الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

باطل ، فقد تناقضوا. وما ندري كيف يستحلّ مسلم إنكار تحريف التوراة والإنجيل ، وهو يسمع كلام الله عزوجل (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) [سورة الفتح : ٢٩].

وليس شيء من هذا فيما بأيدي اليهود والنصارى مما يدعون أنه التوراة والإنجيل ، فلا بدّ لهؤلاء الجهال من تصديق ربهم عزوجل أن اليهود والنصارى بدّلوا التوراة والإنجيل ، وألا يرجعوا إلى الحمق ويكذبوا ربهم عزوجل ويصدقوا اليهود والنصارى فيلحقوا بهم ، ويكون السؤال عليهم كلهم حينئذ واحدا فيما أوضحناه من تبديل الكتابين وما أوردناه مما فيهما من الكذب المشاهد عيانا مما لم يأت نص بأنهم بدّلوهما لعلمنا بتبديلهما يقينا ، كما نعلم ما نشهده بحواسنا مما لا نصّ فيه فكيف قد اجتمعت المشاهدة والنص؟!

حدثنا أبو سعيد الجعفري ، حدثنا أبو بكر الأدفوى محمد بن علي المصري ، حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس ، حدثنا أحمد بن شعيب عن محمد بن المثنى عن عثمان بن عمر ، حدثنا علي هو ابن المبارك ، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام بالعربية ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد» (١).

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وهذا نص قولنا ، والحمد لله رب العالمين.

ما نزل القرآن والسنة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بتصديقه صدّقنا به ، وما نزل النص بتكذيبه أو ظهر كذبه كذّبنا به ، وما لم ينزل نص بتصديقه أو تكذيبه وأمكن أن يكون حقا أو كذبا لم نصدقهم ولم نكذبهم ، وقلنا ما أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن نقوله كما قلنا في نبوّة من لم يأتنا باسمه نصّ ، والحمد لله رب العالمين.

حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن خالد ، حدثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ، حدثنا

__________________

(١) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٢٩ ، وتفسير سورة البقرة باب ١١ ، والاعتصام بالكتاب والسنة باب ٢٥ ، والتوحيد باب ٥١. وأبو داود في العلم باب ٢.

٢٤١

الفربري ، حدثنا البخاري ، حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، حدثنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال ابن عباس : «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء ، وكتابكم الذي أنزل على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حدث تقرءونه محضا لم يشب ، وقد حدّثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله تعالى وغيّروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقد قالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا» (١).

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا أصح إسناد عن ابن عباس رضي الله عنه ، وهو نفس قولنا ، وما له في ذلك من الصحابة مخالف.

وقد روينا أيضا عن عمر رضي الله عنه : أنه أتاه «كعب الحبر» بسفر وقال له : هذه التوراة أفأقرؤها؟ فقال له عمر بن الخطاب : إن كنت تعلم أنها التي أنزل الله على «موسى» فاقرأها آناء الليل والنهار. فهذا عمر لم يحققها.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ونحن إن شاء الله تعالى نذكر طرفا يسيرا من كثير جدّا من كلام أحبارهم الذين أخذوا كتابهم ودينهم ، وإليهم يرجعون في نقلهم لتوراتهم ، وكتب الأنبياء ، وجميع شرائعهم ، ليرى كل ذي فهم مقدارهم من الفسق والكذب ، فيلوح له أنهم كانوا كذابين مستخفين بالدين. وبالله تعالى التوفيق. ولقد كان يكفي من هذا إقرارهم بأنهم عملوا هذه الصلوات شريعة عوضا مما أمر الله تعالى به من القرابين ، وهذا تبديل الدّين جهارا.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ذكر أحبارهم وهو في كتبهم مشهور لا ينكرونه عند من يعرف كتبهم : أن إخوة يوسف إذ (٢) باعوا أخاهم طرحوا اللعنة على كل من بلّغ إلى أبيهم حياة ابنه يوسف ، ولذلك لم يخبره الله عزوجل بذلك ، ولا أحد من الملائكة. فاعجبوا لجنون أمة تعتقد أن الله خاف أن يقع عليه لعنة قوم باعوا النبي أخاهم ، وعقّوا النبي أباهم أشدّ العقوق ، وكذبوا أعظم الكذب ، فو الله لو لم يكن في كتبهم إلّا هذا الكذب ، وهذا الحمق ، وهذا الكفر لكانوا به أحمق الأمم ، وأكفرهم ، وأكذبهم ، فكيف ولهم ما قد ذكرنا ونذكر إن شاء الله تعالى؟

وفي بعض كتبهم أن «هارون» عليه‌السلام قال لله تعالى إذ (٣) أراد أن يسخط

__________________

(١) أخرجه البخاري في الشهادات باب ٢٩ ، والاعتصام بالكتاب والسنة باب ٢٥ ، والتوحيد باب ٤٢.

(٢) كانت في الأصل : «إذا». والصواب ما أثبتناه.

(٣) كانت في الأصل : «إذا». والصواب ما أثبتناه.

٢٤٢

على بني إسرائيل : يا رب لا تفعل ، فلنا عليك ذمام وحق لأن أخي وأنا أقمنا لك مملكة عظيمة.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وهذه طامة أخرى حاشا لهارون عليه‌السلام أن يقول هذا الجنون. أين هذا الهوس وهذه الرّعونة من الحق النير إذ يقول الله تعالى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [سورة الحجرات : ١٧].

وفي بعض كتبهم أن الصورتين اللتين أمر الله تعالى «موسى» أن يصورهما على التابوت خلف الحجلة في السرادق إنما كانتا صورة الله وصورة «موسى» عليه‌السلام معه تعالى الله عن كفرهم علوّا كبيرا.

وفي بعض كتبهم : أن الله تعالى قال لبني إسرائيل : من تعرض لكم فقد تعرض حدقة عيني.

وفي بعض كتبهم : أن علة تردد بني إسرائيل مع «موسى» في التيه أربعين سنة حتى ماتوا كلهم ، إنما كانت لأن فرعون كان بنى على طريق مصر إلى الشام صنما سمّاه «باعل صفون» وجعله طلسما لكل من هرب من مصر يحيّره ولا يقدر على النفاذ.

فاعجبوا لمن يجيز أن يكون طلسم فرعون يغلب الله تعالى ويحيّر نبيّه «موسى» ومن معه حتى يموتوا!! فأين كان فرعون من هذه القوة إذ غرق في البحر؟

وفي بعض كتبهم : أن «دينه» بنت يعقوب عليه (١) السّلام إذ غصبها «شكيم بن حمور» وزنى بها حملت وولدت ابنة ، وأن عقابا خطف تلك الفرخة من الزنى ، وحملها إلى مصر ، ووقعت في حجر «يوسف» فربّاها وتزوجها ، وهذه تشبه الخرافات التي يتحدث بها النساء بالليل إذا غزلن.

وفي بعض كتبهم : أن «يعقوب» إنما قال في ابنه «نفتال» : «أيل مطلق» لأنه قطع من قرية «إبراهيم» عليه‌السلام التي بقرب بيت المقدس إلى «منف» التي بمصر ، ورجع إلى قرية الخليل في ساعة من النهار لشدة سرعته لا لأن الأرض طويت له. ومقدار ذلك مسيرة نيف وعشرين يوما.

وفي بعض كتبهم ممّا لا يختلفون في صحته : أن السحرة يحيون الموتى على

__________________

(١) تحرفت في الأصل إلى «عليها».

٢٤٣

الحقيقة ، وأن هاهنا أسماء لله تعالى ودعاء وكلاما ومن عرفه من صالح أو فاسق أحال الطبائع وأتى بالمعجزات وأحيا الموتى ، وأن عجوزا ساحرة أحيت لشاول الملك وهو «طالوت» شمؤال النبي بعد موته ، فليت شعري إذا كان هذا حقا!! فما يؤمنهم أن «موسى» وسائر من يقرون بنبوته كانوا من أهل هذه الصفة؟ ولا سبيل إلى فرق بين شيء من هذا أبدا.

وفي بعض كتبهم : أن بعض أحبارهم المعظمين عندهم ذكر لهم أنه رأى طائرا يطير في الهواء ، وأنه باض بيضة وقعت على ثلاث عشرة مدينة فهدمتها كلها.

وفي بعض كتبهم : أن المرأة المدنية التي ذكر في التوراة التي زنى بها زمري بن خالوا من سبط «شمعون» طعنه «فينحاس بن العيزار بن هارون» برمحه فنفذه ، ونفذ المرأة تحته ثم رفعهما في رمحه إلى السماء كأنهما طائران في سفود ، وقال : هكذا نفعل بمن عصاك.

قال كبير من أحبارهم ، معظم عندهم : إنه كان تكسير عجز تلك المرأة مقدار مزرعة مدى خردل.

وفي كتبهم : أن طول لحية فرعون كان سبعمائة ذراع ، وهذه والله مضحكة تسلي الثكالى ، وترد الأحزان.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : عن مثل هؤلاء فلينقل الدين!! وتبّا لقوم أخذوا كتبهم ودينهم عن مثل هذا الرقيع (١) الكذاب وأشباهه.

وفي بعض كتبهم المعظمة : أن جباية سليمان عليه‌السلام في كل سنة كانت ستمائة ألف قنطار ، وستة وثلاثين ألف قنطار من ذهب ، وهم مقرون أنه لم يملك قط إلا فلسطين والأردن والغور فقط ، وأنه لم يملك قط «رفح» ولا «غزة» ولا «عسقلان» ولا «صور» ولا «صيدا» ، ولا «دمشق» ، ولا «عمان» ، ولا «البلقاء» ولا «مواب» ، ولا جبال «الشراة». فهذه الجباية التي لو جمع كلّ الذهب الذي بأيدي الناس لم يبلغها ، من أين خرجت؟

وقد قلنا : إن الأحبار الذين عملوا لهم هذه الخرافات كانوا ثقالا في الحساب ، وكان الحياء في وجوههم قليلا جدّا.

__________________

(١) الرقيع ، والأرقع : الأحمق (المعجم الوسيط : ص ٣٦٥).

٢٤٤

وذكروا أنه كان لمائدة سليمان عليه‌السلام في كل سنة أحد عشر ألف ثور ، وخمسمائة ثور وزيادة ، وستة وثلاثين ألف شاه سوى الإبل والصيد ، فانظروا ما ذا يكفي لحوم من ذكرنا من الخبز؟ وقد ذكروا عددا مبلغه ستة آلاف مدي (١) في العام لمائدته خاصة.

واعلموا أن بلاد بني إسرائيل تضيق عن هذه النفقات. هذا مع قوله : إنه عليه‌السلام كان يهدي كل سنة ثلثي هذا العدد من برّ ، ومثله من زيت إلى ملك «صور». فليت شعري!! لأي شيء كان يهاديه بذلك؟ هل ذلك إلّا لأنه كفؤه ونظيره في الملك؟! وهذه كلمات كذبات ، ورعونة لا خفاء بها ، وأخبار متناقضة.

وذكروا : أنه كانت توضع في قصر «سليمان» عليه‌السلام كل يوم مائة مائدة ذهب ، على كل مائدة مائة صحفة ذهب ، وثلاثمائة طبق ذهب ، على كل طبق ثلاثمائة كأس ذهب ، فاعجبوا لهذه الكذبات الباردة ، واعلموا أن الذي عملها كان ثقيل الذهن في الحساب مقصرا في علم المساحة ، لأنه لا يمكن أن يكون قطر دائرة الصحفة أقل من شبر ، وإن لم تكن كذلك فهي صحيفة لا صحفة طعام ملك ، فوجب ضرورة أن تكون مساحة كل مائدة من تلك الموائد عشرة أشبار في مثلها لا أقل سوى حاشيتها وأرجلها.

واعلموا أن مائدة من ذهب هذه صفتها لا يمكن البتة أن يحركها إلّا فيل ، لأن الذهب أوزن الأجسام وأثقلها ، ولا يمكن البتة أن يكون في كل مائدة من تلك الموائد أقل من ثلاثة آلاف رطل ذهب ، فمن يرفعها؟ ومن يغسلها؟ ومن يمسحها؟ ومن يديرها؟ فهذا الذهب كله ، وهذه الأطباق من أين؟

فإن قيل : أنتم تصدقون بأن الله تعالى آتاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وأن الله سخّر له الريح والجن والطير ، وعلمه منطق الطير والنمل ، وأن الريح تجري بأمره ، وأن الجن كانوا يعملون له المحاريب والتماثيل ، والجفان ، والقدور. قلنا : نعم ونكفّر من لم يؤمن بذلك ، وبين الأمرين فرق واضح ، وهو أن الذي ذكرت مما نصدّق به نحن هو من المعجزات التي تأتي بمثلها الأنبياء عليهم‌السلام داخل كله تحت الممكن في بنية العالم ، والذي ذكروه هو خارج عن هذا الباب داخل في حدّ الكذب والامتناع في بنية العالم.

__________________

(١) لعله «مدّ» وهو مكيال قديم اختلفوا في تقديره. انظر المعجم الوسيط (ص ٨٥٨).

٢٤٥

وفي بعض كتبهم المعظمة عندهم أن «زارح» ملك السودان غزا بيت المقدس في ألف ألف مقاتل ، وأن «أسا بن» ابن الملك خرج إليه في ثلاثمائة ألف مقاتل من «بني يهوذا» وخمسين ألف مقاتل من «بني بنيامين» فهزم ملك السودان. وهذا كذب فاحش ممتنع ، لأن من أقرب موضع من بلد السودان ، وهو النوبة إلى «مسقط» النيل في البحر نحو مسيرة ثلاثين يوما ، ومن مسقط النيل إلى بيت المقدس نحو عشرة أيام صحارى ومفاوز ، وألف ألف مقاتل لا تحملهم إلا البلاد المعمورة الواسعة ، وأما الصحارى الجرد فلا ، ثم في مصر جميع أعمال مصر فكيف يخطوها إلى بيت المقدس هذا ممتنع في رتبة الجيوش وسيرة الممالك ، ومن البعيد أن يكون عند ملك السودان حيث يتسع بلدهم ، ويكثر عددهم اسم بيت المقدس ، فكيف أن يتكلفوا غزوها لبعد تلك البلاد عن النوبة ، وأما بلد النوبة والحبشة والبجاة فصغير الخطة قليل العدد. وإنما هي خرافات مكذوبة باردة.

وفي كتاب لهم يسمى «شعر توما» من كتاب «التلمود» ، والتلمود هو معولهم وعمدتهم في فقههم وأحكام دينهم وشريعتهم ، وهو من أقوال أحبارهم بلا خلاف من أحد منهم ، ففي الكتاب المذكور أن تكسير جبهة خالقهم من أعلاها إلى أنفه خمسة آلاف ذراع حاشا لله من الصور والمساحات والحدود والنهايات.

وفي كتاب آخر من التلمود يقال له «سادرناشيم» ومعناه تفسير أحكام الحيض أن في رأس خالقهم تاجا فيه ألف قنطار من ذهب ، وفي إصبعه خاتم له فص تضيء منه الشمس والكواكب ، وأن الملك الذي يخدم ذلك التاج اسمه «صندلفون» تعالى الله عن هذه الحماقات.

ومما أجمع عليه أحبارهم ـ لعنهم الله ـ أنّ من شتم الله تعالى وشتم الأنبياء يؤدب ، ومن شتم الأحبار يموت أي يقتل. فاعجبوا لهذا ، واعلموا أنهم ملحدون لا دين لهم ، يفضلون أنفسهم على الأنبياء عليهم‌السلام ، وعلى الله عزوجل. فعليهم ما يخرج من أسافلهم. وفيما سمعنا علماءهم يذكرونه ، ولا يتناكرونه ، معنى أن أحبارهم الذين أخذوا عنهم دينهم ، والتوراة ، وكتب الأنبياء عليهم‌السلام ، اتفقوا على أن رشوا «بولس» البنياميني ـ لعنه الله ـ وأمروه بإظهار دين «عيسى» عليه‌السلام ، وأن يضل أتباعهم ، ويدخلهم إلى القول بالإلهية ، وقالوا له : نحن نتحمل إثمك في هذا ، ففعل وبلغ من ذلك حيث قد ظهر.

واعلموا يقينا أن هذا عمل لا يستسهله ذو دين أصلا ، ولا يخلو أتباع المسيح

٢٤٦

عليه‌السلام عند أولئك الأحبار ـ لعنهم الله ـ من أن يكونوا على حق أو على باطل ، لا بدّ من أحدهما. فإن كانوا عندهم على حق فكيف استحلّوا ضلال قوم محقين وإخراجهم عن الهدى والدين إلى الضلال المبين؟ هذا والله لا يفعله مؤمن بالله تعالى أصلا. وإن كانوا عندهم على ضلال وكفر فحسبهم ذلك منهم. وإنما يسعى المؤمن ليهدي الكافر والضال ، وأما أن يقوي بصيرته في الكفر ويفتح له فيه أبوابا أشد وأفحش مما هو عليه فهذا لا يفعله أيضا من يؤمن بالله تعالى قطعا ، ولا يفعله إلا ملحد يريد أن يسخر بمن سواه ، فعن هؤلاء أخذوا دينهم وكتب أنبيائهم بإقرارهم ، فاعجبوا لهذا ، وهذا أمر لا نبعده عنهم لأنهم قد راموا ذلك فينا وفي ديننا ، فبعد عليهم بلوغ أربهم من ذلك ، وذلك بإسلام «عبد الله بن سبأ» المعروف بابن السوداء اليهودي الحميري لعنه الله ليضل من أمكنه من المسلمين. فنهج لطائفة رذلة كانوا يتشيّعون في عليّ رضي الله عنه أن يقولوا بالإلهية في عليّ ، كما نهج «بولس» لأتباع المسيح عليه‌السلام أن يقولوا بإلهيته ، وهم الباطنية ، والغالية إلى اليوم ، وأخفهم كفرا الإمامية ـ على جميعهم لعائن الله تترى ـ.

وأشنع من هذا كله نقلهم الذي لا تمانع بينهم فيه عن كثير من أحبارهم المتقدمين الذين عنه وعن أصحابه أخذوا دينهم ، ونقلوا توراتهم ، وكتب الأنبياء ـ بأن رجلا اسمه «إسماعيل» كان إثر خراب البيت إذ خربه طيطش فيذكرون عنه أنه أخبرهم عن نفسه أنه كان ماشيا في خراريب ببيت المقدس فسمع الله تعالى يئن كما تئن الحمامة ، ويبكي وهو يقول : «الويل لمن أخرب بيته ، وضعضع ركنه ، وهدم قصره ، وموضع سكينته ، ويلي على ما أخربت من بيتي ويلي على ما فرقت من بنيّ وبناتي ، قامتي منكسة ، حتى أبني بيتي وأردّ إليه بنيّ وبناتي».

قال هذا النذل الموسخ ابن الأنذال إسماعيل : فأخذ الله تعالى بثيابي ، وقال لي : أسمعتني يا بني يا إسماعيل؟ قلت : لا يا رب. فقال لي : يا بني يا إسماعيل ، بارك علي. قال هذا الكلب والجيفة المنتنة : فبارك عليه ومضيت.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : «لقد هان من بالت عليه الثعالب» (١) والله ما

__________________

(١) ويروى : «لقد ذلّ» بدل «لقد هان». وهو عجز بيت ، وصدره : «أربّ يبول الثعلبان برأسه».

ونسب للعباس بن مرداس السلمي ، وهو في ملحق ديوانه (ص ١٥١). ونسب للعباس أو لغاوي بن ظالم السلمي أو لأبي ذرّ الغفاري في لسان العرب (١ / ٢٣٧ ـ ثعلب) ، ولراشد بن عبد ربّه في الدرر (٤ / ١٠٤) وشرح شواهد المغني (ص ٣١٧).

٢٤٧

في الموجودات أرذل ولا أنتن ممن احتاج إلى بركة هذا الكلب الوضر ، فاعجبوا لعظيم ما انتظمت هذه القصة عليه من وجوه الكفر الشنيع.

فمنها : إخباره عن الله تعالى أن يدعو على نفسه بالويل مرة بعد مرة ، الويل حقا على من يصدّق بهذه القصة ، وعلى الملعون الذي أتى بها.

ومنها : وصفه الله تعالى بالندامة على ما فعل!! ما الذي دعاه إلى الندامة؟ أتراه كان عاجزا عن أن يردّهم؟ هذا عجب آخر ، وإذا كان نادما على ذلك فلم تمادى على تبديدهم ، وإلقاء النجس عليهم حتى يبلغ ذلك إلى إلقاء الحكة في أدبارهم ، كما نص في آخر توراتهم؟

ما في العالم صفة أحمق من صفة من يتمادى على من يندم عليه هذه الندامة.

ومنها : وصفه الله تعالى بالبكاء والأنين.

ومنها : وصفه لربه تعالى بأنه لم يدر هل سمعه أم لا؟ حتى سأله عن ذلك.

ثم أظرف شيء إخباره عن نفسه بأنه أجاب بالكذب ، وأن الله تعالى قنع بكذبه ، وجاز عنده ولم يدر أنه كاذب.

ومنها : كونه بين الخرب ، وهي مأوى المجانين من الناس وخساس الحيوان كالثعالب والقطط البرية ونحوهما.

ومنها : وصفه الله تعالى بتنكيس القامة.

ومنها : طلبه البركة من ذلك المتن ابن المنتنة والمنتن.

وبالله الذي لا إله إلّا هو ما بلغ قط ملحد ولا مستخف هذه المبالغ التي بلغها هذا اللعين ومن يعظمه. وبالله تعالى نتأيد.

ولو ما وصفه الله تعالى من كفرهم وقولهم : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة : ٦٤] و (اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) [آل عمران : ١٨١]. ما انطلق لنا لسان بشيء مما أوردنا. ولكن سهّل علينا حكاية كفرهم ما ذكره الله تعالى لنا من ذلك. ولا أعجب من إخبار هذا الكلب ـ لعنه الله ـ عن نفسه بهذا الخبر ، فإن اليهود كلهم يعني الربانيين منهم مجمعون على الغضب على الله ، وعلى تعييبه وتهوين أمره عزوجل فإنهم يقولون ليلة «عيد الكبود» وهي العاشرة من تشرين الأول وهو أكتوبر يقوم «الميططرون» ومعنى هذه اللفظة عندهم «الرب الصغير» ـ تعالى الله عن كفرهم.

قال : ويقول وهم قائم ينتف شعره ويبكي قليلا قليلا : «ويلي إذ خرّبت بيتي ،

٢٤٨

وأيتمت بنيّ وبناتي ، قامتي منكسة لا أرفعها حتى أبني بيتي ، وأردّ إليه بنيّ وبناتي». ويردّد هذا الكلام.

واعلموا أنهم أفردوا عشرة أيام من أول «أكتوبر» يعبدون فيه ربّا آخر غير الله عزوجل. فحصلوا على الشرك المجرّد.

واعلموا أن الرّب الصغير الذي أفردوا له الأيام المذكورة يعبدونه فيها من دون الله عزوجل هو عندهم «صندلفون» الملك خادم التاج الذي في رأس معبودهم ، وهذا أعظم من شرك النصارى ، ولقد أوقفت بعضهم على هذا فقال لي : «ميططرون» ملك من الملائكة. فقلت : وكيف يقول ذلك الملك ويلي على ما خرّبت من بيتي ، وفرّقت بنيّ وبناتي!! وهل فعل هذا إلا الله عزوجل؟

فإن قالوا : تولّى ذلك الملك ذلك الفعل بأمر الله تعالى.

قلنا : فمن المحال الممتنع ندامة الملك على ما فعله بأمر الله تعالى ، هذا كفر من الملك لو فعله ، فكيف أن يحمد ذلك منه؟ وكل هذا إنما هو تحيّل منهم عند صكّ وجوههم بذلك. وإلّا فهم فيه قسمان : قسم يقول : إنه الله تعالى نفسه فيصغرونه ويحقرونه ويعيبونه ، وقسم يقول : إنه ربّ آخر دون الله تعالى.

واعلموا أن اليهود يقومون في كنائسهم أربعين ليلة متصلة من «أيلول» و «تشرين الأول» وهما : «سبتمبر ، وأكتوبر» فيصيحون ويولولون بمصائب ، منها قولهم : «لأي شيء تسلمنا يا الله هكذا ، ولنا الدين القيم ، والأثر الأول؟ لم يا الله تتصمّم عنا وأنت تسمع؟! لم يا الله لا تعاقب من يكفر النعم ولا تجازي بالإحسان ثم تبخسنا حظنا ، وتسلمنا لكل معتد ، وتقول إن أحكامك عدلة؟» فاعجبوا لوغادة هؤلاء الأوباش ولرذالة هؤلاء الأنذال الممتنين على ربهم عزوجل ، المستخفّين به وبملائكته وبرسله.

وتالله ما بخسهم ربّهم حظهم ، وما حقهم إلا الخزي في الدنيا ، والخلود في النار في الآخرة ، وهو تعالى موفيهم نصيبهم غير منقوص.

واحمدوا الله على عظيم منته علينا بالإسلام الملّة الزهراء التي صححتها العقول ، وبالكتاب المنزل من عنده تعالى بالنور المبين ، والحقائق الباهرة ، نسأل الله تثبيتا على ما منحنا من ذلك بمنّه إلى أن نلقاه مؤمنين غير مغضوب علينا ولا ضالين.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هنا انتهى ما أخرجناه من توراة اليهود وكتبهم

٢٤٩

من الكذب الظاهر ، والمناقضات اللائحة التي لا شك معه في أنها كتب مبدّلة محرّفة مكذوبة ، وشريعة موضوعة مستعملة من أكابرهم ، ولم يبق بأيديهم بعد هذا شيء أصلا ، ولا بقي في فساد دينهم شبهة بوجه من الوجوه والحمد لله رب العالمين. وإيّاكم أن يجوز عليكم تمويه من يعارضكم بخرافة أو كذبة ، فإننا لا نصدّق في ديننا بشيء أصلا ، إلّا ما جاء في القرآن ، أو ما صح بإسناد الثقات ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقط وما عدا هذا فنحن نشهد أنه باطل لا نلتفت إليه.

واعلموا أننا لم نكتب من فضائحهم إلّا قليلا من كثير ، ولكن فيما كتبنا كفاية قاطعة في بيان فساد كلّ ما هم عليه.

وبالله تعالى التوفيق.

٢٥٠

ابتداء ذكر الأناجيل

قال أبو محمد : وأما الإنجيل وكتب النصارى فنحن إن شاء الله عزوجل موردون من الكذب المنصوص في أناجيلهم ومن التناقض الذي فيها أمرا لا يشك كل من رآه في أنهم لا عقول لهم وأنهم مخذولون جملة.

وأما فساد دينهم فلا إشكال فيه على من له مشكلة عقل ، ولسنا نحتاج إلى تكلف برهان في أن الأناجيل وسائر كتب النصارى ليست من عند الله عزوجل ، ولا من عند المسيح عليه‌السلام كما احتجنا إلى ذلك في التوراة والكتب المنسوبة إلى الأنبياء التي عند اليهود ، لأن جمهور اليهود يزعمون أن التوراة التي بأيديهم منزلة من الله عزوجل على موسى عليه‌السلام ، فاحتجنا إلى إقامة البرهان على بطلان دعواهم في ذلك. وأما النصارى فقد كفونا هذه المئونة كلها لأنّهم لا يدعون أنّ الأناجيل منزلة من عند الله تعالى على المسيح ، ولا أن المسيح عليه‌السلام أتاهم بها ، بل كلهم أولهم عن آخرهم آريوسيهم وملكيهم ونسطوريهم ويعقوبيّهم ومارونيهم وبولقانيّهم لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألّفها أربعة رجال معرفون في أزمان مختلفة.

فأوّلها تاريخ ألّفه متّى اللّاواني (تلميذ المسيح) بعد تسع سنين من رفع المسيح عليه‌السلام وكتبه بالعبرانية في بلد يهوذا بالشام يكون نحو ثمان وعشرين ورقة بخط متوسط.

والآخر تاريخ ألّفه مارقش (١) الهاروني (تلميذ شمعون بن يونا المسمّى باطرة) بعد اثنين وعشرين عاما من رفع المسيح. وكتبه باليونانية في بلد أنطاكية (٢) من بلاد الروم ويقولون : إن شمعون المذكور هو ألّفه ثم محا اسمه من أوله ، ونسبه إلى تلميذه مارقش ، يكون أربع عشرة ورقة بخط متوسط ، وشمعون المذكور تلميذ المسيح.

والثالث تاريخ ألّفه لوقا (الطبيب الأنطاكي تلميذ شمعون باطرة) كتبه باليونانية

__________________

(١) ويسمّى حاليّا إنجيل مرقس.

(٢) أنطاكية : مدينة هي قصبة العواصم من الثغور الشامية من أعيان البلاد وأمّهاتها. بينها وبين حلب يوم وليلة. انظر مراصد الاطلاع (ص ١٢٥) ومعجم البلدان (١ / ٢٦٩).

٢٥١

في بلدة إقاية (١) ، بعد تأليف مارقش المذكور. يكون من قدر إنجيل متّى (٢).

والرابع تاريخ ألّفه يوحنا بن سبذاى تلميذ المسيح ، بعد رفح المسيح ببضع وستين سنة وكتبه باليونانية في بلد أستيه (٣) يكون أربعا وعشرين ورقة بخط متوسط ، ويوحنا هذا نفسه هو ترجم إنجيل متّى صاحبه من العبرانية إلى اليونانية.

ثم ليس للنصارى كتاب قديم يعظّمونه بعد الأناجيل إلّا الأفركسيس وهو كتاب ألّفه لوقا الطبيب المذكور في أخبار الحواريين وأخبار صاحبه بولش (٤) البنياميني ، وسيرهم وقتلهم يكون نحو خمسين ورقة بخط مجموع.

وكتاب الوحي والإعلان (٥) ألّفه يوحنا بن سبذاي المذكور ، وهو كتاب في غاية السخف والركاكة ، ذكر فيه ما رأى من الأحلام وإذ أسري به وخرافات باردة.

والرسائل القانونية وهي سبع رسائل فقط منها ثلاث رسائل ليوحنا بن سبذاي المذكور ، ورسالتان لباطرة شمعون المذكور ، ورسالة واحدة ليعقوب بن يوسف النجار ، وأخرى لأخيه يهوذا بن يوسف تكون كل رسالة من ورقة إلى ورقتين في غاية البرد والغثاثة. ورسائل بولش تلميذ شمعون باطرة وهي خمس عشرة رسالة تكون كلها نحو أربعين ورقة ، مملوءة حمقا ورعونة وكفرا ، ثم كتاب لهم بعد ذلك فلا خلاف بينهم أنه من تأليف المتأخرين من أساقفتهم وبطاركتهم كمجامع البطاركة والأساقفة الكبار الستّة ، وسائر مجامعهم الصغار وفقههم في أحكامهم الذي عمله لهم «دكريد» الملك وبه يعمل نصارى الأندلس ، ثم لسائر النصارى أحكام أخرى أيضا عملها لهم من شاء الله تعالى أن يعملها من أساقفتهم لا يختلفون في هذا كله أنّه كما قلنا. ثمّ أخبار شهدائهم فقط. فجميع نقل النصارى أوله عن آخره حيث كانوا هو راجع إلى الثلاثة الذين سمينا فقط ، وهم بولش ومارقش ولوقا ، وهؤلاء الثلاثة لا ينقلون إلا عن خمسة

__________________

(١) كذا بالأصل ، ولم أهتد إليها. ولعله تحريف ، وصوابه : «أفامية» وهي مدينة حصينة من سواحل الشام وكورة من كور حمص ، وربما قيلت بغير همز (مراصد الاطلاع : ص ٩٩).

(٢) أي نحو ثمان وعشرين ورقة بقدر إنجيل متّى.

(٣) أستيا : ضبطها ياقوت في معجم البلدان (١ / ١٧٦) بفتح الهمزة. وضبطها عبد المؤمن بن عبد الحقّ البغدادي في مراصد الاطلاع (ص ٧١) بكسر الهمزة. وهي من أشهر مدن الغور ، وهي من جبال بين هراة وغزنة.

(٤) هو بولس الرسول.

(٥) وهو كتاب «رؤيا يوحنّا اللاهوتي».

٢٥٢

فقط ، وهم باطرة (١) ومتّى ويوحنا ويعقوب ويهوذا ولا مزيد.

وكل هؤلاء فأكذب البرية وأخبثهم على ما نبين بعد هذا ، إن شاء الله تعالى. على أن بولش حكى في الأفركسيس وفي إحدى رسائله ، أنه لم يبق مع باطرة إلا خمسة عشر يوما ، ثم لقيه مرة أخرى وبقي معه أيضا يسيرا ، ثم لقيه الثالثة فأخذا جميعا وصلبا إلى لعنة الله. إلا أن الأناجيل الأربعة والكتب التي ذكرنا أن عليها معتمدهم فإنها عند جميع فرق النصارى في شرق البلاد وغربها على نسخة واحدة ، ورتبة واحدة ، لا يمكن أحد أن يزيد فيها كلمة ولا أن ينقص منها أخرى إلا افتضح عند جميع النصارى ، لأنها مبلغة كما هي إلى مارقس ولوقا ويوحنا لأن يوحنا هذا هو الذي نقل إنجيل متى عن متّى ورسائل بولش مبلغة كذلك إلى بولش.

واعلموا أن أمر النصارى أضعف من أمر اليهود بكثير لأن اليهود كانت لهم مملكة ، وجمع عظيم مع موسى عليه‌السلام وبعده ، وكان فيهم أنبياء كثير ، ظاهرون آمرون مطاعون ، كموسى وهارون ويوشع وشموال وداود وسليمان عليهم‌السلام. وإنّما دخلت الداخلة في التوراة بعد سليمان عليه‌السلام ، إذ ظهر فيهم الكفر وعبادة الأوثان وقتل الأنبياء وحرق التوراة ونهب البيت مرة بعد مرة ، واتصل كفر جميعهم إلى أن تلفت دولتهم على ذلك.

وأما النصارى فلا خلاف بين أحد منهم ولا من غيرهم في أنه لم يؤمن بالمسيح في حياته إلا مائة وعشرون رجلا فقط ، هكذا في الإفركسيس ، ونسوة منهم امرأة وكيل هردوس وغيرها ، كن ينفقن عليه أموالهن ، هكذا في نص إنجيلهم ، وأن كل من آمن به فإنهم كانوا مستترين مخافين في حياته وبعده يدعون إلى دينهم سرا لا يكشف منهم أحد وجهه إلى الدعاء إلى ملته ، ولا يظهر دينه ، وكلّ من ظفر به منهم فإنّه قتل بالحجارة كما قتل يعقوب بن يوسف النجار ، وأشطيبن (٢) الذي يسمونه بكر الشهداء وغيره ، وإما صلب كما صلب باطرة واندرياش أخوه وشمعون أخو يوسف النجار ، وفلبش (٣) وبولش وغيرهم أو قتلوا بالسيف كما قتل يعقوب أخو يوحنا وطوما وبرتلوما ويهوذا بن يوسف النجار ، ومتّى. أو بالسم كما قتل يوحنا بن سبذاي ، وبقوا على هذه الحال لا يظهرون البتة ، ولا لهم مكان يأمنون فيه مدة ثلاثمائة سنة ، بعد رفع المسيح عليه‌السلام.

__________________

(١) أي بطرس ، أو بيتر.

(٢) أي اسطفان ، أو ستيفان ، أو ستيفن.

(٣) أي فيليبوس ، أو فيليب.

٢٥٣

وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل من عند الله تعالى إلّا فصولا يسيرة أبقاها الله تعالى حجة عليهم ، وخزيا لهم ، فكانوا كما ذكرنا إلى أن تنصر قسطنطين الملك ، فمن حينئذ ظهر النصارى وكشفوا دينهم ، واجتمعوا وأمنوا ، وكان سبب تنصره أن أمه هلاني كانت بنت نصراني فعشقها أبوه وتزوجها ، فولدت له قسطنطين ، فربته على النصرانية سرّا ، فلما مات أبوه وولي هو أظهر النصرانية بعد أعوام كثيرة من ولايته ، ومع ذلك فما قدر على إظهارها حتى رحل عن رومية مسيرة شهر إلى القسطنطينية وبناها ، ومع ذلك فإنما كان آريوسيّا هو وابنه بعده يقولان : إن المسيح عبد مخلوق نبي الله تعالى فقط وكل دين كان هكذا فمحال أن يصح فيه نقل متصل ، لكثرة الدواخل الواقعة فيما لا يوجد إلا سرا تحت السيف ، لا يقدر أهله على حمايته ، ولا على المنع من تبديله. ثم لما ظهر دينهم بتنصر قسطنطين كما ذكرنا فشا فيهم دخول المنّانية تقية ولم يكن فيهم غير منانية مدلسون عليهم ، فأمكنهم بهذا أن يدخلوا من الضلال ما أحبّوا ولا يمكن البتة أن ينقل أحد عن شمعون باطرة (١) ولا عن يوحنا ، ولا عن متّى ولا مارقش ولا لوقا ولا بولش آية ظاهرة ، ولا معجزة فاشية ، لما ذكرنا أنهم كانوا مختفين مستترين مظاهرين بدين اليهود من التزام السبت وغيره ، طول حياتهم. إلى أن ظفر بهم فقتلوا.

وكلّ ما يضيفه النصارى إلى هؤلاء من المعجزات فأكذوبات موضوعة ، لا يعجز عن ادعاء مثلها أحد ، كالذي تدّعي اليهود لأحبارهم ، ورءوس مثانيهم ، وكالذي تدعيه المنانية لماني سواء بسواء وكالذي تدّعيه الروافض لمن يعظمونه وكالذي تدّعيه طوائف من المسلمين لقوم صالحين كإبراهيم بن أدهم (٢) ، وأبي مسلم الخولاني (٣) ، وشيبان

__________________

(١) هو القديس بطرس الصياد أحد حواريي المسيح عليه‌السلام ، وكانوا يسمونه بشمعون الصفا ، لصلابته في الدين كما يزعمون.

(٢) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق العجلي الخراساني البلخي نزيل الشام. من كبار الزّهاد. ولد في حدود المائة ، وتوفي سنة ١٦٢ ه‍. انظر ترجمته في حلبة الأولياء (٧ / ٣٦٧ ـ ٨ / ٥٨) والوافي بالوفيات (٥ / ٣١٨ ، ٣١٩) وفوات الوفيات (١ / ١٣ ، ١٤) وسير أعلام النبلاء (٧ / ٣٨٧ ـ ٣٩٦). والعبر للذهبي (١ / ٢٣٨) وشذرات الذهب (١ / ٢٥٥ ، ٢٥٦) وطبقات الأولياء (ص ٥ ـ ١٥) ومشاهير علماء الأمصار (ص ١٨٣) والمعرفة والتاريخ (٢ / ٤٥٥) والتاريخ الكبير للبخاري (١ / ٢٧٣) والجرح والتعديل (٢ / ٨٧) وتهذيب التهذيب (١ / ١٠٢ ، ١٠٣).

(٣) هو أبو مسلم الخولاني الداراني. اسمه عبد الله بن ثوب ، وقيل : عبد الله بن عبد الله ، وقيل : عبد الله بن ثواب ، وقيل : ابن عبيد ، وقيل : اسمه يعقوب بن عوف. قدم من اليمن ، وأسلم في

٢٥٤

الراعي (١) ، وغيرهم. وكل ذلك كذب وإفك وتوليد لأن من ذكرنا فإنما نقله راجع إلى من لا يدرى ، ومن لا يقوم بكلامه حجة ولا صح برهان سمعي ولا عقلي بصدقه.

وهكذا كان أصحاب ماني مع ماني إلا أنه ظهر نحو ثلاثة أشهر إذ مكر به بهرام بن بهرام الملك ، وأوهمه أنه قد آمن به حتى ظفر بجميع أصحابه ، فصلب ماني وصلب جميع أصحابه ، إلى لعنة الله. فكل معجزة لم تنقل نقلا يوجب العلم الضروري كافة عن كافة حتى تبلغ إلى المشاهدة فالحجة لا تقوم بها على أحد ، ولا يعجز عن توليدها من لا تقوى له.

قال أبو محمد : معتمد النصارى كله الذي لا معتمد لهم غيره في قولهم بالتثليث ، وأن المسيح إله وابن الله ، واتحاد اللاهوت بالناسوت ، والتحامه به إنما هو كله على أناجيلهم وعلى ألفاظ تعلقوا بها مما في كتب اليهود كالزبور وكتاب أشعيا ، وكتاب أرميا ، وكلمات يسيرة من التوراة ، وكتب سليمان ، وكتاب زخريا ، وقد نازعهم اليهود في تأويلها فحصلت دعوى مقابلة لدعوى ، وما كان هكذا فهو باطل ومموّه ، لأن التوراة وكتب الأنبياء بأيديهم وبأيدي اليهود سواء ، لا يختلفون فيها ليصححوا نقل اليهود لسواد تلك الكتب ، ثم يجعلوا تلك الألفاظ حجة لهم ، دعواهم وتأويلهم ليس بأيديهم حجة غير هذا أصلا ولا جملة سوى هذه.

وقد أوضحنا بحول الله وقوته فساد أعيان تلك الكتب ، وأوضحنا أنها مفتعلة مبدلة لكثرة ما فيها من الكذب ، وأوضحنا فساد نقلها وانقطاع الطريق منهم إلى من نسبت إليه تلك الكتب بما لا يمكن أحد دفعه البتة بوجه من الوجوه. وبيّنا أيضا بحول الله وقوته فساد نقل النصارى جملة ، وإقرارهم بأن أناجيلهم ليست منزلة ولكنها

__________________

أيام النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فدخل المدينة في خلافة الصدّيق. قيل إنه مات في سنة ٦٢ ه‍. انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (٧ / ٤٤٨) وطبقات خليفة بن خياط (ترجمة ٢٨٨٨) وحلية الأولياء (٢ / ٢٢) وتاريخ البخاري الكبير (٥ / ٥٨) والاستيعاب (ترجمة ١٤٧٩) وأسد الغابة (٣ / ١٢٩) والإصابة (ترجمة ٦٣٠٢) وتاريخ البخاري الكبير (٥ / ٥٨) والمعرفة والتاريخ (٢ / ٣٠٨ و ٣٨٢) وسير أعلام النبلاء (٤ / ٧ ـ ١٤) وتذكرة الحفاظ (١ / ٤٦) وفوات الوفيات (١ / ٢٠٩) وشذرات الذهب (١ / ٧٠) وفوات الوفيات (١ / ١٠٩) وتهذيب التهذيب (١٢ / ٢٣٥).

(١) ترجم له أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء (٨ / ٣١٧) فقال : «المنيب الواعي شيبان أبو محمد الراعي. كان في العبادة فائقا ، وبالتوكل على ربه عزوجل واثقا» ثم روى عن محمد بن حمزة المرتضى قال : «كان شيبان الراعي إذا أجنب وليس عنده ماء دعا ربه فجاءت سحابة فأظلّت فاغتسل. وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على غنمه فيجيء فيجدها على حالتها لم تتحرك».

٢٥٥

مؤلفة لرجال ألفوها فبطل كل تعلق لهم والحمد لله رب العالمين.

ثم نورد إن شاء الله تعالى تكذيبهم في دعواهم أن التوراة عند اليهود وعندهم سواء ، ونورد ما يخالفون فيه نص التوراة التي بأيدي اليهود ، حتى يلوح لكل أحد كذب دعواهم الظاهرة في تصديقهم لنصوص التوراة التي عند اليهود ، وترى تكذيبهم لنصوصها ، فيبطل بذلك تعلقهم بما فيها ، وبما نقل اليهود ، إذ لا يصح لأحد الاحتجاج بتصحيح ما يكذب.

ثم نذكر بعون الله وقوته مناقضات الأناجيل والكذب الفاحش المفضوح الموجود في جميعها ، وبالله تعالى التوفيق.

فيرتفع الإشكال جملة في ذلك ويستوي في معرفة بطلان كل ما بأيدي الطائفتين كل من اغترّ بكتمانهم لما فضحناه منا ومنهم من الخاصة والعامة ، ومن سائر الملل أيضا ، ويصحح عند كل من طالع كلامنا هذا أن الذين كتبوا الأناجيل وألفوه كانوا كذابين ، مجاهرين لله رب العالمين على عظيم نعمته علينا بالإسلام ، السالم من كلّ غش ، البريء من كل توليد ، الوارد من عند الله تعالى لا من عمل أحد دونه.

٢٥٦

ذكر ما تثبته النصارى بخلاف نص التوراة وتكذيبهم

لنصوصها التي بأيدي اليهود وادعاء بعض علماء

النصارى أنهم اعتمدوا في ذلك على التوراة التي

ترجمها السبعون شيخا لبطليموس لا على كتب

عزرا الوراق ، واليهود مؤمنون بكلتا النسختين ،

والخلاف عند النصارى موجود فيهما

قال أبو محمد : في توراة اليهود التي لا اختلاف فيها بين الربانية والعنانية والعيسوية منهم : «لما عاش آدم ثلاثين سنة ومائة سنة ، ولد له ولد كشبهه وجنسه وسماه شيث». وعند النصارى بلا خلاف من أحد منهم ولا من جميع فرقهم «لما أتى لآدم مائتان وثلاثون سنة ولد له شيث».

وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا : «فلما عاش شيث خمس سنين ومائة سنة ولد إينوش» وعند النصارى كلهم : «لما عاش شيث مائتي سنة وخمس سنين ولد إينوش».

وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا : «أن إينوش لما عاش تسعين سنة ولد قينان» وعند النصارى كلهم «أن إينوش لما عاش تسعين سنة ومائة ولد قينان».

وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا : «أن قينان لما عاش سبعين سنة ولد مهللال» وعند النصارى كلهم «أن قينان لما عاش مائة سنة وسبعين سنة ولد مهللال».

وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا : «أن مهللال لما بلغ خمسا وستين سنة ولد يارد» وعند النصارى كلهم : «أن مهللال لما بلغ مائة سنة وخمسا وستين ولد يارد» واتفقت الطائفتان في عمر يارد إذ ولد له خنوخ.

وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن خنوخ لما بلغ خمسا وستين سنة ولد له متوشالح وأن جميع عمر خنوخ كان ثلاثمائة سنة وخمسا وستين سنة ، وعند النصارى كلهم أن خنوخ لما بلغ مائة سنة وخمسا وستين سنة ولد متوشالح ، وأن جميع عمر

٢٥٧

خنوخ كان خمسمائة سنة وخمسا وستين سنة. ففي هذا الفصل تكاذب بين الطائفتين في موضعين.

أحدهما : سن خنوخ إذ ولد له متوشالح والثاني كمية عمر خنوخ ، واتفقت الطائفتان على عمر متوشالح إذ ولد لامخ ، وعلى عمر لامخ إذ ولد له نوح ، وعلى عمر نوح إذ ولد له سام وحام ويافث ، وعلى عمر سام إذ ولد له أرفخشاذ.

وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا أن أرفخشاذ لما بلغ خمسا وثلاثين سنة ولد له متشالح وأن عمر أرفخشاذ كان أربعمائة سنة وخمسا وثلاثين سنة. وعند النصارى كلهم أن أرفخشاذ لما بلغ مائة سنة وخمسا وثلاثين سنة ولد له قينان ، وأن عمر أرفخشاذ كان أربعمائة سنة وخمسا وستين سنة ، وأن قينان لما بلغ مائة سنة وثلاثين سنة ولد له شالخ ، فبين الطائفتين في هذا الفصل وحده اختلاف في ثلاثة مواضع.

أحدها : عمر أرفخشاذ جملة ، والثاني : سن أرفخشاذ إذ ولد له ولده ، والثالث : زيادة النصارى من أرفخشاذ وشالخ قينان وإسقاط اليهود له. وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن شالخ لما بلغ ثلاثين سنة ولد له عابر وأن عمر شالخ كان أربعمائة سنة وثلاثين سنة ، وعند النصارى كلهم أن شالخ لما بلغ مائة سنة وثلاثين سنة ولد له عابر ، وأن عمر شالخ كله كان أربعمائة سنة وستين سنة.

ففي هذا الفصل تكاذب من الطائفتين في موضعين :

أحدهما : سن شالخ إذ ولد له عابر ، والثاني : كمية عمر شالخ. وعند اليهود كما ذكرنا في التوراة أن قالع إذ بلغ ثلاثين سنة ولد له «راغو» وعند النصارى كلهم أن قالع لما بلغ مائة سنة وثلاثين سنة ولد له شاروع. وعند النصارى كلهم أن راغو لما بلغ مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة ولد له شاروع ، وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن شاروع إذ بلغ ثلاثين سنة ولد له ناحور. وكان عمر شاروع كله مائتي عام وثلاثين عاما. وعند النصارى كلهم ، أن شاروع إذ بلغ ثلاثين سنة ومائة سنة ولد له ناحور ، وأن عمر شاروع كله كان ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة ، ففي هذا الفصل بين الطائفتين تكاذب في موضعين :

أحدهما : عمر شاروع جملة ، والثاني : سن شاروع إذ ولد له ناحور. وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن ناحور لما بلغ تسعا وعشرين سنة ولد له تارح ، وأن عمر ناحور كله كان مائة سنة وثمانيا وأربعين سنة. وعند النصارى أن ناحور لما بلغ تسعا

٢٥٨

وسبعين سنة ولد له تارح ، وأن عمر ناحور كله كان مائتي عام وثمانية أعوام ، ففي هذا الفصل بين الطائفتين تكاذب في موضعين :

أحدهما : عمر ناحور كله ، والثاني : سن ناحور إذ ولد له تارح. وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن تارح كان عمره كله مائتي عام وخمسة أعوام ، وعند النصارى كلهم أن تارح كان عمره كله مائتي عام وثمانية أعوام.

قال أبو محمد : فتولد بين الطائفتين من الاختلاف المذكور زيادة ألف عام وثلاثمائة عام وخمسين عاما عند النصارى في تاريخ الدنيا على ما هو عند اليهود في تاريخها ، وهي تسعة عشر موضعا كما ذكرنا فوضح اختلاف التوراة عندهم.

ومثل هذا من التكاذب لا يجوز أن يكون من عند الله عزوجل أصلا ، ولا من قول نبي البتة ، ولا من قول صادق عالم من عرض الناس ، فبطل بهذا بلا شك أن تكون التّوراة وتلك الكتب منقولة نقلا يوجب صحة العلم ، لكن نقلا فاسدا مدخولا مضطربا. ولا بدّ للنصارى ضرورة من أحد خمسة أوجه ، لا مخرج لهم عن أحدها :

إما أن يصدقوا نقل اليهود للتوراة وأنها صحيحة عن موسى عليه‌السلام عن الله تعالى ولكتبهم وهذه طريقتهم في الحجاج والمناظرة ، فإن فعلوا فقد أقرّوا على أنفسهم وعلى أسلافهم الذين نقلوا عنهم دينهم بالكذب ، إذ خالفوا قول الله عزوجل وقول موسى عليه‌السلام. أو يكذبوا موسى في ما نقل عن الله تعالى وهم لا يفعلون ذلك. أو يكذبوا نقل اليهود للتوراة ولكتبهم ، فيبطل تعلقهم بما في تلك الكتب مما يقولون إنه إنذار بالمسيح عليه‌السلام ، إذ لا يجوز لأحد أن يحتج بما لا يصح نقله. أو يقولوا كما قال بعضهم : إنهم إنما عوّلوا فيما عندهم على ترجمة السبعين شيخا ، الذين ترجموا التوراة وكتب الأنبياء لبطليموس. فإن قالوا هذا فإنهم لا يخلون ضرورة من أحد وجهين :

إما أن يكونوا صادقين في ذلك ، أو يكونوا كاذبين في ذلك ، فإن كانوا كاذبين فقد سقط أمرهم والحمد لله رب العالمين ، إذ لم يرجعوا إلا إلى المجاهرة بالكذب.

وإن كانوا صادقين في ذلك فقد حصلت توراتان مختلفتان متكاذبتان متعارضتان ، توراة السبعين شيخا وتوراة عزرا. ومن الباطل المحال الممتنع كونهما جميعا حقا من عند الله عزوجل. واليهود والنصارى كلهم مصدق مؤمن بهاتين التوراتين معا ، سوى توراة السامرة فلا بد ضرورة من أن تكون إحداهما حقا ، والأخرى مكذوبة. فأيهما كانت المكذوبة فقد حصلت الطائفتان على الإيمان بالباطل ضرورة ،

٢٥٩

ولا خير في أمة تؤمن بيقين الباطل ، ولئن كانت توراتهم السبعين شيخا هي المكذوبة فلقد كانوا شيوخ سوء كذّابين ملعونين ، إذ حرّفوا كلام الله وبدلوه ، ومن هذه صفته فلا يحل أخذ الدين عنه ولا قبول نقله ، ولئن كانت توراة عزرا المكذوبة فقد كان كذّابا إذ حرف كلام الله ولا يحل أخذ شيء من الدين عن كذاب ، ولا بد من أحد الأمرين أو تكون كلتاهما كذبا وهذا هو الحق اليقين الذي لا شك فيه لما قدمنا ممّا فيها من الكذب الفاضح الموجب للقطع بأنها مبدلة محرفة وسقطت الطائفتان معا ، وبطل دينهم الذي إنما مرجعه إلى هذه الكتب المكذوبة. ونعوذ بالله من الخذلان.

قال أبو محمد : فتأملوا هذا الفصل وحده ، ففيه كفاية في تيقن بطلان دين الطائفتين فكيف سائر ما أوردناه إذا استضاف إليه ..؟!!

وفي التوراة وعند اليهود وعند النصارى اختلاف آخر اكتفينا منه بهذا القدر ، والحمد لله رب العالمين على عظيم نعمته علينا بالإسلام المنقول إلينا نقل الكواف ، إلى رسول الله ، المعصوم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، البريء من كل كذب وكل محال ، الذي تشهد له العقول بالصحة.

ذكر مناقضات الأناجيل الأربعة والكذب الظاهر الموجود فيها

قال أبو محمد : أول ذلك أن أول مبدأ إنجيل متى اللواتي ، الذي هو أول الأناجيل بالتأليف والرتبة ، مصحّف نسبة يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم وإبراهيم ولد إسحاق ، وإسحاق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا وإخوته ، وليهوذا ولد من ثامار : فارض وتارح ، ثم إن فارض ولد حصروم ، وحصروم ولد إدام ، وإدام ولد عميناذاب ، وعميناذاب ولد نجشون ، ونجشون ولد أشلومون وأشلومون ولد له من راحاب : بوعز ، وبوعز ولد له من ذوث : عوبيذ ، وعوبيذ ، ولد له إيشاي ، وإيشاي ولد له داود الملك ، وولد داود الملك أشلومون (١) ، وأشلومون ولد رحبعام ، ورحبعام ولد أبيوب ، وأبيوب ولد أشا ، وأشا ولد يهوشافاط ، ويهوشافاط ولد يهورام ، ويهورام ولد أحزياهو ، وأحزياهو ولد يوثام ، ويوثام ولد أحاز ، وأحاز ولد أحزياهو ، وأحزياهو ولد منشأ ، ومنشأ ولد آمون ، وآمون ولد يوشيّاهو ، ويوشياهو ولد يخنيا ، وإخوته وقت الرحلة إلى بابل ، وبعد ذلك ولد لنحنيا صلثاييل ، وصلثاييل ولد زربابيل ، وزربابيل ولد أبيوب ، ولأبيوب ولد إلياجيم ،

__________________

(١) هو سليمان عليه‌السلام.

٢٦٠