الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

فقال لهم المسيح : أما قد كنت في كتابكم الزبور حيث يقول : أنا قلت : أنتم آلهة ، وبنو العلي كلكم ، فإن كان اسمي : الله الذي كلمهم آلهة ـ ولا سبيل إلى تحريف الكتاب ولا تبديله ـ فلم تقولون فيمن بارك الله عظيم ، وبعثه إلى الدنيا إنه شتم. إذا قلت إني ابن الله ، إني كنت لا أفعل أفعال أبي فلا تصدقوني ، إلى قوله : لتعلموا أني الأب ، والأب مني.

وفي الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا : أن فيلتش الحواري قال للمسيح : يا سيدنا أرنا الأب ، ويكفينا. فقال له المسيح : طول هذا الزمان كنت فيكم ولا تعرفوني ، من رآني فقد رأى الأب ، فكيف تقول أنت : أرنا الأب؟ أليس تؤمن أنّي أنا في الأب ، وأن الأب هو فيّ؟ فكيف هذا ..؟!! مع قول يوحنا الذي ذكرنا في أول إنجيله إن الأب لم يره أحد قط.

فصل

وفي الباب الحادي عشر من إنجيل يوحنا المذكور أن المسيح قال لتلاميذه : أنا في أبي وأنتم فيّ ، وأنا فيكم.

قال أبو محمد : إذا كان هو الأب ، والأب فيه ، وهو في التلاميذ ، والتلاميذ فيه فالأب في التلاميذ ، والتلاميذ في الأب ضرورة. فأيّ مزية له عليهم ، وهل هو وهم إلا سواء في كونه وكونهم في الله ، وكون الله فيهم وفيه؟

ثم هذا الكلام لا يعقل ولا يفهم منه إلا الاستخفاف والكفر فقط ، لأنه إذا كان فيهم بذاته فقد صاروا له مكانا ، وصار تعالى محدودا ، وهذه صفة المحدث ، فإن كان فيهم بتدبيره فهكذا يدبر في كل حي وميت ، وكل جماد ، وكل عرض. ولا فرق. ولا فضيلة في هذا أصلا إلّا الضلال.

فصل

وفي الباب الثاني عشر من إنجيل يوحنا أن المسيح قال لهم : لست أسميكم بعد عبيدا لأن العبد لا يدري ما يصنع سيده ، وقد سميتكم إخوانا.

ففي أحد هذين الفصلين : أن التلاميذ قد عتقوا من عبودية الباري عزوجل ، وأنهم إخوانه ، وهو خرج من الله ، ومنه انبثق ، فهم كذلك أيضا فأيّ مزية له عليهم؟ مع سخف هذا الكلام ، وأنه لا يدرى لهذا الانبثاق معنى أصلا ، والانبثاق لا يكون إلّا من الأجسام ضرورة.

٣٢١

فصل

وفي الباب الثالث عشر من إنجيل يوحنا في أوله : أن المسيح قال رافعا عينيه إلى السماء : «يا أبتاه قد آن الوقت فشرّف ولدك لكيما يشرفك ولدك».

وبعده بيسير : أن المسيح قال لله : أنا شرفتك على الأرض.

قال أبو محمد : هذه مصيبة الدهر لم يقنعوا للمسيح ببنوّة الله حتى وصفوه بمساواته لله تعالى ، ثم لم يقنعوا بمساواته لله حتى قالوا : إن الله تعالى قد انعزل له عن الحكم ، وليس يحكم على أحد ، وأنه قد برئ بالملك والحكم كله إلى المسيح ، ثم لم يقنعوا له بالعزلة والخمول حتى جعلوا المسيح يشرف الله تعالى.

يا للناس!! هل سمعتم بأعظم من هذا الكفر؟ والله والله قطعا ما قال هذا الكلام قط مؤمن بالله تعالى أصلا ، وما كانوا إلّا دهرية مستخفين رقعاء ، فعليهم أضعاف كل لعنة لعنها الله تعالى سواهم من الكفرة.

قال أبو محمد : في إنجيل يوحنا : «أنّ المسيح قال : أنا أميت نفسي ، وأنا أحييها» ، فليت شعري!! كيف يمكن أن يحيي نفسه وهو ميت؟

قال أبو محمد : فهذه سبعون فصلا في أناجيلهم من كذب بحت ، ومناقضة لا حيلة فيها. ومنها فصول يجمع الفصل منها ثلاث كذبات فأقل أو أكثر ، على قلّة مقدار أناجيلهم. وجملة أمرهم في المسيح ـ عليه‌السلام ـ أنه مرة بنص أناجيلهم : ابن الله ، ومرة هو ابن يوسف ، وابن داود ، وابن الإنسان ، ومرة هو إله يخلق ويرزق ، ومرة هو : خروف الله ، ومرة هو في الله ، والله فيه ، ومرة هو في تلاميذه ، وهم فيه ، ومرة : هو علم لله وقدرته ، ومرة لا يحكم على أحد ، ولا تنفذ إرادته ، ومرة هو : نبي وغلام. ومرة أسلمه الله إلى أعدائه. ومرة قد انعزل الله له عن الملك ، وتولّاه هو ، وصار يشرف الله تعالى ، ويعطي مفاتيح السماوات ، ومرة يولي أصحابه خطة التحريم والتحليل في السماوات والأرض. ومرة يجوع ويطلب ما يأكل ، ويعطش ويشرب ويعرق من الخوف ، ويلعن الشجرة إذا لم يجد فيها تينا يأكله ، ويفشل فيركب حمارة ، ويؤخذ ويلطم وجهه ، ويضرب رأسه بالقصبة ، ويبزق في وجهه ، ويضرب ظهره بالسياط ، وتمر به الشرط ، ويتهكمون به ، ويسقى الخل في الحنظل ، ويصلب بين سارقين ، وتسمّر يداه ، ومات في الساقة ودفن ثم يحيا بعد الموت ، ولم يكن له هم إذ حيي بعد الموت واجتمع بأصحابه إلا طلب ما يأكل فأطعموه الحوت المشوي ، وسقوه العسل ، ثم انطلق إلى شغله.

٣٢٢

هذا كله نص أناجيلهم ، وهم قد اقتصروا في دينهم من كل هذا على أنه إله معبود فقط ، وهم يأنفون من إله مع الله. وأناجيلهم وأمانتهم توجب أن المسيح إله آخر غير الله ، بل يقعد عن يمين الله ، وأنه أكبر منه ، وهو يخلق كما يخلق ، ويحيي كما يحيي ، فبالضرورة توجب أنهم قائلون بإلهين ولا بدّ متغايرين.

٣٢٣

ذكر بعض ما في كتبهم غير الأناجيل من

الكذب والكفر والهوس

قال أبو محمد : قال يوحنا بن سبذاي في إحدى رسائله الثلاث : يا أحبابي! نحن الآن أولاد الله ، ولم يظهر بعد ما نحن كائنون ، وقد نعلم أنه إذا ظهر سنكون أمثالا له ، لأننا نراه كما هو.

قال أبو محمد : أفي الكفر أعظم من قول هذا الكذب؟ إنهم أولاد الله ، وإنهم سيكونون مثل الله إذا ظهر. وقال اللعين في كتاب الوحي والإعلان : «إنه رأى الله عزوجل شيخا أبيض الرأس واللحية ، ورجلاه من لاطون ، والمسيح يقرأ بين يديه في كتاب من ذهب والملائكة يقولون : هذا خروف الرب ، والأسواق قائمة بين يديه ، القمح كذا وكذا قفيزا بدينار ، والشعير كذا وكذا قفيزا بدينار ، والخمر كذا وكذا قسطا بدينار ، والزيت كذا وكذا قسطا بدينار. فهل هذا إلّا هزل وعيارة ، وتماجن وتطايب.

وقال شمعون في إحدى رسالتيه : «يومئذ يأتي الربّ كمجيء اللص» ، فلعمري!! لقد شبه ربّه تشبيها هو أولى به ، ولا مئونة على هذين الكلبين ، وعلى يهوذا ويعقوب اللعينين في رسائلهم الفارغة من كل خير ، الباردة المملوءة من كل كفر وهوس أن يقولوا : «قال الله والد ربنا المسيح ، وفعل الله والد سيدنا المسيح» ، كأنهم والله إنما يخبرون عن نسب من الأنساب وولادة من الولادات.

وقال بولس اللعين في إحدى رسائله ـ وهي التي إلى أهل غلاذية في الباب السادس منها : «نشهد لكل إنسان يختتن أنه يلزمه أن يحفظ شرائع التوراة». وقال أيضا قبل ذلك : «إن اختتنتم فإن المسيح لا ينفعكم».

فاعجبوا لهذه ، واعلموا أنه قد ألزمهم دينين ، أما من كان مختونا فإن شرائع التوراة كلها تلزمه ولا ينفعه المسيح. وأما من كان غير مختون فالمسيح ينفعه ولا تلزمه شرائع التوراة. وهو النذل وسائر التلاميذ كانوا بإجماع من النصارى مختونين كلهم ، فوجب أن المسيح لا ينفعهم ، وأن شرائع اليهود في التوراة كلها لهم لازمة ، وأكثر من بين أظهر المسلمين منهم اليوم مختونون ، فإن كان بولس صادقا فإن المسيح لا ينفعهم

٣٢٤

وإن شرائع التوراة كلها لازمة لهم. وإن كان كاذبا في ذلك فكيف يأخذون دينهم عن كذاب؟ ولا بدّ من أحدهما.

وقال أيضا في إحدى رسائله : «إن يوحنا بن سبذاي ، ويعقوب بن يوسف النجار ، وباطرة : أمروه أن يكون هو يدعو إلى ترك الختان ، ويكونون هم يدعون إلى الختان.

قال أبو محمد : هذا غير طريق التحقيق في الدعاء إلى الدين ، وإنما هي دعوة حيلة وإضلال مبينة لا حقيقة لها.

وقال بولس : إن يعقوب بن يوسف النجار كان مرائيا يتحفظ من مداخلة الأجناس بحضرة اليهود ، وأن بولش واجهه بذلك بأنطاكية وعنفه على ذلك.

أفيجوز أخذ الدين من امرئ مدلس؟

وقال هذا اللعين بولش أيضا في إحدى رسائله : «إن يسوع بينما كان في صورة الله لم يغتنم أن يكون مساويا لله ، بل أذل نفسه ولبس صورة عبد».

قال أبو محمد : فهل سمع قط بأوحش من هذا الكفر؟ أو أحمق من هذا الكلام؟

أو أسخف من هذا الاختيار؟ وهل يتذلل الإنسان ، ويحمل كلّ بلاء في الدنيا إلّا ليصل إلى رضا الله عزوجل فقط؟

فليت شعري!! هل بعد الوصول إلى مساواة الله تعالى عند هؤلاء الأقذار منزلة تبتغى فيرفضها المسيح لينال أعلى منها؟

اللهم قد ذكرنا تلك المنزلة ، وهي التي وصفها يوحنا اللعين في إنجيله : من أن الله تعالى عن كفرهم ـ اعتزل عن الملك والحكم وتولّاهما المسيح ، وتبرّأ إليه بكل شيء. ثم إن المسيح شرفه تعالى عن ذلك ـ اللهم العن ـ وقد فعلت ـ عقولا يجوز منها هذا الحمق.

وقال هذا النذل في بعض رسائله : «إنّي كنت أتمنى أن أكون محروما من المسيح».

قال أبو محمد : ليت شعري من ضغطه؟ وما المانع له من أن يكفر بالمسيح فيبلغ مناه ويصير محروما منه ..؟ وو الله إنه لمحروم منه بلا شك.

وقال هذا النذل بولس أيضا في بعض رسائله الخسيسة : اليهود يطلبون الآيات واليونانيون يطلبون الحكمة ، ونحن نشرع أن المسيح صلب.

وهذا القول عند اليهود فتنة الزلق ، وعند الأجناس جهل ونقص. وعند المجتبين

٣٢٥

من اليهود واليونانين : أن المسيح علم الله وقدرته ، لأن ما كان جهلا عند الله هو أحكم ما يكون عند الناس ، وما هو ضعيف عند الله هو أقوى ما يكون عند الناس.

قال أبو محمد : فهل في بيان قحة هذا النذل وسخريته بمن اتبعه ، وتحقيق ما تدعيه اليهود : أن أسلافهم دسّوا هذا النذل بولش لإضلال أتباع المسيح عليه‌السلام ـ أكثر من هذا الكلام في إبطاله الآيات والحكم؟!

إن أحكم ما يكون عند الناس هو الجهل عند الله فمحصول كلامه : اتركوا العقل وموجبه ، واطلبوا الحمق وتدينوا به. نعوذ بالله مما ابتلاهم به.

وقال بولس أيضا في بعض رسائله : إنه لا تبقى دعوة كاذبة في الدين أكثر من ثلاثين سنة.

قال أبو محمد : هو عندهم ـ لعنه الله ـ أصدق من موسى بن عمران عليه‌السلام فإن كان صدق هاهنا فما يحتاج معهم إلى برهان في صحة دين الإسلام ، ونبوة محمد ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ سوى هذا ، فإن لهذه الدعوة أربعمائة عام ونيفا وخمسين عاما ظاهرة ، والحمد لله رب العالمين ، فيلزمهم أن يرجعوا إلى الحمق ، أو يكذبوا بولس بشيرهم.

وقال بعض من يعظمونه من أسلافهم ، وهو يوحنا فم الذهب ، بطريارك القسطنطينية ، في كتاب له معروف عندهم : إن الشجرة التي منها آدم ، وبسببها أخرج من الجنة كانت شجرة تين ، وإن الله أنزل تلك الشجرة بعينها إلى الأرض ، وهي التي دعا المسيح عليها فيبست ، إذ طلب فيها تينا يأكله فلم يجد ، وهي نفسها الخشبة التي صلب عليها قال : وبرهان ذلك أنك لا تجد غارا إلّا وعلى فمه شجرة تين نابتة.

فاعجبوا لهذا الهزل والعبارة والمجون ، والبرهان البديع. واعلموا أنهم بأجمعهم متفقون على أن يصوروا في كنائسهم صورة يقولون : هي صورة البارى عزوجل ، وأخرى صورة المسيح ، وأخرى صورة مريم ، وصورة باطرة ، وصورة بولش ، والصليب ، وصورة جبريل ، وصورة ميكائيل وصورة إسرافيل ، ثم يسجدون للصور سجود عبادة ، ويصومون لها تدينا. وهذا هو عبادة الأوثان بلا شك والشرك المحض ، وهم ينكرون عبادة الأوثان ثم يعبدونها علانية ، وحجتهم في هذا حجة عباد الأوثان أنفسهم ، وهي أنهم يتقربون بذلك إلى أصحاب تلك الصور ، لا إلى الصور بأعيانها. واعلموا أنهم لم يزالوا بعد المسيح بأزيد من مائة عام يصومون في شهر كانون الآخر إثر عيد الحجيج ، أربعين يوما متصلة ثم يفطرون ثم يعيدون الفصح مع اليهود اقتداء بالمسيح ، إلى أن أبطل ذلك عليهم خمسة من البطاركة اجتمعوا على ذلك ونقلوا صيامهم وفصحهم إلى

٣٢٦

ما هم عليه اليوم ، فكيف ترون هذا الدين ولعب أهله به ، وحكمهم بأن ما مضى عليه المسيح والحواريون ضلال وكفر ..؟ ولا يختلفون أصلا في أن شرائعهم كلها إنما هي من عمل أساقفتهم وملوكهم علانية. فهل تطيب نفس من به مسكة عقل على أن يبقى ساعة على دين هذه صفته؟ فكيف يلقى الله على دين يقرّ بلسانه ويعلم بقلبه أنه ليس من عند الله تعالى ، ولا مما أتى به نبي ، ونعوذ بالله من الضلال.

ومن عظيم هوسهم قولهم كلهم : إن المسيح أتى ليأخذ بجراحه آلامنا وبكلومه ذنوبنا ، وهذا كلام في غاية السّخف!! ليت شعري أي ألم أخذ بجراحه أم كيف تؤخذ ذنوب الناس بكلوم المسيح؟! وما نراهم إلا يألمون ويذنبون كما يألم غيرهم ولا فرق.

ومن فضائحهم دعواهم أن إهلاني والدة قسطنطين أول من تنصر من ملوك الروم ، وذلك بعد أزيد من ثلاثمائة سنة من رفع المسيح ، وجدت الخشبة التي صلب فيها المسيح والشوك الذي جعل على رأسه ، والدم الذي طار من جنبه ، والمسامير التي ضربت في يديه. فليت شعري أين وجد هذا السخام (١) كله ..؟ وأهل ذلك اللعين كلهم مطرودون مقتولون حيث وجدوا ، والمدينة خربة أزيد من مائتي عام لا أنيس فيها ، ثم من لهم بأنها تلك ..؟ وأين بقي أثر الدم والمسامير والشوك والخشبة تلك المدة العظيمة ، في البلاد الخالية المقفرة؟ ولا شك في أنه إذ صلب ـ كما يقولون ـ كان أصحابه مختفين وأعداؤه لا يلتفتون إلى أمره ، أيكون في السخف أعظم من هذا؟! وما عقولهم إلا عقول من يصدق بالأغرقون ، والعنقاء ، وبكل ما لا يمكن.

واعلموا أن كل ما يدعونه لباطرة ويوحنا ومارقش وبولش من المعجزات فإنها أكذوبات موضوعة ، لأن هؤلاء الأربعة لم يكونوا قط مذ رفع المسيح عليه‌السلام ، ومذ تنصر بولش إلا مطلوبين ، مشردين ، مضروبين ، كالزنادقة مستترين.

وقد ذكر بولش عن نفسه أن اليهود ضربوه خمس مرات بالقضبان ، كل مرة تسعا وثلاثين جلدة ، وأنه رجم بالحجارة في جمع عظيم ، وتدلى من سور دمشق في قفة خوف القتل ، ومع ذلك تظاهروا بدين اليهود إلى أن صلبوا أو قتلوا إلى لعنة الله ، ولا يجوز أن تصحّ معجزة إلا بنقل كافة من مثلها ممن شاهد ذلك ظاهرا ، ولكن دعوى النصارى ذلك لمن ذكرنا أو لغيرهم من أسلافهم معجزة كدعوى المنّانيّة لماني سواء بسواء ، فإنه لم يزل مستترا إلا شهورا يسيرة ، إذ اختدعه «بهرام بن بهرام الملك»

__________________

(١) السّخام : سواد القدر ، والفحم (المعجم الوسيط : ص ٤٢٢).

٣٢٧

حتى ظفر به وبأصحابه فقتلهم كلهم. وكدعوى اليهود لأحبارهم السالفين ، ولرءوس المثايب المعجزات بالصناعات ، وكدعوى أصحاب الحلاج للحلاج ، وكدعوى طوائف من المسلمين مثل ذلك من المعجزات لشيبان الراعي ، ولإبراهيم بن أدهم ، ولأبي مسلم الخولاني ولعبد الله بن المبارك .. رحمة الله عليهم وعلى غيرهم من الصالحين ، وكل ذلك كذب وتوليد من لا خير فيهم ، وإحالة على أشياء مغيبة لا يعجز عن ادعاء مثلها أحد ، وكل طائفة ممن ذكرنا تعارض دعواها بدعوى سائر الطوائف ، ولا سبيل إلى الفرق بين شيء من هذه الدعاوى.

وقد قلنا لا يمكن البتة وجود معجزة إلا لنبي فقط ، ثم لا تصلح إلا بنقل يقطع العذر ، ويوجب العلم للكافر والمؤمن ، إلا من كابر حسّه وغالط نفسه ، وقال هذا سحر فقط ، وكذلك ما اغتر به كثير من جهالهم مما رأوا من عظيم اجتهاد رهبانهم ، أصحاب الصوامع والدّيرات والمطموس عليهم أبواب البيوت ، فليعلموا أنه ليس عندهم من الاجتهاد في العبادة إلا جزء من أجزاء كثيرة مما عند المنانية ، وشدة اجتهادهم ، والذي عند الصّابئين من ذلك أعظم ، فإنه يبلغ الأمر بهم إلى أن يخصي الواحد نفسه ، ويسمل عيني نفسه ، اجتهادا في العبادة.

والذي عند الهند أكثر من هذا كله فإنهم لا يزالون يحرقون أنفسهم في النار تقرّبا إلى البدّ (١) ولا يزالون يرمون أنفسهم من أعالي الجبال كذلك ، فأين اجتهاد من اجتهاد؟ وعبّاد الهند لا يمشون إلا عراة ، ولا يلتبسون من الدنيا بشيء أصلا ، فأين هذا من هذا لو عقلوا؟! وإن شئت فتأمل أساقفة النصارى وقسيسيهم وحثالتهم تجدهم جملة أفسق الخلق ، وأرياهم (٢) وأجمعهم للمال ، لا سبيل أن تجد منهم واحدا بخلاف هذا ، وكذلك إن اعتبروا بصبر أوائلهم للقتل على دينهم ، حتى عملوا لهم الشائنات إلى اليوم ، فإن ذلك لا يتحرى من صبر المنّانية على القتل في الثبات على دينهم ، ومن صبر دعاة القرامطة على القتل أيضا ، وكل هذا لا يتعلق به إلا جاهل سخيف ، مقلد متهالك ، وإنما الحق فيما أوجبته براهين العقول ، والتي وضعها الله تعالى فينا لتمييز الحق من الباطل ، ونبا بها عن البهائم فقط ، ثم في الاعتدال والاقتصار على ما جاء به صاحب الشريعة ، التي قام البرهان بصحتها عن الله تعالى ، وجماع ذلك ما جرى عليه أصحاب

__________________

(١) في اللسان (٣ / ٨٢) : «البدّ : بيت فيه أصنام وتصاوير ، وهو إعراب بتّ بالفارسية .. وقال ابن دريد : البدّ الصنم نفسه الذي يعبد ، لا أصل له في اللغة ، فارسيّ معرب ، والجمع : البددة».

(٢) من المراءاة.

٣٢٨

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حياته وبعده عليه‌السلام.

وقال أبو محمد : وبقي لهما اعتراضان نذكرهما إن شاء الله تعالى.

أحدهما : أن قالوا قال الله عزوجل في كتابكم ، حكاية عن المسيح عليه‌السلام ، أنه قال : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ) [سورة الصف : ١٤].

وقال تعالى أيضا مخاطبا للمسيح عليه‌السلام : (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) [سورة آل عمران : ٥٥].

قلنا : نعم هذا خبر حق ، ووعد صدق ، وإنما أخبر تعالى عن المؤمنين ولم يسمهم ، ولا شك في أن من ثبت عليه الكذب من «باطرة» و «متّى» و «يوحنا» و «يعقوب» ليسوا منهم لكنهم من الكفار المدعين له الربوبية كذبا وكفرا ، وأمّا الموعودون بالنصر إلى يوم القيامة ، المؤمنون بالمسيح عليه‌السلام ، فهم نحن المسلمين المؤمنين به حقا وبنبوّته ورسالته ، لا من كفر به وقال إنه كذّاب ، أو قال إنه إله أو ابن الله ـ تعالى الله عن ذلك ـ.

والثاني : أنهم قالوا : إن في كتابكم : (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [سورة الفجر : ٢٢]. وفيه (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) [سورة البقرة : ٢١٠].

فهلا قلتم فيما في التوراة والإنجيل كما تقولون فيما في كتابكم؟

قلنا : بين الأمرين فرق بيّن كما بين قطبي الفلك ، وذلك أن الذي في القرآن ظاهر لا يحتاج فيه إلى تأويل ، فمعنى «وجاء ربك» و «يأتيهم الله» هو أمر معلوم في اللغة التي بها نزل القرآن ، مشهور فيها تقول : جاء الملك وأتانا الملك ، وإنما أتى جيشه وسطوته وأمره ، فليس فيما تلوتم أمر ينكر ، وليس كذلك ما كتب في توراتكم وأناجيلكم ، من التكاذب والتناقض ، والحمد لله رب العالمين.

قال أبو محمد : واعترضوا أيضا بأن قالوا : كيف تحققون نقلكم لكتابكم وأنتم مختلفون أشد خلاف في قراءتكم له ...؟ وبعضكم يزيد حروفا كثيرة وبعضكم يسقطها ...؟ فهذا باب. وأيضا : فإنكم تروون بأسانيد عندكم في غاية الصحة ، أن طوائف نبيكم عليه‌السلام ومن تابعيهم الذين تعظمون وتأخذون دينكم عنهم قرءوا

٣٢٩

القرآن بألفاظ زائدة ومبدّلة ، لا تستحلّون أنتم القراءة بها ، وأن مصحف عبد الله بن مسعود خلاف مصحفكم ، وأيضا فإن طوائف من علمائكم الذين تعظمون وتأخذون دينكم عنهم يقولون إن عثمان بن عفان رضي الله عنه أبطل قراءات كثيرة صحيحة ، وأسقطها إذ كتب المصحف الذي جمعكم عليه ، وعلى حرف واحد من الأحرف السبعة ، التي بها نزل القرآن عندكم ، وأيضا فإن الروافض يزعمون أن أصحاب نبيكم بدّلوا القرآن ، وأسقطوا منه ، وزادوا فيه؟

قال أبو محمد : كل هذا لا متعلق لهم بشيء منه على ما نبين بما لا إشكال فيه عند أحد وبالله تعالى التوفيق.

وأما قولهم : إننا مختلفون في قراءة كتابنا فبعضنا يزيد حروفا وبعضنا يسقطها ، فليس هذا اختلافا بل هو اتفاق منّا صحيح ، لأن تلك الحروف وتلك القراءات كلها مبلغ بنقل الكواف إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنها نزلت كلها عليه ، فأيّ تلك القراءات قرأنا فهي قراءة صحيحة ، وهي محصورة كلها مضبوطة معلومة لا زيادة فيها ولا نقص ، فبطل التعلق بهذا الفصل ولله تعالى الحمد.

وأمّا قوله : إنه قد روي بأسانيد صحاح عن طائفة من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن التابعين الذين نعظم ونأخذ ديننا عنهم ، أنهم قرءوا في القرآن قراءات لا نستحل نحن القراءة بها ، فهذا حق ونحن وإن بلغنا الغاية في تعظيم أصحاب نبينا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ورضوان الله عليهم ، وتقرّبنا إلى الله عزوجل بمحبتهم فلسنا نبعد عنهم الوهم والخطأ ، ولا نقلدهم في شيء مما قالوه ، وإنما نأخذ عنهم ما أخبرونا به عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، مما هو عندهم بالمشاهدة والسماع ، لما ثبت من عدالتهم وثقتهم وصدقهم.

وأما عصمتهم من الخطأ فيما قالوا برأي أو بظن فلا نقول بذلك ، ولو أنكم أنتم فعلتم كذلك بأحباركم وأساقفتكم الذين بينكم وبين الأنبياء عليهم‌السلام ما عنفناكم ، بل كنتم على صواب وهدى ، متبعين للحق المنزل ، مجانبين للخطأ المهمل ، لكن لما لما تفعلوا هكذا بل قلدتموهم في كل ما شرعوه لكم هلكتم في الدنيا والآخرة ، وتلك القراءات التي ذكرتم إنما هي موقوفة على الصاحب أو التابع ، فهي ضرورة وهم من الصاحب ، والوهم لا يعرّى منه أحد بعد الأنبياء عليهم‌السلام. أو وهم ممن دونه في ذلك.

وأما قولهم : إن مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خلاف مصحفنا ، فباطل وكذب وإفك ، مصحف عبد الله بن مسعود إنما فيه قراءته بلا شك ، وقراءته هي

٣٣٠

قراءة عاصم المشهورة عند جميع أهل الإسلام ، في شرق الأرض وغربها ، نقرأ بها كما ذكرنا كما نقرأ بغيرها ، مما صح أنه كل منزل من عند الله تعالى ، فبطل تعلقهم بهذا والحمد لله رب العالمين.

وأما قولهم : إن طائفة من علمائنا الذين أخذنا ديننا عنهم ، ذكروا أن عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ كتب المصحف الذي جميع الناس عليه أسقط ستة أحرف من الأحرف المنزلة واقتصر على حرف منها ، فهو مما قلنا. وهو ظن ظنّه ذلك القائل أخطأ فيه وليس كما قال ، بل كل هذا باطل ببرهان كالشمس ، وهو أن عثمان رضي الله عنه لم يل إلا وجزيرة العرب كلها مملوءة بالمسلمين ، والمصاحف والمساجد والقراء يعلّمون الصبيان والنساء ، وكل من دب وهب. واليمن كلها ، وهي في أيامه مدن وقرى ، والبحرين كذلك ، وعمان كذلك ، وهي بلاد واسعة مدن وقرى وملكها عظيم ، ومكة والطائف ، والمدينة والشام ، كلها كذلك ، والجزيرة كلها كذلك ومصر كلها كذلك ، والكوفة والبصرة كذلك ، في كل هذه البلاد من المصاحف والقراء ما لا يحصي عددهم إلا الله تعالى وحده ، فلو رام عثمان ما ذكروا ما قدر على ذلك أصلا.

وأما قولهم : إنه جمع الناس على مصحف فباطل ، ما كان يقدر على ذلك لما ذكرنا ، ولا ذهب عثمان قط إلى جمع الناس على مصحف كتبه ، إنما خشي عثمان رضي الله عنه أن يأتي فاسق يسعى في كيد الدّين ، وأن يهمّ واهم من أهل الخير فيبدل شيئا من المصحف عمدا ، وهذا وهم فيكون اختلاف يؤدي إلى الضلال ، فكتب مصاحف مجمعا عليها ، وبعث إلى كل أفق مصحفا ، لكي إن وهم واهم ، أو بدّل مبدل رجع إلى المصحف المجتمع عليه ، فانكشف الحقّ وبطل الكيد والوهم.

وأما قول من قال أبطل الأحرف الستة فقد كذب من قال ذلك ، ولو فعل عثمان ذلك وأراده لخرج عن الإسلام ، ولما مطل ساعة. بل الأحرف السبعة عندنا موجودة كلها قائمة ، كما كانت مثبوتة في القراءات المشهورة والمأثورة ، والحمد لله رب العالمين.

وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القرآن ، فإن الروافض ليسوا من المسلمين ، إنما هي فرقة حدث أولها بعد موت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخمس وعشرين سنة ، وكان مبدؤها إجابة ممن خذله الله تعالى لدعوة من كاد الإسلام ، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر ، وهي طوائف أشدهم غلوا يقولون بإلاهية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وإلاهية جماعة معه. وأقلهم غلوا يقولون : بأن الشمس ردت على

٣٣١

علي بن أبي طالب مرتين ، فقوم هذا أقل مراتبهم في الكذب أيستشنع منهم كذب يأتون به ..؟ وكل من لم يزجره عن الكذب ديانته أو نزاهة نفس أمكنه أن يكذب ما شاء ، وكل دعوى بلا برهان فليس يشتغل بها عاقل ، سواء كانت له أو عليه ، ونحن إن شاء الله تعالى نأتي بالبرهان الواضح الفاضح لكذب الروافض ، فيما افتعلوه من ذلك.

قال أبو محمد : مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والإسلام قد انتشر وظهر في جميع جزيرة العرب ، من منقطع البحر المعروف ببحر القلزم ، مارا إلى سواحل اليمن كلها ، إلى بحر فارس إلى منقطعه مارا إلى الفرات ، ثم على ضفة الفرات إلى منقطع الشام ، إلى بحر القلزم.

وفي هذه الجزيرة من المدن والقرى ما لا يعرف عدده إلا الله عزوجل ، كاليمن والبحرين ، وعمان ونجد ، وجبلي طيئ ، وبلاد مضر وربيعة ، وقضاعة والطائف ، ومكة كلهم قد أسلم وبنوا المساجد ، ليس منها مدينة ولا قرية ولا حلة لأعراب إلا قد قرئ فيها القرآن في الصلوات ، وعلمه الصبيان والرجال والنساء ، وكتب. ومات عليه‌السلام ، والمسلمون كذلك ، ليس بينهم اختلاف في شيء أصلا ، بل كلهم أمة واحدة ، ودين واحد ، ومقالة واحدة ، ثم ولي أبو بكر رضي الله عنه عنه سنتين وستة أشهر ، فغزا فارس والروم ، وفتح اليمامة وزادت قراءة الناس للقرآن ، وجمع الناس المصاحف كأبي بكر ، وعمر وعثمان وعلي وزيد ، وأبي زيد وابن مسعود ، وسائر الناس في البلاد ، فلم يبق بلد إلّا وفيه المصاحف.

ثم مات رضي الله عنه والمسلمون كما كانوا لا اختلاف بينهم في شيء أصلا ، أمة واحدة ، ومقالة واحدة ، إلا ما حدث في آخر حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأول ولاية أبي بكر رضي الله عنه ، من ظهور الأسود العنسي في جهة صنعاء ، ومسليمة في اليمامة ، يدعيان النبوة ، وهما في ذلك مقران بنبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم معلنان بذلك ، وقد انقسم العرب ومن باليمن وغيرهم أربعة أقسام ، إثر موته عليه‌السلام ، فطائفة ثبتت على ما كانت عليه من الإسلام لم تبدّل شيئا ، ولزمت طاعة أبي بكر رضي الله عنه وهم الجمهور والأكثر.

وطائفة بقيت على الإسلام أيضا ، إلا أنهم قالوا : نقيم الصلاة وشرائع الإسلام ، إلا أننا لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكر ، ولا نعطي طاعة لأحد بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان هؤلاء كثيرا إلا أنهم دون من ثبت على الطاعة ، ويبين هذا قول الحطيئة (١) العبسي :

__________________

(١) هو جرول بن أوس بن مالك العبسي المتوفى نحو سنة ٤٥ ه‍. يلقب بالحطيئة وبه يعرف. شاعر

٣٣٢

أطعنا رسول الله إذ كان نبيا

فيا لهفا ما بال دين أبي بكر

أيورثها بكرا إذا مات بعده

فتلك لعمرو الله قاصمة الظهر

وإن التي طالبتم فمنعتم

لكالتمر أو أحلى لديّ من التمر

يعني الزكاة ثم ذكر القبائل الثابتة على الطاعة فقال :

فباست بني سعد وأستاه طيئ

وباست بني دودان حاشى بني نضر

قال أبو محمد : لكن والله بأستاه بني نضر ، وباست الحطيئة ، حلت الدائرة والحمد لله رب العالمين.

وطائفة ثالثة أعلنت الكفر والردة ، كأصحاب طليحة وسجاح (١) ، وسائر من ارتد ، وهم قليل بالإضافة إلى من ذكرنا ، إلا أن في كل قبيلة من المؤمنين من يقاوم المرتدين ، فقد كان باليمامة ثمامة بن أثال الحنفي ، في طوائف مسلمين ، محاربين لمسيلمة ، وفي قوم الأسود أيضا كذلك ، وفي بني تميم ، وبني أسد الجمهور من المسلمين ، وطائفة رابعة توقفت فلم تدخل في أحد من الطوائف المذكورة ، وبقوا يتربّصون لمن تكون الغلبة كمالك بن نويرة وغيره ، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه إليهم البعوث فقتل مسيلمة ، وقد كان فيروز وذادوند (٢) الفارسيّان الفاضلان رضي الله عنهما قتلا «الأسود العنسي» فلم يمض عام واحد حتّى راجع الجميع الإسلام ، أوّلهم عن آخرهم ، وأسلمت سجاح وطليحة وغيرهم ، وإنما كانت نزغة من الشيطان كنار اشتعلت فأطفأها الله تعالى للوقت ، ثم مات أبو بكر وولي عمر رضي الله عنهما ، ففتحت بلاد فارس طولا وعرضا ، وفتحت الشام كلها والجزيرة ، ومصر كلّها ، ولم يبق بلد إلّا وبنيت فيه المساجد ، ونسخت المصاحف ، وقرأ الأئمة القرآن وعلّمه الصبيان ، في المكاتب شرقا وغربا ، وبقي كذلك عشرة أعوام وأشهرا والمؤمنون كلهم لا اختلاف بينهم في شيء بل ملّة واحدة ومقالة واحدة ، وإن لم يكن عند المسلمين إذ مات عمر مائة ألف مصحف ، من مصر إلى العراق إلى الشام إلى اليمن ، فما بين ذلك ، فلم يكن أقل.

ثم ولي «عثمان» رضي الله عنه فزادت الفتوح ، واتسع الأمر ، فلو رام أحد إحصاء

__________________

مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم ، ثم ارتدّ. وكان هجّاء مرّا لم يكد يسلم من لسانه أحد ، وهجا أمه وأباه ونفسه. انظر الأغاني (٢ / ١٥٧ ـ ٢٠٢) والأعلام للزركلي (٢ / ١١٠) ومعجم المؤلفين (٣ / ١٢٩).

(١) كذا في الأصل. والمشهور من اسمها «سجاح».

(٢) المعروف من اسمه «داذويه» كما في الكامل لابن الأثير (٢ / ٢٢٧).

٣٣٣

مصاحف أهل الإسلام ما قدر ، وبقي كذلك اثني عشر عاما حتّى مات ، وبموته حصل الاختلاف ، وابتدأ أمر الرّوافض.

واعلموا أنه لو رام أحد أن يزيد في شعر النابغة أو شعر زهير كلمة أو ينقص أخرى ، ما قدر لأنه كان يفتضح للوقت ، وتخالفه النسخ المثبوتة ، فكيف والقرآن في المصاحف ..؟ وهي من آخر الأندلس وبلاد البربر وبلاد السودان ، إلى آخر «السند» و «كابل» ، و «خراسان» ، و «الترك» ، و «الصقالبة» ، وبلاد الهند ، فما بين ذلك. فظهر حمق الرّافضة ومجاهرتها بالكذب.

وممّا يبيّن كذب الروافض في ذلك ، أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، الذي هو عند أكثرهم إله خالق ، وعند بعضهم نبيّ ناطق ، وعند سائرهم إمام معصوم ، مفترضة طاعته ـ ولي الأمر فبقي خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعا ، ظاهر الأمر ، ساكنا بالكوفة ، مالكا للدنيا ، حاشا الشّام ومصر والفرات ، والقرآن يقرأ في المساجد وفي كل مكان ، وهو يؤم الناس به ، والمصاحف معه وبين يديه ، فلو رأى فيه تبديلا كما تقول الرّافضة أكان يقرّهم على ذلك ..؟

ثم ولي ابنه الحسن رضي الله عنه ، وهم عندهم كأبيه فجرى على ذلك. كيف يسوغ لهؤلاء النوكى (١) أن يقولوا : إنّ في المصحف حرفا زائدا أو ناقصا أو مبدّلا مع هذا ..؟ ولقد كان جهاد من حرّف القرآن ، وبدّل الإسلام ، أوكد عليه من قتال أهل الشام الذين إنّما خالفوه في رأي يسير رأوه ، ورأى خلافه فقط ، فلاح كذب الرّافضة ، ببرهان لا محيد عنه. والحمد لله رب العالمين.

وجوه نقل المسلمين لكتابهم ودينهم

قال أبو محمّد رضي الله عنه : ونحن إن شاء الله تعالى نذكر صفة وجوه النقل الذي عند المسلمين لكتابهم ودينهم ، ثم لما نقلوه عن أئمتهم حتّى يقف عليه المؤمن والكافر والعالم والجاهل عيانا إن شاء الله تعالى فيعرفون أين نقل سائر الأديان من نقلهم ، فنقول وبالله تعالى التوفيق :

إنّ نقل المسلمين لكلّ ما ذكرنا ينقسم أقساما ستة :

أولها : شيء ينقله أهل المشرق والمغرب عن أمثالهم جيلا جيلا ، لا يختلف فيه

__________________

(١) النوكى : الحمقى.

٣٣٤

مؤمن ولا كافر ، منصف غير معاند للمشاهدة ، وهو القرآن المكتوب في المصاحف في شرق الأرض وغربها لا يشكّون ولا يختلفون في أنّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أتى به ، وأخبر أن الله عزوجل أوحى به إليه ، وأنّ من اتبعه أخذه عنه كذلك ، ثم أخذ عن أولئك حتى بلغ إلينا. ومن ذلك الصلوات الخمس ، فإنه لا يختلف مؤمن ولا كافر ، ولا يشك أحد في أنّه صلّاها بأصحابه كلّ يوم وليلة في أوقاتها المعهودة وصلّاها كذلك كلّ من اتبعه على دينه حيث كانوا كل يوم هكذا إلى اليوم ، لا يشكّ أحد في أنّ أهل السند يصلّونها كما يصليها أهل الأندلس ، وأن أهل أرمينية يصلّونها كما يصليها أهل اليمن ، وكصيام شهر رمضان فإنه لا يختلف كافر ولا مؤمن ، ولا يشك أحد في أنه صامه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصامه معه كل من اتبعه في كل بلد كلّ عام ثم كذلك جيلا فجيلا إلى يومنا هذا ، وكالحج فإنه لا يختلف مؤمن ولا كافر ولا يشك أحد في أنه عليه‌السلام حج مع أصحابه ، وأقام مناسك الحج ، ثم حجّ المسلمون من كل أفق من الآفاق كل عام في شهر واحد معروف إلى اليوم ، وكجملة الزكاة ، وكسائر الشرائع ، التي في القرآن من تحريم القرائب والميتة والخنزير ، وسائر شرائع الإسلام وكآياته من شق القمر ، ودعاء اليهود إلى تمنّي الموت ، وسائر ما هو في نصّ القرآن مقروء ومنقول ، وليس عند اليهود ، ولا عند النصارى من هذا النقل شيء أصلا ، لأنّ نقلهم لشريعة السبت وسائر شرائعهم إنما يرجعون فيها إلى التوراة. ويقطع عن نقل ذلك ونقل التوراة إطباقهم أن أوائلهم كفروا بأجمعهم ، وبرئوا من دين موسى عليه‌السلام ، وعبدوا الأوثان علانية دهورا طوالا ، ومن الباطل المحال أن يكون ملك كافر عابد أوثان وأمته كلّها معه ، كذلك يقتلون الأنبياء ويخنقونهم ، ويقتلون من دعا إلى الله عزوجل ، يشتغلون بسبت أو بشريعة مضافة إلى الله تعالى ، هذا الكذب الذي لا شك فيه.

ويقطع النصارى عن مثل هذا عدم نقلهم إلّا عن خمسة رجال فقط قد وضح الكذب عليهم إلى ما أوضحنا من الكذب الذي في التوراة وفي الإنجيل القاضي بتبديلهما بلا شك.

والثاني : شيء نقلته الكافّة عن مثلها حتى يبلغ الأمر كذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ككثير من آياته ومعجزاته التي ظهرت يوم الخندق ، وفي تبوك بحضرة الجيش. وككثير من مناسك الحج ، وكزكاة التمر والبرّ والشعير ، والورق (١) والإبل

__________________

(١) الورق : الفضة.

٣٣٥

والذّهب والبقر والغنم ، ومعاملته أهل خيبر ، وغير ذلك كثير مما يخفى على العامّة ، وإنما يعرفه كوافّ أهل العلم فقط ، وليس عند اليهود والنصارى من هذا النقل شيء أصلا ، لأنه يقطع بهم دونه ما قطع بهم دون النقل الذي ذكرنا قبل من إطباقهم على الكفر الدّهور الطوال ، وعدم اتصال الكافة إلى عيسى عليه‌السلام.

والثالث : ما نقله الثقة كذلك حتى يبلغ به إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبر عنه ونسبه ، وكلّهم معروف الحال والعين ، والعدالة والزمان والمكان ، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكواف إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من طرق جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وإمّا إلى الصاحب وإمّا إلى التّابع ، وإمّا إلى إمام أخذ عن التابع ، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن ، والحمد لله رب العالمين.

وهذا نقل خصّ الله عزوجل به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها ، وأبقاه عندهم غضّا جديدا على قديم الدّهور مذ أربعمائة عام وخمسين عاما في المشرق والمغرب والجنوب والشمال يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلّا خالقهم ، إلى الآفاق البعيدة ، ويواظب على تقييده من كان من الناقل قريبا منه ، قد تولّى الله تعالى حفظه عليهم ، والحمد لله رب العالمين ، فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم ، ولا يمكن لفاسق أن يقحم فيه كلمة موضوعة ، ولله تعالى الشكر.

وهذه الأقسام الثلاثة هي التي نأخذ ديننا منها ، ولا نتعدّاها إلى غيرها ، والحمد لله رب العالمين.

والرابع : شيء نقله أهل المشرق والمغرب أو الكافة أو الواحد الثقة عن أمثالهم إلى أن يبلغ إلى من ليس بينه وبين النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلّا واحد فأكثر ، فسكت ذلك المبلوغ إليه عن من أخبره بتلك الشريعة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يعرف من هو ، فهذا نوع يأخذ به كثير من المسلمين ، ولسنا نأخذ به البتة ، ولا نضيفه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ لم يعرف من حدّث به عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد يكون غير ثقة ، ويعلم منه غير الذي روى عنه ما لم يعرف منه الذي روى عنه. ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود ، بل هو أعلى ما عندهم ، إلّا أنهم لا يقربون فيه من موسى عليه‌السلام كقربنا فيه من محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بل يقفون ولا بدّ حيث بينهم وبين موسى عليه‌السلام أزيد من ثلاثين عصرا ، في أزيد من ألف وخمسمائة عام ، وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال ، وشماي ، وشمعون ، ومرعقيبا ،

٣٣٦

وأمثالهم ، وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبيّ من متأخري أنبيائهم ، أخذها عنه مشافهة في نكاح الرّجل ابنته إذا مات عنها أخوه.

وأمّا النصارى : فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطّلاق وحده فقط على أنّ مخرجه من كذّاب قد صح كذبه.

والخامس : شيء نقل كما ذكرنا ، إما بنقل أهل المشرق والمغرب ، أو كافة عن كافة ، أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلّا أن في الطريق رجلا مجروحا يكذب أو غفلة ، أو مجهول الحال ، فهذا أيضا يقول به بعض المسلمين ، ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ، ولا الأخذ بشيء منه ، وهذه صفة نقل اليهود والنّصارى فيما أضافوه إلى أنبيائهم لأنه يقطع بكفرهم بلا شك ولا مرية.

والسادس : نقل نقل بأحد الوجوه التي قدّمنا ، إما بنقل من بين المشرق والمغرب أو بالكافة ، أو بالثقة عن الثقة ، حتى يبلغ ذلك إلى صاحب أو تابع ، أو إمام دونهما ـ أنه قال كذا ، أو حكم بكذا غير مضاف ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كفعل أبي بكر رضي الله عنه في سبي أهل الردّة ، وكصلاة الجمعة صدر النهار ، وكضرب عمر رضي الله عنه الخراج ، وإضعافه القيمة على رقيق حاطب وغير ذلك كثير جدّا.

فمن المسلمين من يأخذ بهذا ، ومنهم من لا يأخذ به ، ونحن لا نأخذ به أصلا ، لأنه لا حجة في فعل أحد دون من أمرنا الله تعالى باتباعه وأرسله إلينا ببيان دينه ، ولا يخلو فاضل من وهم ، ولا حجة فيما يهم ، ولا يأتي الوحي ببيان وهمه.

وهذا الصنف من النقل هو صفة جميع نقل النصارى واليهود لشرائعهم التي هم عليها الآن ممّا ليس في التوراة ، وهو صفة جميع نقل النصارى حاشا تحريم الطلاق ، إلّا أن اليهود لا يمكنهم أن يبلغوا في ذلك إلى صاحب نبيّ أصلا ، ولا إلى تابع له ، وأعلى من يقف عنده النّصارى «شمعون» ثم «بولس» ثم أساقفتهم عصرا عصرا.

هذا أمر لا يقدر أحد منهم على إنكاره ، ولا إنكار شيء منه ، إلّا أن يدّعي أحد منهم كذبا من يطمع في تجويزه عليه ممن يظن به جهلا بما عنده فقط ، وأما إذا قرّرهم على ذلك من يدرون أنه يعرف كتبهم ، فلا سبيل لهم إلى إنكاره أصلا. وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : ونقل القرآن وما فيه من إعلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كالإنذار بالغيوب ، وشق القمر ، ودعاء اليهود إلى تمنّي الموت ، والنّصارى إلى المباهلة ، وجميع العرب إلى المجيء بمثل القرآن ، وتوبيخهم بالعجز عنه ، وتوبيخ اليهود بأنهم لا يتمنّون

٣٣٧

الموت ، وقصة الطير الأبابيل ، ورميها أصحاب الفيل بحجارة من سجيل وكثير من الشرائع ، وكثير من السنن فإنه نقل كل ذلك عن اليماني والمضري ، والرّبعي ، والقضاعي ، وكلهم أعداء متباينون متحاربون يقتل بعضهم بعضا ، ليس هنالك شيء يدعوهم إلى المسامحة في نقلهم له ، ثم نقله عن هؤلاء من بين المشرق والمغرب ، وكانت العرب بلا خلاف قوما لقاحا (١) لا يملكهم أحد كمضر وربيعة ، وإياد ، وقضاعة ، أو ملوكا في بلادهم يتوارثون الملك كابرا عن كابر كملوك اليمن وعمان ، وشهر بن باذام ملك صنعاء ، والمنذر بن ساوى ملك البحرين ، والنجاشي ملك الحبشة ، وجيفر وعباد ابني الجلندى ملكي عمان ، فانقادوا كلهم لظهور الحق وبهوره ، وآمنوا به عليه‌السلام طوعا وهم آلاف آلاف ، وصاروا إخوة كبني أب وأم ، وانحلّ كلّ من أمكنه الانحلال عن ملكه منهم إلى رسله طوعا بلا خلاف غزو ولا إعطاء مال ، ولا يطمع في عزّ بل كلهم أقوى جيشا من جيشه ، وأكثر مالا وسلاحا منه ، وأوسع بلدا من بلده «كذي الكلاع» وكان ملكا متوّجا ابن ملوك متوّجين ، تسجد له جميع رعيته ، يركب أمامه ألف عبد من عبيده سوى بني عمه من حمير ، وذي ظليم ، وذود وذي مران ، وذي عمرو ، وغيرهم كلهم ملوك متوجون في بلادهم ، هذا كله أمر لا يجهله أحد من حملة الأخبار ، بل هو منقول كنقل كون بلادهم في مواضعها ، وهكذا كان إسلام جميع العرب ، وأولهم الأوس والخزرج ، ثم سائرهم قبيلة قبيلة ، لما ثبت عندهم من آياته ، وبهرهم من معجزاته ، وما اتبعه الأوس والخزرج إلّا وهو شريد طريد ، قد نابذه قومه حسدا له ، إذ كان فقيرا لا مال له ، يتيما لا أب له ولا أخ له ، ولا ابن أخ ولا ولد ، أميّا لا يقرأ ولا يكتب ، نشأ في بلاد الجهل ، يرعى غنم قومه بأجرة يتقوّت بها ، فعلّمه الله تعالى الحكمة دون معلم ، وعصمه من كل من أراده بلا حرس ولا حاجب ولا بوّاب ، ولا قصر يمتنع فيه على كثرة من أراد قتله من شجعان العرب وفتّاكهم ، كعامر بن الطفيل ، وأربد بن [قيس] (٢) بن جزء ، وغورث بن الحارث ، وغيرهم مع إقرار أعدائه بنبوته كمسيلمة وسجاح وطليحة ، والأسود ، وهو مكذّب لهم ، فهل بعد هذا برهان أو بعد هذه الكفاية من الله تعالى كفاية ..؟ وهو لا يبغي دنيا ، ولا يمنّي بها من اتبعه بل أنذر الأنصار بالأثرة عليهم بعده ، وبايعوه على الصبر على ذلك ، قام له أصحابه

__________________

(١) قوم لقاح ، وحيّ لقاح : لم يدينوا للملوك ولم يملكوا ولم يصبهم في الجاهلية سباء (المعجم الوسيط : ص ٨٣٤).

(٢) ما بين حاصرتين زيادة من سيرة ابن هشام (٤ / ١٣٤).

٣٣٨

على قدم فمنعهم وأنكر ذلك عليهم ، وأعلمهم أن القيام لله تعالى لا لخلقه ، ورضوا بالسجود له فاستعظم ذلك وأنكره إلّا لله وحده ، ولا شكّ في أنّ هذه ليست صفة طالب دنيا أصلا ، ولا صفة راغب في غلبة ، أو بعد صيت ، بل هذه حقيقة النبوة الخالصة لمن كان له أدنى فهم ، فهذا هو الحق لا ما تدّعيه النصارى من الكذب البحت ، في أن الملوك دخلوا دينهم طوعا ، وقد كذبوا في ذلك لأنّ أول ملك تنصّر «قسطنطين» باني القسطنطينية بعد نحو ثلاثمائة عام من رفع المسيح عليه‌السلام ، فأيّ معجزة صحّت عنده بعد هذه المدّة ، وإنما نصّرته أمّه لأنها كانت نصرانية بنت نصراني تعشّقها أبوه فتزوجها ، هذا أمر لا تناكر بين النّصارى فيه ، والنشأة لا خفاء بما تؤثّره في الإنسان ، وأمّا من اتّبع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنهم اتبعوه إذ بلغهم خبره في حياته عليه‌السلام للآيات التي كانت له بحضرة جميع أصحابه كإعجاز القرآن ، وانشقاق القمر ، ودعاء اليهود إلى تمنّي الموت وإخبارهم بعجزهم عن ذلك ، وأنّهم لا يتمنونه أصلا ، والإنذار بالغيوب ، ونبعان عين تبوك ، فهي كذلك إلى اليوم ، ونبعان الماء من بين أصابعه بحضرة العسكر ، وإطعامه النفر الكثير من طعام يسير مرارا جمّة بحضرة الجموع وإخباره بأكل الأرضة (١) كل ما في الصحيفة على بني هاشم وبني المطلب حاشا أسماء الله تعالى فقط ، وإنذاره بمصارع أهل بدر بحضرة الجيش ، موضعا موضعا ، وبالنور الواقع في سوط الطفيل بن عمرو الدّوسي ، وحنين الجذع بحضرة جميعهم ، ودفع أربد عنه ، وقضاء غرماء جابر ، وتزويد عمر أربعمائة راكب من تمر يسير بقي بجنبه ، ورميه هوازن بتراب عمّ عيونهم ، وخروجه بحضرة مائة من قريش ، وهم لا يرونه ، ودخول الغار ، وهم لا يرونه ، وفتح الباب في حجر صلد في جنب الغار لم يكن قط فيه ، ولو كان هنالك يومئذ لما أمكنه الاختفاء فيه لأنه ليس بين البابين إلا أقل من ثمانية أذرع ، وهو ظاهر إلى اليوم ، كل عام وكل حين يزوره أهل الأرض من المسلمين ، ولو رام فتح الباب الثاني في ذلك الحجر أهل الأرض ما قدروا على إزاحته سالما عن مكانه ، ولو كان ذلك الباب هنالك حينئذ لرآه الطالبون له بلا مئونة ، ولأنهم لم يكونوا إلّا جمع قريش لعلهم مؤن كثيرة ، وآثار رأسه المقدس في ذلك الحجر ، وآثار كتفه ومعصمه وظاهر يده باق إلى اليوم ، فعل الله تعالى ، نقل الكواف جيلا عن جيل.

ورمي الجمار الذي رميه ما لا يحصيه إلّا تعالى كل عام ثم لا يزيد حجمه في ذلك المكان.

__________________

(١) الأرضة : دويبة بيضاء تشبه النملة تظهر في أيام الربيع. والأرضة أيضا : دودة أو دويبة تأكل الخشب ونحوه (المعجم الوسيط : ص ١٤).

٣٣٩

ورمي الله تعالى جيش أبرهة صاحب الفيل إذ غزا مكة عام مولده صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحجارة المنكرة بأيدي طير منكرة ، ونزلت في ذلك سورة من القرآن متلوّة إلى اليوم ، وكان ذلك ببركته عليه‌السلام وإنذاراته ، وشكوى البعير إليه ، وإبراء عيني عليّ من الرّمد بحضرة الجماعات في ساعة. وسوخ قوائم فرس سراقة إذ تبعه. ودرور الشاه التي لا لبن لها مرارا ، وتسبيح الطعام ، وكلام الذّئب ومجيئه ، وقوله للحكم إذ حكى مشيته كن كذلك ، فلم يزل يرتعش إلى أن مات ، ودعاؤه للمطر فأتى للوقت وفي الصحو فانجلى للوقت. وظهور جبريل عليه‌السلام مرّتين مرة في صورة دحية ، ثم أتى دحية بحضرة الناس ، وأخرى في صفة رجل لم يعرفه أحد ، ولا رئي بعدها. وقوله إذ خطب بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي فقال له أبوها : إنّ بها بياضا فقال : لتكن كذلك فبرصت في الوقت ، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر المشهور ، وغير هذا كثير جدّا.

ومع ما ذكرنا من أن أوّل من تنصّر من الملوك فقسطنطين بعد نحو ثلاثمائة سنة من رفع المسيح عليه‌السلام ، فو الله ما قدر على إظهار النصرانية حتى رحل عن رومة مسيرة شهر ، وبنى بزنطية وهي القسطنطينية ، ثم أجبر الناس على النصرانية بالسيف والعطاء وكان من عهوده المحفوظة إلّا يولي ولاية إلّا من تنصر والناس سراع إلى الدنيا ، نافرون عن الأذى ، وكان مع هذا كله على مذهب آريوس لا على التثليث ، ولكن هذا من دعوى النصارى وكذبهم ، مضاف إلى ما يدّعونه من أنهم بعد هذه المدة الطويلة ، وبعد خراب بيت المقدس مرة بعد مرة ، وبقائه خرابا لا ساكن فيه نحو مائتي عام وسبعين عاما ، وجدوا الشوك الذي وضع على رأس المسيح بزعمهم ، والمسامير التي ضربت في يديه ، والدّم الذي طار من جنبه ، والخشبة التي صلب عليها ، فلا أدري ممّن العجب؟!! ممن اخترع مثل هذه الكذبة الغثّة المفضوحة ، أم ممن قبلها وصدّق بها ، ودان باعتقادها ، وصلّب وجهه للحديث بها؟ ليت شعري أين بقي ذلك الشوك وذلك الدّم سالمين وتلك المسامير ، وتلك الخشبة طول تلك المدة؟ وأهل ذلك الدّين مطرودون مقتولون كقتل من تستّر بالزّندقة اليوم ، وتلك المدينة خراب يباب الدّهور الطوال ، لا يسكنها أحد إلا السباع والوحش ، وقد شاهدنا ملوكا جلّة لهم الأتباع والأولاد والشيع والأقارب ، صلبوا فما مضت إلّا مدة يسيرة حتى لم يبق لتلك الخشب أثر ، فكيف بأمر من لا طالب له ، وبدول قد انقطعت ، وبلاد قد أقفرت وخلت ونسيت أخبارها؟!

وهذه البردة التي كانت للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والقصعة والسيف على أن الدّولة متّصلة لم

٣٤٠