الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

يقولون : إنه بقي في تلك المغارة شريدا طريدا فقيرا لا شيء له يرجع إليه. فكيف يدخل في عقل من له أقل إيمان أن إبراهيم عليه‌السلام يترك ابن أخيه الذي تغرب معه ، وآمن به ، ثم تنبأ مثله يضيع ويسكن في مغارة مع ابنتيه فقيرا هالكا وهو على ثلاثة أميال منه؟! وإبراهيم على ما ذكر في التوراة عظيم المال ، مفرط الغنى ، كثير اليسار من الذهب والفضة ، والعبيد والإماء ، والجمال والبقر والغنم والحمير ، ويقولون في توراتهم : إنه ركب في ثلاثمائة مقاتل وثمانية عشر مقاتلا لحرب الذين سبوا لوطا وماله حتى استنقذوه وماله. فكيف يضيعه بعد ذلك هذا التضييع؟ ليست هذه صفات الأنبياء ولا كرامتهم ، ولا صفات من فيه شيء من الخير ، لكن صفات الكلاب الذي وضعوا لهم هذه الخرافات الباردة التي لا فائدة فيها ، ولا موعظة ، ولا عبرة حتى ضلوا بها ، ونعوذ بالله من الخذلان.

فصل

أسر فرعون لسارة زوجة إبراهيم عليه‌السلام

وفي موضعين من توراتهم المبدّلة : أنّ سارة امرأة إبراهيم عليه‌السلام أخذها فرعون ملك مصر ، وأخذها ملك الخلص أبو مالك مرة ثانية ، وأن الله سبحانه وتعالى أرى الملكين في منامهما ما أوجب ردّها إلى إبراهيم عليه‌السلام. وذكر أن سنّ إبراهيم عليه‌السلام إذ انحدر من «حران» (١) خمسة وسبعون عاما ، وأن إسحاق ولد له وهو ابن مائة سنة ، ولسارة إذ ولد تسعون عاما فصح أنه كان يزيد عليها عشر سنين. وذكر أن ملك الخلص أخذها بعد أن ولدت إسحاق ـ وهي عجوز مسنة بإقرارها بلسانها إذ بشرت بإسحاق ـ فكيف بعد أن ولدته وقد جاوزت تسعين عاما؟ ومن المحال أن تكون في هذا السن تفتن ملكا ، وأن إبراهيم قال في كلتا المرتين هي أختي ، وذكر عن إبراهيم أنه قال للملك هي أختي بنت أبي لكن ليست من أمي فصارت لي زوجة. فنسبوا في نص توراتهم إلى إبراهيم عليه‌السلام أنه تزوّج أخته. وقد وقفت على هذا الكلام من بعض من شاهدناه منهم ، وهو إسماعيل بن يوسف الكاتب المعروف بابن النغرالي ، فقال لي : إن نص اللفظة في التوراة «أخت»

__________________

(١) حرّان : مدينة قديمة قصبة ديار مضر بينها وبين الرّها يوم وبين الرقة يومان. قيل : هي أول مدينة بنيت بعد الطوفان ، وكانت منازل الصابئة الحرانيين الذين يذكرهم مصنفو الملل والنحل. وهي مهاجر الخليل عليه‌السلام. انظر مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع (ص ٣٨٩).

١٦١

وهي لفظة تقع في العبرانية على الأخت وعلى القريبة ، فقلت : يمنع من صرف هذه اللفظة إلى القريبة هاهنا قوله : «لكن ليست من أمي وإنما بنت أبي». فوجب أنه أراد الأخت بنت الأب. وأقل ما في هذا إثبات النسخ الذي تفرون منه. فخلط ولم يأتي بشيء.

فصل

إبراهيم عليه‌السلام له أكثر من زوجة

ثم ذكرت (١) موت سارة وقال : «تزوّج إبراهيم عليه‌السلام امرأة اسمها «قطورة» وولدت له «زمران» و «يقشان» و «مدان» و «مديان» و «يشبق» و «شوحا» وأعطى إبراهيم جميع ماله لإسحاق ، وأعطى بني الإماء عطايا وأبعدهم عن إسحاق».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا نص الكلام كله متتابعا مرتبا ، ولم يذكر له زوجة في حياة «سارة» ، ولا أمة لها ولد إلا «هاجر» أم إسماعيل عليه‌السلام ، ولا ذكر له بعد سارة زوجة ولا أمة ، ولا ولدا غير «قطورة» وبنيها ، وفي كتبهم أن «قطورة» هذه بنت ملك «الربذ» وهو موضع «عمان» اليوم بقرب البلقاء (٢) ، وهذه أخبار يكذب بعضها بعضا.

فصل

ثم ذكر أن «رفقة» بنت شوال بن تارح زوجة إسحاق عليه‌السلام كانت عاقرا. قال فشفعه الله وحملت ، وازدحم الولدان في بطنها وقالت : لو علمت أن الأمر هكذا كان يكون ما طلبته. ومضت لتلتمس علما من الله عزوجل. فقال لها : في بطنك أمّتان وحزبان يفترقان منه ، أحدهما أكبر من الآخر ، والكبير يخدم الصغير. فلما كانت أيام الولادة إذا بتوأمين في بطنها وخرج الأول أحمر كله كفروة من شعر فسمي «عيسو» وبعد ذلك خرج أخوه ويده ممسكة بعقب «عيسو» فسماه «يعقوب».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : لا مئونة على هؤلاء السفلة في أن ينسبوا

__________________

(١) أي التوراة.

(٢) البلقاء : كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى قصبتها عمّان ، وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة (مراصد الاطلاع : ص ٢١٩).

١٦٢

الكذب إلى الله عزوجل ، وحاش لله أن يكذب ، ولا خلاف بينهم في أن «عيسو» لم يخدم قط «يعقوب» ، وأن بني عيسو لم تخدم قط بني يعقوب ، بل في التوراة نصا : أن «يعقوب» سجد على الأرض سبع مرات «لعيسو» إذ رآه. وأن يعقوب لم يخاطب «عيسو» إلا بالعبودية والتذلل المفرط وأن جميع أولاد يعقوب حاش «بنيامين» الذي لم يكن ولد بعد ـ كلهم سجدوا لعيسو. وأن «يعقوب» أهدى لعيسو ـ مداراة له ـ خمسمائة رأس وخمسين رأسا من إبل وبقر وحمير وضأن ومعز ، وأن يعقوب رآها منة عظيمة إذ قبلها منه ، وأن بني عيسو لم تزل أيديهم على أقفاء بني إسرائيل من أول دولتهم إلى انقطاعها ، إما يتملكون عليهم ، أو يكونون على السواء معهم ، وأن بني إسرائيل لم يملكوا قط أيام دولتهم بني عيسو. فاعجبوا لهذه الفضائح أيها المسلمون ، واحمدوا الله على السلامة مما ابتلي به غيركم من الضلال والعمى.

فصل

طلب إسحاق من ابنه عيسو أن يصيد صيدا

ثم ذكر أن إسحاق قال لابنه «عيسو» : يا بني قد شخت ولا أعلم يوم موتي فاخرج وصد لي صيدا ، واصنع لي منه طعاما كما أحب ، وائتني به لآكله كي تباركك نفسي قبل أن أموت ، وأن «رفقة» أم عيسو ويعقوب ، أمرت يعقوب ابنها أن يأخذ جديين ، وتصنع هي منهما طعاما ، ويأتي يعقوب إلى إسحاق أبيه ليأكله ويبارك عليه ، وأن يعقوب قال لأمه : إن عيسو أخي أشعر وأنا أجرد ، لعل أبي أن يحس بي وأكون عنده كاللاعب وأجلب على نفسي لعنة لا بركة ، فقالت له أمه : عليّ استدفاع لعنتك. وأن يعقوب فعل ما أمرته به أمه ، فأخذت هي ثياب عيسو ابنها الأكبر وألبستها يعقوب ، وجعلت جلود الجديين على يديه وعلى حلقه ، وأعطته الطعام. جاء به إلى أبيه : فقال له : يا أبي. فقال له إسحاق : من أنت يا ولدي؟ قال يعقوب : أنا ابنك عيسو بكرك صنعت جميع ما قلت لي ، فاجلس وتأكل من صيدي لتبارك عليّ. وأن إسحاق قال ليعقوب : تقدم حتى أجسّك يا بني ، هل أنت ابني عيسو أم لا؟ فتقدم يعقوب فجسه إسحاق وقال : الصوت صوت يعقوب واليدان يدا عيسو. وقال : هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال : أنا. فبارك عليه وقال له في بركته تلك : تخدمك الأمم وتخضع لك الشعوب ، وتكون مولى إخوتك ، وتسجد لك بنو أمك. ثم ذكر أن «عيسو» أتى بالصيد إلى إسحاق ، فلما عرف إسحاق القصة قال لعيسو عن يعقوب : قد صيّرته سلطانا

١٦٣

وجعلت جميع إخوته عبيدا ، فرغب إليه عيسو في أن يباركه أيضا ففعل وقال في بركته : «هو ذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك ، وبلا ندى السماء من فوق ، وبسيفك تعيش ، ولأخيك تستعبد ، ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر نيره عن عنقك».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وفي هذا الفصل فضائح وأكذوبات وأشياء تشبه الخرافات.

فأول ذلك : إطلاقهم على نبي الله يعقوب عليه‌السلام أنه خدع أباه وغشه ، وهذا مبعد عمن فيه خير من أبناء الناس مع الكفار والأعداء ، فكيف من نبي مع أبيه النبي أيضا؟ هذه سوءات مضاعفات. أين ظلمة هذا الكذب من نور الصدق في قوله تعالى : (يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) [سورة البقرة : ٩].

وثانية : وهي إخبارهم أن بركة يعقوب إنما كانت مسروقة مأخوذة بغش وخديعة وتخابث. وحاش للأنبياء عليهم‌السلام من هذا. ولعمري إنها لطريقة اليهود فما تلقى منهم إلّا الخبيث المخادع إلّا الشاذ (١).

وثالثة : وهي إخبارهم أن الله تعالى أجرى حكمه وأعطى نعمته على طريق الغش والخديعة. وحاشا لله من هذا.

ورابعة : وهي التي لا يشك أحد في أن إسحاق عليه‌السلام إذ بارك يعقوب إذ خدعه ـ يزعم النذل الذي كتب لهم هذا الهوس إنما قصد بتلك البركة عيسو وله دعا لا ليعقوب ، فأي منفعة للخديعة هاهنا لو كان لهم عقل؟ وما أشبه هذه العقول في هذه القضية بحمق الغالية من الرافضة القائلين : إن الله تعالى بعث جبريل إلى علي فأخطأ جبريل وأتى إلى محمد ، وهكذا بارك إسحاق على عيسو فأخطأت البركة ومضت إلى يعقوب. فعلى كلتا الطائفتين لعنة الله. فهذه وجوه الخبث والغش في هذه القضية.

وأمّا وجوه الكذب فكثيرة جدّا ، من ذلك : نسبتهم الكذب إلى يعقوب عليه‌السلام وهو نبي الله تعالى ورسوله في أربعة مواضع :

أولها : قوله لأبيه إسحاق أنا ابنك «عيسو» وبكرك. فهذه كذبتان في نسق لأنه لم يكن ابنه «عيسو» ولا كان بكره.

__________________

(١) أي لا تلقى منهم إلا الخبيث المخادع ، إلا ما شذّ عن ذلك.

١٦٤

وثالثة : قوله لأبيه : صنعت جميع ما قلت لي فاجلس وكل من صيدي فهذه كذبتان في نسق ، لأنه لم يكن قال له شيئا ولا أطعمه من صيده.

وكذبات أخر : وهي بطلان بركة إسحاق إذ قال له «تخدمك الأمم ، وتخضع الشعوب وتكون مولى إخوتك ، ويسجد لك بنو أبيك» ـ وقوله لعيسو : «ولأخيك تستعبد» وهذه كذبات متواليات ، والله ما خدمت الأمم قط «يعقوب» ولا بنيه بعده ، ولا خضعت لهم الشعوب ، ولا كانوا موالي إخوتهم ، ولا سجد لهم ولا له بنو أبيه بل بنو إسرائيل خدموا الأمم في كل بلدة وفي كل أمة ، وهم خضعوا للشعوب قديما وحديثا في أيام دولتهم وبعدها. فإن قالوا سيكون هذا قلنا لهم :

قد حصلتم على الصّغار قديما

والأماني بضائع السخفاء

هيهات :

ترجّى ربيع أن ستحيا صغارها

بخير وقد أعيا ربيعا كبارها

لا سيما مع تقضي جميع الآماد التي كانوا ينبئون بأنها لا تنقضي حتى يرجع أمرهم ، واعلموا أن كل أمة أدبرت فإنهم ينتظرون من العودة ، ويمنون أنفسهم من الرجعة بمثل ما تمنّي به بنو إسرائيل أنفسهم ، ويذكرون في ذلك مواعيد كمواعيدهم ، فأمل كأمل ولا فرق ، كانتظار مجوس الفرس «بهرام هماوند» راكب البقرة ، وانتظار الروافض للمهدي ، وانتظار النصارى الذين ينتظرون في السحاب ، وانتظار الصابئين أيضا لقصة أخرى ، وانتظار غيرهم للسفياني.

تمنّ يلذ المستهام بمثله

وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي

وغيظ على الأيام كالنار في الحشا

ولكنّه غيظ الأسير على القدّ

وأما قوله «تكون مولى إخوتك ويسجد لك بنو أبيك» فلعمري لقد صح ضد ذلك جهارا ، إذ في توراتهم أن «يعقوب» كان راعي ابن عمه «لابان» بن ناحور بن لامك وخادمه عشرين سنة ، وأنه بعد ذلك سجد له وجميع ولده حاش من لم يكن خلق منهم بعد لأخيه «عيسو» مرارا كثيرة ، وما سجد «عيسو» قط ليعقوب قط ولا ملك قط أحد من بني يعقوب بني عيسو ، وأن يعقوب تعبد لعيسو في جميع خطاب له ، وما تعبد قط عيسو ليعقوب ، وسأله «عيسو» عن أولاده فقال له يعقوب : هم أصاغر منّ الله بهم على عبدك ، وأن يعقوب طلب رضا «عيسو» وقال له : «إني نظرت إلى وجهك كمن نظر إلى بهجة الله فارض عنّي واقبل ما أهديت إليك» ، وأن عيسو بالحريّ قبل هدية يعقوب حينئذ ، فما نرى عيسو وبنيه إلّا موالي يعقوب وبنيه ، وكذلك ملك بنو عيسو بإقرار

١٦٥

توراتهم ميراثهم بساعير وهي جبال الشراة ، وبنو لوط ميراثهم بموآب وعمان ، قبل أن يملك بنو إسرائيل ميراثهم بفلسطين والأردن بدهر طويل ، ثم لم يزالوا يتغلبون على بني إسرائيل أو يساوونهم طول دولة بني إسرائيل بإقرار كتبهم ، وما ملك بنو إسرائيل قط بني عيسو ، ولا بني لوط ، ولا بني إسرائيل بإقرارهم ، ولقد بقي بنو عيسو وبنو لوط بإقرار كتبهم في ميراثهم بساعير وموآب وعمان بعد هلاك دولة بني إسرائيل وأخرجهم عن ميراثهم ثم ملكهم بنو إسماعيل إلى اليوم ، فما نرى تلك البركة كانت إلّا معكوسة. ونعوذ بالله من الخذلان ، ولكن حق البركة المسروقة المأخوذة بالخبث في زعمهم أن تخرج معكوسة منكوسة.

فصل

ذكر خدمة يعقوب لخاله لابان

ثم ذكر أن يعقوب إذ مضى إلى خاله «لابان بن بثوال» خطب إليه ابنته «راحيل» وقال له : أخدمك سبع سنين في «راحيل» ابنتك الصغرى ، فقال له : «لابان» : «أن أعطيك إياها أحسن من أن أعطيها رجلا آخر. أقم عندي».

وخدم «يعقوب» في «راحيل» سبع سنين ، وصارت عنده أياما يسيرة في محبته لها ، وقال «يعقوب» «للابان» : أعطني زوجتي إذ قد كملت أيامي ، فأدخل بها ، وجمع «لابان» جميع أهل الموضع وصنع وليمة ، فلما كان بالعشي أخذ «ليئة» ابنته وزفها إليه ودخل بها ، فلما كان بالغد ورأى أنها «ليئة» قال «للابان» : ما ذا صنعت؟ أليس في «راحيل» خدمتك؟ فلم خدعتني؟ فقال «لابان» : لا نصنع هكذا في موضعنا : أن نزوج الصغرى قبل الكبرى ، أكمل أسبوع هذه ، وأعطيك أيضا هذه بخدمة تخدمها سبع سنين أخرى ، وصنع «يعقوب» كذلك ، وأكمل أسبوع «ليئة» وأعطى راحيل ابنته لتكون له زوجة.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : في هذا الفصل آبدة (١) الدهر : وهي إقرارهم أن «يعقوب» عليه‌السلام تزوج «راحيل» ، فأدخلت عليه غيرها ، فحصلت «ليئة» إلى جنبه بلا نكاح ، وولد لها منه ستة ذكور وابنة ، وهذا هو الزنى بعينه ، أخذ امرأة لم يتزوجها بخديعة ، وقد أعاذ الله نبيه من هذه السوأة ، وأعاذ أنبياءه عليهم‌السلام «موسى وهارون وداود وسليمان» من أن يكونوا من مثل هذه الولادة ، وهذا يشهد ضرورة أنها

__________________

(١) الآبدة : الأمر العجيب يستغرب له ، والداهية يبقى ذكرها أبدا (المعجم الوسيط : ص ٢).

١٦٦

من توليد زنديق متلاعب بالديانات.

فإن قالوا : لا بد أنه قد تزوجها إذ يعلم أنها ليست التي تزوج. قلنا : فعلى أن يسمح لكم بهذا فقد دخل بها بغير نكاح ، لأنه ذكر أنه لم يدر أنها «ليئة» إلا بالغداة ، وقد صرّح بالدخول بها ، إلا أن يقولوا : لم يدخل بها بل علم أنها ليست «راحيل» فإن قلتم هذا كذبتم النص في قوله «دخل بها فلما كان بالغداة» فليس لكم من الفضيحة بد ، وإن سكتّم عن هذا فالنسخ ثابت ولا بدّ ، لأن نكاح أختين معا حرام في توراتكم ، وقد قال لي بعضهم في هذا : لم تكن الشرائع نازلة من الله تعالى قبل موسى. فقلت : هذا كذب ، أليس في نص توراتكم : أن الله تعالى قال لنوح عليه‌السلام : «كل دبيب حي يكون لكم أكله كخضراء العشب أعطيتكم ، لكن اللحم بدمه لا تأكلوه ، وأمّا دماؤكم في أنفسكم فسأطلبها».

فهذه شريعة إباحة وتحريم قبل موسى عليه‌السلام.

فصل

عودة يعقوب من رحلته

وبعد ذلك ذكر أن «يعقوب» رجع من عند خاله «لابان» بنسائه وأولاده قال : ولما أصبح أجاز امرأتيه وجاريته وأحد عشر من ولده المخاضة (١) ، وبقي وحده ، وصارعه رجل إلى الصبح ، فلما عجز عنه ضرب حقّ فخذه فانخلع حقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه ، وقال له خلّني لأنه قد طلع الفجر ، قال : لست أدعك حتى تبارك عليّ ، فقال له كيف اسمك؟ قال : «يعقوب». قال له : لست تدعى من اليوم «يعقوب» بل «إسرائيل» من أجل أنك كنت قويا على الله ، فكيف على الناس؟ فقال له «يعقوب» : عرفني باسمك. فقال له : لم تسألني عن اسمي؟ وبارك عليه في ذلك الموضع ، فسمّى يعقوب ذلك الموضع «فنيئيل» وقال : رأيت الله تعالى مواجهة وسلمت نفسي ، وبزغت له الشمس بعد أن جاوز «فنيئيل» وهو يعرج من رجله ولهذا لا يأكل بنو إسرائيل العقب الذي على حقّ الفخذ إلى اليوم ، لأنه ضرب حق فخذ يعقوب لمسّ الله وانقباضه.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : في هذا الفصل شنعة عفت على كل ما

__________________

(١) المخاضة والمخاض من النهر الكبير : الموضع القليل الماء الذي يعبر فيه الناس النهر مشاة وركبانا (المعجم الوسيط : ص ٢٦٢).

١٦٧

سلف يقشعر منها جلود أهل العقول ، وبالله العظيم لو لا أن الله عزوجل قصّ علينا كفرهم بقولهم (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) [سورة المائدة : ٦٤] وبقولهم : (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) [سورة آل عمران : ١٨١] لما نطقت ألسنتنا بحكاية هذه العظائم ، لكنا نحكيه منكرين له ، كما نتلوه فيما نصّه عزوجل تحذيرا من إفكهم.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ذكر في هذا المكان أن يعقوب صارع الله عزوجل تعالى الله عن ذلك ، وعن كل شبهة لخلقه ، فكيف عن لعب الصراع الذي لا يفعله إلّا أهل البطالة؟! وأما أهل العقول فلا يفعلونه لغير ضرورة. ثم لم يكتفوا بهذه الشوهة حتى قالوا : إن الله عزوجل عجز عن أن يصرع «يعقوب» بنص كلام توراتهم ، وحقق ذلك قولهم عن الله تعالى أنه قال له : «كنت قويا على الله تعالى فكيف على الناس؟!».

ولقد أخبرني بعض أهل البصر بالعبرانية أنه لذلك سمّاه إسرائيل. و «إيل» بلغتهم هو اسم الله تعالى بلا شك ولا خلاف. فمعناه «إسر الله» تذكيرا بذلك الضبط الذي كان بعد المصارعة ، إذ قال له : دعني. فقال له «يعقوب» : لا أدعك حتى تبارك عليّ. ولقد ضربت بهذا الفصل وجوه المتعرضين منهم للجدال في كل محفل ، فثبتوا على أن نصّ التوراة أن «يعقوب» صارع «ألوهيم» وقال : إن لفظ «ألوهيم» يعبر بها عن الملك ، فإنما صارع ملكا من الملائكة. فقلت لهم : سياق الكلام يبطل ما تقولون ضرورة أن فيه : «كنت قويا على الله فكيف على الناس؟!». وفيه أن «يعقوب» قال : «رأيت الله مواجهة وسلّمت نفسي» ولا يمكن البتة أن يعجب من سلامة نفسه إذ رأى الملك! ولا يبلع من مسّ الملك ـ كما نصّ يعقوب ـ أن يحرّم على بني إسرائيل أكل عروق الفخذ إلى الأبد من أجل ذلك. وفيه : أنه سمّى الموضع بذلك «فنيئيل» لأنه قابل فيه «إيل» وهو الله عزوجل بلا احتمال عندكم.

ثم لو كان ملكا ـ كما تدعون عن المناظرة ـ لكان أيضا من الخطأ تصارع نبي وملك لغير معنى. فهذه صفة المتحدين في العنصر لا صفة الملائكة والأنبياء.

فإن قيل : قد رويتم أنّ نبيكم صارع «ركانة بن عبد يزيد» (١). قلنا : نعم لأن «ركانة» كان من القوة بحيث لا يجد أحدا يقاومه في جزيرة العرب ولم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم موصوفا بالقوة الزائدة فدعاه إلى الإسلام فقال له : إن صرعتني آمنت بك ، ورأى أن هذا من المعجزات فأمره عليه‌السلام بالتأهب لذلك ، ثم صرعه للوقت وأسلم

__________________

(١) رواه أبو داود في اللباس باب ٢١ ، والترمذي في اللباس باب ٤٢.

١٦٨

«ركانة» بعد مدة. فبين الأمرين فرق ، كما بين العقل والحمق ، ولكل مقام مقال ، ولكن إذا أكل الملائكة عندكم كسر الخبز حتى تشتد بها قلوبهم ، والشواء واللبن والسمن والفطائر ، فما ينكر بعضهم للصراع مع الناس في الطرقات!! وهذه مصائب شاهدة بضلالهم وخذلانهم وصحة اليقين بأن توراتهم مبدّلة.

فصل

الفصل المذكور أن الله تعالى قال ليعقوب : «لست تدعى من اليوم يعقوب لكن إسرائيل».

ثم في السفر الثاني من توراتهم : قال الله تعالى : «قل لآل يعقوب وعرف بني إسرائيل». فقد سماه بعد ذلك «يعقوب» وهذه نسبة الكذب إلى الله تعالى.

فصل

ثم قال : وبينا «إسرائيل» بذلك الموضع ضاجع رؤوبين بن ليئة سريّة أبيه «بلهة» وهي أم «دان» ، و «نفثالي» وهما أخواه وابنا يعقوب ثم أكد هذا بأن ذكر في قرب آخر السفر الأول ذكر موت «يعقوب» عليه‌السلام ، ومخاطبته لبنيه ابنا ابنا ، وأن يعقوب قال «لرءوبين» ابنه : «إنك صعدت على سرير أبيك ، ووسخت فراشه ، وليس مما ابتذلت فراشي تخلص».

بعد أن ذكر في توراتهم : «أن شكيم بن حمور الحوي» أخذ «دينة» بنت يعقوب عليه‌السلام ، واضطجع معها وأذلها ، ثم بعد ذلك خطبها إلى «يعقوب» أبيها ، إلى أن ذكر قتل «لاوي» و «شمعون» لحمور وشكيم ابنه ، وجميع أهل مدينته ، وإنكار «يعقوب» على ابنيه قتلهما لهم.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : معاذ الله أن يخذل الله نبيه ولا يعصمه في حرمة امرأته وابنته من هذه الفضائح ، ثم لا ينكر ذلك بأكثر من التعزير الضعيف فقط.

فصل

بعد ذلك قال : «وأولاد يعقوب اثنا عشر فأولاد ليئة : رؤوبين بكر يعقوب ، وشمعون ، ولاوي ، ويهوذا ، ويساخر ، وزبولون ، وأبناء راحيل : يوسف وبنيامين. وابنا بلهة أمة راحيل : دان ، ونفثالي. وابنا زلفة أمة ليئة : جادا وأشير. هؤلاء بنو يعقوب الذين ولدوا له بفدان آرام».

١٦٩

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا كذب ظاهر ، لأنه ذكر قبل : أنّ بنيامين لم يولد ليعقوب إلّا «بأقراشا» بقرب بيت لحم على أربعة أميال من بيت المقدس بعد رحيله من «فدان آرام» بدهر. والله تعالى لا يتعمد الكذب ولا ينسى هذا النسيان.

فصل

محبة يعقوب لابنه يوسف عليه‌السلام

وبعد ذلك قال : «وكان إسرائيل يحب يوسف لأنه كان ولد له في شيخوخته».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذه العلة توجب محبة بنيامين لأنه ولد له بعد يوسف بأزيد من ست سنين بنص توراتهم. وتوجب مشاركة «يساكر» و «زبولون» في المحبة ليوسف لأنه ذكر قبل هذا أن يعقوب قال «للابان» خاله : «خدمتك عشرين سنة من ذلك أربع عشرة سنة لابنتيك وست سنين لأدواتك» وذكر أن بعد سنين أعطاه «ليئة» ، وبعد سبعة أيام أعطاه «راحيل» ، لم يكن بينهما إلا سبعة أيام وهو أسبوع «ليئة» فقط ، وأن «ليئة» ولدت له «رؤوبين» ثم «شمعون» ثم «لاي» ثم «يهوذا» ثم قعدت عن الولد. وأنّ «راحيل» أعطت بعد ذلك يعقوب أمتها «بلهة» فتزوجها فولدت له «دانا» ثم «نفثالي» ثم أعطت «ليئة» أمتها «زلفة» ليعقوب فتزوجها فولدت له «جادا» ثم «أشير» ثم أطلقت له «راحيل» مماسة «ليئة» في لفّاح أخذته منها فولدت له «راحيل» «يوسف» ثم بعد ولادة «يوسف» ابتدأ «يعقوب» بمعاملة خاله «لابان» على أجرة ذكرها لرعاية غنمه فرعاها له ست سنين ، هذا كله نص توراتهم ، فصح أنّ «يوسف» كان له عند تمام الست سنين ست سنين فقط بلا شك. وأن جميع أولاد يعقوب حاشا بنيامين فإنما ولدوا ولا بدّ في السبع سنين التي كانت قبل الست سنين المذكورة بلا شك. والأولاد سبعة ، ففي كل عشرة أشهر ولدت ولدا لا يمكن أقل من هذا فلا شك في أن «زبولون» لا يزيد على «يوسف» إلّا سنة واحدة فقط ، ولا يزيد عليه «يساكر» إلا سنتين فقط ، وأقل من هذا على أن تلغى المدة التي ذكرنا أن «ليئة» قعدت فيها عن الولد ، والمدة التي اعتزلها فيها «يعقوب» ولا بدّ أن لها مقدارا ما. فعلى هذا «فزبولون» و «يوسف» ولدا معا ، والمدة المذكورة تضيق عن هذه القسمة. ففي هذا الخبر كذب مقطوع به ضرورة ولا بدّ. ولا يجوز قليل الكذب ولا كثيره على الله تعالى ، ولا على الأنبياء. فصح أنها مفتعلة مبدلة ولو كان لهذا الخبر وجه وإن غمض ، ومخرج وإن بعد ، أو أمكنت فيه حيلة أو ساغ فيه تأويل ما ذكرناه. ونسأل الله تعالى العافية.

١٧٠

وفي توراتهم عند ذكر أولاد «عيسو» خبال شديد ، وتخليط في الأسماء والوالدات ، إلّا أنه ربما خرّج على وجوه بعيدة ضعيفة ، فلم نعتن بإيراده لذلك. ولكن نبهنا عليه فالأظهر الأغلب فيه الكذب وأنه إيراد جاهل بتلك القضية بلا شك. وبالله تعالى نستعين.

فصل

ذكر بيع يوسف عليه‌السلام

ثم ذكر بيع إخوة يوسف ليوسف ، وأن إخوته كانوا مجتمعين حينئذ يرعون أذوادهم. ثم قال : «وفي ذلك الزمان اعتزل «يهوذا» عن إخوته وكان مع رجل من أهل «عدلّام» يدعى اسمه «حيرة» فبصر في ذلك الموضع بابنة رجل كنعاني اسمه «شوع» فتزوجها وضاجعها فحملت وولدت ولدا اسمه «عيرا» ثم حملت ووضعت ثانيا وسماه «أونان» ، ثم حملت ووضعت ثالثا وسمته «شيلة» ثم أمسكت عن الولد فزوج «يهوذا» «عيرا» بكر ولده امرأة ، وكان «عيرا» بكر «يهوذا» مذنبا بين يدي السيد ، ولذلك قتل. فقال «يهوذا» لابنه «أونان» : «ادخل إلى امرأة أخيك وضاجعها لتحيي نسله» فلما علم أنه لا ينسب إليه من ولد منها دخل إلى امرأة أخيه وكان يعزل عنها لئلا يولد لأخيه منه ، ولذلك أهلكه السيد للفاحشة التي اطلع عليها منه فعند ذلك قال «يهوذا» «لثامار» كنّته كوني أرملة في بيت أبيك إلى أن يكبر ابني «شيله». وكان يتوقع أن يصيبه من الموت ما أصاب أخاه إن ضاجعها ، فسكنت في بيت أبيها ، وبعد أيام كثيرة توفيت بنت «شوع» امرأة «يهوذا» فتصبّر «يهوذا» وتسلى عن حزنها. وتوجه إلى جزّاز أغنامه مع «حيرة» صديقه العدلامي إلى «تمنة». وقيل «لثامار» إن ختنك صاعد إلى «تمنة» ليجزّ أغنامه ، فألقت عن نفسها ثياب الأرامل وتقنعت وقعدت في مجمع الطرق المسلوكة إلى «تمنة» فعلت ذلك مذ كبر «شيلة» ولم تزوج مه. فلما رآها «يهوذا» ظنها زانية ، وكانت غطت وجهها لئلا تعرف فمال إليها ، وقال : ائذني لي في مضاجعتك ، وكان يجهل أنها كنته. فقالت له : ما ذا تعطيني إن أمكنتك من مضاجعتي؟ قال لها : أبعث إليك جديا من الغنم ، فقالت : نعم ، إن أعطيتني رهنا إلى أن تبعث ما وعدت. فقال لها : «يهوذا» : وما أرهنه لك؟ قالت : ارهن لي خاتمك وحزامك والعصا التي بيدك. فحبلت من مضاجعة واحدة ، ثم انطلقت وألقت الشكل التي كانت فيه ، وعادت إلى شكل الأرامل ، وبعث «يهوذا» الجدي مع صديقه العدلامي ليأخذ من المرأة الرهن الذي

١٧١

وضعه عندها. فسأل عنها إذ لم يجدها من سكان ذلك الموضع. فقال : أين المرأة القاعدة في مجمع الطرق؟ فقالوا له : لم تكن في هذا الموضع زانية ، فانصرف إلى «يهوذا» فقال له : لم أجدها. وقال لي سكان ذلك الموضع لم تكن هاهنا زانية. فقال له «يهوذا» تأخذ ما عندها مخافة أن تكون ضحكة فإني قد أرسلت الجدي إليها ، وأنت تقول لم أجدها.

وبعد ثلاثة أشهر قبل ليهوذا : إنّ كنّتك «ثامار» قد زنت ، وقد بدأ بطنها يظهر. فقال «يهوذا» أخرجوها لتحرق ، فلمّا أخرجت بعثت إلى «يهوذا» إنما حبلت من الذي له هذا فاعرف هذا الخاتم والزنار والعصا. فلما عرف قال : هي أعدل مني إذ منعتها «شيلة» ولدي. ولم يضاجعها بعد ذلك.

فلما أدركتها الولادة ظهر فيها توأمان ، ففي وقت خروجهما بدر أحدهما وأخرج يده ، فربطت القابلة في يده خيطا أرجوانا ، وقالت : هذا يخرج أولا. فأدخل يده إلى نفسه وأخرج الولد الآخر. فقالت له القابلة : لم افترصت (١) أخاك؟ فسمي «فارصا» وبعده خرج الذي ربط في يده الخيط الأرجوان. وسمي «زارح». تم الفصل.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ثم بعد فصول وقصص ذكر أولاد يعقوب المولودين بالشام الذين دخلوا معه مصر إذ بعث يوسف عليه‌السلام فيهم كلهم. فذكر «يهوذا» وبنيه الثلاثة الأحياء «شيلة» و «فارص» و «زارح». وذكر لفارص هذا نفسه اثنين ، وهما «حصرون» و «حامول» ابنا «فارص» بن «يهوذا» المذكور.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : ففي هذا الكلام عار وفضيحة مكذوبة وكذب فاحش مفرط القبح ، فأمّا العار فالذي ذكر عن «يهوذا» من طلبه الزنى بامرأة لقيها في الطريق على أن يعطيها جديا ، ثم جوره في الحكم عليها بالحرق ، فلما علم أنه صاحب الخصلة أسقط الحكم عن نفسه وعنها.

ثم شنعة أخرى وهي قوله : إن «ونان» بن «يهوذا» لما عرف أنه لا ينسب إليه من يولد له من امرأته التي تزوجها بعد موت أخيه جعل يعزل عنها. وهذا عجب جدّا أن تلد امرأة رجل من زوجها من لا ينسب إليه لكن إلى غيره ممن قد مات قبل أن يتزوجها هذا. فلعل فيهم الآن ولادات وأنساب في كتبهم مثل هذه.

__________________

(١) افترص الفرصة : اغتنمها (المعجم الوسيط : ص ٦٨٢).

١٧٢

فهذه والله أمور سمجة.

ثم دع «يهوذا» فليس نبيا ، ولا ينكر ممن ليس نبيا مثل هذا ، إنما الشأن كله والعجب في أنهم مطبقون بأجمعهم قطعا على أن «سليمان بن داود» عليهما‌السلام ابن «إشماي» بن «عونين» بن «يوغز» بن «بشاي» بن «مخشون» بن «عمينا ذاب» بن «نورام» بن «حصرون» بن «فارص» المذكور ابن «يهوذا» فجعلوا الرسولين الفاضلين مولودين من تلك الولادة الخبيثة راجعين إلى ولادة الزنى.

ثم أقبح ما يكون من الزنى رجل مع امرأة ولده ـ حاش لله من هذا الإفك المفترى!! ولقد قال لي بعضهم إذ قررته على هذا الفصل : إن هذا كان مباحا حينئذ ، فقلت له : فلم امتنع من مضاجعتها بعد ذلك؟ وكيف يكون مباحا وهي لم تعرفه بنفسها ولا عرفها عند تلك المعاملة الخبيثة بالجدي المسخوط ، والرهن الملعون؟ وإنما وطئها على أنها زانية ، إذ اغتلم (١) إليها لا على أنها امرأة الميت ولده ، إلّا إن قلتم إن الزنى جملة كان مباحا حينئذ فقد قرت عيونكم فسكت خزيان كالحا.

وتالله ما رأيت أمة تقر بالنبوّة وتنسب إلى الأنبياء ما ينسبه هؤلاء الأنذال الكفرة ، فتارة ينسبون إلى إبراهيم عليه‌السلام أنه تزوج أخته فولدت له إسحاق عليهما‌السلام. ثم ينسبون إلى «يعقوب» أنه تزوج امرأة فدست إليه أخرى ليست امرأته فولدت له أولادا منهم انتسل «موسى» و «هارون» و «داود» و «سليمان» وغيرهم من الأنبياء عليهم‌السلام. ثم ينسبون إلى «روبان» بن «يعقوب» أنه زنى بربيبته زوج النبي أبيه ، وأم أخويه ، ثم ينسبون إلى «يهوذا» ما ذكرنا من زناه بامرأة ولديه فحبلت وولدت من الزنى ولدا منه انتسل «داود» و «سليمان» عليهما‌السلام. ثم ينسبون إلى «يوشع بن نون» أنه تزوج «رحب» الزانية المشهورة الموقفة نفسها للزنى لكل من دبّ ودرج في مدينة «أريحا». ثم ينسبون إلى «عمران بن فهث بن لاوي» أنه تزوّج عمته أخت والده واسمها «يوحانذ» ولدت لجده بمصر فولد له منها «هارون وموسى» عليهما‌السلام. هكذا ذكر نسبها في قرب آخر السفر الرابع ثم ينسبون إلى داود عليه‌السلام أنه زنى جهارا بامرأة رجل من جنده محصنة وزوجها حي ، وأنها ولدت منه من ذلك الزنى ابنا ذكرا ، ثم مات ذلك الفرخ الطيب ثم تزوجها ، وهي أم سليمان بن داود عليهما‌السلام. ثم ينسبون إلى «أمثون» بن داود عليهما‌السلام أنه فسق بسراري أبيه علانية أمام الناس ، ثم ينسبون إلى

__________________

(١) اغتلم : اشتدّت غلمته ، الغلمة : شدة الشهوة للجماع (المعجم الوسيط : ص ٦٦٠).

١٧٣

سليمان عليه‌السلام العهر ، وأنه تزوج نساء لا يحل له زواجهن ، وأنه بنى لهن بيوت الأوثان ، وقرّب لهن القرابين للأوثان. مع ما ذكرنا قبل ونذكر إن شاء الله تعالى من نسبتهم الكذب إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم‌السلام. ولكن أين هذا مما في توراتهم من نسبتهم لعب الصراع إلى الله تعالى مع «يعقوب» ، والكذب المفضوح فيما وعده وأخبر به؟ فعلى من يصدق بشيء من كل هذا الإفك لعنة الله وغضبه ، فاعجبوا لعظيم كفر هؤلاء القوم ، وما افتراه الكفرة أسلافهم الأنتان على الله تعالى وعلى رسله عليهم‌السلام. ثم على كل كتاب حقق فيه شيء من هذا وعلى كاتبه لعنة الله وغضبه عدد كل شيء خلق الله. فاحمدوا الله معاشر المسلمين على ما هداكم له من الملة الزهراء التي لم يشبها تبديل ولا تحريف ، والحمد لله رب العالمين.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وأما الكذبة الفاحشة المفضوحة التي هي من المحال المحض والافتراء المجرد فهي ما أذكره إن شاء الله تعالى ، فتأملوه تروا عجبا.

ذكر في توراتهم نصا : أنّ «يهوذا بن يعقوب» كان مع إخوته يرعون أذوادهم إذ باعوا أخاهم «يوسف» وأن «يهوذا» أشار عليهم ببيعه وإخراجه من الجب ليخلصه بذلك من الموت. ثم ذكر بعد ذلك أن «يهوذا» اعتزل عن إخوته وصار مع «حيرة العدلامي» ، ورأى ابنة رجل كنعاني اسمه «شوع» فتزوجها ، وولدت له ولدا اسمه «عير» ثم ولدا آخر اسمه «أونان» ، ثم ولدا آخر اسمه «شيلة» كما ذكرنا آنفا حرفا حرفا. وذكر بعد ذلك : أن «عير» تزوج امرأة اسمها «ثامار» ودخل بها وكان مذنبا ولذلك قتله الله تعالى. فزوجها من أخيه «أونان» فكان يعزل عنها فمات لذلك ، وبقيت أرملة ليكبر «شيلة» وتزوّج منه ، وأن «شيلة» كبر ولم تزوج منه. وقد اعترف بذلك «يهوذا» إذ قال : هي أعدل مني إذ منعتها «شيلة» ابني ، وذكر بعد ذلك أنها تحيّلت حتى زنت «بيهوذا» نفسه والد زوجها وحبلت منه ، وولدت منه توأمين «فارص» و «زارح» كما ذكرنا قبل. ثم ذكر بعد ذلك نسل يعقوب وأولاد أولاده المولودين بالشام ، ودخلوا معه مصر فذكر فيهم «حصرون» و «حامول» ابني فارص بن يهوذا ، فاضبطوا هذا.

وذكر في توراتهم : أن يوسف عليه‌السلام إذ بلغ ست عشرة سنة كان يرعى ذودا مع إخوته عند أبيه ، وأنهم باعوه ، فصح أنه كان ابن سبع عشرة سنة إذ باعوه ، وهكذا ذكر في توراتهم.

ثم ذكر في توراتهم : أن «يوسف» عليه‌السلام كان إذ دخل على فرعون وفسر له رؤياه في البقرات والسنابل وولاه أمر مصر ابن ثلاثين سنة.

١٧٤

ثم ذكر في توراتهم : أن «يوسف» عليه‌السلام كان إذ دخل أبوه يعقوب مصر مع جميع أهله ابن تسع وثلاثين سنة. هذا منصوص فيها بلا خلاف من أحد منهم. فصح يقينا أنه لم يكن بين دخول يعقوب مع نسله مصر ، وبين بيع يوسف إلا اثنان وعشرون سنة وربما أشهر يسيرة زائدة لا أقل ولا أكثر. هذا حساب ظاهر لا يخفى على جاهل ولا عالم.

وقد ذكر في توراتهم أن في هذه المدة تزوج «يهوذا» بنت «شوع» وولدت له ولدا ثم ثانيا ثم ثالثا. وأن الأكبر بلغ فزوّج زوجة ثم مات بعد دخوله بها ، فزوّجت بعده من أخيه فكان يعزل عنها فمات ، وبقيت مدة حتى كبر الثالث ولم تزوّج منه فزنت «بيهوذا» والد زوجها فولد له منها توأمان ثم ولد لأحد ذينك التوأمين ابنان وهذا محال ممتنع لا خفاء به ، ولا يمكن البتة في طبيعة بشر ولا سبيل إليه في الجبلة والبنية بوجه من الوجوه.

هبك أن «يهوذا» اعتزل عن إخوته ، وتزوج بنت شوع بإثر بيع يوسف بيوم وحبلت زوجته ، وولدت له الولد الأكبر في عامها الثاني ، ثم الثاني في عام آخر ثم الثالث في عام ثالث.

وهبك أن الأكبر زوّج وله اثنا عشر عاما فهذه ثلاثة عشر عاما من جملة اثنين وعشرين عاما وبقي معها ما بقي. ثم زوجت من الثاني وله اثنا عشر عاما فبقي يعزل عنها لئلا ينسب إلى أخيه من يولد له منها ، ثم مات وبقيت تنتظر أن يكبر «شيلة» وتزوّج منه ، حتى طال عليها ، ورأت أنه قد كبر ولم تزوج منه. وهذا لا يكون البتة في أقل من عام. فهذه أربعة عشر عاما. ثم زنت «بيهوذا» فحملت فولدت ، فهذا عام أو أقل بيسير ، فلم يبق من الاثنين وعشرين عاما إلا سبعة أعوام إلى ثمانية أعوام لا أكثر البتة. فمن المحال الممتنع في العقل أن يوجد لرجل ابن ثمان سنين أو سبع سنين ولدان؟!

ما رأيت أجهل بالحساب من الذي عمل لهم التوراة. وحاش لله أن يكون هذا الخبر البارد الكاذب عن الله تعالى أو عن موسى عليه‌السلام ، ولا عن إنسان يعقل ما يقول ، ويستحي من تعمد الكذب الفاضح. ونسأل الله العافية.

فصل

أولاد يعقوب المولودين بالشام

وبعد ذلك ذكر عدد بني يعقوب المولودين بالشام عند خاله «لابان» الداخلين

١٧٥

معه مصر ، فذكر الذين ولدت له «ليئة» وهم ستة ذكور ، وابنة واحدة. وذكر أولاد هؤلاء الستة وسماهم ، فذكر لرءوبين أربعة ذكور ، ولشمعون ستة ذكور ، وللاوي ثلاثة ذكور ، و «ليهوذا» ثلاثة ذكور ، وابني ابن له ، فهم خمسة ، و «ليساخر» : أربعة ذكور ، و «لزابلون» ثلاثة ذكور ، المجتمع من بني «ليئة» ستة ذكور وابنة سابعة وخمسة وعشرون أولاد الأولاد فهؤلاء اثنان وثلاثون ، وقال في نص توراتهم بعقب تسميتهم :

«هؤلاء بنو ليئة ، وعدد أولادها وبناتها ثلاثة وثلاثون» ، هكذا نص توراتهم. وهذا خطأ في الحساب تعالى الله عن أن يخطئ في الحساب أو أن يخطئ فيه موسى عليه‌السلام. فصح أنها من توليد جاهل غث أو من عابث سخر بهم ، وكشف سوءاتهم.

فصل

ثم ذكر بعد هذا أولاد «راحيل» فذكر «يوسف» و «بنيامين» وبنيهما قال : وهم أربعة عشر ذكرا ، أولاد «زلفى» : «عاد» و «أشار» وبنيهما قال : وهم ستة عشر. وذكر أولاد «بلهة» : «دان» و «نفتالي» وبنيهما. وقال : وهم سبعة. ثم وصل ذلك بأن قال : وعدد نسل «يعقوب» الذين دخلوا معه مصر سوى نساء أولاده ستة وستون. وابنا يوسف اللذان ولدا له بمصر اثنان. فجميع الداخلين إلى مصر سبعون.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا خطأ فاحش لأن المجتمع من الأعداد المذكورة تسعة وستون ، فإذا أسقطت منهم ولدي يوسف اللذين ولدا له بمصر بقي سبعة وستون ، وهو يقول : ستة وستون. فهذه كذبة. ثم قال : فجميع الدّاخلين معه إلى مصر سبعون ، فهذه كذبة ثانية.

وقد قلنا إن الذي عمل لهم التوراة كان ضعيف البصارة بالحساب وليست هذه صفة الله عزوجل ، ولا صفة من معه مسكة عقل تردعه عن الكذب وتعمده على الله تعالى ، وعن تكلف ما لا يحسن ولا يقوم به.

وذكر في هذا الفصل قصة أخرى فيها الاعتراض إلّا أنها تخرّج على وجه ما فلذلك لم نفرد لها فصلا.

وهي : أنه ذكر أولاد «بنيامين» فقال : «بالع» و «باكر» و «أشبيل» و «أجير» و «نعمان» و «إيجي» و «روش» و «مفّيم» و «حفّيم» و «أرد».

١٧٦

فصل

بركة يعقوب عليه‌السلام لأولاده

ثم ذكر بركة «يعقوب» عليه‌السلام على بنيه ، وأنه وضع يده اليمنى على رأس «أفرايم» بن «يوسف» ، واليسرى على رأس «منسّى» بن «يوسف» ، وأن ذلك شق على «يوسف» عليه‌السلام ، وقال : لا يحسن هذا يا أبت لأن هذا بكر ولدي فاجعل يمينك على رأسه ، يعني منسّى ، فكره ذلك «يعقوب» وقال : علمت يا بني علمت ، وستكثر ذرية هذا وتعظم ، ولكنّ أخاه الأصغر يكون أكثر نسلا وعددا. يعني أن «أفرايم» يكون عدد نسله أكثر من عدد «منسى».

ثم ذكر في مصحف «يوشع» أن بني «منسّى» كانوا إذ دخلوا الشام وقسمت عليهم الأرض اثنين وخمسين ألف مقاتل وسبعمائة. وأن بني «أفرايم» كانوا حينئذ اثنين وثلاثين ألفا وخمسمائة ، وذكر في كتاب لهم معظّم عندهم اسمه «سفطيم» أنه ذكر بني إسرائيل قبل داود عليه‌السلام أربعة من ملوك بني «منسى» وأربعة من بني «أفرايم» ، وأن من جملة بني «منسى» المذكورين رجلا اسمه «مفتاح بن علفاذ» قتل من بني «أفرايم» اثنين وأربعين ألف مقاتل حتى كاد يستأصلهم ، وفي كتاب لهم آخر معظّم عندهم أيضا اسمه «ملاخيم» : أنه ملك عشرة أسباط من بني إسرائيل بعد سليمان عليه‌السلام ، إلى أن ذهب الأسباط المذكورين وسبوا من بني «أفرايم» ملكين كانت مدتهما جميعا ستة وعشرين سنة فقط ، وهما «باريعام» وابنه «باباط» ووليهم من بني «منسى» خمسة ملوك ، واتصلت دولتهم مائة عام وعامين وهما «زحريا» بن «باريعام» بن «نواس» بن «يهويا» و «حار» بن «يهو» كلهم ملك ابن ملك ابن ملك ابن ملك ابن ملك ، ولم يكن فيمن ملك الأسباط العشرة أقوى ملكا من هؤلاء المنسّانيّين ، وهذا ضد قول «يعقوب» الذي حكوه عنه. وحاش لله أن يكذب نبي فيما ينذر به عن الله عزوجل.

فإن قالوا : إن «يوشع» بن «نون» و «دبور» أنسه ، وميخا المورشي النبي كلهم كان من بني «أفرايم» ، وكان بنو «أفرايم» إذ أخرجوا من مصر أربعين ألف مقاتل ، وخمسمائة مقاتل ومائتي مقاتل. وكان بنو «منسى» يومئذ اثنين وثلاثين ألف مقاتل ومائتي مقاتل. قلنا : لم تذكروا أن «يعقوب» قال : «يكون الشرف في نسل أفرايم». إنما حكيتم أنه قال : إن «أفرايم» يكون أكثر نسلا وعددا من «منسى» على التأبيد والعموم ، وإيصال البركة لا على وقت خاص قليل ، ثم يعود الأمر بخلاف ذلك فتبطل البركة ، ويصير المبارك مدبرا ، والمدبر مباركا في الأبد.

١٧٧

فصل

ثم ذكر عن «يعقوب» عليه‌السلام أنه قال لرءوبين في ذلك الوقت : أنت أول المواهب مفضل في الشرف ، مفضل في العز ، ولا تفضل منهملة ماء.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا كلام يكذب أوّله آخره.

فصل

تنبأ التوراة بإعطاء أولاد يهوذا القيادة

ثم ذكر أنه عليه‌السلام قال «ليهوذا» حينئذ : لا تنقطع من «يهوذا» المخصرة (١) ولا من نسله قائد حتى يأتيني المبعوث الذي هو رجاء الأمم.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وهذا كذب قد انقطعت من ولد «يهوذا» المخصرة وانقطعت من نسله القواد ، ولم يأت المبعوث الذي هو رجاؤهم. وكان انقطاع الملك من ولد «يهوذا» من عهد «بخت نصر» مذ أزيد من ألف عام وخمسمائة عام إلا مدة يسيرة ، وهي مدة «زربائيل» بن «صلثائيل» فقط. وقد قررت على هذا الفصل أعلمهم وأجدلهم ، وهو «أشموال بن يوسف اللاوي» الكاتب المعروف بابن النغرال في سنة أربع وأربعمائة فقال لي : لم تزل رءوس الجواليت ينتسلون من ولد داود وهم من بني «يهوذا» وهي قيادة وملك ورئاسة ، فقلت : هذا خطأ لأن رأس الجالوت لا ينفذ أمره على أحد من اليهود ولا من غيرهم ، وإنما هي تسمية لا حقيقة لها ، ولا له قيادة ، ولا بيده مخصرة ، فكيف وبعد أحزيا بن بورام لم يكن من بني «يهوذا» وال أصلا مدة ستة أعوام ، ثم بعده نشأ الملقب «صدقيا» بن «يوشيا» ، لم يكن منهم لأحد له معين ، ولا من يملك على أحد اثنين وسبعين عاما متصلة حتى ولي «زربائيل» ثم انقطع الولادة منهم جملة ، لا رأس «جالوت» ولا غيره مدة ولاة الهارونيين ملكا ملكا مئين من السنين ليس لأحد من «يهوذا» في ذلك أمر إلى دولة المسلمين أو قبلها بيسير ، فأوقعوا اسم رأس الجالوت على رجل من بني «داود» إلى اليوم ، إلّا أنّ بعض المؤرخين القدماء ذكر أن «هردوس» وابنيه ، وابن ابنه «أعريفاس» بن «أعريفاس» كانوا من بني «يهوذا» ، والأظهر أنهم من الروم عند كل مؤرخ ، فظهر كذب هؤلاء الأنذال بيقين ، وحاش لله أن يكذب نبي.

__________________

(١) المخصرة : ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوها ، وقضيب يشار به في أثناء الخطابة والكلام ، وكان يتخذه الملوك والخطباء (المعجم الوسيط : ص ٣٢٧). والمراد : لا ينقطع عنهم السلطان.

١٧٨

فصل

ثم ذكر أن «يعقوب» عليه‌السلام قال «للاوي» و «شمعون» سأبددهما في «يعقوب» وأفرقهما في «إسرائيل».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : أما لاوي فكان نسله مبددا في بني إسرائيل كما ذكر ، وأما «بنو شمعون» فلا ، بل كانوا مجتمعين في البلد الذي وقع لهم كسائر الأسباط ولا فرق ، وليس إنذار النبوة مما يكذب في قصة ويصدق في أخرى ، هذه صفات إنذارات الحسّاب القاعدين على الطرق للنساء ولمن لا عقل له.

فصل

إرسال موسى عليه‌السلام لفرعون

وقال في السفر الثاني من توراتهم : إن الله تعالى قال لموسى عليه‌السلام : قل لفرعون السيد يقول «إسرائيل» بكر ولدي ، ويقول لك ائذن لولدي ليخدمني ، وإن كرهت الإذن سأهلك بكر ولدك.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذا عجب ناهيك به ، ليت شعري ما ذا ينكرون على النصارى بعد هذا؟ وهل طرق للنصارى سبيل الكفر في أن يجعلوا لله ولدا ، ونهج لهم طريق التثليث ـ على ما ذكرنا قبل هذا ـ إلا هذه الكتب الملعونة المبدّلة؟!.

إلّا أنّ النصارى لم يدعوا بنوّة لله تعالى إلا لواحد أتى بمعجزات عظيمة ، وأما هذه الكتب السخيفة ، وكل من تديّن بها فإنهم ينسبون بنوّة لله إلى جميع بني إسرائيل ، وهم أوسخ الأمم وأرذلهم جملة ، وكفرهم أوحش ، وجهلهم أفحش.

فصل

معجزات موسى أمام فرعون

ثم ذكر أن «هارون» ألقى العصا بين يدي فرعون وعبيده فصارت حية فدعا فرعون بالعلماء والسحرة ، وفعلوا بالرقى المصري مثل ذلك ، ولكن عصا موسى ازدردت عصيهم. ثم ذكر أن «موسى» و «هارون» فعلا ما أمرهما السيد ، فرفع العصا وضرب بها ماء النهر بين يدي فرعون وعبيده فعاد دما ومات كل حوت فيه ، ونتن النهر ، ولم يجد

١٧٩

المصريون سبيلا إلى الشرب منه ، وصار الماء في جميع مصر دما ، ففعل مثل ذلك سحرة مصر برقاهم.

ثم ذكر أن «هارون» مدّ يده على مياه مصر وخرجت الضفادع منها ، وغطت أرض مصر ، ففعل السحرة برقاهم مثل ذلك ، وأقبلوا بالضفادع على أرض مصر. ثم ذكر أن «هارون» مدّ يده بالعصا وضرب بها غبار الأرض ، فتخلق منها بعوض في الآدميين والأنعام وعاد جميع الغبار بعوضا في جميع أرض مصر ، فلم يفعل السحرة مثل ذلك برقاهم ، وراموا اختراع البعوض فلم يقدروا عليه ، فقال السحرة لفرعون : هذا صنع الله.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : هذه الآبدة المصمئلّة (١) والصّيلم (٢) المطبقة ولو صحّ هذا لبطلت نبوة موسى عليه‌السلام ، بل نبوة كلّ نبي.

ولو قدر السحرة على شيء من جنس ما يأتي به النبي لكان باب السحرة ، وباب مدّعي النبوة واحدا ، ولما انتفع موسى بازدراد عصاه لعصيهم ، ولا بعجزهم عن البعوض وقد قدروا على قلب العصيّ حيات ، وعلى إعادة الماء دما ، وعلى المجيء بالضفادع ، ولما كان لموسى عليه‌السلام عليهم بنبوته أكثر من أنه أعلم بذلك العمل منهم فقط ، ولو كان كما قال هؤلاء الكذابون الملعونون لكان فرعون صادقا في قوله : (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) [طه : ٧١ ، والشعراء : ٤٩] ولا منفعة لهم في قول السحرة في البعوض : «هذا صنع الله» ، لأنه يقال لبني إسرائيل : فعلى موجب قول السحرة لم يكن من صنع الله قلب العصا حية ، والماء دما ، والمجيء بالضفادع ، بل من غير صنع الله؟.

وهذه عظيمة تقشعر منها الجلود. أين هذا الإفك المفترى البارد من نور الحق الباهر؟! إذ يقول الله عزوجل : (إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ) [سورة طه : ٦٩] وإذ يقول تعالى : (وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وَأُلْقِيَ

__________________

(١) الآبدة : الأمر العجيب يستغرب له ، والداهية يبقى ذكرها للأبد. والمصمئلّة : الشديدة (المعجم الوسيط : ص ٢ و ٥٢٢).

(٢) الصيلم : الداهية تستأصل ما تصيب (المرجع السابق : ص ٥٢١).

١٨٠