الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

فهذه أربع عوارض قواطع دون الكثرة الخارجية في الأولاد للناس ، ثم كون الإناث في الولادات أيضا. ولو طلبنا أن نعد من عاش له عشرون ولدا فصاعدا من الذكور وبلغوا الحلم فما وجدناهم إلّا في الندرة ، ثم في القليل من الملوك وذوي اليسار المفرط الذين تنطلق أيديه على الكثير من النساء والإماء ، ثم على الخدام اللواتي هن العون على التربية والكفاية ، وعلى كثرة المال الذي لا يكون المعاش إلّا به ، وأمّا من لا يجد إلا الكفاف وفوقه مما لا يبلغ الإكثار من الوفر ، ولا يقدر إلّا على المرأة والمرأتين ونحو ذلك ، فلا يوجد هذا فيهم البتة بوجه من الوجوه ولا يمكن ذلك أصلا لهم لما ذكرنا آنفا من القواطع الموانع ، وقد شاهدنا الناس وبلغتنا أخبار أهل البلاد البعيدة ، وكثر بحثنا عما غاب عنا منا ، ووصلت إلينا التواريخ الكثيرة المجموعة في أخبار من سلف من عرب وعجم في كثير من الأمم ، فما وجدنا في كل ذلك المعهود من عدد أولاد الذكور في المكثرين الذين يتحدث بهم عند كثرة الولد إلّا من أربعة عشر ذكرا فأقل ، وأمّا ما زاد إلى العشرين فنادر جدّا.

هذه الحال في جميع بلاد أهل الإسلام ، والذي بلغنا عن ممالك النصارى إلى أرض الروم ، وممالك الصقالبة والترك والهند والسودان قديما وحديثا ، وأما الثلاثون فأكثر فما بلغنا ذلك إلا عن نفر يسير عمن سلف. منهم «أنس بن مالك الأنصاري» ، وخليفة بن أبي السعدي ، وأبو بكرة ، فإن هؤلاء لم يموتوا حتى مشى بين يدي كل واحد منهم مائة ذكر من ولده. وعمر بن عبد الملك (١) فإنه كان يركب معه ستون رجلا من ولده ، وجعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ، فإنه عاش له أربعون ذكرا (٢) من ولده سوى أبنائهم ، وعبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية (٣) فإنه ولد له خمسة وأربعون ذكرا عاش منهم نيف وثلاثون ، وموسى بن

__________________

(١) هو عمر بن عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج. استخلفه ابن هبيرة على الاسكندرية ، وقتله أنصاره في قصره فيها سنة ٢٠٠ ه‍. انظر الأعلام للزركلي.

(٢) في سير أعلام النبلاء للذهبي (٨ / ٢٣٩) أنه مات عن ثمانين ولدا لصلبه منهم ثلاثة وأربعون ذكرا. توفي سنة ١٧٤ أو ١٧٥ ه‍. وانظر أيضا المعرفة والتاريخ للفسوي (١ / ١٣١ ، ١٣٢ ، ١٣٥) وعيون الأخبار (١ / ١٢٢ ، ٢ / ٢٥٣ ، ٣ / ٢٤ ، ١٩٩).

(٣) بويع عبد الرحمن بعد والده في آخر سنة ٢٠٦ ه‍ ، فامتدّت أيامه. وكان وادعا حسن السيرة لين الجانب قليل الغزو ، غلبت المشركون في دولته على إشبيلية. ولد عبد الرحمن بن الحكم بطليطلة ست ١٧٦ ه‍ ، ومات سنة ٢٣٨ ه‍. انظر ترجمته في العقد الفريد (٤ / ٤٩٣) وجذوة المقتبس (ص ١٠) والمغرب في حلى المغرب (١ / ٤٥ ، ٥١) والحلة السيراء (ص ٦١) والبيان

٢٠١

إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، فإنه بلغ له منهم الرجال واحد وثلاثون ابنا ذكورا كلهم ، وكان أبوه أميرا على اليمن مرة قائما ومرة واليا للمأمون ، ووصيف مولى المعتصم التركي كان له خمسة وخمسون ذكرا بالغين من ولده الأدنين. و «تامرت» مولى ابن مناد صاحب «طرابلس» فإنه كان يركب معه ثمانون ذكرا من أولاده الأدنين ، إلا أن هذا كان يغتصب كل امرأة أعجبته من أمة أو حرة ويولدها ، ورجل من ملوك البربر من «بني دمر» معتزلي كان يركب معه مائتا فارس من ولده وولد ولده ، وتميم بن زيد بن يزيد بن يعلى بن محمد العرني ، فإنه بلغنا أنه كان له نيف وخمسون ذكرا بالغين وكان ملك بني يفرن (١) ممن ملك بلادا عظيمة. وأبو النهار بن زيري بن منكاد فكان يركب معه ثلاثون ذكرا من ولده الأدنين. ومرزوق بن أشكر ابن الثغري بجهة «لاردة» (٢) ـ فكان يركب معه ثلاثون فارسا من ولده الأدنين. وبلغنا عن ملك من ملوك الهند أنه كان له ثمانون ولدا ذكرا بالغون.

وتذكر اليهود في تواريخهم أن رئيسا كان يدبر أمرهم كلهم يسمى «جدعون بن بواش» من بني منسى بن يوسف عليه‌السلام كان له سبعون ولدا ذكورا ، وأن آخر من مدبريهم أيضا من سبط منسى يسمى «بايين بن جلعاد» كان له اثنان وثلاثون ولدا ذكورا ، وآخر من مدبريهم اسمه «عبدون بن هلال» من بني أفرايم بن يوسف كان له أربعون ابنا ذكرا بالغون. وآخر من مدبريهم من سبط يهوذا اسمه «أفصان» من سكان بيت لحم كان له ثلاثون زوجة ، وثلاثون ابنا ذكورا ، وثلاثون بنتا. وتزعم الفرس أن «جودرز» الملك على كرمان كان له تسعون ابنا ذكورا بالغون. فإذا كانت هذه الصفة لم نجدها منذ نحو ثلاثة آلاف عام إلّا في أقل من عشرين إنسانا في مشارق الأرض ومغاربها في الأمم السالفة والخالفة ممن علت حاله ، وامتد عمره ، وكثرت أمواله وعياله ، فكيف يتأتى من هذا العدد ما لم يسمع بمثله قط في الدّهر ، لا في نادر ولا في شاذ لبني إسرائيل كافة بمصر؟ وحالهم فيها معروفة مشهورة لا يقدر أحد على

__________________

المغرب (٢ / ٨٢) وتاريخ ابن خلدون (٤ / ١٢٧) ونفح الطيب (١ / ٣٤٤) وسير أعلام النبلاء (٨ / ٢٦).

(١) بنو يفرن : قبيلة من البربر ببلاد المغرب. انظر الأنساب للسمعاني (٥ / ٧٠٢).

(٢) لاردة : مدينة مشهورة من مدن الثغر على نهر سيقر شرقي قرطبة. انظر معجم البلدان (٥ / ٧) والمغرب في حلى المغرب (٢ / ٤٥٩).

٢٠٢

إنكارها ، وهي أنهم كانوا في حياة يوسف عليه‌السلام في كفاف من العيش أصحاب غنم فقط ، ولم يكونوا في يسار فائض ، ثم كانوا بعد موت يوسف وإخوته عليه‌السلام في فاقة عظيمة وعذاب ونصب ، وسخرة متصلة ، وذلّ راتب ، وبلاء دائب ، وتعب زاهق ، يكاد يقطع عن الشبع ، فكيف عن الاتساع في العيال ، والأشر (١) في الاستكثار من الولد؟ فهذه كذبة عظيمة مطبقة فاضحة.

وثانية : وهي أن في توراتهم أنهم كانوا ساكنين في أرض «قوص» فقط وأن معاشهم كان من المواشي فقط.

وذكر في توراتهم : أنهم إذ خرجوا من مصر خرجوا بجميع مواشيهم ، فاعجبوا أيها السامعون وتفكروا ما الذي يكفي ستمائة ألف وثلاثة آلاف لم يعد فيهم ابن أقل من عشرين سنة ، سوى النساء ـ للقوت والكسوة من المواضي ، ثم اعلموا يقينا أن أرض مصر كلها تضيق عن مسرح هذا المقدار من المواشي فكيف أرض قوص وحدها؟

وهم يقولون في توراتهم : إن إبراهيم ولوطا عليهما‌السلام لم تحمل كثرة مواشيهم أرض واحدة ، ولا أمكنهما أن يسكنا معا ، فكيف بمواش تقوّم بأزيد من ألف ألف وخمسمائة ألف إنسان؟ لقد كان الذي عمل لهم هذه الكتب الملعونة المكذوبة ضعيف العقل ، قليل الفكرة فيما يطلق به قلمه ، فهذه كذبة فاحشة ثانية عظيمة جدّا.

وثالثة : أنه ذكر في توراتهم أنهم كانوا كلهم يسخرون في عمل (الطوب) (٢) وتالله إن ستمائة ألف طوّاب (٣) لكثير جدا ، لا سيما في «قوص» وحدها ، وليس يمكنهم أن يقولوا : إنهم كانوا متفرقين ، فإن توراتهم تقول غير هذا وتخبر أنهم كانوا مجتمعين ، ذكر ذلك في مواضع جمة منها ، حيث أمرهم بذبح الخرفان ومس العنب بالدم منها (٤) حيث أباح لهم فرعون الخروج مع موسى عليه‌السلام ، فكانوا كلهم مجتمعين بمواشيهم يوم خروجهم. وهذه كذبة عظيمة ثالثة لا خفاء بها.

والرابعة : أنه ذكر «بني لاوي» ثلاثة رجال فقط : «فهاث» و «جرشون» ، و «مرارى» ، وأن ذكور نسل هؤلاء الثلاثة فقط كانوا : اثنين وعشرين ألفا من الذكور خاصة من ابن

__________________

(١) الأشر : النشاط (المعجم الوسيط : ص ١١٩).

(٢) الطوب : الآجرّ ، أي اللّبن المحروق (المعجم الوسيط : ص ٥٦٩).

(٣) الطوّاب : صانع الطوب (المرجع السابق : ص ٥٦٩).

(٤) كانت في الأصل : «ومنها» والصواب حذف الواو.

٢٠٣

شهر فصاعدا ، من جملتهم ثمانية آلاف رجل وخمسمائة رجل وثمانون رجلا ليس فيهم ابن أقلّ من ثلاثين سنة ، ولا ابن أكثر من خمسين سنة ، ثم ذكر أولاد «مراري» فلم يذكر له إلّا ولدين : «محلّى» و «موشي» فقط ، وذكر أولاد «جرشون» بن «لاوي» فلم يذكر له إلّا ولدين فقط : «لبني» و «شمعي» وذكر أولاد «فهاث» بن «لاوي» فلم يذكر إلّا أربعة فقط : «عمرام» و «يصهار» و «حبرون» و «عزيئيل». فرجع نسل «لاوي» كله إلى هؤلاء الثمانية و «هارون» عليهما‌السلام فقط ، و «العازار» و «فرصوم» ابني «موسى» عليه‌السلام وكانا صغيرين حينئذ جدّا ، وأربعة أولاد لهارون عليه‌السلام ، وعد أولاد «يصهار» فذكر «قورح» وإخوته ، وثلاثة أولاد لقورح وبقي سائر العدد المذكور من الألوف وهي : ثمانية آلاف «حبرون» و «عزيئيل» وأخوي «قورح» فقط ، هذا و «الصافان» بن «عزيئيل» حي مقدم طبقته سوى النساء ، ولعلّ عددهن كعدد الرجال ، وهذا من الحمق الذي لا نظير له ، ومن قلة الحياء في الدرجة العليا ، ومن الكذب البحت في المقدمة ، ومن المحال في المحلّ الأقصى ، وجار مجرى الخرافات التي تقال عند السمر بالليل ، ولعمري لو ضل بتصديق هذا الهوس الفاجر واحد واثنان لكان عجبا ، فكيف أن يضل به عالم عظيم ، وجيل بعد جيل مذ أزيد من ألف وخمسمائة عام مذ كتب لهم «عزرا» الوراق هذا السخام (١) الذي أضلهم به؟ ونحمد الله على عظيم نعمته علينا حمدا كثيرا. ونسأله العصمة في باقي أعمارنا مما امتحن به من شاء إضلاله آمين آمين.

والخامسة قوله في سفر يوشع : إنه وقع لبني هارون ثلاث عشرة مدينة ، و «العازار بن هارون» حي قائم ، فيا للناس!! أفي المحال أكثر من أن يدخل في عقل أحد أن نسل «هارون» بعد موته بسنة وأشهر يبلغ عددا لا يسعه للسكنى إلا ثلاث عشرة مدينة؟ هل لهذا الحمق دواء إلا الغل والقيد والمجمعة ، وما يتبع ذلك من الكي والسوط؟ ونعوذ بالله من الخذلان.

وكذبة سادسة ظريفة جدّا : وهي أنه ذكر في توراتهم أن عدد ذكور «بني جرشون» بن لاوي من ابن شهر فصاعدا فكانوا ستة آلاف وخمسمائة ، وأن عدد ذكور «بني فهاث» بن «لاوي» من ابن شهر فصاعدا كانوا ثمانية آلاف وستمائة ، وأن عدد ذكور بني مراري بن لاوي من ابن شهر فصاعدا كانوا ستة آلاف ومائتين ، ثم قال : فجميع الذكور من بني لاوي من ابن شهر فصاعدا اثنان وعشرون ألفا ، فكان هذا ظريفا

__________________

(١) السّخام : سواد القدر. والسخام : الفحم. ويقال : ليل سخام : أسود (المعجم الوسيط : ص ٤٢٢).

٢٠٤

جدّا ، وشيئا تندى منه الآباط. وهل يجهل أحد أن الأعداد المذكورة إنما هي يجتمع منها واحد وعشرون ألفا وثلاثمائة؟

هذا أمر لا ندرى كيف وقع؟ أتراه بلغ المسخم الوجه الذي كتب لهم هذا الكتاب الأحمق من الجهل بالحساب هذا المبلغ؟ إن هذا لعجب!! ولقد كان الثور أهدى منه ، والحمار أنبه منه بلا شك. أترى لم يأت بعده من اليهود مذ أزيد من ألف عام وخمسمائة عام من تبين له أن هذا خطأ وباطل؟ ولا يمكن أن يدعى هنا غلط من الكاتب ، ولا وهم من الناسخ ، لأنه لم يدعنا في لبس من ذلك ، ولا في شك من فساد ما أتى به ، بل أكد ذلك وبينه وفضحه وأوضحه بأن قال : إن بكور ذكور بني إسرائيل كانوا اثنين وعشرين ألفا ومائتين وثلاثة وسبعين ، وأن الله تعالى أمر «موسى» أن يأخذ بني لاوي الذكور عن بكور ذكور بني إسرائيل ، وأن يأخذ عن المائتين والثلاثة والسبعين الزائدين من بكور ذكور بني إسرائيل عن الاثنين وعشرين ألفا من بني لاوي عن كل رأس خمسة أثقال فضة ، فاجتمع من ذلك ألف ثقل وثلاثمائة ثقل ، وخمسة وستون ثقلا ، فارتفع الإشكال جملة. (وبالله التوفيق).

وتالله ما سمعنا قط بأخبث طينة ، ولا أفسد جبلة ممن كتب لهم هذا الضلال إلا من اتبعه وصدّق بضلاله. فهذه ست كذبات في نسق ، لو لم يكن في توراتهم منها إلّا واحدة لكان برهانا قاطعا موجبا لليقين بأنها كتاب موضوع بلا شك ، مبدّل محرّف مغير مكذوب. فكيف بجميع ما أوردنا من ذلك ونورد إن شاء الله ، ونعوذ بالله من الخذلان.

ويتلو هذا كذبة سابعة بشيعة شنيعة ، وهي أنهم لا يختلفون في أن داود عليه‌السلام هو ابن «أبشباي بن عونيذ بن بوعز بن شلومون بن نحشون بن عميناداب بن أرام بن حصرون» لا يختلفون في أن «عونيذ» المذكور جد داود أبا أبيه كانت أمه «روث» العمونية التي لها عندهم كتاب مفرد من كتب النبوة ، ولا يختلفون في أن من خروجهم من مصر إلى ولاية «داود» عليه‌السلام كانت ستمائة سنة وستّا وستين.

وفي نص التوراة عندهم وبلا خلاف منهم : أن مقدم بني يهوذا إذ خرجوا من مصر كان «نحشون بن عميناداب» المذكور ، وأنه أخو امرأة «هارون» عليه‌السلام.

وفي نص توراتهم أنهم قالوا : قال الله تعالى : إنه لا يدخل الأرض المقدسة أحد خرج من مصر ، وله عشرون سنة فصاعدا إلا «يوشع بن نون» الأفرايمي ، و «كالب بن يفنّة اليهوذاني» ، فصح ضرورة أن «نحشون» مات في التيه ، وأن الدّاخل في أرض الشام هو

٢٠٥

ابنه «شلومون» الداخل ثم ولادة «داود» عليه‌السلام ، ثم «أبشاي» ثم لا تختلف كتبهم في أن «داود» عليه‌السلام ولي وله ثلاث وثلاثون سنة عند تمام الستمائة سنة وست وستين ، فينبغي أن تسقط سنو «داود» إذ ولي من العدد المذكور ـ يكون الباقي خمسمائة سنة وثلاثا وسبعين سنة لثلاث ولادات. وهي ولادة «أبشاي» وولادة «عونيذ» وولادة «بوعز». فتأملوا : ابن كم كان [عمر كلّ] واحد منهم إذ ولد له ابنه المذكور؟ تعلموا أنه كذب مستحيل في نسبة ذلك من أعمارهم يومئذ لأن في كتبهم نصّا أنه لم يعش أحد بعد موسى عليه‌السلام في بني إسرائيل مائة وثلاثين سنة إلا «يهوباراع» الكوهن الهاروني وحده ، بالضرورة يجب أن كل واحد ممن ذكرنا كان له أزيد من مائة ونيف وأربعين إذ ولد له ابنه المذكور.

وهذه أقوال يكذب بعضها بعضا ، فصح ضرورة لا محيد عنها أنها كلها مبدلة مستعملة محرفة مكذوبة ملعونة ، وثبت أن ديانتهم المأخوذة من هذه الكتب ديانة فاسدة مكذوبة من عمل الفسّاق ضرورة كالشيء المدرك بالعيان واللمس ، ونحمد الله على السلامة.

فصل

شوق بني إسرائيل إلى خضروات الأرض

ثم وصف قيام بني إسرائيل على موسى عليه‌السلام ، وطلبهم منه اللحم للأكل وذكروا شوقهم إلى القرع ، والقثاء ، والبصل ، والكرات ، والثوم الذي تشبه رائحته في الروائح عقولهم في العقول ، وذكروا ضجرهم من المنّ ، والله عزوجل قال لموسى عليه‌السلام : «تقول للعامة تقدسوا غدا تأكلوا اللحم ، ها أنا أسمعكم قائلين : من ذا يطعمنا أكل اللحم؟ قد كنا بخير بمصر ليعطينكم السيد اللحم فتأكلون ، ليس يوما واحدا ولا يومين ، ولا خمسة ، ولا عشرة حتى تكمل أيام الشهر ، حتى يخرج على مناخركم ، ويصيبكم التخم لما تخليتم عن السيّد الذي هو في وسطكم ، ويبكون قدامه قائلين : لما ذا خرجنا من مصر؟ فقال موسى لله تعالى : هم ستمائة ألف رجل ، وأنت تقول : أنا أعطيهم اللحوم شهرا طعما؟ أترى تكثر بذبائح البقر والغنم فيقتاتون بها؟ أم تجمع حيتان البحر معا لتشبعهم؟. فقال له الرب : أترى يد السيد عاجزة؟! سترى أن يوافيك كلامي أم لا»؟

ثم ذكر أن الله تعالى : أرسل ريحا فأتت بالسّمانى (١) من خلف البحر إلى بني

__________________

(١) السمانى : ضرب من الطير ، واحدته سماناة (المعجم الوسيط : ص ٤٥٢).

٢٠٦

إسرائيل فأكلوها ، ودخل اللحم بين أضراسهم ، وأصابهم التخم ، وأخذهم وباء شديد مات منهم به كثير ، وأن هذا كان في الشهر الثاني من السنة الثانية من خروجهم من مصر.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ذكر في هذا الفصل آيات من الله رب العالمين ، وما تأتي له طامة إلّا تكاد تنسي ما قبلها. فأول ذلك : إخبار اللعين المبدل للتوراة بأن الله تعالى إذ قال لموسى : غدا تأكلون اللحم إلى تمام الشهر. قال له موسى : هم ستمائة ألف رجل وأنت تقول : أنا أعطيهم اللحوم طعاما شهرا. أترى تكثر بذبائح البقر والغنم يقتاتون بها ، أو تجمع حيتان البحر معا لتشبعهم؟

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : حاش لله أن يراجع رجل له مسكة عقل ربه عزوجل هذه المراجعة ، وأن يشك في قوته على ذلك ، وعلى ما هو أعظم منه. فكيف رسول نبي؟ أترى «موسى» عليه‌السلام دخله قط شك في أن الله تعالى قادر على أن يكثر بذبائح البقر والغنم حتى يشبعهم؟ أو على أن يأتيهم من حيتان البحر بما يشبعهم منه؟ حاش لله من ذلك. أتراه خفي على «موسى» عليه‌السلام أن الله تعالى هو الذي يرزق جميع بني آدم في شرق الأرض وغربها اللحم وغير اللحم؟ وأنه تعالى رازق سائر الحيوانات كلها من الطائر والعائم والمنساب ، والماشي على رجلين ، وأربع ، وأكثر ، حتى يستنكر أن يشبع شرذمة قليلة لا قدر لها من اللحم. حاش له من ذلك!! فكيف يقول «موسى» عليه‌السلام هذا الكلام الأحمق؟ حاش له من ذلك.

وقبل ذلك بعام وشهر وبعض آخر طلبوا اللحم فأتاهم بالسمانى ، والمنّ ، وأكلوا ذلك بنص توراتهم ، أتراه نسي ذلك في هذه المدة اليسيرة؟ أو يظن أنه قدر على الأولى ويعجز عن الثانية؟ حاش له من هذا الهوس. ثم زيادة في بيان هذا الكذب : أن في توراتهم أن بني إسرائيل إذ خرجوا من مصر مع «موسى» خرجوا بجميع مواشيهم من البقر والغنم ، وأن أهل كل بيت منهم ذبحوا جديا أو خروفا في تلك الليلة.

وذكر في مواضع منها : أنهم أهدوا الكباش والتيوس والخرفان والجديان والبقر والعجول إلى قبة العهد.

وذكروا في آخرها : أن «بني رؤوبين» و «بني جادا» ونصف سبط «بني منسى» كان معهم غنم كثير ، ومن البقر عدد لا يحصى ، في حين ابتداء قتالهم ، وفتحهم لأرض الشام ، فأي عبرة في إشباعهم من اللحم ، واللحم حاضر معهم كثير لا قليل؟ ثلاثة من الغنم كانت تكفي الواحد منهم شهرا كاملا ، وثور واحد كان يكفي أربعة

٢٠٧

منهم شهرا كاملا ، على أن يأكلوا اللحم قوتا حتى يشبعوا بلا خبز ، فكيف إذا تأدموا به؟ فأي عجب في إشباعهم باللحم حتى يراجع «موسى» ربه تعالى بإنكار ذلك من قوة ربه عزوجل ، فهل في العالم أحمق ممن كتب هذه الكذبة الشنيعة الباردة السخيفة الممزوجة بالكفر؟ اللهم لك الحمد على تسليمك لنا مما امتحنتهم به.

فإن قالوا : إنّ في كتابكم أن الله تعالى قال لزكريا : (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى) [سورة مريم : ٧] الآية.

وأن زكريا قال لربه تعالى : (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) [سورة مريم : ٩] الآية (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) [سورة مريم : ١٠]. وفي كتابكم أيضا : أن الملك قال لمريم : (أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) [سورة مريم : ١٩ ، ٢٠] قالت : ربّ أنّى يكون لي غلام؟ الآية (قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) [سورة مريم : ٢١] الآية.

قلنا : ليس في جواب زكريا ومريم عليهما‌السلام اعتراض على بشرى الباري عزوجل لهما ، كما في كتابكم عن موسى عليه‌السلام ، ولا في كلام زكريا ومريم عليهما‌السلام إنكار على أن يعطيهما ولدين ، وهما عقيم وبكر ، إنما سألا أن يعرفا الوجه الذي منه يكون الولد فقط. لأن «أنّى» في اللغة العربية التي بها نزل القرآن بلا خلاف معناها «من أين». فصح ما قلنا من أنهما سألاه أن يعرفهما الله تعالى من أين يكون لهما الولدان؟ أو من أي جهة؟ أبنكاح زكريا لامرأة أخرى؟ أم نكاح رجل لمريم؟

أم من اختراعه تعالى وقدرته؟. فإنما سأل زكريا الآية ليظهر صدقه عند قومه ، ولئلا يظن أنهما أخذاه وادعياه ، هذا هو ظاهر الآيتين اللتين ذكرنا من القرآن دون تكلف تأويل بنقل لفظ أو زيادة أو حذف ، بخلاف ما حكيتم عن موسى من الكلام الذي لا يحتمل إلا التكذيب فقط.

فصل

معاندة هارون ومريم لموسى عليهم‌السلام

وبعد ذلك ذكر قيام «مريم» و «هارون» أخي موسى عليه‌السلام معاندين «لموسى» من أجل امرأته الحبشية.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وكيف تكون حبشية؟ وقد قال في أول

٢٠٨

توراتهم إنها بنت «يثرون» المدياني ، وهو بلا شك من ولد «مدين بن إبراهيم» عليه‌السلام فأحد هذين القولين يكذب الآخر.

فصل

طلب موسى من الأسباط أن يخرجوا للأرض المقدسة

ذكر كما ذكرنا أن في الشهر الثاني من السنة الثانية من خروجهم من مصر كان طلبهم اللحم كما ذكرنا ، وأنه بعد ذلك وقع لهارون و «مريم» الشغب مع «موسى» أخيهما عليه‌السلام ـ كما ذكرنا ـ وأن «مريم» مرضت وأخرجت من المعسكر سبعة أيام حتى برئت ثم رجعت ، وأن بعد ذلك وجه «موسى» عليه‌السلام الاثني عشر رجلا الذين كان من جملتهم «هوشع (١) بن نون» الأفرايمي ، و «كالب بن يفنّة» اليهوذاني ، ليروا الأرض المقدسة وذكر أنهم طافوها في أربعين يوما ، ثم رجعوا ، وخوّفوا بني إسرائيل ، حاشا «كالب» و «هوشع». وأن الله تعالى سخط عليهم ، وأهلكهم ، وأوحى إلى موسى : «أما جيفكم فستكون ملقاة في المفاز ، ويكون أولادكم سابحين في المفاز أربعين سنة على عدد الأربعين يوما التي دوختم فيها البلد ، أجعل لكم كل يوم سنة ، وتكافئون أربعين سنة بخطاياكم». وأنهم بقوا في التيه أربعين سنة ، فلما أتموها أمرهم الله عزوجل بالحركة فتحركوا ، ثم ماتت «مريم» أخت «موسى» عليه‌السلام ، ثم مات «هارون» عليه‌السلام ، ثم حارب «موسى» «عوج» و «سحون» الملكين ، وأخذ بلادهما ، وأعطى بلادهما لبني رؤوبين ، و «بني جادا» ، ونصف سبط «منسى» ثم حارب المدنيين (٢) وقتل ملوكهما ، ثم إنه عليه‌السلام مات وله مائة سنة وعشرون سنة.

وفي صدر توراتهم : أنه عليه‌السلام إذ خرج عن مصر كان له ثمانون سنة هذا كله نص توراتهم حرفا حرفا.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا كذب فاحش ، وقد قلنا : إن الذي عمل لهم التوراة التي بأيديهم كان قليل العلم بالحساب ، ثقيل اليد فيه جدّا ، أو عيّارا (٣) ،

__________________

(١) المعروف «يوشع» بالياء.

(٢) كذا بالأصل ، ولعلها «المديانيين».

(٣) العيّار من الرجال : الذي يخلّي نفسه وهواها لا يردعها ولا يزجرها (المعجم الوسيط : ص ٦٣٩).

٢٠٩

ماجنا مستخفّا لا دين له سخر منهم بأمثال التيوس والحمير. لأنه إذا خرج وله ثمانون سنة وبقي بعد خروجه سنة وشهرا ، ثم قاتلوا ملوكا عدة وقتلوهم وأخذوا بلادهم وأموالهم ، فقد اجتمع من ذلك ضرورة زيادة على المائة والعشرين سنة أكثر من سنة ولا بد ، والأغلب أنهما سنتان زائدتان ، فكذب ولا بدّ في سنّ موسى إذ مات ، أو كذب الوعد الذي أخبر عن الله تعالى بتيههم أربعين سنة ، حاشا للباري تعالى أن يكذب ، أو أن يغلط في دقيقة أو أقل ، وحاشا لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مثل ذلك ، وصحّ أنها مولدة موضوعة.

فصل

طلب موسى من قومه عدم السماع لأدعياء النبوة

ثم ذكر في السفر الخامس فقال : إن طلع فيكم نبي وادّعى أنه رأى رؤيا وأتاكم بخبر ما يكون ، وكان ما وصفه ثم قال لكم بعد ذلك : اتبعوا أبناء آلهة الأجناس فلا تسمعوا له.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : في هذا الفصل شنعة من شنع الدّهر ، وتدسيس كافر مبطل للنبوات كلها ، لأنه أثبت النبوة بقوله : إن طلع فيكم نبي ويصدقه في الأخبار بما يكون ثم أمرهم بمعصيته إذا دعاهم إلى اتباع آلهة الأجناس ، وهذا تناقض فاحش ، ولئن جاز أن يكون نبي يصدق فيما ينذر به يدعو إلى الباطل والكفر ، فلعل موسى صاحب هذه الوصية من أهل هذه الصفة ، وما الذي يؤمننا من ذلك؟ وهل هاهنا شيء يوجب تصديقه واتباعه ويبينه من الكذابين إلا ما صحح نبوته من المعجزات؟ فلما لزمت معصيته إذا أمر بباطل فإن معصية موسى لازمة وغير جائزة في شيء مما أمر به ، إذ لعلّه أمر بباطل إذ كان في الممكن أن يكون نبي يأتي بالمعجزات يأمر بباطل ، وحاشا لله من أن يقول موسى عليه‌السلام هذا الكلام. والله ما قاله قط ، ولقد كذب عليه الكذاب المبدل للتوراة. وكذلك حاشا لله من أن يكون نبي من الأنبياء يكذب أو يأمر بباطل ، وحاشا لله أن تظهر آية على يدي من يمكن أن يكذب ، أو يأمر بباطل ، هذا هو التلبيس من الله على عباده ، ومزج الحق بالباطل وخلطهما حتى لا يقوم برهان على تحقيق حق ولا إبطال باطل.

واعلموا أن هذا الفصل من توراتهم ، والفصل الملعون الذي فيه أن السحرة عملوا مثل بعض ما عمل «موسى» عليه‌السلام ، فإنهما مبطلان على اليهود المصدقين بهما

٢١٠

نبوة كل نبي يقرون له بنبوة قطعا ، لأنه لا فرق فيهما بين «موسى» وسائر أنبيائهم ، وبين الكذابين والسحرة ، وحاشا لله من هذا ، وبه تعالى نعوذ من الخذلان.

هذا مع قوله بعد ذلك : «وأيما نبي أحدث فيكم من ذاته نبوة ممّا لم نأمر به ، ولم أعهد إليه به ، أو تنبأ فيكم يدعو للآلهة والأوثان فاقتلوه».

فإن قلتم في أنفسكم : من أين يعلم أنه من عند الله أو من ذاته؟ فهذا علمه فيكم ، إذا أنبأ بشيء ولم يكن ، فاعلموا أنه من ذاته.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا كلام صحيح ، وهذا مضادّ للذي قبله من أنه ينبئ بالشيء فيكون كما قال ، وهو مع ذلك يدعو إلى عبادة غير الله ، والقوم مخذولون نقلوا دينهم عن زنادقة مستخفين لا مئونة عليهم أن ينسبوا إلى الأنبياء عليهم‌السلام الكفر والضلال والكذب والعهر كالذي ذكرنا قبل ، وكنسبتهم إلى «هارون» عليه‌السلام : أنه هو الذي عمل العجل لبني إسرائيل ، وبنى له مذبحا ، وقرب له القربان ، وجرّد أستاه قومه للرقص والغناء قدام العجل عراة.

وكما نسبوا إلى سليمان عليه‌السلام : أنه قرّب القرابين للأوثان على الكدى (١) ، وأنه قتل «يواب بن صوريا» صبرا ، وهو نبي مثله.

وكما نسبوا إلى «شاول» وهو نبي عندهم يوحى إليه قتل النفوس ظلما.

ونسبوا إلى «بلعام بن ناعورا» (٢) وهو نبي عندهم يوحي الله تعالى إليه مع الملائكة العون على الكفر ، وأن «موسى» وجيشه قتلوه.

ثم نسبوا النبوة إلى «منسى بن حزقيا» الملك ، وهو بإقرارهم كافر ملعون يعبد الأوثان ، ويقتل الأنبياء.

وينسبون المعجزات إلى «شمشون» الدابي ، وهو عندهم فاسق مشهور بالفسق ، متعشق للفواسق ملم بهنّ. وينسبون المعجزات إلى السحرة.

__________________

(١) الكدى (بفتح الكاف والدال) : جمع كداة ، وهو كل ما جمع من تراب ونحوه فجعل كثبة.

والكدى (بضم الكاف) : جمع كدية ، وهي الأرض الغليظة أو الصلبة لا تعمل فيها الفأس. انظر المعجم الوسيط (ص ٧٨٠).

(٢) ورد هذا الاسم في بعض المصادر الإسلامية «باعوراء» بالباء.

٢١١

فاعجبوا لعظيم بليتهم ، واحمدوا الله على السلامة ، واسألوه العافية لا إله إلّا هو.

فصل

ثم قال في آخر توراتهم : فتوفي «موسى» عبد الله بذلك الموضع في أرض «مواب» مقابل بيت «فغور» ، ولم يعرف آدمي موضع قبره إلى اليوم ، وكان موسى يوم توفي ابن مائة وعشرين سنة لم ينقص بصره ولا تحركت أسنانه ، فنعاه بنو إسرائيل في أوطنة «مواب» ثلاثين يوما ، وأكملوا نعيه.

ثم إن «يوشع بن نون» امتلأ من روح الله ، إذ جعل موسى يديه عليه وسمع له بنو إسرائيل ، وفعلوا ما أمر الله به «موسى» ، ولم يخلف «موسى» في بني إسرائيل نبي مثله ، ولا من يكلمه الله مواجهة في جميع عجائبه التي فعل يديه بأرض مصر في فرعون مع عبيده ، وجميع أهل مملكته ، ولا من صنع ما صنع موسى في جماعة بني إسرائيل.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا آخر توراتهم وتمامها ، وهذا الفصل شاهد عدل وبرهان تام ، ودليل قاطع ، وحجة صادقة في أن توراتهم مبدّلة ، وأنها تاريخ مؤلف كتبه لهم من تخرّص (١) بجهله ، أو تعمّد بكفره ، وأنها غير منزلة من عند الله تعالى ، إذ لا يمكن أن يكون هذا الفصل منزلا على موسى في حياته ، فكان يكون إخبارا عنهما ، لم يكن بمساق ما قد كان ، وهذا هو محض الكذب تعالى الله عن ذلك.

وقوله «لم يعرف قبره آدمي إلى اليوم» بيان لما ذكرنا كاف ، وأنه تاريخ ألف بعد دهر طويل ولا بد.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هاهنا انتهى ما وجدنا من التوراة لليهود التي اتفق عليها الربانيون ، والعانانيون ، والعيسويون ، والصدوقيون منهم مع النصارى أيضا بلا خلاف منهم فيها من الكذب الظاهر في الأخبار وفيما يخبر به عن الله تعالى ثم عن ملائكته ، ثم عن رسله عليهم‌السلام من المناقضات الظاهرة ، والفواحش المضافة إلى الأنبياء عليهم‌السلام ، ولو لم يكن فيها إلّا فصل واحد من الفصول التي ذكرنا لكان موجبا ولا بدّ لكونها موضوعة محرفة مبدّلة مكذوبة ، فكيف وهي سبعة وخمسون فصلا ، من جملتها فصول يجمع الفصل الواحد منها سبع كذبات أو مناقضات فأقل ،

__________________

(١) التخرّص : التكذّب بالباطل (المعجم الوسيط : ص ٢٢٧).

٢١٢

سوى ثمانية عشر فصلا يتكاذب فيها نص توراة اليهود مع نص تلك الأخبار بأعيانها عند النصارى ، والكذب لائح ولا بد في إحدى الحكايتين ، فما ظنكم بمثل هذا العدد من الكذب والمناقضة في مقدار توراتهم؟ وإنما هي مقدار مائة ورقة وعشرة أوراق في كل صفحة منها ثلاثة وعشرون سطرا إلى نحو ذلك بخط هو إلى الانفساح أقرب يكون في السطر بضع عشرة كلمة.

٢١٣

كيف حرفت التوراة؟

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ونحن نصف إن شاء الله تعالى حال كون التوراة عند بني إسرائيل من أول دولتهم إثر موت موسى عليه‌السلام إلى انقراض دولتهم ، إلى رجوعهم إلى بيت المقدس إلى أن كتبها لهم «عزرا» الوراق بإجماع من كتبهم ، واتفاق من علمائهم دون خلاف يوجد من أحد منهم في ذلك ، وما اختلفوا فيه من ذلك ، نبهنا عليه ليتيقن كل ذي فهم أنها محرفة مبدلة ـ وبالله تعالى نستعين.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : دخل بنو إسرائيل الأردن وفلسطين والغور مع «يوشع بن نون» مدبر أمرهم عليه‌السلام إثر موت «موسى» عليه‌السلام ، ومع «يوشع» «العازار بن هارون عليه‌السلام» صاحب السرادق بما فيه ، وعنده التوراة لا عند أحد غيره بإقرارهم ، فدبر «يوشع» عليه‌السلام أمرهم في استقامة وألزمهم للدّين إحدى وثلاثين سنة مذ مات «موسى» عليه‌السلام إلى أن مات «يوشع» ثم دبرهم «فينحاس بن العازار بن هارون» وهو صاحب السرادق ، والكوهن الأكبر ، والتوراة عنده لا عند أحد غيره خمسا وعشرين سنة في استقامة والتزام للدين ، ثم مات وطائفة منهم عظيمة يزعمون أنه حيّ إلى اليوم وثلاثة أنفس إليه ، وهم «إلياس» النبي الهاروني عليه‌السلام ، وملكيصيدق بن قالع بن عامر بن أرفخشاذ بن سام بن نوح عليه‌السلام ، والعبد الذي بعثه إبراهيم عليه‌السلام ليزوّج إسحاق عليه‌السلام «رفقة بنت بتوئيل بن ناخور» أخي إبراهيم عليه‌السلام ، فلما انقضت المدة المذكورة «لفينحاس» «بن العازار» ، كفر بنو إسرائيل ، وارتدوا كلهم ، وعبدوا الأوثان علانية ، فملكهم كذلك ملك «صور» و «صيدا» مدة ثمانية أعوام على الكفر ، ثم دبّر أمرهم «عثنيال بن قنار ابن أخي كالب بن يفنة بن يهوذا» أربعين سنة على الإيمان ، ثم مات فكفر بنو إسرائيل كلهم ، وارتدّوا ، وعبدوا الأوثان علانية ، فملكهم كذلك «عغلون» ملك «بني مواب» ثماني عشرة سنة على الكفر ، ثم دبر أمرهم «أهوذ بن قار» ، قيل إنه من سبط «أفرايم» ، وقيل من سبط «بنيامين» ، واختلف أيضا في مدة رئاسته ، فقيل ثمانون سنة ، وقيل خمس وخمسون سنة على الإيمان إلى أن مات. ثم دبرهم «سمعان بن غاث ابن سبط أشار» خمسا وعشرين

٢١٤

سنة على الإيمان ، ثم مات فكفر بنو إسرائيل كلهم ، وعبدوا الأوثان جهارا ، فملكهم كذلك «مراش» الكنعاني عشرين سنة على الكفر ، ثم دبّرت أمرهم «دبور» النبتية من سبط «يهوذا» ، وكان زوجها رجلا يسمى «السدوث» من سبط أفرايم إلى أن ماتت وهم على الإيمان ، فكان مدة تدبيرها لهم أربعون سنة ، فلما ماتت كفر بنو إسرائيل كلهم وارتدوا وعبدوا الأوثان جهارا ، فملكهم «عوزيب» و «زاب» ملك بني مدين سبع سنين على الكفر. ثم دبّر أمرهم «جدعون بن يوآش» من سبط «أفرايم» ، وقيل بل من سبط «منسى» وهم يصفون أنه كان نبيا وكان له واحد وسبعون ابنا ذكورا ، فملكهم على الإيمان أربعين سنة ، ثم مات وولي ابنه أبو مالك بن جدعون ، وكان فاسقا خبيث السيرة ، فارتد جميع بني إسرائيل ، وكفروا وعبدوا الأوثان جهارا ، وأعانه أخواله من أهل «نابلس» من بني إسرائيل من سبط يوسف بتسعين ديرا من بيت «ماعل» الصنم ، ومضوا معه فقتل جميع إخوته ، حاشا واحدا منهم أفلت وبقي كذلك ثلاث سنين إلى أن قتل ، ودبّرهم بعده «مولع بن قوا» من سبط «يساخر» ، ولم نجد بيانا هل كان على الإيمان أو على الكفر خمسا وعشرين سنة ، ثم مات ، ثم دبّر أمرهم بعده «بابين بن جلعاد» من سبط «منسى» اثنين وعشرين عاما على الإيمان إلى أن مات. وكان له اثنان وثلاثون ولدا ذكورا قد ولي كل واحد منهم مدينة من مدائن بني إسرائيل ، فارتدّ بنو إسرائيل كلهم بعد موته ، وعبدوا الأوثان جهارا ، وملكهم «بنو عمون» ثمان عشرة سنة متصلة على الكفر ، ثم قام فيهم رجل من سبط «منسى» اسمه «هيلع» بن «جلعاد» ولا يختلفون في أنه كان ابن زانية ، وكان فاسقا خبيث السيرة ، نذر إن أظفره الله بعدوه ، أن يقرب لله سبحانه وتعالى أول من يلقاه من منزله ، فأول من لقيه ابنته ، ولم يكن له ولد غيرها فوفى بنذره وذبحها قربانا ، وكان في عصره نبي فلم يلتفت إليه ، وأنه قتل من «بني أفرايم» اثنين وأربعين ألف رجل ، فملكهم ست سنين ، ثم مات ، فوليهم بعده «أفصان» من سبط «يهوذا» من سكان بيت لحم ، وكان له ثلاثون ابنا ذكورا ، فوليهم سبع سنين ، وقيل ست سنين ، ثم مات ، والأظهر من حاله على ما توجبه أخبارهم الاستقامة ، ووليهم بعده «أيلون» من سبط «زبلون» عشر سنين إلى أن مات. وولي بعده عبدون بن هلال من سبط «أفرايم» ثماني سنين على الإيمان ، وكان له أربعون ولدا ذكورا ، فلما مات ارتد بنو إسرائيل كلهم ، وكفروا وعبدوا الأوثان جهارا ، فملكهم الفلسطينيون وهم الكنعانيون وغيرهم أربعين سنة على الكفر ، ثم دبرهم «شمشون بن مانوح» من سبط «داني» وكان مذكورا عندهم بالفسق واتباع الزواني ، فدبّرهم عشرين سنة ، وينسبون إليه المعجزات ، ثم أسر ومات ، فدبر بنو إسرائيل بعضهم بعضا في سلامة وإيمان أربعين سنة

٢١٥

بلا رئيس يجمعهم ، ثم دبرهم الكاهن الهاروني على الإيمان عشرين سنة إلى أن مات ، ثم دبّرهم «شمويل» بن «فتان» النبي من سبط «أفرايم» قيل عشرين سنة ، وقيل أربعين سنة ، كل ذلك في كتبهم على الإيمان. وذكروا أنه كان له ابنان «يوهال» و «أبيا» يجوران في الحكم ويظلمان الناس ، وعند ذلك رغبوا إلى «شمويل» أن يجعل لهم ملكا ، فولّى عليهم «شاول الدّباغ ابن قيش بن أنيل بن شارون بن بورات بن آسيا بن خس» من سبط «بنيامين» وهو «طالوت» ، فوليهم عشرين سنة ، وهو أول ملك كان لهم ، ويصفونه بالنبوة وبالفسق والظلم والمعاصي معا ، وأنه قتل من بني «هارون» نيفا وثمانين شابا وقتل نساءهم وأطفالهم ، لأنهم أطعموا «داود» عليه‌السلام خبزا فقط.

فاعلموا الآن أنه كان مذ دخلوا الأرض المقدسة إثر موت «موسى» عليه‌السلام إلى ولاية أول ملك لهم وهو «شاول» المذكور سبع ردّات فارقوا فيها الإيمان ، وأعلنوا عبادة الأصنام.

فأولها : بقوا فيها ثمانية أعوام. والثانية : ثمانية عشر عاما. والثالثة : عشرين عاما. والرابعة : سبعة أعوام. والخامسة : ثلاثة أعوام وربما أكثر. والسادسة : ثمانية عشر عاما. والسابعة : أربعين عاما.

فتأملوا!! أي كتاب يبقى مع تمادي الكفر ورفض الإيمان هذه المدد الطوال في بلد صغير مقدار ثلاثة أيام في مثلها فقط ، ليس على دينهم واتباع كتابهم أحد على ظهر الأرض غيرهم.

ثم مات «شاول» المذكور مقتولا ، وولي أمرهم «داود» عليه‌السلام وهم ينسبون إليه الزنى علانية بأم سليمان عليه‌السلام ، وأنها ولدت منه من «الزنى» ابنا مات قبل ولادة سليمان.

فعلى من يضيف هذا إلى الأنبياء عليهم‌السلام ألف ألف لعنة.

وينسبون إليه أنه قتل جميع أولاد «شاول» لذنب أبيهم ، حاشا صغيرا مقعدا كان فيهم فقط. وكانت مدته عليه‌السلام أربعين سنة.

ثم ولي «سليمان» عليه‌السلام ، وقد وصفوه بما ذكرنا قبل. وذكروا عنه أن نفقته فرضها على الأسباط ، لكل سبط شهر من السنة. وأن جنده كانوا اثني عشر ألف فارس على الخيل ، وأربعين ألفا على الرمك (١) ، خلافا لما في التوراة ، أن لا يكثروا من

__________________

(١) الرّمك (بفتح الراء والميم) : جمع رمكة ، وهي الفرس البرذونة تتخذ للنسل (المعجم الوسيط : ص ٣٧٣).

٢١٦

الخيل ، وهو الذي بنى الهيكل في بيت المقدس وجعل فيه السرادق والمذبح والمنارة الآن والقربان والتوراة ، والتابوت ، وسكنه بني هارون ، فكانت ولايته أربعين سنة. ثم مات عليه‌السلام ، فافترق أمر بني إسرائيل ، فصار «بنو يهوذا» ، و «بنو بنيامين» لبني «سليمان بن داود» عليه‌السلام في بيت المقدس. وصار ملك الأسباط العشرة الباقية إلى ملك آخر منهم يسكن «بنابلس» على ثمانية عشر ميلا من «بيت المقدس» ، وبقوا كذلك إلى ابتداء إدبار أمرهم على ما نبين إن شاء الله تعالى ، فنذكر بحول الله تعالى وقوته أسماء ملوك بني سليمان عليه‌السلام وأديانهم ، ثم نذكر ملوك الأسباط العشرة ، وبالله عزوجل نتأيد ، ليرى كل واحد كيف كانت حال التوراة ، والديانة في أيام دولتهم.

ملوك الأسباط العشرة

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ولي إثر موت «سليمان بن داود» عليه‌السلام ابنه «رحبعام بن سليمان» وله ست عشرة سنة. وكانت ولايته سبعة عشر عاما ، فأعلن الكفر طول ولايته ، وعبد الأوثان جهارا هو وجميع رعيته وجنده بلا خلاف منهم. ويقولون : إن جنده كانوا مائة ألف وعشرين ألف مقاتل ، وفي أيامه غزا ملك مصر في سبعة آلاف فارس ، وخمسة عشر ألف رجل بيت المقدس ، فأخذها عنوة بالسيف وهرب «رحبعام» ، وانتهب ملك مصر المدينة والقصر والهيكل وأخذ كل ما فيها ، ورجع إلى مصر سالما غانما.

ثم مات «رحبعام» على الكفر ، فولي مكانه ابنه «أبيا» وله ثماني عشرة سنة ، فبقي على الكفر هو وجنده ورعيته ، وعلى عبادة الأوثان علانية. وكانت ولايته ست سنين. ويقولون : قتل من الأسباط العشرة في حروبه معهم خمسمائة ألف إنسان.

ثم ولي بعد موته ابنه «أشا بن أبيا» وله عشر سنين ، وكان مؤمنا ، فهدم بيوت الأوثان ، وأظهر الإيمان ، وبقي في ولايته إحدى وأربعين سنة على الإيمان. وذكروا أن جنده كانوا ثلاثمائة آلاف مقاتل من «بني يهوذا» ، واثنين وخمسين ألفا من «بني بنيامين».

ومات وولي بعده ابنه : «يهوشافاط بن أشا» وهو ابن خمس وثلاثين سنة ، فكانت ولايته : خمسا وعشرين سنة ، وذكروا عنه أنه كان على الإيمان إلى أن مات.

فولي ابنه «يهورام بن يهوشافاط» : ولم نجد أمر سيرته ودينه إلا أنه كان مؤلفا

٢١٧

لعبادة الأوثان من ملوك سائر الأسباط. وولي وله اثنان وثلاثون سنة ، وكانت ولايته ثمانية أعوام ، ومات.

فولي مكانه ابنه «أحزياهو» وله اثنان وعشرون سنة فأظهر الكفر وعبادة الأصنام في جميع رعيته ، وكانت ولايته سنة وقتل. فوليت أمه «عثليا هو» بنت عمرى ملك العشرة الأسباط ، فتمادت على أشد ما يكون من الكفر وعبادة الأوثان ، وقتلت الأطفال ، وأمرت بإعلان الزنى في البيت المقدس ، وجميع عملها ، وعهدت ألا تمنع امرأة ممن أراد الزنى معها ، وعهدت أن لا ينكر ذلك أحد ، فبقيت كذلك ست سنين إلى أن قتلت.

فولي ابن ابنها «يؤاش بن أحزياهو» : وله سبع سنين ، فاتصلت ولايته أربعين سنة ، وأعلن الكفر ، وعبادة الأوثان ، وقتل «زكريا» النبي عليه‌السلام بالحجارة ، ثم قتله غلمانه فولي بعده ابنه «أمصياهو بن يؤاش» : وله خمس وعشرون سنة ، فأعلن الكفر وعبادة الأوثان هو وجميع رعيته فبقي كذلك إلى أن قتل وهو على الكفر ، وكانت ولايته تسعا وعشرين سنة ، وفي أيامه انتهب ملك الأسباط العشرة البيت المقدس ، وأغاروا على كل ما فيه مرتين.

ثم ولي بعده «عزياهو بن أمصياهو» ، وله ست عشرة سنة ، فأعلن الكفر وعبادة الأوثان هو وجميع رعيته إلى أن مات. وكانت ولايته اثنتين وخمسين سنة وهو قتل «عاموص» النبي عليه‌السلام الداودي.

فولي بعده ابنه «يوثام بن عزياهو» وله خمس وعشرون سنة ولم نجد له سيرة ، وكانت ولايته ست عشرة سنة فمات.

فولي مكانه ابنه «أحاز بن يوثام» وله عشرون سنة ، فأعلن الكفر وعبادة الأوثان ، وكانت ولايته ست عشرة سنة إلى أن مات.

فولي بعده ابنه «حزقيا بن أحاز» ، وله خمس وعشرون سنة ، وكانت ولايته تسعا وعشرين سنة فأظهر الإيمان ، وهدم بيوت الأوثان ، وقتل خدمتهما ، وبقي على الإيمان إلى أن مات هو وجميع رعيته ، وفي السنة السابعة من ولايته انقطع ملك العشرة الأسباط من بني إسرائيل ، وغلب عليهم «سليمان» الأعسر ملك «الموصل» ، وسباهم ونقلهم إلى «آمد» و «بلاد الجزيرة».

وسكن في بلاد الأسباط العشرة أهل «آمد» والجزيرة ، فأظهروا دين «السّامرة» الذين هناك إلى اليوم.

٢١٨

ثم مات «حزقيا» ، وولي بعده ابنه «منسى بن حزقيا» ، وله اثنتا عشرة سنة ففي السنة الثالثة من ملكه أظهر الكفر ، وبنى بيوت الأوثان ، وأظهر عبادتها هو وجميع أهل مملكته. وقتل «شعيا» النبي ، قيل نشره بالمنشار من رأسه إلى مخرجه ، وقيل قتله بالحجارة وأحرقه بالنار ، والعجب كله أنهم يصفون في بعض كتبهم بأن الله أوحى إليه مع ملك من الملائكة ، وأن ملك «بابل» كان أسره وحمله إلى بلده وأدخله في ثور نحاس ، وأوقد النار تحته ، فدعا الله فأرسل إليه ملكا فأخرجه من الثور ، وردّه إلى بيت المقدس ، وأنه تمادى مع ذلك كله على كفره حتى مات ، وكانت ولايته خمسا وخمسين سنة ، فقولوا يا معشر السامعين ، بلد تعلن فيه عبادة الأوثان ، وتبنى هياكلها ، ويقتل من وجد فيه من الأنبياء ، كيف يجوز أن يبقى فيه كتاب الله سالما؟ أم كيف يمكن هذا؟

فلما مات «منسى» ولي مكانه ابنه «آمون بن منسى» وهو ابن اثنين وعشرين عاما ، فكانت ولايته سنتين على الكفر وعبادة الأوثان إلى أن مات.

فولي مكانه ابنه «يوشيا بن آمون» وهو ابن ثمان سنين. ففي السنة الثالثة من ملكه أعلن الإيمان ، وكسر الصلبان وأحرقها ، واستأصل هياكلها ، وقتل خدامها ، ولم يزل على الإيمان إلى أن قتل ، قتله ملك مصر. وفي أيامه أخذ «أرميا» النبي السرادق والتابوت والنار ، وأخفاها حيث لا يدري أحد لعلمه بفوت ذهاب أمرهم.

ثم ولي بعده ابنه «يهوياحوز بن يوشيا» ، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة ، فأعلن الكفر وردّ عبادة الأوثان ، وأخذ التوراة من الكاهن الهاروني ونشر منها أسماء الله حيث وجدها ، وكانت ولايته ثلاثة أشهر ، وأسره ملك مصر.

فولي مكانه «يهوياقيم بن يوشيا» أخوه ، وهو ابن خمس وعشرين سنة فأعلن الكفر وبنى بيوت الأوثان هو وجميع أهل مملكته ، وقطع الدين جملة ، وأخذ التوراة من الهاروني فأحرقها بالنار ، وقطع أثرها ، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة ، ومات.

فولي مكانه ابنه «يهوياكين بن يهوياقيم» وتلقب «بنخيا» وهو ابن ثماني عشرة سنة فأقام على الكفر وأعلن عبادة الأوثان. وكانت ولايته ثلاثة أشهر ، وأسره «بختنصر».

فولي مكانه عمه «متنيا بن يوشيا» وتلقب «صدقيا» وهو ابن إحدى وعشرين سنة فثبت على الكفر ، وأعلن عبادة الأوثان هو وجميع أهل مملكته ، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة ، وأسره «بختنصر» وهدم البيت والمدينة ، واستأصل جميع بني إسرائيل ، وأخلى البلد منهم ، وحملهم مسبيين إلى بلد «بابل». وهو آخر ملوك بني إسرائيل ، وبني

٢١٩

سليمان جملة ، فهذه كانت صفة ملوك بني «سليمان بن داود» عليهما‌السلام.

فاعلموا الآن أن التوراة لم تكن من أول دولتهم إلى انقضائها إلّا عند الهاروني الكوهن الأكبر وحده في الهيكل فقط.

وأما ملوك الأسباط العشرة فلم يكن فيهم مؤمن قط ولا واحد فما فوقه ، بل كانوا كلهم معلنين عبادة الأوثان ، مخيفين للأنبياء ، مانعين القصد إلى «بيت المقدس» ، لم يكن فيهم نبي قط إلّا مقتولا ، أو هاربا مخافا.

فإن قيل : أليس قد قتل «إلياس» جميع أنبياء «بابل» لأجل الوثن الذي كان يعبده الملك ، والنخلة التي كانت تعبدها بني إسرائيل ، وهم ثمانمائة وثمانون رجلا؟ قلنا : إنما كان بإقرار كتبهم في مشهد واحد ، ثم هرب من وقته وطلبته امرأة الملك لتقتله ، وما أبصره أحد.

فأول ملوك الأسباط العشرة «يربعام بن ناباط» الأفرايمي ، وليهم إثر موت «سليمان» النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فعمل من حينه عجلين من ذهب وقال : هذان إلهاكم اللذان خلصاكم من مصر ، وبنى لهما هيكلين ، وجعل لهما سدنة من غير «بني لاوي» وعبدهما هو وجميع أهل مملكته ، ومنعهم من المسير إلى بيت المقدس ، وهو كان شريعتهم لا شريعة لهم غير القصد إليه والقربان فيه ، فملك أربعا وعشرين سنة ، ثم مات.

وولي ابنه «ناداب بن يربعام» على الكفر المعلن سنتين ثم قتل هو وجميع أهل بيته.

وولي «بعشا بن إيلا» من «بني يساخر» على عبادة الأوثان علانية أربعا وعشرين سنة.

وولي ولده «إيلا بن بعشا» على الكفر وعبادة الأوثان سنتين إلى أن قام عليه رجل من قواده اسمه «زمري» فقتله وجميع أهل بيته.

وولي «زمري» سبعة أيام ، فقتل وأحرق عليه داره ، وافترق أمرهم على رجلين ، أحدهما يسمى «تبنى بن جينة» والآخر «عمرى» فبقيا كذلك اثني عشر عاما ، ثم مات «تبنى» وانفرد بملكهم «عمرى» فبقي كذلك ثمانية أعوام على الكفر وعبادة الأوثان إلى أن مات.

وولي بعده ابنه «أحاب بن عمرى» على أشد ما يكون من الكفر وعبادة الأوثان إحدى وعشرين سنة. وفي أيامه كان إلياس النبي عليه‌السلام هاربا عنه في الفلوات ،

٢٢٠