى السماوات والكرسي فهذه ثمانية أجرام ، هي يومئذ والآن بيننا وبين العرش ، ولعلهم أيضا ثمانية ملائكة ، والله أعلم ، نقول ما قاله ربنا تعالى ، ونقطع أنه حق يقين على ظاهره ، وهو أعلم بمعناه ومراده ، وأمّا الخرافات فلسنا منها في شيء ، ولا يصحّ هذا في خبر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكنا نقول : هذه غيوب لا دليل لنا على المراد بها ، لكنّا نقول : (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) [سورة آل عمران : ٧]. وكل ما قاله الله تعالى حق ليس منه

٣٨٣

شيء منافيا للعقول ، بل هو كله قبل أن يخبرنا الله به في حدّ الإمكان عندنا ، ثم إذا أخبر به عزوجل صار واجبا حقا يقينا ، وقد قال الله تعالى : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) [سورة غافر : ٧].

فصحّ يقينا أنّ للعرش حملة ، وهم الملائكة المنفذون لأمره تعالى ، كما نقول : أنا أحمل هذا الأمر أي أقوم به وأتولّاه ، وقد قال تعالى : (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) [سورة النحل : ٥٠] وأنهم يتنزلون بالأمر. وأما الحامل للكل والممسك للكل فهو الله تعالى عزوجل ، قال الله تعالى : (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) [سورة فاطر : ٤١].

الكلام في العلم

قال الله عزوجل : (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [سورة النساء : ٦٦].

فأخبر تعالى : أن له علما ، ثم اختلف الناس في علم الله تعالى فقال جمهور المعتزلة : إطلاق العلم لله تعالى إنما هو مجاز لا حقيقة ، وإنما معناه : أنه لا يجهل.

وقال سائر الناس : إنّ لله تعالى علما حقيقة لا مجازا ، ثم اختلف هؤلاء فقال جهم بن صفوان وهشام بن الحكم (١) ، ومحمد بن عبد الله بن مسرة الجيلي (٢) وأصحابهم : إنّ علم الله تعالى هو غيره ، وهو محدث مخلوق ، سمعنا ذلك ممن جالسناه منهم ، وناظرناهم عليه.

وقالت طوائف من أهل السنة : علم الله تعالى غير مخلوق لم يزل ، وليس هو الله ، ولا هو غير الله.

وقال الأشعري في أحد قوليه : لا يقال هو الله ، ولا يقال هو غير الله.

__________________

(١) هو هشام بن الحكم الكوفي المشبّه ، قال إسحاق النديم : هو من أصحاب جعفر الصادق ، هذّب المذهب وفتق الكلام في الإمامة ، وكان حاذقا حاضر الجواب. ثم سرد أسماء كتبه ، منها في الردّ على المعتزلة وفي التوحيد وغير ذلك. انظر ترجمته في الفهرست (ص ٢٢٣) ولسان الميزان (٦ / ١٩٤) وسير الأعلام (١٠ / ٥٤٣) وسمط اللآلي (ص ٨٥٥) وأمالي المرتضى (١ / ١٧٦).

(٢) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرّة المتصوف الأندلسي المتوفى سنة ٣١٩ ه‍. انظر ترجمته في تاريخ علماء الأندلس (٢ / ٣٩) وجذوة المقتبس (ص ٦٣) وبغية الملتمس (ص ٨٨).

٣٨٤

وقال في قول له آخر وافقه عليه الباقلاني (١) وجمهور أصحابه : إن علم الله تعالى هو غير الله ، وإنه مع ذلك غير مخلوق لم يزل.

وقال أبو الهذيل العلّاف (٢) وأصحابه : علم الله تعالى لم يزل وهو الله ، وقالت طوائف من أهل السنة : علم الله تعالى لم يزل وهو غير مخلوق ، وليس هو غير الله ، ولا نقول هو الله.

وكان هشام بن عمرو الفوطي (٣) أحد شيوخ المعتزلة لا يطلق القول بأنّ الله تعالى لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها ، ليس لأنه لا يعلم ما يكون قبل أن يكون ، بل كان يقول بأن الله تعالى لم يزل عالما بأنه ستكون الأشياء إذا كانت.

قال أبو محمد : فأما من أنكر أن يكون لله تعالى علم فإنهم قالوا : لا يخلو لو كان لله علم من أن يكون غيره أو يكون هو هو ، فإن كان غيره فلا يخلو من أن يكون مخلوقا أو لم يزل. وأيّ الأمرين كان فهو فاسد ، فإن كان هو الله فالله علم وهذا فاسد.

قال أبو محمد : أمّا نفس قولهم في أن ليس لله علم فمخالف للقرآن ، وما خالف القرآن فهو باطل ، ولا يحل لأحد أن ينكر ما نصّ الله تعالى عليه وقد نصّ الله تعالى على أنّ له علما فمن أنكره فقد اعترض على الله تعالى ، وأمّا اعتراضاتهم التي ذكرنا

__________________

(١) هو المتكلم الأصولي القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي ابن الباقلاني. صنّف في الردّ على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية ، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري ، توفي الباقلاني سنة ٤٠٣ ه‍. انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٥ / ٣٧٩) وترتيب المدارك (٤ / ٥٨٥) ووفيات الأعيان (٤ / ٢٦٩) والمختصر في أخبار البشر (٢ / ١٤٤) والعبر للذهبي (٣ / ٨٦) ودول الإسلام (١ / ٢٤٢) وسير أعلام النبلاء (١٧ / ١٩٠) والوافي بالوفيات (٣ / ١٧٧) والنجوم الزاهرة (٤ / ٢٣٤) وشذرات الذهب (٣ / ١٦٨) وغيرها.

(٢) هو رأس المعتزلة أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري العلّاف المتوفى سنة ٢٢٧ ه‍ ، ويقال : بقي إلى سنة ٢٣٥ ه‍. انظر ترجمته في طبقات المعتزلة (ص ٤٤) والفهرست لابن النديم (ص ٢٠٣) وتاريخ بغداد (٣ / ٣٦٦) ووفيات الأعيان (٤ / ٢٦٥) وغيرها.

(٣) هو هشام بن عمرو أبو محمد الفوطي المعتزلي الكوفي مولى بني شيبان. نهى عن قول «حسبنا الله ونعم الوكيل» وقال : لا يعذب الله كافرا بالنار ولا يحيي أرضا بمطر ولا يهدي ولا يضلّ ، ويقول : يعذّبون في النار لا بها ، ويحيي الأرض عند المطر لا به ، وأن معنى «نعم الوكيل» أي المتوكّل عليه. انظر ترجمته في طبقات المعتزلة (ص ٦١) والفهرست (ص ٢١٤) وسير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٤٧).

٣٨٥

ففاسدة كلها ، وسنوضح فسادها إن شاء الله تعالى في إفسادنا لقول الجهمية والأشعرية ، لأن هذه الاعتراضات من اعتراض هاتين الطائفتين ، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : احتج جهم بن صفوان بأن قال : لو كان علم الله تعالى لم يزل لكان لا يخلو من أن يكون هو الله تعالى أو غيره ، فإن كان علم الله تعالى غير الله وهو لم يزل ، فهذا تشريك لله تعالى ، وإيجاب الأزلية لغيره تعالى معه وهذا كفر ، وإن كان هو الله فالله علم وهذا إلحاد.

وقال : نسأل من أنكر أن يكون علم الله تعالى هو غيره ، فنقول : أخبرونا ، إذا قلنا الله ، ثم قلنا : إنه عليم فهل فهم من قولنا : «عليم» شيئا زائدا غير ما فهمتم من قولنا (الله) أم لا؟

فإن قلتم : لا. أحلتم.

وإن قلتم : نعم ، أثبتم معنى آخر هو غير الله ، وهو علمه ، وهكذا قالوا في (قدير) وفي (قوي) وفي سائر ما ادّعوا فيه الصفات.

وقال أيضا : إننا نقول إنّ الله تعالى عالم بنفسه ، ولا نقول قادر على نفسه فصح أن علمه تعالى غير قدرته ، وإذ هو غيرهما فهما غير الله تعالى ، وقد يعلم الله تعالى قادرا من لا يعلمه عالما ، ويعلمه عالما من لا يعلمه قادرا ، فصح أن كلّ ذلك معان متغايرة.

واحتج بهذا كله أيضا من رأى أن علم الله تعالى لم يزل ، وأنه مع ذلك غير الله تعالى ، وأنه غير قدرته أيضا ، واحتج بآيات من القرآن مثل قوله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [سورة محمد : ٣١].

ومثل هذه.

قال أبو محمد : من قال بحدوث العلم فإنه قول عظيم جدّا لأنه نصّ بأن الله تعالى لم يعلم الأشياء حتى أحدث لنفسه علما ، وإذا ثبت أن الله تعالى يعلم الآن الأشياء فقد انتفى عنه الجهل يقينا ، فلو كان يوما من الدّهر لا يعلم شيئا مما يكون فقد ثبت له الجهل به ولا بد من هذا ضرورة ، وإثبات الجهل لله تعالى كفر بلا خلاف ، لأنه وصفه تعالى بالنقص ، ووصفه يقتضي له الحدوث ولا بدّ ، وهذا باطل مما قدمنا من انتفاء جميع صفات الحدوث عن الفاعل تعالى ، وليس هذا من باب نفي الضدّين عنه كنفينا عنه تعالى الحركة والسكون لأنّ نفي جميع الضدّين موجود عما ليس فيه أحدهما ولا كلاهما ، وأمّا إذا ثبت للموصوف بعض نوع من الصفات ، وانتفى عنه بعض ذلك النوع فلا بدّ هاهنا ضرورة من إثبات ضدّه ، مثال ذلك الحجر ، انتفى

٣٨٦

عنه العلم والجهل ، وأما الإنسان إذا ثبت له العلم بشيء ، وانتفى عنه العلم بشيء آخر فقد وجب ضرورة إثبات الجهل له بما لم يعلمه ، وهكذا في كل شيء ، فإذ قد صحّ هذا فالواجب النظر في إفساد احتجاجهم ، فأمّا قولهم : لو كان علم الله لم يزل ، وهو غير الله تعالى لكان ذلك شركا ـ فهو قول صحيح ، واعتراض لا يرد.

وأمّا قولهم : لو كان هو الله لكان الله علما ، فهذا لا يلزم على ما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى ، وجملة ذلك أننا لا نسمّي الله تعالى إلّا بما سمّى به نفسه ، ولم يسمّ نفسه علما ولا قدرة ، فلا يحل لأحد أن يسميه بذلك.

وأما قولهم : هل يفهم من قول القائل (الله) كالذي يفهم من قوله (عالم) فقط؟ أو يفهم من قوله (عالم) معنى غير ما يفهم من قوله (الله)؟.

فجوابنا وبالله تعالى التوفيق : إننا لا نفهم من قولنا : قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله عزوجل إلّا ما نفهم من قولنا الله فقط لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلا ، لكن إذا قلنا هو الله تعالى بكل شيء عليم ، ويعلم الغيب ، فإنما يفهم من كل ذلك أن هاهنا له تعالى معلومات ، وأنه لا يخفى عليه شيء ، ولا يفهم منه البتة أن له علما هو غيره ، وهكذا نقول في (قدير) وفي غير ذلك ، وأمّا قولهم إننا نقول : إنّ الله تعالى عالم بنفسه ولا نقول : إنه قادر على نفسه ، فقد كذب من قال ذلك وأفك بل كلّ ذلك سواء ، وهو تعالى قادر على نفسه كما هو عالم بها ولا فرق ، فإن كلمونا هاهنا أجبناهم ، وقد سقط عنا هذا السؤال جملة ، وقد تكلمنا على تفصيل هذا السؤال بعد هذا. ويلزمهم ضرورة إذ قالوا إنه تعالى غير قادر على نفسه أنه عاجز عن نفسه ، وإطلاق هذا كفر صريح.

وأمّا قولهم إنه قد يعلم الله قادرا من لم يعلم أنه عالم ، ويعلمه عالما من لا يعلمه قادرا فلا حجة في ذلك ، لأن جهل من جهل الحق ليس حجة على الخلق ، وقد نجد من يعلم الله عزوجل ويعتقد فيه أنه تعالى جسم ، فليست الظنون حجة في إبطال حق ، ولا تحقيق باطل ، فصحّ أن علم الله تعالى حق وقدرته حق وقوته حق ، وكل ذلك ليس هو غير الله تعالى ، ولا العلم غير القدرة ، ولا القدرة غير العلم ، إذ لم يأت دليل بغير هذا لا من نصّ ولا من سمع ، وبالله تعالى التوفيق.

وجهم بن صفوان (١) سمرقندي يكنى أبا محرز ، مولى لبني راسب من الأزد ،

__________________

(١) قتل سنة ١٢٨ ه‍. انظر ترجمته في تاريخ الجهمية والمعتزلة للقاسمي (ص ١٠ وما بعدها)

٣٨٧

وكان كاتبا للحارث بن سريج التميمي (١) ، أيام قيامه على نصر بن سيّار (٢) ، أمير مرو بخراسان ، فظفر سلم بن أحوز (٣) بجهم في تلك الأيام فضرب عنقه (٤).

قال أبو محمد : ومعنى كل ما جاء في القرآن من الآيات التي ذكروا هو ما نبينه إن شاء الله تعالى بحوله عزوجل وقدرته ، وهو أنه لما أخبرنا الله عزوجل بأن أهل النار لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه وأخبرنا عزوجل أنه يعلم متى تقوم الساعة ، وأخبرنا بما يقول أهل الجنة وأهل النار قبل أن يقولا ، وسائر ما في القرآن من الأخبار الصادقة عمّا لم يكن بعد ، علمنا بذلك أن علمه تعالى بالأشياء كلها متقدم لوجودها ولكونها ضرورة ، وعلمنا أن كلامه عزوجل لا يتناقض ولا يتدافع ، وأن المراد بقوله الله تعالى : (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ) [سورة محمد : ٣١] وسائر ما في القرآن من مثل هذا إنما هو على ظاهره دون تكلف تأويل ، بل هي على المعهود بيننا كقوله تعالى : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [سورة طه : ٤٤].

إنما هذا على حسب إدراك المخاطب ، ومعنى ذلك : حتى نعلم من يجاهد منكم مجاهدا ، ونعلم من يصير منكم صابرا ، وهذا لا يكون إلّا في حين جهادهم وحين صبرهم ، وأمّا قبل أن يجاهدوا ويصبروا فإنما علمهم غير مجاهدين وغير صابرين ، وأنهم سيجاهدون ويصبرون. فإذا جاهدوا علمهم حينئذ مجاهدين ، وإنما الزّمان في كل هذا للمعلوم ، وأمّا علمه تعالى ففي غير زمان وليس هاهنا تبدّل علم ، وإنما يتبدّل المعلوم فقط ، والعلم في كل ذلك لم يزل غير متبدّل.

فإن قالوا : متى علم الله زيدا ميتا؟ فإن قلتم لم يزل يعلمه ميتا ، وجب أنّ زيدا لم يزل ميتا ، وهذا محال. وإن قلتم لم يعلمه ميتا حتّى مات فهذا قولنا لا قولكم.

__________________

والكامل لابن الأثير (٥ / ٣٤٢) وتاريخ الطبري (٧ / ٢٢٠) وخطط المقريزي (٢ / ٢٤٩ و ٣٤١) وسير أعلام النبلاء (٦ / ٢٦) وميزان الاعتدال (١ / ٢٤٦) والملل والنحل (١ / ١٩٩).

(١) قتله نصر بن سيّار سنة ١٢٨ ه‍. انظر ترجمته في الأعلام (٢ / ١٥٥).

(٢) نصر بن سيار : صاحب خراسان ، ونائب مروان بن محمد. خرج عليه أبو مسلم صاحب الدعوة العباسية وحاربه ، فتقهقر نصر ، ثم توفي بساوة سنة ١٣١ ه‍. انظر ترجمته في تاريخ خليفة بن خياط (ص ٣٨٣ و ٣٨٨) والمحبّر (ص ٢٥٥) وتاريخ الإسلام للذهبي (٥ / ٣٠٨) وسير أعلام النبلاء (٥ / ٤٦٣) وخزانة الأدب (١ / ٣٢٦) وابن الأثير (٥ / ١٤٨).

(٣) انظر ترجمته في العبر للذهبي (١ / ٦٦).

(٤) قيل إنه قتله لإنكاره أن الله كلّم موسى. انظر سير أعلام النبلاء (٦ / ٢٧).

٣٨٨

فالجواب عن هذا أننا لا نقول شيئا ممّا ذكروا ولكننا نقول : إن الله عزوجل لم يزل أنه سيخلق زيدا ، وأنه سيعيش كذا وكذا وسيموت في وقت كذا ، فعلم الله تعالى بكل ذلك واحد لا يتبدّل ولا يستحيل ، ولا زاد فيه تبدل الأحوال التي للمعلوم شيئا ولا نقص منه عدمها شيئا ولا أحدث له حدوث ذلك علما لم يكن وإنما تغاير المعلومات لا العلم لا العليم ولا القدرة ولا القدير.

والفرق بين القول متى علم الله زيدا ميتا ..؟ وبين القول متى علمت زيدا ميتا ..؟ فرق بيّن وهو علمي أن زيدا مات وهو عرض حدث في النفس بحدوث موت زيد ، وهو غير علمي أن زيدا حي وأنه سيموت ، لأن علمي بأنّ زيدا سيموت إنما هو علم بحدوث حال سيحدث مقتضيه لموته يوما ما ، لا علمنا بوجود الموت ، وعلمي بأن زيدا ميّت علم بوجود الموت فهو غير العلم الأول وكلاهما عرض مخلوق في النفس ، وعلم الله تعالى ليس كذلك ، لأنه ليس هو شيئا غير الله تعالى ، ولو كان علم الله تعالى محدثا لوجب ضرورة أن يكون على حكم سائر المحدثات ، وبضرورة العقل نعلم أن العلم كيفيّة عرض ، والعرض لا يقوم البتة إلّا في جسم ، ومحال أن يكون العلم محمولا في غير العالم فكان يجب من هذا القول بالتجسيم ، وهذا باطل بما قدّمنا من البراهين على وجوب حدوث كل جسم وعرض. فإن قال قائل : علم الله تعالى عرض حادث في المعلوم قائم به لا بالباري عزوجل ولا بنفسه قلنا وبالله تعالى التوفيق :

بنصّ القرآن علمنا أنّ الله عزوجل عنده علم الساعة ، وعلم ما لا يكون أبدا ، أو لو كان كيف كان يكون ، إذ يقول تعالى : (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) [سورة الأنعام : ٢٨].

وعلمه تعالى إذ قال لنوح عليه‌السلام : (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) [سورة هود : ٣٦].

وأخبر تعالى أنهم مغرّقون. فلو كان علم الله تعالى عرضا قائما في المعلوم ، والمعلوم الذي هو الساعة غير موجود بعد ، والعلم موجود بيقين ، فلا بدّ ضرورة من أحد أمرين لا ثالث لهما ، إمّا أن يكون المعلوم موجودا لوجود العلم ، وهذا باطل بضرورة الحس ، لأنّ المعلوم الذي ذكرنا معدوم فيكون معدوما موجودا في حين واحد من جهة واحدة ، أو يكون العلم الموجود قائما بمعلوم معدوم ، فيكون عرضا موجودا محمولا في حامل معدوم ، وهذا تخليط ومحال فاسد البتة ، وإنما كلامنا هذا مع أهل

٣٨٩

ملتنا المقربين بالقرآن ، وأمّا سائر الملل فلسنا نكلمهم في هذا ، لأنها نتيجة مقدمات سوالف ، ولا يجوز الكلام في النتيجة إلّا بعد إثبات المقدّمات ، فإن ثبتت المقدّمات ثبتت النتيجة ، والبرهان لا يعارضه برهان ، فكل ما ثبت ببرهان فعورض بشيء فإنّما هو شغب بلا شك ، وإن لم تصح المقدّمات فالنتيجة باطلة دون تكلف دليل. ومقدّمات ما ذكرنا هي إثبات التوحيد ، وحدوث العالم بنقل الكواف لنبوّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن فإن ذكروا الآيات التي في القرآن مثل (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) «لعلّكم تؤمنون» (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ونحو ذلك فإنما هي كلها بمعنى لام العاقبة أي ليتذكر ، ولتؤمنوا ، وليشكروا وليتذكروا ، وليخشى ، على ظاهر الأمر عندنا من إمكان كل ذلك منا كما قال عزوجل : (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [سورة الملك : ٢].

وقال عزوجل : (ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً) [سورة غافر : ٦٧].

فهذا أيضا على الإمكان ممّن عاش ، والأول على الممكن من الناس عند الخطاب والدّعاء إلى الله تعالى ، وكذلك كل ما جاء في القرآن بلفظة «أو» فإنما هو على أحد وجهين إمّا على الشّك من المخاطبين لا من الله تعالى ، وإمّا بمعنى التخيير في الكل كقول القائل : «جالس الحسن أو ابن سيرين».

برهان ذلك : ورود النص بأنه تعالى لا يضلّ ولا ينسى ، وأنه قد علم أن فرعون لا يؤمن حتى يرى العذاب ، وكما قال تعالى : (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) [سورة هود : ٣٦].

وبهذا تتآلف النصوص كلها ، فلم يبق لأهل القول بحدوث العلم إلّا أن يقولوا إنه تعالى خلق شيئا ما كان حاملا لعلمه بالسّاعة.

قال أبو محمد : وهذا من السخف ما هو من العلم لأن علم الله تعالى لا يقوم بغيره ، ولا يحمله سواه ، هذا أمر يعلم بالضرورة والحسّ ، فمن ادّعى دعوة لا يأتي عليها بدليل فهي باطلة فكيف إذا أبطلها الحسّ وضرورة العقل ، ويبيّن ما قلناه نصا قوله تعالى حاكيا عن نبيه موسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال لبني إسرائيل : (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [سورة الأعراف : ١٢٩].

هذا مع قوله تعالى : (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ

٣٩٠

وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا) [سورة الإسراء : ٤ ـ ٨].

فهذا نصّ قولنا إنه تعالى قد علم ما يفعلون ، وأخبر بذلك ، ثمّ مع هذا أخرج الخطاب بالمعهود عندنا بلفظ «عسى» و «فينظر».

قال أبو محمد : فإذ قد صحّ ما ذكرنا فقد ثبت ضرورة أنّ قول القائل : متى علم الله زيدا ميّتا سؤال فاسد بالضرورة لأن «متى» سؤال عن زمان وعلم الله تعالى ليس في زمان أصلا لأنه ليس هو غير الله تعالى ، وقد مضى البرهان على أنّ الله تعالى ليس في زمان ولا في مكان ، وإنّما الزّمان والمكان للمعلوم فقط كما بيّنا ، وبالله تعالى التوفيق.

فإن اعترض معترض بقوله الله تعالى : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ) [سورة البقرة : ٢٥٥].

فقال : إنّ «من» للتبعيض ، ولا يتبعض إلّا مخلوق محدث ، ولا يحاط إلا بمخلوق محدث ، وقد نص الله تعالى على أنه لا يحاط إلّا بما شاء من علمه فوجب أنّ علمه مخلوق ، لأنه يحاط ببعضه ، وهو متبعض.

فالجواب وبالله تعالى التوفيق : أنّ كلام الله تعالى واجب أن يحمل على ظاهره ، ولا يحال عن ظاهره البتة إلا أن يأتي نصّ أو إجماع أو ضرورة حسّ ، على أن شيئا منه ليس على ظاهره ، وأنه قد نقل عن ظاهره إلى معنى آخر ، فالانقياد واجب علينا لما أوجبه من ذلك النص أو الإجماع أو الضرورة ، لأنّ كلام الله تعالى وأخباره وأوامره لا تختلف والإجماع لا يأتي إلّا بحق ، والله تعالى لا يقول إلّا الحق ، وكلّ ما أبطله برهان ضروري فليس بحق ، فإذ هذا كما قلنا ، وقد ثبت ضرورة أنّ علم الله تعالى ليس عرضا ولا جسما أصلا لا محمولا فيه ، ولا في غيره ولا هو شيء غير الباري تعالى فبالضرورة نعلم أنّ معنى قوله عزوجل : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) إنما المراد العلم المخلوق الذي أعطاه عباده وهو عرض في العالمين من عباده محمول فيهم ، وهو مضاف إليه عزوجل بمعنى الملك وهذا لا شك فيه ، لأنه لا علم لنا إلّا ما علّمنا. قال الله تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) [سورة الإسراء : ٨٥].

يريد الله تعالى : ما خلق من العلوم وبثّها في عباده كما قال الخضر لموسى عليهما‌السلام : إنّي على علم من علم الله لا تعلمه أنت ، وأنت على علم من علم الله

٣٩١

لا أعلمه أنا ، وما نقص علمي وعلمك من علم الله إلّا كما نقص هذا العصفور من البحر.

قال أبو محمد : فهذه إضافة الملك كما بينا ، وإنّما أضيف العلم هاهنا إلى الله تعالى إضافة ملك ، كما قال تعالى : (هذا خَلْقُ اللهِ) [سورة لقمان : ١١].

وكما قال تعالى في عيسى عليه‌السلام : «إنه روح الله».

وهذا كله إضافة الملك ، فهذا معنى قوله تعالى : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ) [سورة البقرة : ٢٥٥].

وقد نفى الله تعالى الإحاطة من الخلق به ، فقال عزوجل : (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) [سورة طه : ١١٠].

أي من العلم بالله تعالى ، وهذا حقّ لا شكّ فيه لأننا لا نحيط من العلم به تعالى إلّا ما علّمنا فقط ، قال تعالى : (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً).

فيكون معنى «من علمه» أي من معرفته.

فإن قالوا : ما معنى دعائكم الله في الرحمة والمغفرة؟ وهل يخلو أن يكون قد سبق علمه بالرّحمة ، فأيّ معنى للدّعاء فيما لا بدّ منه؟ وهل يكون إلّا كمن دعا في طلوع الشمس غدا ، أو في أن يجعل إنسانا إنسانا ، أو في أن تكون الأرض أرضا ، وإن كان قد سبق في علمه تعالى خلاف ذلك فأيّ معنى للدّعاء فيما لا يكون ..؟ وهل هو إلّا كمن دعا في ألّا تقوم السّاعة ، أو في ألّا يكون النّاس ناسا؟

فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق : الدعاء عمل أمرنا الله تعالى به لا على أنه يردّ قدرا ولا أنه يكون من أجله ما لا يكون ، لكن الله عزوجل قد جعل في سابق علمه الدعاء الذي سبق في علمه قبوله يدعى به سببا لما سبق في علمه كونه ، كما جعل في سابق علمه الغذاء بالطعام والشّراب سببا لبلوغ الأجل ، الذي سبق في علمه البلوغ إليه ، وكذلك سائر الأعمال ، وقد نص تعالى أنه يعلم آجال العباد ، قال تعالى : (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [سورة الأعراف : ٣٤].

ومع ذلك فقد جعل تعالى الأكل والشرب سببا إلى استيفاء ذلك المقدار وكل ذلك سابق في علمه عزوجل ، والدّعاء هكذا ، وكذلك التداوي على سبيل الطب ، ولا فرق ، وقد أخبرنا تعالى أنه يصلّي على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمرنا مع ذلك بالدّعاء بالصّلاة عليه ، وقال تعالى : (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) [سورة الأنبياء : ١١٢]. فأمرنا بالدّعاء بذلك ، وقد علّمنا أنه تعالى لا يحكم إلّا بالحق فصح ما قلنا من أنّ الدّعاء عمل أمرنا به

٣٩٢

فنحن نعمله حيث أمرنا عزوجل ، ولا نعمله حيث لم نؤمر به والحمد لله ربّ العالمين.

فإذ قد بطل بعون الله تعالى وتأييده قول من قال إنّ علم الله تعالى هو غير الله تعالى وهو مخلوق فلنتكلم بعون الله تعالى وتأييده على قول من قال : إنّ علم الله تعالى هو غير الله تعالى وخلافه ، وأنه لم يزل مع الله عزوجل.

قال أبو محمد : هذا قول لا يحتاج في ردّه إلى أكثر من أنه شرك مجرّد ، وإبطال للتوحيد ، لأنه إذا كان مع الله تعالى شيء غيره لم يزل معه فقد بطل أن يكون الله تعالى كان وحده بل قد صار له شريك في أنه لم يزل ، وهذا كفر مجرّد ، ونصرانية محضة مع أنها دعوى ساقطة بلا دليل أصلا. وما قال بهذا قط أحد من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة المحدثة بعد الثلاثمائة سنة فهو خروج عن الإسلام ، وترك للإجماع المتيقّن ، وقد قلت لبعضهم : إذا قلتم إنه لم يزل مع الله تعالى شيء آخر هو غير الله تعالى وخلافه لم يزل معه فلما ذا أنكرتم على النصارى في قولها : إنّ الله ثالث ثلاثة؟ فقال لي مصرّحا : ما أنكرنا على النّصارى إلّا اقتصارهم على الثلاثة فقط ، ولم يجعلوا معه تعالى أكثر من ذلك.

فأمسكت عنه إذ صرّح بأنّ قولهم أدخل في الشّرك من قول النّصارى. وقولهم هذا ردّ لقول الله عزوجل : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [الإخلاص : ١].

فلو كان مع الله غير الله لم يكن الله أحد.

قال أبو محمد : وما كنّا نصدّق أنّ من ينتمي إلى الإسلام يأتي بهذا الكفر لو لا أنّا شاهدناهم وناظرناهم ، ورأينا ذلك صراحا في كتبهم ككتاب السمناني (١) قاضي الموصل في عصرنا هذا ، وهو من أكابرهم ، وفي كتاب المجالس للأشعري وفي كتب لهم أخر.

قال أبو محمد : والعجب من هذا كله تصريح الباقلاني وابن فورك (٢) في كتبهما

__________________

(١) هو قاضي الموصل أبو جعفر محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي. قال الخطيب : كتبت عنه ، وكان صدوقا فاضلا حنفيّا يعتقد مذهب الأشعري ، وله تصانيف. وقال الذهبي : كان من أذكياء العالم. توفي بالموصل سنة ٤٤٤ ه‍. انظر ترجمته في تاريخ بغداد (١ / ٣٥٥) وسير أعلام النبلاء (١٧ / ٦٥١) والوافي بالوفيات (٢ / ٦٥) وغيرها.

(٢) الباقلاني تقدم التعريف به. أما ابن فورك فهو الإمام العلامة المتكلم الأصولي أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني. أمر السلطان محمود بقتله بالسمّ سنة ٤٠٦ ه‍. انظر

٣٩٣

في الأصول وغيرها أن علم الله تعالى واقع مع علمنا تحت حدّ واحد ، وهذه حماقة ممزوجة بكفر ، إذ جعلوا ما لم يزل محدودا بمنزلة المحدثات ، وكل ما أدخلناه على المنانية والنصارى ومن يبطل التوحيد فهو داخل على هذه الفرقة حرفا حرفا فأغنانا أن نحيل على ذلك عن تكراره ، ونعوذ بالله من الخذلان.

قال أبو محمد : هذا مع قولهم إنّ التغاير لا يكون إلّا فيما جاز أن يوجد أحدهما دون الآخر.

قال أبو محمد : وهذه غاية السخافة لأنها دعوى بلا برهان عليها لا من قرآن ولا من سنّة ، ولا معقول ولا من لغة أصلا ، وما كان هكذا فهو باطل ، ويلزمهم على هذا أن الخلق ليسوا غير الخالق ، لأنه لا يجوز أن يوجد الخلق دون الخلق ، فإن قالوا : جائز أن يوجد الخالق دون الخالق. قلنا : نعم فمن أين لكم أن أحد التغاير هو أنه لا يجوز أن يوجد أحدهما أيهما كان دون الآخر ..؟ وهذا ما لا سبيل لهم إليه ، ويلزمهم لزوما لا ينفكون عنه أن الأعراض ليست غير الجواهر ، لأنه لا يجوز البتة ولا يمكن ولا يتوهم وجود أحدهما دون الآخر جملة ، ونعوذ بالله من الخذلان.

قال أبو محمد : وحدّ التغاير الصحيح هو ما شهدت له اللغة وضرورة الحسّ والعقل ، وهو كل اسمين جاز أن يخبر عن أحدهما بخبر لا يخبر به عن الآخر فهما غيران لا بدّ من هذا ، وبالجملة ما لم يكن هو الشيء نفسه فهو غيره ، وما لم يكن غير الشيء نفسه فهو نفسه وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : فإذ قد بطل بعون الله تعالى وتأييده قول من قال إن علم الله تعالى هو غير الله تعالى ثم جعله مخلوقا أو لم يزل فلنقل في سائر الأقوال في هذه المسألة إن شاء الله تعالى ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

قال أبو محمد : وأمّا من قال : إنّ علم الله تعالى ليس هو هو ولا هو غيره ولكنّه صفة ذات لم يزل فكلام فاسد محال متناقض يبطل بعضه بعضا لأنهم إذا قالوا : إنّ علم الله تعالى ليس هو الله فقد أوجبوا بهذا القول ضرورة أنه غيره ، ثم إذا قالوا : ولا

__________________

ترجمته في وفيات الأعيان (٤ / ٢٧٢) وإنباه الرواة (٣ / ١١٠) والعبر للذهبي (١ / ٩٥) وسير أعلام النبلاء (١٧ / ٢١٤) والوافي بالوفيات (٢ / ٣٤٤) ومرآة الجنان (٣ / ١٧) وطبقات الشافعية للسبكي (٤ / ١٢٧) وطبقات الشافعية للإسنوي (٢ / ٢٦٦) والنجوم الزاهرة (٤ / ٢٤٠) وشذرات الذهب (٣ / ١٨١) وغيرها.

٣٩٤

هو غيره فقد أبطلوا الغيرية ، وأوجبوا بهذا القول ضرورة أنه هو ، فصح أنه سواء قول القائل لا هو هو ولا هو غيره ، وقول القائل هو هو وهو غيره فإنّ معنى القضيتين واحد لا يختلف ، وكلا العبارتين باطل متناقض لا يعقل نفي وإثبات معا. وهذا تخليط الممرورين نعوذ بالله من الخذلان ، والعجب من احتجاج بعضهم في هذا الباطل بأن قال : الطول ليس هو الطويل ولا هو غيره.

قال أبو محمد : وهذا من أطم ما يكون من الجهل والمكابرة إذ لا يدري هذا القائل : أنّ الطويل جسم جوهر قائم بنفسه حامل لطوله ولسائر أعراضه ، وأن الطول عرض من الأعراض محمول في الطويل غير قائم بنفسه ، فمن جهل أنّ المحمول غير الحامل ، وأن القائم بنفسه هو غير ما لا يقوم بنفسه فهو عديم حس ، وينبغي له أن يتعلّم قبل أن يهذر. ونحن نريه الطين الطويل يدور فيذهب الطول والتربيع ويأتي التدوير ، والذي كان طويلا باق بحسّه ، فهل يخفى على سائر التمييز أنّ الذاهب غير الجائي ، وأن الفاني غير الباقي؟ فبالضرورة نعلم أنّ الطول غير الطويل ، ثم نقول لمن تعلّق بهذه العبارة الفاسدة أخبرونا : هل يخلو كل اسمين متغايرين من أحد وجهين ضرورة لا ثالث لهما البتة ..؟ إمّا أن يكون الاسمان واقعين معا على شيء واحد يعبّر بذينك الاسمين عن ذلك الشيء الذي علقا عليه ، وإمّا أن يكون الاسمان واقعين على شيئين اثنين يعبّر بكل اسم منهما على حدته عن الشيء الذي علق عليه ذلك الاسم؟

هذان وجهان لا بدّ من أحدهما ضرورة لكل اسمين ، وأيّ هذين كان فهو مبطل لتخليط من قال : لا هو هو ، ولا هو غيره ، وقد زاد بعضهم في الشعوذة والسفسطة وإبطال الحقائق فأتى بدعوى فاسدة ، وذلك أن قال : لا يكون الشيء غير الشيء إلّا إذا أمكن أن ينفرد أحدهما عن الآخر.

قال أبو محمد : وهذه دعوى مجرّدة لا دليل عليها ، فلو لم يكن إلّا هذا السقط وهذا التمويه ، فكيف وهي قضية فاسدة ..؟ لأنها توجب أنّ كلية الأعراض ليست غير كلية الجواهر ، لأنه لا سبيل إلى انفراد الجواهر عن الأعراض ، ولا انفراد الأعراض عن الجواهر ، فكفى فسادا بكل هذيان أدّى إلى مثل هذا التخليط.

قال أبو محمد : حدّ التغاير في الغيرين : هو كل شيء أخبر عنه بخبر ما ، لا يكون ذلك الخبر في ذلك الوقت خبرا عن الشيء الآخر فهو بالضرورة غير ما لا يشاركه في ذلك الخبر ، وليس في كل ما يعلم ويوجد شيئان يخلوان من هذا الوصف بوجه من الوجوه ، وهذا مقتضى لفظ الغير في اللغة ، وبالله تعالى التوفيق.

٣٩٥

مع أنّ هذا أمر يعلم بضرورة الحسّ والعقل.

وحدّ الهوية : هو أنّ كلّ ما لم يكن غير الشيء فهو هو بعينه ، إذ ليس بين الهويّة والغيرية وسيطة يعقلها أحد البتة ، فما خرج عن أحدهما دخل في الآخر ولا بدّ.

وأيضا فكل اسمين مختلفين لا يخبر عن مسمى أحدهما بشيء إلّا كان ذلك الخبر خبرا عن مسمى الاسم الآخر ولا بدّ أبدا فمسماهما واحد بلا شك ، فإذ قد صح فساد هذا القول فلنقل بعون الله تعالى في عبارة الأشعري الأخرى ، وهو قوله : «لا يقال هو هو ، ولا يقال هو غيره» ، فنقول : إنه لم يزد في هذه العبارة على أن قال : «لا يقال في هذا شيء».

قال أبو محمد : وهذا خطأ لأنه لا بدّ ضرورة من أحد هذين القولين أو قول ثالث وهو نفي الغيرية ، وإن لم يطلق هو هو ، أو نفي الهوية ، وإن لم يطلق أنه غيره فسقط هذا القول أيضا إذ ليس فيه بيان الحقيقة.

وأمّا قول أبي الهذيل : إن علم الله تعالى هو الله فإنها تسمية منه للباري تعالى باستدلاله فلا يجوز أن يسمّى الله تعالى ولا يوصف باستدلال البتة ، لأنه بخلاف كلّ ما خلق فلا دليل يوجب تسميته بشيء من الأسماء التي يسمّى بها شيء من خلقه ، ولا أن يوصف بصفة يوصف بها شيء من خلقه ، ولا أن يخبر عنه بما يخبر به عن شيء من خلقه ، إلّا أن يأتي نص بشيء من ذلك فيوقف عنده. فمن وصفه تعالى بصفة يوصف بها شيء من خلقه ، أو سمّاه باسم يسمّى به شيء من خلقه استدلالا على ذلك بما وجد في خلقه فقد شبّهه تعالى بخلقه ، وألحد في أسمائه ، وافترى الكذب.

ولا يجوز أن يسمّى الله تعالى ولا أن يخبر عنه إلّا بما سمّى به نفسه ، أو أخبر به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو صحّ به إجماع جميع أهل الإسلام المتيقّن ولا مزيد ، وحتى ولو كان المعنى صحيحا ، فلا يجوز أن يطلق عليه تعالى اللفظ ، وقد علمنا يقينا أنه تعالى بنى السماء ، قال تعالى : (وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ) [سورة الذاريات : ٤٧] ولا يجوز أن يسمّى بنّاء : وأنه تعالى خلق أصباغ النبات والحيوان ، وأنه تعالى قال : (صِبْغَةَ اللهِ) [سورة البقرة : ١٣٨] ولا يجوز أن يسمّى صبّاغا ، وهكذا كل شيء لم يسمّ به نفسه ، وليس يجب أن يسمّى الله تعالى بأنه هو علمه ، وإن صحّ يقينا أن المراد بقوله تعالى أن له علما ليس هو غيره لما ذكرنا ، وبالله تعالى التوفيق. وقد صحّ يقينا أن المراد بقوله تعالى أن له علما ليس هو غيره لما ذكرنا ، وبالله تعالى التوفيق. وقد صحّ أنّ ذات الله تعالى ليست غيره ، وأنّ وجهه ليس

٣٩٦

غيره ، وأن نفسه ليست غيره ، وأنّ هذه الأسماء لا يعبّر بها إلّا عنه عزوجل لا عن شيء غيره تعالى البتة ، ولا يجوز أن يقال إنه تعالى ذات ، ولا أنه وجه ، ولا أنه نفس ، ولا أنه علم ، ولا أنه قدرة ، ولا أنه قوّة لما ذكرنا من امتناع أن يسمّى بما لم يسمّ به نفسه عزوجل.

وأمّا علم المخلوقين فهو شيء غيرهم بلا شك لأنه يذهب ويعقبه جهل ، والباري تعالى لا يشبهه غيره ، ولا شيء من خلقه البتة في شيء من هذه الأشياء البتة بل هو تعالى خلاف خلقه في كلّ وجه فوجب أن علمه تعالى ليس غيره ، قال تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [سورة الشورى : ١١].

قال أبو محمد : فإن قال لنا قائل إذن العلم عندكم ليس هو غير الله تعالى ، وأن قدرته ليست غيره ، وأن قوته ليست غيره تعالى ، فأنتم إذن تعبدون العلم والقدرة والقوة؟

فجوابنا في ذلك وبالله تعالى التوفيق : إننا إنما نعبد الله تعالى بالعمل الذي أمرنا به لا بما سواه ، ولا ندعوه إلّا كما أمرنا تعالى ، قال الله عزوجل : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) [سورة الأعراف : ١٨٠].

وقال تعالى : (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [سورة البينة : ٥].

فنحن لا نعبد إلّا الله تعالى كما أمرنا ، ولا نقول إننا نعبد العلم لأنّ الله تعالى لم يطلق لنا أن نطلق هذا اللفظ ، ولا أن نعتقده.

ثم نسألهم عما سألونا عنه بعينه فنقول لهم : أنتم تقرّون أنّ وجه الله تعالى وعين الله ، ويد الله ، ونفس الله ، ليس شيء من ذلك غير الله تعالى بل كل ذلك عندكم هو الله ، فأنتم إذن تعبدون الوجه ، والعين ، واليد ، والذات؟!

فإن قالوا نعم. قلنا لهم : فقولوا في دعائكم يا يد الله ارحمينا ، ويا عين الله ارضي عنا ، ويا ذات الله اغفري لنا ، فإيّاك نعبد. وقولوا : نحن خلق وجه الله ، وعبيد عين الله ، فإن جسروا على ذلك فنحن لا نجيز الإقدام على ما لم يأذن به الله ، ولا نتعدّى حدوده ، فإن شهدوا فلا نشهد معهم. (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [سورة الطلاق : ١].

والذين ألزمونا من هذا هو لازم لهم لا بدّ ، لأنه سؤال رضوه وصححوه ، ومن رضي شيئا لزمه ، ونحن لم نرض هذا السؤال ولا صححناه فلا يلزمنا وبالله تعالى التوفيق.

٣٩٧

الكلام في سميع بصير وفي قديم

قال أبو محمد : وأجمع المسلمون على أن القول بما جاء به القرآن من أنه تعالى : سميع بصير ، ثم اختلفوا فقالت طائفة من أهل السنّة والأشعرية ، وجعفر بن حرب (١) من المعتزلة ، وهشام بن الحكم ، وجميع المجسمة ـ نقطع أنّ الله سميع بسمع بصير ببصر.

وذهبت طوائف من أهل السنة منهم : الشّافعي ، وداود بن علي الأصفهاني إمام أهل الظاهر ، وعبد العزيز بن مسلم الكناني (٢) رضي الله عنه ، وغيرهم ـ إلى أن الله سميع بصير ، ولا نقول بسمع ولا ببصر ، لأن الله تعالى لم يقله ، ولكن سميع بذاته ، بصير بذاته.

قال أبو محمد : وبهذا نقول. ولا يجوز إطلاق سمع ولا بصر حيث لم يأت به نصّ لما ذكرنا آنفا من أنه لا يجوز أن يخبر عنه تعالى إلّا بما أخبر به عن نفسه.

واحتجّ من أطلق على الله تعالى السمع والبصر بأن قال : لا يعقل السميع إلا بسمع ولا البصير إلا ببصر. ولا يجوز أن يسمّى بصيرا إلا من له بصر ، ولا يسمّى سميعا إلّا من له سمع.

واحتجوا أيضا في هذا وما ذهبوا إليه «من أنّ الصفات متغايرة» ـ بأنه لا يجوز أن يقال إنه تعالى يسمع المبصرات ، ولا أنه يبصر المسموعات من الأصوات. وقالوا : هذا لا يعقل.

قال أبو محمد : وكلا هذين الدليلين شغبي فاسد.

__________________

(١) هو أبو الفضل جعفر بن حرب الهمذاني المعتزلي. كان من نسّاك القوم ، وله تصانيف. يقال إنه حضر عند الواثق للمناظرة ، ثم حضرت الصلاة ، فتقدم الواثق فصلّى بهم وتنحّى جعفر ، فنزع خفّه وصلّى وحده ، وكان قريبا من يحيى بن كامل ، فجعلت دموع ابن كامل تسيل خوفا على جعفر من القتل ، فكاشر عنها الواثق ، فلما خرجوا قال له ابن أبي دؤاد : إن هذا السبع لا يحتملك على ما صنعت فإن عزمت عليه فلا تحضر المجلس. قال : لا أريد الحضور. فلما كان المجلس الآتي تأملهم الواثق ، قال : أين الشيخ الصالح؟ قال ابن أبي دؤاد : إنه به السلّ ويحتاج أن يضطجع ، قال : فذاك. قال ابن النديم : توفي سنة ٢٣٦ ه‍ ، عن نحو ستين سنة. وله كتاب «متشابه القرآن» وكتاب «الاستقصاء» وكتاب «الردّ على أصحاب الطبائع» وكتاب «الأصول». انظر ترجمته في الفهرست (ص ٢١٣) وتاريخ بغداد (٧ / ١٦٢) وسير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٤٩) ولسان الميزان (٢ / ١١٣) ومروج الذهب (٧ / ٢٣١).

(٢) هو عبد العزيز بن يحيى بن مسلم الكناني المكي المتوفى سنة ٢٤٠ ه‍. انظر ترجمته في الأعلام للزركشي (٥ / ٢٧٠).

٣٩٨

أمّا قولهم : لا يعقل السميع إلا بسمع ، ولا البصير إلا ببصر. فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق :

أما فيما بيننا فنعم ، وكذلك أصلا لم نجد قط في شيء من العالم الذي نحن فيه سميعا إلّا بسمع ، ولا وجد فيه بصير إلا ببصر ـ فإنه لم يوجد فيه سميع إلّا بجارحة يسمع بها ، ولا وجد فيه قط عالم إلّا بضمير فلزمهم أن يجروا على الله عزوجل هذه الأوصاف. وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

وهم لا يقولون هذا ، ولا يستجيزونه.

وأمّا المجسمة : فإنهم أطلقوا هذا وجوّزوه ، وقد مضى نقض قولهم بعون الله تعالى وتأييده ، ويلزم الطائفتين كلتيهما إذا قطعوا بأنّ له تعالى سمعا وبصرا لأنه سميع بصير ، ولا يمكن أن يكون سميع بصير ، إلّا إذا سمع وبصر ، لا سيّما وقد صحّ النصّ بأن له تعالى عينا وأعينا ، أن يقولوا : إنه ذو حدقة ، وناظر ، وطباق في العين ، وذو أشفار ، وأهداب لأنه لم يشاهد في العالم ولا يمكن البتة أن تكون عين لذي عين يرى بها ويبصر إلّا هكذا ، وإلّا فهي عين ذات عاهة ، أو كعيون بعض الحيوان التي لا يطبقها. وكذلك لا يكون في المعهود ، ولا يمكن البتة أن يكون سميع في العالم إلّا بأذن ذات صماخ ، فيلزمهم أن يثبتوا هذا كلّه ، وإلّا فقد أبطلوا استدلالهم ، وزوّروا استشهادهم بالمعهود والمعقول. فإن أطلقوا هذا كلّه تركوا مذهبهم ، وخرجوا إلى أقبح قول المجسّمة مما لا يرضى به أكثر المجسمة ، وقد ذكرنا فساد قولهم قبل. والحمد لله رب العالمين.

فإذا جوّزوا أن يكون الباري تعالى سميعا بصيرا بغير جارحة ، وهذا خلاف ما عهدوا في العالم ، وجوزوا أن يكون له تعالى عين بلا حدقة ولا ناظر ولا طباق ، ولا أهداب ، ولا أشفار ، وهذا أيضا خلاف ما عهدوا في العالم ، فلا ينكروا قول من قال : إنه سميع لا بسمع ، بصير لا ببصر ، وإن كان ذلك بخلاف ما عهدوا في العالم.

على أن بين القولين فرقا واضحا ، وهو أننا نحن لم نلتزم أن نحل تسميته عزوجل قياسا على ما عندنا ، بل ذلك حرام لا يجوز ، ولا يحل ، لأنه ليس في العالم شيء يشبهه عزوجل فيقاس عليه. قال تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [سورة الشورى : ١١].

فقلنا : إنه سميع بصير لا كشيء من البصراء ولا السامعين ممّا في العالم ، وكل سميع وبصير في العالم فهو ذو سمع وبصر ، فالله تعالى بخلاف ذلك بنص القرآن فهو

٣٩٩

سميع كما قال ، لا يسمع كالسّامعين ، وبصير كما قال لا يبصر كالمبصرين ، لا يسمّى ربنا تعالى إلّا بما سمى به نفسه فقط ، ولا يخبر عنه إلّا بما أخبر به عن نفسه فقط.

قال تعالى : (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

فقلنا : نعم. هو السميع البصير ، ولم يقل تعالى : إنه له سمعا وبصرا. فلا يحلّ لأحد أن يقول : إنه له سمعا وبصرا فيكون قائلا على الله تعالى بلا علم ، وهذا لا يحل ، وبالله تعالى نعتصم.

وأما خصومنا فإنهم أطلقوا أنه لا يكون إلّا كما عهدوا في العالم من كل سميع وبصير في أنه ذو سمع وبصر ، فيلزمهم ضرورة ألا يكون إلا كما عهدوا من كل سميع وبصير في أنه ذو جارحة يسمع بها ويبصر بها ولا بدّ. ولو لا تلك الجارحة ما سمي أحد في العالم سميعا ولا بصيرا ، ولا أبصر أحد شيئا ، فإن ذكروا قول الله تعالى : (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) [سورة الأعراف : ١٧٩].

قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق :

هذه الآية أعظم حجة عليكم لأن الله تعالى نصّ فيها على أنهم لم يروا بعيونهم ما يتعظون به ، ولا سمعوا بآذانهم ما يقبلونه من الهدى ، فلما كانت العيون والآذان لا ينتفع بهما ، استحقوا الذّم والنكال ـ فلو لا أن العين والأذن بهما يكون السمع والبصر ضرورة لا بدّ لا بشيء دونهما ـ ما استحق الذّم من رزق أذنا وعينا سالمتين ، فلم يسمع بهما ويبصر ما يهتدي به بعون الله عزوجل له ، وما كان يكون معنى لذكر الله عزوجل العين والأذن في السمع والبصر بهما لو جاز أن يكون سمع وبصر دونهما ، فبطل قولهم بالقرآن ضرورة ، وبالحسّ وبديهة العقل ، والحمد لله رب العالمين.

وأمّا ما موّهوا به من قولهم : إنه لو أنّ له سمعا وبصرا لجاز أن يقال : إنه يسمع الألوان ، ويرى الأصوات ، فهذا كلام لا يطلق في كل شيء على عمومه ، لأننا إنما خوطبنا بلغة العرب ، فلا يجوز أن نستعمل غيرها فيما خوطبنا به ، والذي ذكرتم من رؤية الأصوات وسماع الألوان لا يطلق في اللغة التي بها خوطبنا فيما بيننا ، فليس لنا أن ندخل في اللغة ما ليس فيها إلّا أن يأتي بذلك نص ، فنغلبه على اللغة.

ثم نقول : إنه لو قال قائل : إنه تعالى سميع للألوان بصير بالأصوات بمعنى أنه عالم بذلك لكان ذلك جائزا ولما منع من ذلك برهان ، فنحن نقول سمعنا الله عزوجل يقول كذا وكذا ، ورأينا الله تعالى يقول كذا وكذا ، ويأمر بكذا ويفعل كذا ، بمعنى علمنا. فهذا لا ينكره أحد ، ولا فرق بين هذا وبين ما سألوا عنه.

٤٠٠