الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

الجنة ، وفوق ذلك عرش الرّحمن» (١).

فصح يقينا أنهما جنتان : إحداهما عرضها السماوات والأرض. والأخرى : عرضها كعرض السماء والأرض.

وقوله تعالى : (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) [سورة الرحمن : ٤٦].

إنما هو خبر عن الجميع أن لهم هاتين الجنتين ، فالتي عرضها السماوات والأرض هي السماوات السبع ، لأنّ عرض الشيء منه بلا شك ، وكل كروي فإنّ جميع أبعاده عروض فقط. وذكرت الأرض هنا لدخولها في جملة مساحة السماوات ، وإحاطة السماوات بها. والتي عرضها كعرض السماء والأرض : هو الكرسي المحيط بالسماوات والأرض ، قال الله تعالى : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [سورة البقرة : ٢٥٥].

فصح أنّ عرضه كعرض السماوات والأرض مضافا بعض ذلك إلى بعض وصحّ أن لها ثمانية أبواب في كلّ سماء باب ، وفي الكرسيّ باب ، وصحّ أنّ العرش فوق أعلى الجنة فهو محل الملائكة وموضعها ليس من الجنة في شيء بل هو فوقها ، وكذلك قوله تعالى : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) [سورة غافر : ٧] بيان جليّ بأن العرش جرم آخر فيه الملائكة.

وقد ذكر بأنّ البرهان يقوم بذلك من أحكم النظر في الهيئة. وهذه نصوص ظاهرة جلية دون تكلف تأويل.

قال أبو محمد : وقوله تعالى : (كَعَرْضِ السَّماءِ).

ذكر لجنس السماوات ، لأنّ السماوات اسم للجنس يدل عليه قوله : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ).

وقال «عليّ» (٢) : ومثل هذا كثير ممّا إذا تدبّره المتدبر علم صحّة ما قلنا من أنّ ما يثبت ببرهان فهو منصوص في القرآن وكلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

كذب من ادّعى لمدّة الدّنيا عددا معلوما

قال أبو محمد : وأما اختلاف الناس في التاريخ ، فإنّ اليهود يقولون : للدنيا أربعة آلاف سنة. والنصارى يقولون : للدنيا خمسة آلاف سنة ، وأمّا نحن فلا نقطع على علم

__________________

(١) انظر تخريجه في الحاشية (١) صفحة ٣٥٣.

(٢) هو المصنف علي بن أحمد ابن حزم. وهذه هي المرة الأولى التي يرد فيها بالاسم دون الكنية.

٣٦١

عدد معروف عندنا. ومن ادّعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقل فقد كذب ، وقال ما لم يأت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه لفظة تصح ، بل صحّ عنه عليه‌السلام خلافه ، بل نقطع على أنّ للدنيا أمدا لا يعلمه إلّا الله عزوجل ، قال الله تعالى : (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) [سورة الكهف : ٥١]. وقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أنتم في الأمم قبلكم إلّا كالشّعرة البيضاء في الثّور الأسود ، أو كالشعرة السّوداء في الثّور الأبيض» (١).

هذا عنه عليه‌السلام ثابت ، وهو عليه‌السلام لا يقول إلّا عين الحق ولا يسامح بشيء من الباطل لا بإعياء ولا بغيره ، فهذه نسبة من تدبّرها وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنه الأكثر ـ علم أنّ للدنيا عددا لا يحصيه إلّا الله تعالى.

وكذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بعثت والسّاعة كهاتين» (٢). وضم إصبعيه المقدّستين السبّابة والوسطى.

وقد جاء النصّ بأنّ السّاعة لا يعلم متى تكون إلّا الله عزوجل لا أحد سواه ، فصحّ أنه عليه‌السلام إنّما عنى شدّة القرب لا فضل الوسطى على السبّابة ، إذ لو أراد فضل ذلك لأخذت نسبة ما بين الإصبعين ، ونسب ذلك من طول الوسطى ، فكان يعلم بذلك متى تقوم الساعة ، وهذا باطل.

وأيضا فكان تكون نسبته عليه‌السلام إيّانا إلى من قبلنا بأنه كالشعرة في الثور كذبا ، ومعاذ الله تعالى من ذلك.

فصح أنه عليه‌السلام إنّما أراد شدة القرب ، وله عليه‌السلام مذ بعث أربعمائة عام ونيف ، والله أعلم ما بقي من الدنيا ، فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عند ما

__________________

(١) رواه بأسانيد وألفاظ مختلفة البخاري في الرقاق باب ٤٥ ، ٤٦ ، وأحاديث الأنبياء باب ٧ ، وتفسير سورة ٢٢ باب ١. ومسلم في الإيمان حديث ٣٧٦ ـ ٣٨٠. والترمذي في صفة الجنة باب ١٣. وابن ماجة في الزهد باب ٣٤. وأحمد في المسند (١ / ٣٨٦ ، ٤٣٨ ، ٤٤٥ ، ٣ / ٣٣ ، ٦ / ٤٤١).

(٢) رواه بأسانيد وألفاظ مختلفة البخاري في الرقاق باب ٣٩ ، والطلاق باب ٢٢٥ ، وتفسير سورة ٧٩ باب ١. ومسلم في الجمعة حديث ٤٣ ، والفتن حديث ١٣٢ ـ ١٣٥. وابن ماجة في المقدمة باب ٧. والدارمي في الرقاق باب ٤٦. وأحمد في المسند (٤ / ٣٠٩ ، ٥ / ٩٢ ، ١٠٣ ، ١٠٨).

٣٦٢

سلف ، وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى ، فهذا الذي قاله عليه‌السلام من أننا فيمن مضى كالشعرة في الثور أو الرقمة في ذراع الحمار (١).

قال أبو محمد : وقد رأيت بخط الأمير أبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الناصر رحمه‌الله قال حدثني محمد بن معاوية القرشي أنه رأى بالهند بدّا (٢) له اثنان وسبعون ألف سنة ، وقد وجد محمود بن سبكتكين (٣) بالهند مدينة يؤرخون لها بأربعمائة ألف سنة.

قال أبو محمد : إلّا أنّ لكل ذلك أولا ومبدأ ولا بدّ من نهاية ، لم يكن شيء من العالم موجودا قبلها ، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ومما اعترض به بعضهم أنه قال : أنتم تقولون : إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ، ويلبسون ويطئون النساء ، وأنّ هنالك جواري أبكارا خلقن لهم ، وذلك المكان لا فساد فيه ولا استحالة ، ولا مزاج ، وهذه أشياء كوائن فواسد فكيف الأمر؟

قال أبو محمد : إن هاهنا ثلاثة أجوبة :

أحدها : برهان ضروري سمعي. والثاني : برهان نظري مشاهد. والثالث : إقناعي خارجي على أصول المعارض لنا.

__________________

(١) نصّ الحديث كما رواه البخاري في الرقاق باب ٤٦ (حديث ٦٥٣٠) عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يقول الله : يا آدم! فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك. قال : يقول : أخرج بعث النار! قال : وما بعث النار؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكن عذاب الله شديد». فاشتدّ ذلك عليهم فقالوا : يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ قال : «أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل» ثم قال : «والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة» قال : فحمدنا الله وكبّرنا. ثم قال : «والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة. إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ـ أو الرقمة في ذراع الحمار». ورواه أيضا مسلم في الإيمان حديث ٣٧٩ ، والترمذي في تفسير سورة ٢٢ باب ١ و ٢ ، وأحمد في المسند (٤ / ٤٣٢ ، ٤٣٥).

(٢) البدّ : صنم يعبد في الهند.

(٣) هو السلطان يمين الدولة أبو القاسم محمود بن ناصر الدين سبكتكين التركي صاحب خراسان والهند وغير ذلك. ولد سنة ٣٦١ ه‍ ، وتوفي بغزنة في جمادى الأولى سنة ٤٢١ ه‍. وكانت غزواته مشهورة عديدة وفتوحاته عظيمة. انظر ترجمته في العبر للذهبي (٣ / ١٥٤) ودول الإسلام (١ / ٢٥١) وتاريخ ابن خلدون (٤ / ٣٥٧ ، ٣٥٨٢ ، ٣٦٣ ، ٣٦٤ ، ٣٦٩ ، ٣٧٨) وسير أعلام النبلاء (١٧ / ٤٨٣) والنجوم الزاهرة (٤ / ٣٧٣) وشذرات الذهب (٣ / ٢٢٠) والمختصر في أخبار البشر (٢ / ١٣٤ و ١٥٧) والكامل في التاريخ (٩ / ١٣٩) وغيرها كثير.

٣٦٣

فالأول : وهو الذي يعتمد عليه هو البرهان الضروري قد قدمناه ، على أنّ الله عزوجل خلق الأشياء وابتدعها مخترعا لها لا من شيء ، ولا على أصل متقدّم ، وإذ لا شك في هذا فليس شيء متوهم أو مسئول عنه يتعذّر من قدرة الخالق عزوجل إذ كان ما شاء كوّنه. ولا فرق بين خلقه عزوجل ، كل ذلك في هذه الدار ، وبين خلقه كذلك في الدار الآخرة.

وقد أخبرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي قامت البراهين الضرورية على أن الله عزوجل بعثه إلينا ، ووسّطه للتبليغ عنه وعلى صدقه فيما أخبر به : أنّ الأكل والشرب واللباس والوطء هنالك ، وكان هذا الخبر قبل أن يخبرنا به الصادق عليه‌السلام داخلا في حدّ الممكن لا في حدّ الممتنع ، ثم لما أخبرنا به الله عزوجل على لسان رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صحّ علمنا به ضرورة فبان أنه في حدّ الواجب.

وأمّا الجواب الثاني : فهو أنّ الله عزوجل خلق أنفسنا ورتّب جواهرها وطباعها الذاتية رتبة لا تستحيل البتة على التذاذ المطاعم والمشارب والرّوائح الطيبة ، والمناظر الحسنة ، والأصوات المطربة ، والملابس المعجبة على حسب موافقة كل ذلك لجوهر أنفسنا ، هذا ما لا مدفع فيه ، ولا شك في أنّ النفوس هي المتلذّذة بكل ما ذكرنا ، وأنّ الحواسّ الجسدية هي المنافذ الموصلة لهذه الملاذ إلى النفوس ، وكذلك المكاره كلها. وأمّا الجسد فلا حسّ له البتة ، فهذه طبيعة جوهر أنفسنا التي لا سبيل إلى وجودها دونها ، فإذا جمع الله تعالى يوم القيامة في عالم الجزاء بين أنفسنا وبين الأجساد المركبة لها وعادت كما ذكرنا جوزيت هنالك ، ونعمت بملاذها وبما تستدعيه طباعها التي لم توجد قط إلّا كذلك ، ولا لها لذة سواها ، إلّا أن الطعام الذي هنالك غير معانى بنار ، ولا ذو آفات ، ولا مستحيل قذرا ودما ، ولا ذبح هنالك ، ولا آلام ولا تغيّر ، ولا موت ولا فساد ، وقد قال تعالى : (لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ) [سورة الواقعة : ١٩].

وتلك الملابس غير محوكة بنسيج ولا فانية ولا متغيرة ولا تقبل البلى ، وتلك الأجساد لا كدر فيها ولا خلط ولا دم ولا أذى ، وتلك النفوس لا رذيلة فيها من غلّ ولا حسد ولا حرص قال الله عزوجل : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً) [سورة الحجر : ٤٧].

وأخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن المخرجين من النار أنهم يطرحون في نهر على باب الجنة. فإذا نقّوا وهذّبوا ـ هذا نص لفظ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (١). ثم بعد التنقية أخبر

__________________

(١) رواه البخاري في المظالم باب ١ (حديث ٢٤٤٠) والرقاق باب ٤٨ (حديث ٦٥٣٥) عن أبي

٣٦٤

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنهم حينئذ يصيرون إلى الجنة. فصحّ أنّ الملاذ من هذه الأشياء المتناولات تصل إلى النفوس هنالك على حسب اختلاف وجود النفس لها ، وتغاير أنواع التذاذها بها ، وأوقعت عليها الأسماء لإفهامنا المعنى المراد.

وقد روينا عن ابن عباس ما حدّثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ، حدثنا قاسم ابن أصبغ ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي ، حدّثنا وكيع بن الجرّاح ، حدثنا الأعمش ، عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ليس في الجنة ممّا في الدنيا إلا الأسماء. وهذا سند في غاية الصحة ، وهو أول حديث في قصة وكيع المشهورة.

قال أبو محمد : وأما الوطء فهو هنالك كما هو عندنا هاهنا إلّا أنه ليس فيه مئونة ولا استحالة ، وإنما هو التذاذ للنفس بمداخلة بعض الجسد المضاف إليها لجسد آخر فقط.

وأمّا الجواب الثالث الإقناعي ، وهو موافق لأصولهم ، ولسنا نعتمد عليه : فهو أنّ قدماء الهند قد ذكروا في كلامهم في الأفلاك والبروج ووجوه المطالع أنه يطلع مع كل وجه من وجوه البروج صور وصفوها ، وذكروا أنه ليس في هذا العالم صورة إلّا وهي في العالم الأعلى (١).

قال أبو محمد : وهذا إيجاب منهم أنّ هنالك ملابس ومشارب ومطاعم ووطئا ، وأنهارا وأشجارا ، وغير ذلك.

قال أبو محمد : وعارضني يوما نصراني كان قاضيا على نصارى قرطبة في هذا وكان يتكرّر على مجلسي فقلت له : أوليس فيما عندكم من الإنجيل أنّ المسيح صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لتلاميذه ليلة أكل معهم الفصح ، وفيها أخذ بزعمكم ، وقد سقاهم كأسا من خمر وقال : «إنّي لا أشربها معكم أبدا حتى تشربوها معي في الملكوت عن يمين الله تعالى».

وقال في قصة الفقير المسمّى «العازار» الذي كان مطرحا على باب الغنيّ

__________________

سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار ، فيتقاصّون مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا نقوا وهذّبوا أذن لهم بدخول الجنة ، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلّ بمنزله كان في الدنيا».

(١) هذه نظرية أفلاطون في عالم المثل.

٣٦٥

تلحس الكلاب جراح قروحه ، وأنّ ذلك الغنيّ نظر إليه في الجنّة متكئا في حجر إبراهيم صلى‌الله‌عليه‌وسلم فناداه الغنيّ وهو في النّار : «يا أبي يا إبراهيم ، ابعث العازار إليّ بشيء من ماء يبلّ به لساني». وهذا نص على أن في الجنة شرابا من ماء وخمر ، فسكت النصراني وانقطع. وأمّا التوراة التي بأيدي اليهود فليس فيها ذكر لنعيم في الآخرة أصلا ، ولا لجزاء بعد الموت البتة.

قال أبو محمد : وكذلك الجواب في أكل أهل النّار وشربهم سواء سواء كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : والأرض أيضا سبع نطاق منطبقة بعضها على بعض كانطباق السماوات لإخبار خالقنا بذلك ، وليس ذلك قبل الخبر في حدّ الممتنع بل في حدّ الممكن ، وذكر قوم قول الله تعالى : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) [سورة إبراهيم : ٤٨].

فقلنا : قال الله تعالى هذا حقّا ، وقال عزّ من قائل : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) [سورة الأنبياء : ١٠٤].

وقال عزوجل : (وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً) [سورة النبأ : ١٩].

وقال تعالى : (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ) [سورة المعارج : ٨ ، ٩].

وقال تعالى : (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها) [سورة الحاقة : ١٤ ـ ١٧].

وقال تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) [سورة الانشقاق : ١].

وقال تعالى : (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) [سورة الانشقاق : ٣ ـ ٥].

وقال تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) [سورة الانفطار : ١ ـ ٣].

وقال تعالى : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ) [سورة التكوير : ١ ـ ٣].

وقال تعالى : (أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) [سورة الأنبياء : ٣٠].

٣٦٦

وقال تعالى : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) [سورة الأنبياء : ١٠٤].

وقال تعالى : (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [سورة هود : ١٠٨].

فكل كلامه تعالى حق لا يحلّ الاقتصار على بعضه دون بعض ، فصحّ يقينا أنّ تبديل السّماوات والأرض إنما هو تبديل أحوالها لا إعدامها ، ولكن خلاؤها من الشّمس والقمر والكواكب والنجوم ، وتفتحها أبوابا ، وكونها كالمهل ، وتشققها ووهيها ، وانفطارها ، وتدكدك الأرض والجبال ، وكونها كالعهن المنفوش ، وتسييرها وتسجر البحار فقط كما قال تعالى ، وبهذا تتآلف الآيات كلّها ، ولا يجوز غير هذا أصلا ، ومن اقتصر على آية التبديل كذب على كل ما ذكرنا ، وهذا كفر ممن فعله ، ومن جمعها كلها فقد آمن بجميعها ، وصدّق الله تعالى في كل ما قال ، وهو يوجب ما قلنا ضرورة ، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : قد أكملنا ولله الحمد كثيرا الكلام على الملل المخالفة لدين الإسلام الذي هو دين الله تعالى على عباده الذي لا دين له في الأرض غيره إلى يوم القيامة ، وأوضحنا بعون الله وتأييده البراهين الضرورية على إثبات الأشياء ووجودها ثم على حدوثها كلها جواهرها وأعراضها بعد أن لم تكن ، ثم أنّ لها محدثا واحدا مختارا لم يزل ، لا شيء معه ، وأنه فعل لا لعلّة ، وترك لا لعلّة ، بل كما شاء لا إله إلّا هو ، ثم على صحّة النبوّات ، ثم على صحة نبوّة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنّ ملته هي الحق ، وكل ملّة سواها باطل ، وأنه آخر الأنبياء عليهم‌السلام ، وملته آخر الملل.

فلنبدأ الآن بعون الله وتأييده في ذكر نحل المسلمين وافتراقهم فيها وإيراد ما شغب به من شغب منهم فيما غلط في شيء من نحلته ، وإيراد البراهين الضرورية على إيضاح نحلة الحق من تلك النحل ، كما فعلنا في الملل ، والحمد لله رب العالمين كثيرا ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي القدير.

٣٦٧

الفرق الإسلامية

قال أبو محمد : فرق المقرين بملة الإسلام خمسة ، وهم : أهل السنّة ، والمعتزلة ، والمرجئة ، والشيعة ، والخوارج ، ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق ، وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا ونبذ يسيرة من الاعتقادات سننبه عليها إن شاء الله تعالى ، ثم سائر الفرق الأربعة التي ذكرنا ففيها ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد ، وفيها ما يخالفهم الخلاف القريب.

فأقرب فرق المرجئة إلى أهل السنّة من ذهب مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت (١) الفقيه رحمه‌الله تعالى : في أنّ الإيمان هو التصديق باللسان والقلب معا ، وأنّ الأعمال إنما هي شرائع الإيمان وفرائضه فقط.

وأبعدهم أصحاب جهم بن صفوان (٢) ، وأبو الحسن الأشعري (٣) ، ومحمد بن كرام

__________________

(١) الإمام أبو حنيفة : ولد سنة ٨٠ ، وتوفي سنة ١٥٠ ه‍. انظر ترجمته في تاريخ البخاري الكبير (٨ / ٨١) وتاريخ البخاري الصغير (٢ / ٤٣) والجرح والتعديل (٨ / ٤٤٩) وتاريخ بغداد (١٣ / ٣٢٣) ووفيات الأعيان (٥ / ٤١٥) وتذكرة الحفاظ (١ / ١٦٨) وسير أعلام النبلاء (٦ / ٣٩٠) وميزان الاعتدال (٤ / ٢٦٥) والعبر للذهبي (١ / ٣١٤) ومرآة الجنان (١ / ٣٠٩) وتهذيب التهذيب (١٠ / ٤٤٩) والنجوم الزاهرة (٢ / ١٢) وشذرات الذهب (١ / ٢٢٧).

(٢) جهم بن صفوان : هو أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي الكاتب المتكلم. كان صاحب ذكاء وجدل. كان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه ويقول بخلق القرآن ويقول إن الله في الأمكنة كلها ، وكان يقول : الإيمان عقد بالقلب وإن تلفّظ بالكفر. قيل : إن سلم بن أحوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلّم موسى. وقيل : قتله نصر بن سيار سنة ١٢٨ ه‍. انظر ترجمته في تاريخ الطبري (٧ / ٢٢٠ ، ٢٣٦) والملل والنحل (١ / ١٩٩) وميزان الاعتدال (١ / ٤٢٦) وسير أعلام النبلاء (٦ / ٢٦) وخطط المقريزي (٢ / ٢٤٩).

(٣) أبو الحسن الأشعري : هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. ولد سنة ٢٦٠ ، وقيل : سنة ٢٧٠. وبقي إلى سنة ٣٣٠. انظر ترجمته في الفهرست لابن النديم (ص ٢٥٧) وتاريخ بغداد (١١ / ٣٤٦) والملل والنحل (١ / ٩٤) ووفيات الأعيان (٣ / ٢٨٤) والعبر للذهبي (٢ / ٢٠٢) وسير أعلام النبلاء (١٥ / ٨٥) ومرآة الجنان (٢ / ٢٩٨) وطبقات الشافعية (٣ / ٣٤٧) والديباج المذهب

٣٦٨

السجستاني (١) .. فإنّ جهما والأشعري يقولان : إن الإيمان عقد بالقلب فقط ، وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه ، وعبد الصليب في دار الإسلام بلا تقية.

ومحمد بن كرّام يقول : هو القول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه.

وأقرب فرق المعتزلة إلى أهل السنة أصحاب الحسين بن محمد بن النجار وبشر بن غياث المريسي ، ثم أصحاب ضرار بن عمرو.

وأبعدهم أصحاب أبي الهذيل العلاف.

وأقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمذاني الفقيه القائلون بأنّ الإمامة في ولد عليّ رضي الله عنهم والثابت عن الحسن بن صالح رحمه‌الله هو قولنا : إن الإمامة في جميع قريش ، وتولّي جميع الصحابة رضي الله عنهم ، إلّا أنه كان يفضّل عليّا رضي الله عنه على جميعهم.

وأبعدهم الإمامية.

وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبد الله بن يزيد الإباضي الفزاري الكوفي.

وأبعدهم الأزارقة.

وأما أصحاب أحمد بن حابط وأحمد بن باسوس ، والفضل الحدثي ، والغالية من الروافض ، والمتصوفة والبطيحية أصحاب أبي إسماعيل البطيحي ، ومن فارق الإجماع من العجاردة وغيرهم ، فليسوا من الإسلام في شيء من أهله ، بل كفار بإجماع الأمة ، ونعوذ بالله من الخذلان.

ذكر ما اعتمدت عليه كلّ فرقة من هذه الفرق فيما اختصت به

قال أبو محمد : أما المرجئة فعمدتهم التي يتمسّكون بها فالكلام في الإيمان

__________________

(ص ١٩٣) والنجوم الزاهرة (٣ / ٢٥٩) وشذرات الذهب (٢ / ٣٠٣).

(١) محمد بن كرام السجستاني : كان يقول الإيمان هو نطق اللسان بالتوحيد مجرّد عن عقد قلب وعمل جوارح. وقال جماعة من أتباعه بأن الباري جسم لا كالأجسام وأن النبي تجوز منه الكبائر سوى الكذب. وقد سجن ابن كرام ثم نفي ، فمات ببيت المقدس سنة ٢٦٥ ه‍. انظر ترجمته في الملل والنحل (١ / ١٥٨) وميزان الاعتدال (٤ / ٢١) وسير أعلام النبلاء (١١ / ٥٢٣) والوافي بالوفيات (٤ / ٣٢٧٥) ولسان الميزان (٥ / ٣٥٣) والنجوم الزاهرة (٣ / ٢٤) وتذكرة الحفاظ (٢ / ١٠٦).

٣٦٩

والكفر ما هما؟ والتسمية بهما ، والوعيد ، واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم.

وأمّا المعتزلة : فعمدتهم التي يتمسكون بها : الكلام في التوحيد ، وما يوصف به الباري تعالى ، ثم يزيد بعضهم الكلام في القدر والتسمية بالفسق والإيمان والوعيد.

وقد يشارك المعتزلة في الكلام فيما يوصف به الباري تعالى جهم بن صفوان ، ومقاتل بن سليمان ، والأشعرية وغيرهم من المرجئة ، وهشام بن الحكم وشيطان الطاق ، واسمه محمد بن جعفر الكوفي ، وداود الجواربي .. وهؤلاء كلهم شيعة ، إلّا أنا اختصصنا المعتزلة بهذا الأصل لأن كل من تكلّم في هذا الأصل فهو غير خارج عن مذهب أهل السنة أو قول المعتزلة حاشا هؤلاء المذكورين من المرجئة والشيعة ، فإنهم انفردوا بأقوال خارجة عن قول أهل السنة والمعتزلة.

وأمّا الشيعة : فعمدة كلامهم في الإمامة والمفاضلة بين أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم.

وأمّا الخوارج : فعمدة مذهبهم الكلام في الإيمان والكفر ، ما هما؟ والتسمية بهما ، والوعيد ، والإمامة ، واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم.

وإنما اختصصنا هذه الطوائف بهذه المعاني لأن من قال إنّ أعمال الجسد إيمان ، فإنّ الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وإنّ مؤمنا يكفر بشيء من الذنوب ، وإنّ مؤمنا بقلبه أو بلسانه يخلد في النار فليس مرجئيّا ، ومن وافقهم على أقوالهم هاهنا وخالفهم فيما عدا ذلك من كل ما اختلف المسلمون فيه فهو مرجئ.

ومن خالف المعتزلة في خلق القرآن والرؤية والتشبيه والقدر وأنّ صاحب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر لكن فاسق فليس منهم. ومن وافقهم فيما ذكرنا فهو منهم وإن خالفهم فيما سوى ما ذكرنا فيما اختلف فيه المسلمون.

ومن وافق الشيعة في أنّ عليّا عليه‌السلام أفضل الناس بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي ، وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلف فيه المسلمون ، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيا.

ومن وافق الخوارج في إنكار التحكيم ، وتكفير أصحاب الكبائر ، والقول بالخروج على أئمة الجور ، وأنّ أصحاب الكبائر مخلدون في النار ، وأنّ الإمامة جائزة في غير قريش فهو خارجي ، وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلف فيه المسلمون ، وإن خالفهم فيما ذكرنا فليس خارجيا.

٣٧٠

قال أبو محمد : وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق ، ومن عداهم فأهل البدعة ، فإنهم الصحابة رضي الله عنهم ، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمهم‌الله تعالى ، ثم أصحاب الحديث ومن اتّبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا ، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم.

قال أبو محمد : وقد تسمّى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق أهل الإسلام على أنه ليس مسلما مثل طوائف من الخوارج غلوا فقالوا : إن الصلاة ركعة بالغداة وركعة بالعشي فقط ، وآخرون استحلوا نكاح بنات البنين ، وبنات البنات ، وبنات بني الإخوة ، وبنات بني الأخوات ، وقالوا : إن سورة يوسف ليست من القرآن. وآخرون منهم قالوا بحدّ الزاني والسارق ثم يستتابون من الكفر ، فإن تابوا وإلّا قتلوا.

وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلوا فقالوا بتناسخ الأرواح.

وآخرون منهم قالوا : إن شحم الخنزير ودماغه حلال.

وطوائف من المرجئة قالوا : إن إبليس لم يسأل الله تعالى قط النظرة ، ولا أقرّ بأنّ الله تعالى خلقه من نار ، وخلق آدم عليه‌السلام من تراب.

وآخرون منهم قالوا : إنّ النبوّة تكتسب بالعمل الصالح.

وآخرون كانوا من أهل السنّة فغلوا ، فقالوا : قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء ومن الملائكة عليهم‌السلام ، وأن من عرف الله تعالى حقّ معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع.

وقال بعضهم بحلول الباري تعالى في أجسام خلقه كالحلاج وغيره.

وطوائف كانوا من الشيعة ثم غلوا ، فقال بعضهم بإلاهية علي بن أبي طالب رضي الله عنه والأئمة بعده. ومنهم من قال بنبوته وبنبوّتهم ، وبتناسخ الأرواح كالسيّد الحميري الشاعر وغيره.

وقالت طائفة منهم بإلاهية أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد.

وقالت طائفة بنبوة المغيرة بن أبي سعيد مولى بني بجيلة ، وبنبوّة أبي منصور العجلي ، وبزيع الحائك ، وبيان بن سمعان التميمي وغيرهم.

وقال آخرون برجعة علي إلى الدنيا ، وامتنعوا من القول بظاهر القرآن وقالوا : إن لظاهره تأويلات ، فمنها أن قالوا : إن السماء محمد والأرض أصحابه «وإن الله يأمركم أن تذبحوا البقرة» قالوا : هي فلانة يعني أم المؤمنين رضي الله عنها. وقالوا : العدل والإحسان : محمد وعلي. والجبت والطاغوت هو فلان وفلان يعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. وقالوا : الصلاة هي دعاء الإمام. والزكاة هي ما يعطى الإمام. والحج :

٣٧١

القصد إلى الإمام. وفيهم خناقون ورضّاخون. وكل هذه الفرق لا تتعلق بحجة أصلا ، وليس بأيديهم إلّا دعوى إلهام والقحة ، والمجاهرة بالكذب ، ولا يلتفتون إلى مناظرة. ويكفي من الرّد عليهم أن يقال لهم : ما الفرق بينكم وبين من ادّعى أنه ألهم بطلان قولكم ..؟ ولا سبيل إلى الانفكاك من هذا.

وأيضا فإنّ جميع فرق الإسلام متبرئة منهم ، مكفّرة لهم ، مجمعون على أنّهم على غير الإسلام ، ونعوذ بالله من الخذلان.

خروج أكثر هذه الفرق عن دين الإسلام

قال أبو محمد : الأصل في خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم حتّى أنهم كانوا يسمّون الأحرار والأبناء ، وكانوا يعدّون سائر الناس عبيدا لهم ، فلما امتحنوا بزوال الدّولة عنهم على أيدي العرب ، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرا ، تعاظمهم الأمر ، وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى ففي كلّ ذلك يظهر الله تعالى الحق ، وكان من قائمتهم منقاذ ، والمقنع ، واستايبن ، وبابك وغيرهم. وقبل هؤلاء رام ذلك عمار الملقب خذاشا ، وأبو مسلم السّراج فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع ، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبّة أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واستشناع ظلم عليّ رضي الله عنه ، ثم سلكوا بهم مسالك شتّى حتّى أخرجوهم عن الإسلام.

فقوم منهم أدخلوهم إلى القول بأن رجلا ينتظر يدعى المهدي عنده حقيقة الدين ، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدّين من هؤلاء الكفار ، إذ نسبوا أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الكفر. وقوم خرجوا إلى ما ذكرنا من نبوة من ادّعوا له النبوّة. وقوم سلكوا لهم المسلك الذي ذكرنا من القول بالحلول وسقوط الشرائع. وآخرون تلاعبوا بهم فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة. وآخرون قالوا : بل هي سبع عشرة صلاة في كل صلاة خمس عشرة ركعة. وهذا قول عمرو بن عبد الله بن الحارث الكندي ، قبل أن يصير خارجيّا صفريّا ، وقد سلك هذا المسلك أيضا عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي ، فإنه لعنه الله أظهر الإسلام ليكيد أهله ، فهو كان أصل إثارة الناس على عثمان رضي الله عنه وأحرق عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه طوائف أعلنوا بإلاهيته.

ومن هذه الأصول الملعونة حدثت الإسماعيلية والقرامطة ، وهما طائفتان مجاهرتان بترك الإسلام جملة ، قائلتان بالمجوسية المحضة ، ثم مذهب مزدك الموبذ ،

٣٧٢

الذي كان على عهد أنوشروان بن قباذ ملك الفرس ، وكان يقول بوجوب تواسي (١) الناس في النساء والأموال.

قال أبو محمد : فإذا بلغ الناس إلى هذين الشعبين أخرجوه عن الإسلام كيف شاءوا ، إذ هذا هو غرضهم فقط ، فالله الله عباد الله في أنفسكم ولا يغرنكم أهل الكفر والإلحاد ، ومن موّه كلامه بغير برهان ، لكن بتمويهات ووعظ على خلاف ما آتاكم به كتاب ربكم ، وكلام نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلا خير فيما سواهما ، واعلموا أنّ دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه ، وجهر لا سرّ تحته ، كلّه برهان لا مسامحة فيه ، واتّهموا كلّ من يدعو أن يتبع بلا برهان ، وكل من ادّعى أن لله ديانة سرّا وباطنا ، فهي دعاوى ومخارق واعلموا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها ، ولا أطلع أخص الناس به من ابنة أو ابن عم أو زوجة أو صاحب على شيء من الشريعة ، كتمه عن الأحمر والأسود ، ورعاة الغنم ، ولا كان عنده عليه‌السلام سرّ ولا رمز ، ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه ، فلو كتمهم شيئا لما بلّغ كما أمر ، ومن قال هذا فهو كافر ، فإيّاكم وكلّ قول لم يبن سبيله ، ولا وضح دليله ، ولا تعرجوا عمّا مضى عليه نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

قال أبو محمد : قد أوضحنا شنع جميع هذه الفرق في كتاب لنا لطيف اسمه : «النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح المردية من أقوال أهل البدع من الفرق الأربع : المعتزلة والمرجئة والخوارج والشيع».

ثم أضفناه إلى آخر كلامنا في النحل من كتابنا هذا.

وجملة الخير كله أن تلتزموا ما نصّ عليه ربكم تعالى في القرآن بلسان عربي مبين لم يفرّط فيه من شيء ، تبيانا لكل شيء ، وما صحّ عن نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم برواية الثقات من أئمة أصحاب الحديث رضي الله عنهم مسندا إليه عليه‌السلام فهما طريقان يوصلانكم إلى رضى ربكم عزوجل.

ونحن نبتدئ من هنا إن شاء الله تعالى بالكلام في المعاني التي هي عمدة ما افترق المسلمون عليه ، وهي التوحيد ، وهي التوحيد ، والقدر ، والإيمان ، والوعيد ، والإمامة ، والمفاضلة ، ثم أشياء يسميها المتكلمون اللطائف ، ونورد كلّ ما احتجّوا به ، ونبين بالبراهين الضرورية إن شاء الله تعالى وجه الحق في كل ذلك ، كما فعلنا فيما خلا ، بعون الله تعالى لنا وتأييده ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. فأول ذلك :

__________________

(١) أي المشاركة.

٣٧٣

الكلام في التوحيد ونفي التشبيه

قال أبو محمد : ذهبت طائفة إلى القول بأنّ الله تعالى جسم ، وحجتهم في ذلك أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض ، فلما بطل أن يكون تعالى عرضا ثبت أنه جسم ، وقالوا : إن الفعل لا يصح إلّا من جسم والباري تعالى فاعل فوجب أنه جسم ، واحتجّوا بآيات من القرآن فيها ذكر اليدين واليد والأيدي والعين والأعين والوجه والجنب ، وبقوله تعالى : (وَجاءَ رَبُّكَ) (١) و (يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) [البقرة : ٢١٠] و (تَجَلَّى رَبُّهُ) (٢) وبأحاديث للجبل فيها ذكر القدم ، واليمين والرجل والأصابع والتنزل.

قال أبو محمد : ولجميع هذه النصوص وجوه ظاهرة ، خارجة على خلاف ما ظنوه وتأوّلوه.

قال أبو محمد : وهذان استدلالان فاسدان.

أمّا قولهم : إنه لا يقوم في المعقول إلّا جسم أو عرض ، فإنها قسمة ناقصة وأما الصّواب : أنه لا يوجد في العالم إلّا جسم أو عرض وكلاهما يقتضي بطبيعة وجوده وجوب محدث له ، فبالضرورة نعلم أنه لو كان محدثهما جسما أو عرضا لكان يقتضي فاعلا فعله ولا بدّ. فوجب بالضرورة أنّ فاعل الجسم والعرض ليس جسما ولا عرضا. وهذا برهان يضطر إليه كل ذي حسّ بضرورة العقل ولا بدّ.

وأيضا فلو كان الباري ـ تعالى عن إلحادهم ـ جسما لاقتضى ذلك ضرورة أن يكون له زمان ومكان هما غيره!! وهذا إبطال التوحيد وإيجاب الشرك معه تعالى لشيئين سواه ، وإيجاب أشياء معه غير مخلوقة ، وهذا كفر ، وقد تقدّم إفسادنا لهذا القول.

وأيضا فإنه لا يعقل البتة جسم إلّا مؤلف طويل عريض عميق ، ونظّارهم لا يقولون

__________________

(١) (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) ـ الآية ٢٢ من سورة الفجر.

(٢) (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) الآية ١٤٣ من سورة الأعراف.

٣٧٤

بهذا ، فإن قالوه لزمهم أنّ له مؤلفا جامعا مخترعا فاعلا ، فإن منعوا من ذلك لزمهم أن يوجبوا لما في العالم من التأليف لا مؤلف له ولا جامعا ، إذ المؤلّف كله كيفما وجد يقتضي مؤلّفا ضرورة.

فإن قالوا : هو جسم غير مؤلّف قيل لهم : هذا هو الذي لا يعقل حسّا ولا يتشكّل في النفوس البتة.

فإن قالوا : لا فرق بين قولنا شيء وبين قولنا جسم ، قيل لهم : هذه دعوى كاذبة على اللغة التي بها تتكلمون.

وأيضا فهو باطل لأنّ الحقيقة أنه لو كان الشيء والجسم بمعنى واحد لكان العرض جسما لأنه شيء وهذا باطل بيقين.

والحقيقة هي أنه لا فرق بين قولنا : شيء ، وقولنا : موجود وحق وحقيقة ومثبت ، فهذه كلها أسماء مترادفة على معنى واحد لا يختلف ، وليس منها اسم يقتضي صفة أكثر من أنّ المسمّى بذلك حق ولا مزيد.

وأمّا لفظة جسم فإنّها في اللغة عبارة عن الطويل العريض العميق ، المحتمل للقسمة ذي الجهات ا لست ، التي هي فوق وتحت ، ووراء ، وأمام ، ويمين ، وشمال ، وربما عدم واحد منها ، وهي الفوق ، هذا حكم هذه الأسماء في اللغة التي هذه الأسماء منها ، فمن أراد أن يوقع شيئا منها على غير موضوعها في اللغة فهو مجنون وقاح ، وهو كمن أراد أن يسمّى الحق باطلا والباطل حقا ، وأراد أن يسمّي الذّهب خشبا ، وهذا غاية الجهل والسخف ، إلّا أن يأتي نصّ بنقل اسم منها عن موضوعه إلى معنى آخر فيوقف عنده ، وإلّا فلا ، وإنما يلزم كلّ مناظر يريد معرفة الحقائق أو التعريف بها أن يحقق المعاني التي يقع عليها الاسم ثم يخبر بعد بها أو عنها بالواجب ، وأمّا مزج الأشياء وقلبها عن موضوعاتها في اللغة فهذا فعل السوفسطائية الوقحاء الجهال ، العابثون بعقولهم وأنفسهم.

فإن قالوا لنا : إنكم تقولون إن الله عزوجل حيّ لا كالأحياء ، وعليم لا كالعلماء ، وقادر لا كالقادرين ، وشيء لا كالأشياء ، فلم منعتم القول بأنه جسم لا كالأجسام؟!

قيل لهم وبالله تعالى التوفيق : لو لا النصّ الوارد بتسميته حيّا وقديرا وعليما ما سميناه بشيء من ذلك ، لأن الوقوف عند النصّ فرض ، ولم يأت نصّ بتسميته تعالى جسما ، ولا قام البرهان بتسميته تعالى جسما بل البرهان مانع من تسميته تعالى بذلك ،

٣٧٥

ولو أتانا نصّ بتسميته تعالى جسما لوجب علينا القول بذلك ، وكنا حينئذ نقول : إنه جسم لا كالأجسام ، كما قلنا في عليم وقدير ، وحي ، ولا فرق. وأمّا لفظه شيء فالنص أيضا جاء بها والبرهان أوجبها على ما نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.

وقالت طائفة منهم إنه تعالى نور واحتجوا بقول الله تعالى : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [سورة النور : ٣٥].

قال أبو محمد : ولا يخلو النور من أحد وجهين إمّا أن يكون جسما ، وإما أن يكون عرضا ، وأيّهما كان فقد قام البرهان على أنه تعالى ليس جسما ولا عرضا ، وأمّا قوله تعالى : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فإنّما معناه «هدى الله بتنوير النفوس ، إلى نور الله تعالى في السماوات والأرض». وبرهان ذلك أنه عزوجل أدخل في جملة ما أخبر : أنه نور له فلو كان الأمر على أنه النّور المضيء المعهود لما خبا الضياء ساعة من ليل أو نهار البتة ، فلما رأينا الأمر بخلاف ذلك علمنا أن الأمر بخلاف ما ظنّوه.

قال أبو محمد : ويبطل قول من وصف الله تعالى بأنه جسم ، وقول من وصفه بحركة ـ تعالى عن ذلك ـ أن الضرورة توجب أن كل متحرك فذو حركة ، وأنّ الحركة لمتحرّك بها ، وهذا من باب الإضافة والصّورة في المتصوّر لمتصوّر ، وهذا أيضا من باب الإضافة ، فلو كان كلّ مصوّر متصورا ، وكل محرّك متحركا لوجب وجود أفعال لا أوائل لها ، وهذا قد أبطلناه فيما خلا من كتابنا بعون الله تعالى لنا وتأييده إيّانا ، فوجب ضرورة وجود محرّك ليس متحركا ومصوّر ليس متصوّرا ضرورة ولا بدّ. وهو الباري تعالى محرّك المتحرّكات ومصوّر المتصورات ، لا إله إلّا هو ، وكل جسم فذو صورة ، وكلّ ذي حركة فذو عرض محمول فيه ، فصحّ أنه تعالى ليس جسما ولا متحركا ، وبالله تعالى التوفيق.

وأيضا فقد قدمنا أنّ الحركة والسكون مدّة ، والمدّة زمان ، وقد بينا فيما خلا من كتابنا أن الزمان محدث ، فالحركة محدثة ، كذلك السكون ، والباري تعالى لا يلحقه الحدث إذ لو لحقه لكان محدثا ، فالباري تعالى غير متحرك ولا ساكن.

وأيضا فإنّ الجسم إنما يفعل آثارا في جسم فقط ، ولا يفعل الأجسام ، فالباري تعالى إذن على قول المجسّمة إنما هو فاعل آثار في الأجسام فقط لا فاعل أجسام العالم ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

فإن قالوا : فإنّكم تسمّونه فاعلا وتسمّون أنفسكم فاعلين ، وهذا تشبيه. قلنا له ـ وبالله تعالى التوفيق ـ : لا يوجب ذلك تشبيها ، لأن التشبيه إنما يكون بالمعنى الموجود

٣٧٦

في كلا المشتبهين لا بالأسماء ، وهذه التسمية إنّما هي اشتراك في العبارة فقط ، لأن الفاعل متحرّك باختيار لا بالأسماء ، وهذه التسمية إنّما هي اشتراك في العبارة فقط ، لأن الفاعل متحرّك باختيار أو عارف ، أو شاكّ ، أو مريد أو كاره باختيار وضمير ، فكلّ فاعل متحرّك ذو ضمير ، وكلّ متحرّك فذو حركة ، والحركة وأعراض الضمائر انفعالات ، فكل متحرّك منفعل ، وكل منفعل فلفاعل ضرورة ، وأمّا الباري تعالى ففاعل باختيار واختراع ، لا بحركة ولا ضمير ، فهذا اختلاف لا اشتباه. وبالله تعالى التوفيق.

وكذلك العرض ليس جسما ، وقولنا الجسم ليس عرضا ، والباري تعالى ليس جسما ولا عرضا فهذان الحكمان لا يوجبان اشتباها أصلا بل هذا عين الاختلاف ، لأن الاشتباه إنّما يكون بإثبات معنى في المشتبهين به اشتبها ، ولو أوجب ما ذكرنا اشتباها لوجب أن يكون يشبه الجسم في الجسمية لأنه ليس عرضا ، وأن يكون يشبه العرض في العرضيّة لأنّه ليس جسما فكان يكون جسما عرضا معا ، وهذا محال ، فصحّ أن بالنفي لا يصح الاشتباه وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : ومن قال إنّ الله تعالى جسم لا كالأجسام فهو ملحد في أسمائه إذ سماه عزوجل بما لم يسمّ به نفسه.

وأمّا من قال إنه تعالى كالأجسام فهو ملحد في أسمائه ومشبّه مع ذلك.

مطلب إطلاق الصفات

قال أبو محمد : وأمّا إطلاق لفظ الصفات لله تعالى عزوجل فمحال لا يجوز لأن الله تعالى لم ينصّ قط في كلامه المنزل على لفظ الصّفات ، ولا على لفظ الصفة ولا جاء قط عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن الله تعالى صفة أو صفات ، نعم ولا جاء قط ذلك على أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا عن أحد من خيار التّابعين ، ولا عن أحد تابعي التابعين ، وما كان هكذا فلا ينبغي لأحد أن ينطق به.

ولو قلنا : إن الإجماع قد تيقّن على ترك هذه اللفظة لصدقنا ، فلا يجوز القول بلفظ الصفات ولا اعتقاده ، بل ذلك بدعة منكرة قال الله تعالى : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) [سورة النجم : ٢٣].

قال أبو محمد : وإنّما اخترع لفظة الصّفات المعتزلة ، وسلك سبيلهم قوم من أصحاب الكلام ، سلكوا غير مسلك السلف الصّالح ليس فيهم أسوة ولا قدوة وحسبنا الله ونعم الوكيل ، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [سورة الطلاق : ١].

٣٧٧

وربما أطلق هذه اللفظة من متأخري الأئمة من الفقهاء من لم يحقق النظر فيها ، فهي وهلة من فاضل ، وزلة من عالم ، وإنّما الحقّ في الدّين ما جاء عن الله تعالى نصّا أو عن رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كذلك ، أو صحّ إجماع الأمة كلها عليه ، وما عدا هذا فضلال.

فإن اعترضوا بالحديث الذي رويناه من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة رضي الله عنها في الرّجل الذي كان يقرأ : قل هو الله أحد في كل ركعة مع سورة أخرى ، وأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر أن يسأل عن ذلك فقال : هي صفة الرحمن فأنا أحبّها ، فأخبره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنّ الله يحبّه (١).

فالجواب وبالله تعالى التوفيق : أنّ هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن أبي هلال وليس بالقويّ ، قد ذكره بالتخليط يحيى وأحمد بن حنبل ، وأيضا فإن احتجاج خصومنا بهذا لا يسوغ لهم على أصولهم لأنه خبر واحد لا يوجب عندهم العلم ، وأيضا : فلو صحّ لما كان مخالفا لقولنا ، لأننا إنما أنكرنا قول من قول : إن أسماء الله تعالى مشتقة من صفات ذاتية فأطلق ذلك على «العلم» و «القدرة» و «القوة» و «الكلام» أنها صفات ، وعلى من أطلق «إرادة» وسمعا وبصرا وحياة ، وأطلق أنها صفات ، فهذا الذي أنكرنا غاية الإنكار ، وليس في الحديث المذكور ولا في غيره شيء من هذا أصلا ، وإنّما فيه أنّ «قل هو الله أحد» خاصة صفة الرحمن ، ولم ننكر هذا نحن بل هو خلاف لقولهم لأنهم لا يخصّون «قل هو الله أحد» بذلك دون الكلام والعلم وغير ذلك ، و «قل هو الله أحد» خبر عن الله تعالى بما هو الحق ، فنحن نقول فيها هي صفة الرحمن ، بمعنى أنها خبر عنه تعالى حق ، فظهر أن هذا الخبر حجة عليهم لنا. وأيضا فمن أعجب الباطل أن يحتج بهذا الخبر فيما ليس فيه شيء من يخالفه ويعصيه في الحكم الذي ورد فيه من استحسان قراءة «قل هو الله أحد» في كل ركعة مع سورة أخرى ، لهذه الفضائح ، فلتعجب أهل العقول. وأما الصفة التي يطلقون هم ، فإنما هي في اللغة واقعة على عرض في جوهر لا على ذلك أصلا. وقد قال الله تعالى : (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [سورة الصافات : ١٨٠].

__________________

(١) رواه البخاري في التوحيد باب ١ (حديث ٧٣٧٥) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (حديث ٢٦٣) والنسائي في الافتتاح باب ٦٩. ولفظ الحديث عند البخاري : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث رجلا على سرّية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله أحد. فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : «سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أخبروه أن الله يحبّه».

٣٧٨

فأنكر إطلاق الصفات جملة فبطل تمويه من موّه بالحديث المذكور ليستحلّ بذلك ما لا يحل من إطلاق لفظ الصفات حيث لم يأت بإطلاقها فيه نصّ ولا إجماع أصلا ، ولا أثر عن السلف. والعجب من اقتصارهم على لفظة الصفات ، ومنعهم من القول بأنها نعوت وسمات ، ولا فرق بين اللفظتين لا في لغة ولا في معنى ، ولا في نصّ ولا في إجماع ، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٧٩

الكلام في المكان والاستواء

قال أبو محمد : ذهبت المعتزلة إلى أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان ، واحتجوا بقول الله عزوجل : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) [سورة المجادلة : ٧].

وقوله تعالى : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [سورة ق : ١٦].

وقوله تعالى : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ) [سورة الواقعة : ٨٥].

قال أبو محمد : قول الله عزوجل يجب حمله على ظاهره ما لم يمنع من حمله على ظاهره نص آخر ، أو إجماع ، أو ضرورة حسّ.

وقد علمنا أن كلّ ما كان في مكانه فإنه شاغل لذلك المكان ، ومالئ له ومتشكل بشكل المكان ، أو المكان متشكل بشكله ، ولا بدّ من أحد الأمرين ضرورة.

وقد علمنا أنّ ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان ، ومتناه بتناهي مكانه ، وهو ذو جهات ست أو خمس متناهية في مكانه ، وهذه كلها صفات الجسم ، فلما صحّ ما ذكرنا علمنا أن قوله تعالى : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). و (نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ). و (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) إنما هو التدبير لذلك والإحاطة به فقط ضرورة لانتفاء ما عدا ذلك.

وأيضا : فإن قولهم «في كل مكان» خطأ ، فإنه يلزم بموجب هذا القول أن يملأ الأماكن كلها ، وأن يكون ما في الأماكن فيه ـ الله تعالى عن ذلك ـ وهذا محال.

فإن قالوا : هو فيها بخلاف كون المتمكن في المكان.

قيل لهم : هذا لا يعقل ولا يقوم عليه دليل ، وقد قلنا : إنه لا يجوز إطلاق اسم على غير موضوعه في اللغة ، إلّا أن يأتي به نص فنقف عنده ، وندري حينئذ أنه منقول إلى ذلك المعنى الآخر ، وإلّا فلا ، فإذ قد صحّ ما ذكرنا فلا يجوز أن يطلق القول بأن الله تعالى في مكان لا على تأويل ولا على غيره ، لأنه حكم بأنه تعالى في الأمكنة ، لكن يطلق القول بأنه تعالى معنا في كلّ مكان ، ويكون حينئذ قولنا في كلّ مكان إنّما

٣٨٠