الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ١

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

جيد ، وبها اللّؤلؤ وحجارة البلور. واسم الثاني «جيحان» (١) وهو محيط بجميع بلاد الحبشة. واسم الثالث الدّجلة ، وهو السائر شرق «الموصل». واسم الرابع الفرات «وأخذ الله آدم ووضعه في جنّات عدن».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : في هذا الكلام من الكذب وجوه فاحشة قاطعة بأنها من توليد كذاب مستهزئ.

أول ذلك : إخباره أن هذه الأربعة تفترق من النهر الذي يخرج من جنات عدن التي أسكن الله فيها آدم ، إذ خلقه ثم أخرجه منها إذ أكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن أكلها ، وكل من له أدنى معرفة بالهيئة وبصفة الرّبع المعمور من الأرض الذي هو في شمال الأرض أو من مشى إلى مصر والشام والموصل ـ يدري أن هذا كلّه كذب فاضح ، وأن مخرج النيل من عين الجنوب من خارج المعمور ، ومصبه قبالة «تنيس» (٢) ، وقبالة الإسكندرية في آخر أعمال مصر في البحر الشامي. وأن مخرج الدجلة والفرات وجيحان من الشمال.

فأما «جيحان» فيخرج من بلاد الروم ، ويمر ما بين «المصيصة» (٣) وربضها (٤) المسمى «كفربيّا» (٥) حتى يصب في البحر الشامي على أربعة أميال من «المصيصة».

وأما «دجلة» فمخرجها من أعين بقرب «خلاط» (٦) من عمل «أرمينية» (٧) بقرب

__________________

(بضم الزاي) : محلّة بالقاهرة ، وهي بالتصغير ، ينسب إليها أحد أبواب القاهرة. انظر مراصد الاطلاع (ص ٦٧٧).

(١) جيحان : نهر بالمصيصة بالثغر الشامي ومخرجه من بلاد الروم ، ويمر حتى يصب بمدينة تعرف بكفربيّا بإزاء المصيصة ، وعليه عند المصيصة قنطرة من حجارة رومية قديمة عريضة. ويمتد هذا النهر أربعة أميال ثم يصبّ في بحر الشام (معجم البلدان : ٢ / ١٩٦).

(٢) تنيس : جزيرة في بحر مصر قريبة من البر ما بين الفرما ودمياط (معجم البلدان : ٢ / ٥٢).

(٣) المصيصة : مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس (معجم البلدان : ٥ / ١٤٤).

(٤) الرّبض : ما حول المدينة (المعجم الوسيط : ص ٣٢٣).

(٥) كفربيّا : مدينة بإزاء المصيصة على شاطئ جيحان (معجم البلدان : ٤ / ٤٦٨).

(٦) خلاط : بلدة عامرة مشهورة كثيرة الخيرات ، وهي قصبة أرمينية الوسطى (مراصد الاطلاع : ص ٤٧٦ ، ومعجم البلدان : ٢ / ٣٨١).

(٧) أرمينية (بفتح أوله ويكسر) : اسم لصقع واسع عظيم في جهة الشمال. وحدّها من برذعة إلى باب الأبواب ، ومن الجهة الأخرى إلى بلاد الروم وجبل القبق. وهي صغرى وكبرى ، فالصغرى

١٤١

«آمد» (١) من ديار بكر (٢) ، وتصب مياها في البطائح المشهورة بقرب البصرة في أرض العراق متاخمة أرض العرب.

وأما الفرات فمخرجه من بلاد الروم على يوم من «قالي قلا» (٣) قرب «أرمينية» ثم يخرج إلى «ملطية» ، ثم يأخذ على أعمال «الرقة» (٤) إلى العراق ، وينقسم على قسمين : كلاهما يقع في «دجلة».

فهذه كذبة شنيعة كبيرة لا مخلص منها. والله تعالى لا يكذب. وأخرى وهي قوله : إنّ النيل محيط ببلد «زويلة» ، و «جيحان» محيط ببلد الحبشة ، وهذه كذبة شنيعة ما في جميع أرض السودان والحبشة وغير الحبشة نهير غير النيل وما ثم غيره أصلا ، ويتفرع سبعة فروع كلها مخرج واحد ، ثم يجتمع فوق بلاد النوبة.

وكذبة ثالثة : وهي قوله : إن ببلد «زويلة» اللؤلؤ الجيد وهذا كذب ، وما للؤلؤ بها مكان أصلا إنما اللؤلؤ في مغاصاته في بحر فارس وبحر الهند والصين ، وهذه فضائح لا خفاء بها لم يقلها الله تعالى قط ، ولا إنسان يهاب الكذب.

فإن قال قائل : فقد صح عن نبيكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «النيل والفرات وسيحان (٥)

__________________

تفليس ونواحيها ، والكبرى خلاط ونواحيها. وقيل : أربع ، الأولى بيلقان وقبلة وشروان وما انضم إليها ، والثانية جرزان وصغدبيل وباب فيروز قباذ واللّكز ، والثالثة البسفرجان ودبيل وسراج طير وبغروند والنشوى ، والرابعة بها قبر صفوان بن المعطل السلمي صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرب حصن زياد منها شمشاط وقاليقلا وأرجيش وباجنيس (مراصد الاطلاع : ص ٦٠ ، ومعجم البلدان : ١ / ١٦٠).

(١) آمد (بكسر الميم ، وهي لفظة رومية) : بلد قديم حصين ركين مبنيّ بالحجارة السود على نشز ، ودجلة محيطة بأكثره مستديرة به كالهلال ، وهي تنشأ من عيون بقربه (مراصد الاطلاع : ص ٦).

(٢) ديار بكر : بلاد كثيرة واسعة تنسب إلى بكر بن وائل ، وحدّها ما غرّب من دجلة من بلاد الجبل المطلّ على نصيبين إلى دجلة ، ومنه حصن كيفا وآمد وميافارقين ، وقد يتجاوز دجلة إلى سعرت وحيزان وحينى وما تخلّل ذلك من البلاد ولا يتجاوز السهل (مراصد الاطلاع : ص ٥٤٧).

(٣) قالي قلا : بلدة بأرمينية العظمى من نواحي خلاط (معجم البلدان : ٤ / ٢٩٩).

(٤) الرقة (بفتح أوله وثانيه وتشديده) : مدينة مشهورة على الفرات من جانبها الشرقي بينها وبين حرّان ثلاثة أيام من بلاد الجزيرة (مراصد الاطلاع : ص ٦٢٦).

(٥) سيحان : نهر كبير بالثغر من نواحي المصيصة ، وهو نهر أذنة بين أنطاكية والروم ، يمر بأذنة ثم ينفصل عنها نحو ستة أميال فيصبّ في بحر الروم. وهو غير نهر سيحون الذي يقع ما وراء النهر قرب خجند بعد سمرقند. انظر مراصد الاطلاع (ص ٧٦٤).

١٤٢

وجيحان من أنهار الجنة» (١) قلنا : نعم. هذا حق لا شك فيه ، ومعناه هو على ظاهره بلا تكلف تأويل أصلا ، وهي أسماء لأنهار الجنة كالكوثر والسلسبيل.

فإن قيل : قد صح عنه عليه‌السلام أنه قال :

«ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (٢).

قلنا : هذا حق ، وهو من أعلام نبوته ، لأنه أنذر بمكان قبره فكان كما قال ، وذلك المكان لفضله وفضل الصلاة فيه يؤدي العمل فيه إلى دخول الجنة ، فهي روضة من رياضها ، وباب من أبوابها. ومعهود اللغة أن كل شيء فاضل طيب فإنه يضاف إلى الجنة. ونقول لمن بشرنا بخبر حسن : هذا من الجنة. وقال الشاعر : «روائح الجنة في الشباب».

وليس كذلك هذا الذي في توراة اليهود لأن واضعها لم يدعنا في لبس من كذبه بل بين أنه عنى النيل المحيط بأرض زويلة بلد الذهب الجيد ، ودجلة التي بشرقي «الموصل» ، و «جيحان» المحيط ببلاد الحبشة الذي لم يخلق بعد ، فلم يدع لطالب تأويل لكلامه حيلة ولا مخرجا. وأيضا فإنهم لا يمكنهم البتة تخريج ما في توراتهم المكذوبة على ما وصفنا نحن الآن في نص توراتهم أن الجنة التي أخرج منها آدم لأكله من الشجرة التي فيها إنما هي شرق عدن ، في الأرض لا في السماء كما نقول نحن. فثبتت الكذبة لا مخرج منها أصلا ، ولو لم يكن في توراتهم إلا هذه الكذبة وحدها لكفت في بيان أنها موضوعة لم يأت بها «موسى» قط ، ولا هي من عند الله تعالى ، فكيف ولها نظائر ونظائر ونظائر؟

فإن قيل : في القرآن ذكر سد «يأجوج» و «مأجوج» ولا يدرى مكانه ولا مكانهم. قلنا : مكانه معروف في أقصى الشمال في آخر المعمور منه. وقد ذكر أمر يأجوج ومأجوج في كتب اليهود التي يؤمنون بها ويؤمن بها النصارى وقد ذكر يأجوج ومأجوج والسد «أرسطاطاليس» في كتابه في الحيوان عند كلامه على «الغرانيق» ، وقد ذكر سدّ يأجوج ومأجوج «بطليموس» في كتاب المسمى «جغرافيا» وذكر طول بلادهم وعرضها.

__________________

(١) روى الإمام أحمد في المسند (٢ / ٢٦١) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فجرت أربعة أنهار من الجنة : الفرات والنيل والسيحان وجيحان».

(٢) رواه عن أبي هريرة البخاري في الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب ٥ ، ومسلم في الحج (حديث ٥٠٢) ومالك في القبلة (حديث ١٠) والترمذي في المناقب باب ٦٧. ورواه عن عبد الله ابن زيد المازني البخاري في الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب ٥ ، ومسلم في الحج (حديث ٥٠١) ومالك في القبلة (حديث ١١) وأحمد في المسند (٣ / ٤) والنسائي في المساجد باب ٧.

١٤٣

وقد بعث إليه «الواثق» (١) أمير المؤمنين «سلام الترجمان» في جماعة معه حتى وقفوا عليه. ذكر ذلك «أحمد بن الطيب السرخسي» (٢) وغيره ، وقد ذكره «قدامة بن جعفر» (٣) والناس ، فهيهات خبر من خبر. وحتى لو خفي مكان «يأجوج» و «مأجوج» والسدّ فلم يعرف في شيء من المعمور مكانه لما ضر ذلك خبرنا شيئا ، لأنه كان يكون مكانه حينئذ خلف خط الاستواء حيث يكون ميل الشمس ورجوعها وبعدها كما هو في الجهة الشمالية ، بحيث تكون الآفاق كبعض آفاقنا المسكونة ، والهواء كهواء بعض البلاد التي يوجد فيها النبات والتناسل.

واعلموا أن كل ما كان في عنصر الإمكان فأدخله مدخل في عنصر الامتناع بلا برهان فهو كاذب مبطل جاهل أو متجاهل ، لا سيما إذا أخبر به من قد قام البرهان على صدق خبره ، وإنما الشأن في المحال الممتنع الذي تكذبه الحواس والعيان أو بديهة العقل ، فمن جاء بهذا فإنما جاء ببرهان قاطع على أنه كذاب مفتر ونعوذ بالله من البلاء.

فصل

ادعاء التوراة أن آدم إله من الآلهة

ثم قال : وقال الله : «هذا آدم قد صار كواحد منا معرفة في الخير والشر والآن

__________________

(١) هو الخليفة أبو جعفر وأبو القاسم هارون ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد ابن المهدي محمد ابن المنصور العباسي البغدادي ، وأمه رومية اسمها «قراطيس» أدركت خلافته. ولي العهد بعد أبيه سنة ٢٢٧ ه‍. ومات بسامرّا لستّ بقين من ذي الحجة سنة ٢٣٢ ه‍. وبايعوا بعده أخاه المتوكل. انظر تاريخ اليعقوبي (٣ / ٢٠٤) وتاريخ الطبري (٩ / ١٢٣) وتاريخ بغداد (١٤ / ١٥) وفوات الوفيات (٤ / ٢٢٨) وسير أعلام النبلاء (١٠ / ٣٠٦) وتاريخ الخلفاء (ص ٣٦٧) والأغاني (٩ / ٢٧٦ ـ ٣٠٠).

(٢) هو الفيلسوف أبو العباس أحمد بن الطيب ـ وقيل أحمد بن محمد ـ السرخسي. كان مؤدب المعتضد ثم صار نديمه وصاحب سرّه ومشورته. وهو تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف. قتله المعتضد سنة ٢٨٦ ه‍. انظر ترجمته في معجم الأدباء (٣ / ٩٨ ـ ١٠٢) وسير أعلام النبلاء (١٣ / ٤٤٨ ، ٤٤٩) والوافي بالوفيات (٧ / ٥ ـ ٨) ولسان الميزان (١ / ١٨٩ ـ ١٩٢).

(٣) هو أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة. بياني ، حكيم ، منطقي ، أخباري ، أديب ، كاتب ، ناقد. كان نصرانيّا فأسلم على يد المكتفي بالله. وسكن البصرة ، ثم انتقل إلى بغداد. وجالس المبرّد وثعلبا وغيرهما. من آثاره : سر البلاغة في الكتابة ، نقد الشعر ، كتاب الخراج ، زهر الربيع في الأخبار ، وصناعة الجدل. توفي سنة ٣٣٧ ه‍. انظر ترجمته في معجم الأدباء (١٧ / ١٢ ـ ١٥)

١٤٤

كيلا يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة ويأكل ويحيا إلى الدّهر فطرده الله من جنات عدن».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) :

حكايتهم عن الله تعالى أنه قال هذا آدم قد صار كواحد منّا مصيبة من مصائب الدّهر ، وموجب ضرورة أنهم آلهه أكثر من واحد ، ولقد أدّى هذا القول الخبيث المفترى كثيرا من خواص اليهود إلى الاعتقاد أن الذي خلق آدم لم يكن إلّا خلقا خلقه الله تعالى قبل آدم ، وأكل من الشجرة التي أكل منها آدم فعرف الخير والشر ، ثم أكل من شجرة الحياة فصار إلها من جملة الآلهة ، نعوذ بالله من هذا الكفر الأحمق ، ونحمده إذ هدانا للملّة الزاهرة الواضحة التي تشهد سلامتها من كل دخل (١) بأنّها من عند الله تعالى.

فصل

وبعد ذلك ، «وأسكن في شرقيّ جنّة عدن الكروبيم ، ولهيب سيف متقلب بحراسة شجرة الحياة».

ورأيت في نسخة أخرى منها : «ووكل بالجنان المشتهر «إسرافيل» ونصب بين يديه رمحا ناريا ليحفظ طريق شجرة الحياة».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : إن لم يكن أحدهما خطأ من المترجم وإلا فلا أدري كيف هذا؟

فصل

عن قاتل قابيل

وبعد ذلك قال الله تعالى : «كل من قتل قابيل يقاد به إلى سبعة». ولا تناكر بين جميعهم في أن «لامك بن متوشائيل» بن محويائيل بن عيراد بن حنوك بن قابين (٢) «هو

__________________

والنجوم الزاهرة (٣ / ٢٩٧ ـ ٢٩٨) والفهرست لابن النديم (١ / ١٣٠) وكشف الظنون (ص ٤٠٢ ، ٩٤٦ ، ٩٥٩ ، ٩٨٦ ، ١٠٦٨ ، ١٠٧٨ ، ١٤١٥ ، ١٩٤٥ ، ١٩٧٣).

(١) الدّخل : الفساد والعيب (المعجم الوسيط : ص ٢٧٥).

(٢) كذا جاءت في هذا الموضع وفي المواضع التي تليه في هذا الفصل «قابين» بالباء بعد القاف

١٤٥

الذي قتل قابين جد جدّ أبيه ، وأنه لم يقد به ، فنسبوا إلى الله تعالى الكذب لأنه وعده أن يقيد به إلى السبعة ولم يقد به ، وأيضا فإن ذكر السبعة هنا حمق ، لأن «لامك» الذي قتله هو الخامس من ولد قابين ، و «قابين» هو الخامس من آباء «لامك» ، فلا مدخل للسبعة هاهنا.

فصل

كلام التوراة عن هابيل

وقبل هذا ذكر «هابيل» بن آدم وأنه راعي غنم ، ثم قال قبل ذلك بنحو ورقتين : «إن «لامك» المذكورة آنفا اتخذ امرأتين اسم إحداهما «عادة» والثانية «صلة» وولدت «عادة» «يابال» وهو أول من سكن الأخبية ، وملك الماشية.

وهاتان قضيتان تكذب إحداهما الأخرى ولا بد.

فصل

ادعاء التوراة أن أولاد الله اتخذوا نساء

وبعد ذلك قال : «فلما ابتدأ الناس يكثرون على ظهر الأرض وولد لهم البنات فلما رأى أولاد الله بنات آدم أنهنّ حسان اتخذوا منهن نساء».

وقال بعد ذلك : «كان يدخل بنو الله إلى بنات آدم ، ويولد لهم حراما ، وهم الجبابرة الذين على الدهر لهم أسماء».

وهذا حمق ناهيك به ، وكذب عظيم إذ جعل لله أولادا ينكحون بنات آدم ، وهذه مصاهرة تعالى الله عنها ، حتى أن بعض أسلافهم قال : إنما عنى بذلك الملائكة ، وهذه كذبة إلّا أنها دون الكذبة الأولى في ظاهر اللفظ.

فصل

وفي خلال هذا قال : «لا يدين روحي في الإنسان إلى الدّهر إذ هم منتشرون لزيغانه هو بشر فتكون أعمارهم مائة وعشرون سنة».

__________________

والألف. وفي مروج الذهب للمسعودي (١ / ٤٠) : «قينان».

١٤٦

وهذا كذب فاحش ، ومصيبة الأبد ، لأنه ذكر بعد هذا القول أن «سام بن نوح» عاش بعد ذلك ستمائة سنة ، و «أرفخشاذ بن سام» عاش أربعمائة وخمسا وستين سنة ، و «شالخ» بن أرفخشاذ عاش أربعمائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة. و «عابر» بن شالخ عاش أربعمائة سنة وأربعا وستين سنة ، و «فالغ» بن «عابر» عاش مائتي سنة وسبعا وثلاثين سنة ، و «رعو بن فالغ» عاش مائتي سنة وتسعا وعشرين سنة ، و «سروغ بن رعو» عاش مائتي سنة وثلاثين سنة ، و «ناحور بن سروغ» عاش مائة وثمان وأربعين سنة ، و «تارح بن ناحور» عاش مائتي سنة وخمسين سنة ، و «إبراهيم بن تارح» عاش مائة سنة وخمسا وسبعين سنة ، و «إسحاق بن إبراهيم» عاش مائة سنة وثمانين سنة ، و «إسماعيل بن إبراهيم» عاش مائة سنة وسبعا وثلاثين سنة ، و «يعقوب بن إسحاق» عاش مائة وسبعا وأربعين سنة ، و «لاوي بن يعقوب» عاش مائة سنة وسبعا وثلاثين سنة. و «عمران بن فهث» عاش كذلك أيضا ، و «فهث بن لاوي» عاش مائة سنة وثلاثة وثلاثين سنة. وأن «سارح بنت أشر» و «مريم بنت عمران» و «هارون بن عمران» عاش كل واحد منهم أزيد من مائة وعشرين سنة بسنيهم. فاعجبوا لهذه الفضائح ولعقول تتابعت على التصديق والتدين بمثل هذا الإفك الذي لا خفاء به.

فصل

اضطراب التوراة في أعمار البشر

وبعد ذلك ذكر أنّ «متوشالح بن حنوك بن مارد» عاش تسعمائة سنة وتسعا وستين سنة ، وأنه ولد له «لامك» وهو ابن مائة سنة وسبع وثمانين سنة. وأن «لامك» المذكور إذ بلغ مائة سنة واثنين وثمانين سنة ولد له «نوح» عليه‌السلام. فلا شك من أن «متوشالح» كان إذ ولد له نوح ابن ثلاثمائة سنة وتسع وستين سنة. فوجب من هذا ضرورة أن نوحا عليه‌السلام كان ابن ستمائة سنة إذ مات «متوشالح» فاضبطوا هذا.

ثم قال : «إن في اليوم السابع عشر من الشهر الثاني من سنة ستمائة من عمر «نوح» ، اندفعت المياه بالطوفان». ثم قال : «إن في اليوم سبعة وعشرين يوما من الشهر الثاني من سنة إحدى وستمائة لنوح ، خرج نوح من التابوت ـ يعني السفينة ـ وأنه فيها مات قبل خروجهم منها بشهرين غير ثلاثة أيام ، وقد قطع فيها وبتّ على أنه لم يدخل التابوت أحد من الناس إلّا نوح وبنوه الثلاثة وامرأة نوح ، وثلاثة نساء لأولاده ، وقد قطع فيها وبتّ على أنه لم ينج من الغرق إنسي أصلا ولا حيوان في غير التابوت.

١٤٧

وهذه كذبات واضحة نعوذ بالله من مثلها ، لأن في نصوص توراتهم كما أوردنا : أن «متوشالح» لم يغرق ، لأنه لو غرق لم يستوف تمام السنة الموفية ستمائة سنة «لنوح». وفي نصها أنه استوفاها. وأيضا فإنه عندهم محمود ممدوح لم يستحق الهلاك قط. وأبطلوا أيضا أن يكون دخل التابوت إذ قطعوا بأنه لم يدخلها إنسيّ أعني السفينة إلا نوح وبنوه الثلاثة ونساؤهم ، وأبطلوا أن ينجو في غير التابوت بقطعهم أنه لم ينج إنس ولا حيوان في غير التابوت. ولا بد «لمتوشالح» من أحد هذه الوجوه الثلاثة ، فلاح الكذب البحت في نقل توراتهم ضرورة. وتيقن كل ذي عقل أنها غير منزلة من الله تعالى ولا جاء بها نبي أصلا ، لأن الله تعالى لا يكذب ، والأنبياء لا تأتي بالكذب ، فصح يقينا أنها من عمل زنديق جاهل ، أو مستخفّ متلاعب بها. ونعوذ بالله من مثل مقالهم ، وفي هذا الفصل كفاية فكيف ومعه أمثال كثيرة.

فصل

مباركة نوح لابنه سام

وبعد ذلك ذكر أن نوحا إذ بلغه فعل ابنه حام أبي كنعان فقال : ملعون «كنعان» عبد العبيد يكون لإخوته مستعبدا يكون لأخويه. يبارك الإله ساما ويكون أبو كنعان عبدا لهم ، إحسان الله «ليافث» ، ويسكن في أخبية سام ، ويكون أبو كنعان عبدا لهم. ثم نسي المحرف أو تعاظم استخفافا بهم فلم يطل لكنه بعد ستة أسطر قال إذ ذكر أولاد حام فقال : بنو حام «كوش» و «مصرايم» و «فوحا» و «كنعان». وبنو كوش : «وصبان» و «زويلة» و «رغاوة» و «رعمة» و «سفتخا». وبنو «رعمة» : «السند» و «الهند» و «كوش ولد نمرود» الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض الذي كان جبار صيد بين يدي الله عزوجل ، وكان أول مملكته «بابل». فحصل من هذا الخبر تكذيب نوح في خبره ، وهو بإقرارهم نبي معظم جدّا. وإذ وصف أن ولد أبي كنعان صاروا ملوكا على إخوة بني كنعان وعلى بنيهم ، ثم العجب كله أن على ما توجبه توراتهم كان ملك نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام على جميع الأرض ونوح حي ، وسام بن نوح حي ، لأن في نص توراتهم أن نوحا عاش إلى أن بلغ إبراهيم بن تارح عليه‌السلام ثمانية وخمسين عاما. وأن سام بن نوح عاش إلى أن بلغ يعقوب وعيصا ابنا إسحاق بن إبراهيم عليهما‌السلام خمسا وأربعين سنة ، على ما ذكره من مواليدهم أبا فأبا.

فما لنا نرى خبر نوح معكوسا؟ فإن قالوا : إنّ السودان تملكوا اليوم قلنا وفي

١٤٨

السودان ملك عظيم جدّا ، وممالك شتى «كخانة» و «الحبشة» و «النوبة» و «الهند» و «التبت» والأمر بينهم سواء يملكون طوائف من بين سام كما يملك «بنو سام» طوائف منهم ، وحاش لله أن يكذب نبي.

فصل

اضطراب التوراة في أعمار أبناء نوح (١)

وقالت توراتهم : إن نوحا لما بلغ خمسمائة سنة ، ولد له «يافث وسام وحام» ثم ذكرت أن نوحا إذ بلغ ستمائة سنة كان الطوفان ، ولسام يومئذ مائة سنة. وقالت بعد ذلك : إن «سام بن نوح» لما كان ابن مائة سنة ولد «أرفخشاذ» لسنتين بعد الطوفان ، وهذا كذب فاحش ، وتلون سمج ، وجهل مظلم ، لأنه إذا كان نوح إذ ولد له «سام» ابن خمسمائة سنة ، وبعد مائة سنة كان الطوفان ، فسام حينئذ ابن مائة سنة ، وإذ ولد له بعد الطوفان بسنتين «أرفخشاذ» فسام كان إذ ولد له «أرفخشاذ» ابن مائة سنة وسنتين. وفي نص توراتهم أنه كان ابن مائة سنة ، وهذا كذب لا خفاء به حاش لله من مثله.

فصل

التوراة وتشريد نسل إبراهيم عليه‌السلام

وبعد ذلك : أن الله تعالى قال لإبراهيم : اعلم علما أنه سيكون نسلك غريبا في بلد ليس له ، ويستعبدونهم ويعذبونهم أربعمائة سنة ، وأيضا القوم الذين يعذبونهم يحكم لهم ... وبعد ذلك يخرجون بسرح عظيم وأنت تسير لآبائك بسلام وتدفن بشيبة صالحة ، والجيل الرابع من البنين يرجعون إلى هاهنا.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : في هذا الفصل على قلته كذبتان فاحشتان شنيعتان منسوبتان إلى الله تعالى ، وحاش لله من الكذب والخطأ.

__________________

(١) ما ورد في التوراة الحالية عن أعمار هؤلاء الذين ذكرهم ابن حزم يختلف قليلا عن الأعمار التي ذكرها ، وهذا يدلّ على أنهم كانوا يحرصون على تحريف نصّ التوراة وتبديله كلما عنّ لهم ذلك من وقت لآخر ، وربما كانوا يفعلون ذلك ليتفادوا النقد والاعتراض ، ولكنهم كانوا دائما عرضة للنقد. وممن تعقب توراتهم كثير من علماء المسلمين ـ عدا ابن حزم ـ منهم ابن قدامة والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

١٤٩

فأحدهما قوله : «والجيل الرابع من البنين يرجعون إلى هاهنا».

وهذا كذب فاحش لا خفاء به ، لأن الجيل الأول من بني إبراهيم عليهم‌السلام هم «إسحاق» وإخوته عليهم‌السلام ، والجيل الثاني هم : «يعقوب وعيصا» وبنو أعمامهما ، والجيل الثالث : أولاد يعقوب لصلبه ، وهم «دوبان» و «شمعون» و «يهوذا» و «لاوي» و «ساخار» و «زابلون» و «يوسف» و «بنيامين» و «داي» و «هباد» و «عاذ» و «أشاد» وأولاد «عيصا» ، ومن كان في تعدادهما من سائر عقب إبراهيم ، والجيل الرابع : هم أولاد هؤلاء المذكورين ، وهم الجيل الثالث آباؤهم ، ويعقوب جدهم هم الداخلون مصر لا الخارجون منها بنص توراتهم وإجماعهم كلهم بلا خلاف من أحد منهم. وإنما رجع إلى الشام بنص توراتهم وإجماعهم كلهم الجيل السادس من أبناء إبراهيم ، وهم أولاد الجيل الرابع المذكور ، وما رجع من الجيل الرابع ولا من الجيل الخامس ولا واحد إلى الشام. وحاش لله من أن يكذب في خبره.

فإن قيل : إنما تعد الأجيال من الجيل المعذب قلنا : هذا خلاف نص توراتهم ، لأن نصها : «الجيل الرابع من الأبناء».

وأيضا : فإنه لم يعذّب أحد من أولاد يعقوب بل كانوا مبرورين ، وهم الجيل الثالث بنص توراتهم حرفا حرفا ، على ما نورد بعد هذا إن شاء الله تعالى.

إنما ابتدأ التعذيب في أبناء يعقوب ، وهم الداخلون مع آبائهم ، وهم الجيل الرابع ، فعدّ من حيث شئت لست تخرج من شرك الكذب الفاضح وفي هذا كفاية.

والكذبة الثانية : طامة من الطامات ، وهي قوله لإبراهيم : «إن نسلك سيكون غريبا ، في بلد ليس له ، ويستعبدونهم أربعمائة سنة وبعد ذلك يخرجون».

فهذه سوءة وعار الدهر ، لأنه إذا عذب الأربعمائة سنة من وقت بدأ بتعذيب بني إسرائيل بمصر ، فإنما ذلك بعد موت يوسف عليه‌السلام إلى أن خرج بهم موسى عليه‌السلام نصا ، إذ في سياق توراتهم :

«ولما مات يوسف وجميع إخوته وذلك الجيل كله ، كثر بنو إسرائيل وتكاثروا وتقوّوا ، فملكوا الأرض ، وولي عند ذلك بمصر ملك جديد لم يعرف يوسف فقال لأهل مملكته : إن بني إسرائيل قد كثروا ، وصاروا أقوى منا فأذلّوهم بيننا لئلا يزدادوا كثرة ويكونوا عونا لمن رام محاربتنا فقدّم عليهم أصحاب صناعته لسخرتهم».

هذا نص توراتهم شاهدة بما قلنا. وقد ذكر في توراتهم إذ ذكر من دخل مع

١٥٠

«يعقوب» من ولده ، وولد ولده : أن «فاهث» (١) بن لاوي بن يعقوب والد عمران بن «فاهث» وهو جد موسى عليه‌السلام ـ كان ممن ولد بالشام ودخل مصر مع أبيه «لاوي» وجده «يعقوب» ـ وذكر فيها أيضا : أن جميع عمر «فاهث» المذكور ابن لاوي كان مائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة ، وأن جميع عمر «عمران بن فاهث» المذكور كان مائة سنة وسبعا وثلاثين سنة. وذكر فيها نصا : «أن موسى عليه‌السلام كان إذ خرج ببني إسرائيل من مصر ابن ثمانين سنة».

هذا كله نص توراتهم حرفا بحرف بإجماع منهم أولهم عن آخرهم ، فهبك أن «فاهاث» (٢) كان إذ دخلها ابن أقل من شهر ، وأن «عمران» ولد له سنة موته ، وأن «موسى» ولد لعمران سنة موته. فالمجتمع من هذا العدد كله ثلاثمائة سنة وخمسون سنة ، وهذه كانت مدتهم بمصر من يوم دخولها إلى أن خرجوا منها على هذا الحساب فأين الأربعمائة سنة؟ فكيف ولا بد أن يسقط سن «فاهاث» إذ دخل مصر مع أبيه «لاوي» والمدة التي كانت من ولادة «عمران» لفاهث إلى موت «فاهث» والمدة التي كانت من ولادة «موسى» عليه‌السلام إلى موت أبيه «عمران».

وفي كتب اليهود : أن «فاهث» دخل مصر وله ثلاث سنين ، وأنه كان إذ ولد له «عمران» ابن ستين سنة ، وأن «عمران» كان إذ ولد له موسى عليه‌السلام ابن ثمانين سنة.

فعلى هذا لم يكن بقاء بني إسرائيل بمصر مذ دخلوها مع «يعقوب» إلى أن خرجوا منها مع موسى إلا مائتي عام وسبعة عشر عاما فأين الأربعمائة عام؟

فكيف ولا بد أن يسقط من هذا العدد الأخير مدة حياة يوسف مذ دخل إخوته وأبوهم وبنوهم مصر إلى أن مات يوسف عليه‌السلام؟

فطول هذا الأمد لم يكونوا مستخدمين ، ولا معذبين ، ولا مستعبدين بل كانوا أعزّاء مكرّمين.

وفي نصّ توراتهم أن يوسف عليه‌السلام كان إذ دخل على فرعون ابن ثلاثين سنة ، ثم كانت سنو الخصب سبع سنين ، وبدأت سنو الجوع ودخل يعقوب ونسله مصر بعد سنتين من سني الجوع ، فليوسف حينئذ تسع وثلاثون سنة.

__________________

(١) كذا في الأصل «فاهث» وقد وردت في أكثر المراجع : «قاهث» بالقاف.

(٢) كذا في الأصل بالألف بعد الفاء. وراجع الحاشية السابقة.

١٥١

وفي نص توراتهم : أن يوسف كان إذ مات ابن مائة سنة وعشر سنين ، فصح أن مدّتهم مذ دخلوا مصر إلى أن مات يوسف عليه‌السلام كانت إحدى وسبعين سنة فقط ولا بد ، فالباقي مائة سنة وست وأربعون سنة يسقط منها ولا بد بنص توراتهم مدة بقاء من بقي من إخوة يوسف بعده ، ولم نجد من ذلك إلّا عمر «لاوي» فقط على نص التوراة كان يزيد على يوسف ثلاثة أعوام أو أربعة ، فعاش بعد يوسف ثلاثة وعشرين عاما فقط تسقط ولا بد من هذا العدد ، فالباقي مائة سنة وثلاث وعشرون سنة ، هذه مدة عذابهم واستخدامهم واستعبادهم على أبعد الأعداد ، وقد تكون أقل ، فأين الأربعمائة سنة؟!

ولعل وقاح الوجه أن يقول : ما أعدّ ذلك إلّا من دخول يوسف مصر مستعبدا مستخدما معذبا ثم مسجونا ، فاعلم أنه لا يزيد على المائتي عام وسبعة عشر عاما التي ذكرنا قبل إلا اثنين وعشرين عاما فقط. فذلك مائتا عام وتسعة وثلاثون عاما. فأين الأربعمائة سنة؟ فظهر الكذب المفضوح الذي لا يدرى كيف خفي عليهم جيلا بعد جيل.

ورأيت لنذل منهم مقالة ظريفة ، وهي أنه ذكر هذه القصة وقال : إنما ينبغي أن تعد هذه الأربعمائة سنة من حين خاطب الله عزوجل إبراهيم بهذا الكلام.

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : وأراد هذا الساقط الخروج من مزبلة فوقع في كنيف عذرة لأنه جاهر بالباطل وتعجل الفضيحة ونسبة الكذب إلى الله تعالى. إذ نص ما حكوه عن الله تعالى أنه قال لإبراهيم :

«إنّ نسلك يستعبد أربعمائة سنة». ولم يقل له قط «من الآن إلى انقضاء استخدامهم أربعمائة سنة». وأيضا فإنّ نص توراتهم : أن الله تعالى إنما قال هذا الكلام لإبراهيم قبل ولادة إسماعيل هذا أيضا فكان إبراهيم حينئذ ابن أقل من ستة وثمانين عاما ثم عاش بعد ذلك أربعة عشر عاما وولد له إسحاق ، وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة ، ومات إسحاق وليعقوب مائة وعشرون سنة ، ودخل يعقوب مصر وله مائة وثلاثون سنة ، كل هذا نصوص توراتهم بلا اختلاف منهم ، فمات إسحاق قبل دخول يعقوب مصر بعشرة أعوام فمن حين ادعوا أن الله تعالى قال هذا الكلام لإبراهيم إلى دخول يعقوب مصر مائتا عام وأربعة أعوام ، ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى عنها كما ذكرنا مائة عام وسبعة عشر عاما ، فحصلنا على أربعمائة عام وأربعة وعشرين عاما فلا منجى من الكذب إما بزيادة أو نقصان ، وحاش لله أن يكذب في حساب بدقيقة فكيف بأعوام؟ والله خالق الحساب ومعلمه عباده ، ومعاذ الله أن

١٥٢

يكذب موسى عليه‌السلام أو يخطئ فيما أوحى الله تعالى به ، فوضح لكل من له أدنى فهم وضوحا يقينيّا كما أن أمس قبل اليوم ـ أنها ليست من عند الله تعالى ، ولا من أخبار نبي ولا من تأليف عالم يتقي الكذب ، ولا من عمل من يحسن الحساب ، ولا يخطئ فيما لا يخطئ فيه صبي يحسن الجمع والطرح والقسمة والتسمية ، ولكنها بلا شك من عمل كافر مستخف ماجن سخر بهم ، وتطايب عليهم ، وكتب لهم ما سخّم (١) الله به وجوههم عاجلا في الدنيا بالفضيحة ، وآجلا في الآخرة بالنار والخلود فيها ، أو من عمل تيس أرعن تكلف إملاء ما لم يقم بحفظه جاهل مع ذلك مظلم الجهل بالهيئة وصفة الأرض وبالحساب وبالله تعالى وبرسله عليهم‌السلام ، فأملى ما خرج إلى فهمه من خبيث وطيب ، ولقد كان في هذا الفصل كفاية لمن نصح نفسه لو لم يكن غيره فكيف ومعه عجائب جمة؟ ونحمد الله تعالى على نعمة الإسلام كثيرا.

فصل

ادعاء التوراة بأن نسل إبراهيم يملكون من النيل إلى الفرات

وبعد ذلك أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه‌السلام :

«لنسلك أعطي هذا البلد من نهر مصر النهر الكبير إلى نهر الفرات». وهذا كذب وشهرة (٢) من الشهر ، لأنه إن كان عنى بني إسرائيل ، وهكذا يزعمون ، فما ملكوا قط من نهر مصر ، ولا على نحو عشرة أيام منه شبرا مما فوقه ، وذلك من موقع النيل إلى قرب بيت المقدس ، وفي هذه المسافة الصحارى المشهورة الممتدة ، والحضار (٣) ، ثم «رفح» (٤) و «غزة» (٥) و «عسقلان» (٦) و «جبال

__________________

(١) سخّم الله وجهه : سوّده (المعجم الوسيط : ص ٤٢٢).

(٢) الشّهرة : ظهور الشيء في شنعة (المرجع السابق : ص ٤٩٨).

(٣) جمع حاضرة : خلاف البادية ، وهي المدن والقرى والريف (المرجع السابق : ١٨١).

(٤) رفح : منزل في طريق مصر بعد الداروم بينه وبين عسقلان يومان لقاصد مصر (مراصد الاطلاع : ص ٦٢٣).

(٥) غزة : مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر بينها وبين عسقلان فرسخان أو أقل في غربيها ، من عمل فلسطين (المرجع السابق : ص ٩٩٣).

(٦) عسقلان : مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وجبرين يقال لها عروس الشام (المرجع السابق : ص ٩٤٠).

١٥٣

الشراة» (١) التي لم تزل تحاربهم طول مدة دولتهم ، وتذيقهم الأمرين إلى انقضاء دولتهم ، ولا ملكوا قط من الفرات ولا على عشرة أيام منه ، بل بين آخر حوز بني إسرائيل إلى أقرب مكان من الفرات إليهم نحو تسعين فرسخا فيها «قنسرين» (٢) و «حمص» (٣) التي لم يقربوا منها قط ، ثم «دمشق» و «صور» (٤) و «صيدا» (٥) التي لم يزل أهلها يحاربونهم ، ويسومونهم الخسف طول مدة دولتهم بإقرارهم ونصوص كتبهم ، وحاش لله عزوجل أن يخلف وعده في قدر دقيقة من سرابه فكيف في تسعين فرسخا في الشمال ونحوها في الجنوب.

ثم قوله : «النهر الكبير» وما في بلادهم التي ملكوا نهر يذكر إلا الأردن وحده ، وما هو بكبير ، إنما مسافة مجراه من بحيرة الأردن إلى مسقطه في البحيرة المنتنة (٦) نحو ستين ميلا فقط. فإن قال قائل : إنما عنى الله بهذا الوعد بني إسماعيل عليه‌السلام ، قلنا : وهذا أيضا خطأ ، لأن هذا القدر المذكور هاهنا من الأرض أقل من جزء من مائة جزء مما ملّك الله عزوجل بني إسماعيل عليه‌السلام. وأين يقع ما بين مصب النيل عند «تنّيس» وبين الفرات ، و «كابل» (٧) مما يلي بلاد الهند ، ومن ساحل اليمن إلى ثغور «أرمينية» و «أذربيجان» فما بين ذلك والحمد لله رب العالمين.

فكيف وهذه الدعوى باطلة لأن ذلك الكلام بعضه معطوف على بعض ،

__________________

(١) الشراة : جبل شامخ مرتفع من دون عسفان. والشراة أيضا : صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم (المرجع السابق : ص ٧٨٨).

(٢) قنسرين : كانت قنسرين وحمص شيئا واحدا ، وقد فتحت على يد أبي عبيدة بن الجراح سنة ١٧ ه‍ (معجم البلدان : ٤ / ٤٠٣).

(٣) حمص : بلد مشهور بين دمشق وحلب في نصف الطريق يسمى باسم من أحدثه وهو حمص بن مكنف العمليقي (معجم البلدان : ٢ / ٣٠٣ ، ومراصد الاطلاع : ص ٤٢٥).

(٤) صور : مدينة مشهورة مشرفة على بحر الشام ، افتتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (معجم البلدان : ٣ / ٤٣٣ ، ومراصد الاطلاع : ص ٨٥٦).

(٥) صيدا : ويقال «صيداء» : مدينة على ساحل بحر الشام من أعمال دمشق شرقيّ صور ، بينهما ستة فراسخ (معجم البلدان : ٣ / ٤٣٨ ، ومراصد الاطلاع : ص ٨٥٩).

(٦) البحيرة المنتنة : هي بحيرة «زغر» ويقال لها : «المقلوبة» أيضا ، وهي غربي الأردن. ويقال لها المنتنة لأنه لا يعيش بها حيوان ورائحتها في غاية النتن ، وربما هاج في بعض السنين فيهلك مجاوروها (مراصد الاطلاع : ص ١٦٩).

(٧) كابل : مدينة بين الهند ونواحي سجستان في ظهر الغور ، افتتحها المسلمون أيام بني مروان (معجم البلدان : ٤ / ٤٢٦).

١٥٤

فالموعودون بملك ذلك البلد هم المتوعدون بأنهم يمتلكون ويعذبون في البلد الآخر. وقد أكرم الله تعالى بني إسماعيل وصانهم عن ذلك فوضح الكذب الفاحش في الأخبار المذكورة ، وصح أنه ليس من عند الله عزوجل ، ولا من كلام نبي أصلا بل من تبديل وغد جاهل كالحمار بلادة ، أو متلاعب بالدين وفاسد المعتقد ونعوذ بالله من الخذلان.

فصل

إخراج إبراهيم من أتون الكردانيين إلى بلد آمن

ومنها أن الله تعالى قال لإبراهيم :

«أنا الله أخرجتك من أتون الكردانيين لأعطيك من هذا البلد حوزا. فقال له إبراهيم : يا رب بما ذا أعرف أني أرث هذا البلد؟».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : حاش لله أن يقول إبراهيم عليه‌السلام لربه هذا الكلام ، فهذا كلام من لم يثق بخبر الله عزوجل حتى طلب على ذلك برهانا. فإن قال قائل جاهل : ففي القرآن قال : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) [سورة البقرة : ٢٦٠] وأن زكريا قال لله تعالى إذ وعده بابن يسمى «يحيى» : (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) [سورة آل عمران : ٤١]. قلنا : بين المراجعات المذكورة فرق كما بين المشرق والمغرب ، أما طلب إبراهيم عليه‌السلام رؤية إحياء الموتى فإنما طلب ذلك ليطمئن قلبه المنازع له إلى رؤية الكيفية في ذلك فقط.

بيان ذلك قوله تعالى له : (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [سورة البقرة : ٢٦٠] فوضح أن إبراهيم لم يطلب ذلك برهانا على شك أزاله عن نفسه ، لكن ليرى الهيئة فقط. وأما زكريا عليه‌السلام فإنما طلب آية تكون له عند الناس لئلا يكذّبوه ، هذا نص كلامه ، والذي ذكروه عن إبراهيم عليه‌السلام كلام شاكّ يطلب برهانا يعرف به صحة وعد ربه له. تعالى الله عن ذلك ، وحاش لإبراهيم منه.

فصل

التقاء إبراهيم بالملائكة عليهم‌السلام

وبعد ذلك قال :

«وتجلّى الله لإبراهيم عند بلّوطات ممرا وهو جالس عند باب الخباء عند حمى

١٥٥

النهار ، ورفع عينيه ونظر فإذا بثلاثة نفر وقوف أمامه فنظر وركض لاستقبالهم عند باب الخباء وسجد على الأرض ، وقال : يا سيدي ، إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك ليؤخذ قليل من ماء ، واغسلوا أرجلكم ، واستندوا تحت الشجرة ، وأقدم لكم كسرة من الخبز تشتد بها قلوبكم وبعد ذلك تمضون ، فمن أجل ذلك مررتم على عبدكم فقالوا : اصنع كما قلت ، فأسرع إبراهيم إلى الخباء إلى سارة ، وقال لها : اصنعي ثلاث صيعان من دقيق سميذ ، اعجنيه واصنعي خبز ملّة (١) ، وحضر إبراهيم إلى البقر ، وأخذ عجلا رخيصا (٢) سمينا ودفعه للغلام واستعجل بإصلاحه ، وأخذ سمنا ولبنا ، والعجل الذي صنعوه وقدّم بين أيديهم وهو واقف عليهم تحت الشجرة وقال : كلوا».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : في هذا الفصل آيات من البلاء شنيعة نعوذ بالله من قليل الضلال وكثيرة.

فأوّل ذلك إخباره أن الله تعالى تجلّى لإبراهيم وأنه رأى الثلاثة النفر فأسرع إليهم وسجد وخاطبهم بالعبودية ، فإن كان أولئك الثلاثة هم الله فهذا هو التثليث بعينه بلا كلفة بل هو أشد من التثليث ، لأنه إخبار بشخوص ثلاثة والنصارى يهربون من التشخيص ، وقد رأيت في بعض كتب النصارى الاحتجاج بهذه القضية في إثبات التثليث ، وهذا كما ترى في غاية الفضيحة. وإن كان أولئك الثلاثة ملائكة وهكذا يقولون فعليهم في ذلك أيضا فضائح عظيمة ، وكذب فاحش من وجوه.

أولها : من المحال والكذب أن يخبر بأن الله تعالى تجلّى له ، وإنما تجلّى له ثلاثة من الملائكة.

وثانيها : أنه يخاطب أولئك الملائكة بخطاب الواحد ، وهذا مما يزيد في ضلال النصارى في هذا الفصل ، وهذا أيضا محال في الخطاب.

وثالثها : سجوده للملائكة فإنّ من الباطل أن يسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وخليله لغير الله تعالى ولمخلوق مثله ، فهذه كذبة. وإن قالوا بل لله سجد فهذه كذبة ولا بد ، أو يكون الله عندهم هم الثلاثة المتجلون. لا بدّ من إحداها ، وعادت البلية أشد ما (٣) كانت.

__________________

(١) الملّة (بفتح الميم) : التراب الحار والرماد أو الجمر يخبز أو يطبخ عليه أو فيه (المعجم الوسيط : ص ٨٨٧).

(٢) الرخيص والرّخص : الناعم اللين (المرجع السابق : ص ٣٣٦).

(٣) كذا في الأصل : ولعلها : «مما».

١٥٦

ورابعها : خطابه لهم بأنه عبدهم ، فإن كان المخاطب بذلك هو الله تعالى وهو المتجلي له فقد عادت البلية ، وإن كان المخاطبون بذلك الملائكة فحاش لله أن يخاطب إبراهيم عليه‌السلام بالعبودية غير الله تعالى ومخلوقا مثله ، مع أن من المحال أن يخاطب ثلاثة بخطاب واحد.

وخامسها : قوله : «يؤخذ قليل من ماء ويغسل أرجلكم ، وأقدم كسرة من الخبز تشتد بها قلوبكم».

فهذه الحالة لئن كان خاطب بهذا الخطاب الله تعالى فهي التي لا سوى لها ولا بقية بعدها ، والتي تملأ الفم ، وإن كان خاطب بذلك الملائكة فهذا أكذب ، لأن إبراهيم عليه‌السلام لا يجهل أن الملائكة لا تشتد قلوبهم بأكل كسر الخبز. فهذه على كل حال كذبة باردة سمجة. فإن قالوا : ظنهم ناسا. قلنا : هذا كذب لأن في أول الخبر يخبر أن الله تجلّى له ، وكيف يسجد إبراهيم ويتعبد لخاطر طريق (١)؟ حاش له من هذا الضلال.

وسادسها : إخباره أنهم أكلوا الخبز والشوى والسمن واللبن ، وحاش له أن يكون هذا خبرا عن الله تعالى ، لا ولا عن الملائكة ، أين هذا الكذب البارد الفاضح الذي يشبه عقول اليهود المصدقين به من الحق المنير الواضح عليه ضياء اليقين من قول الله عزوجل في هذه القصة نفسها :

(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) [سورة هود : ٦٨ ـ ٧٠].

هيهات نور الحق من ظلمات الكذب! والحمد لله رب العالمين كثيرا.

وفيها أيضا وجه سابع ليس كهذه الوجوه في الشناعة : وهو إقرارهم بأن إبراهيم أطعم الملائكة اللحم واللبن والسمن معا. والربانيون منهم يحرّمون هذا اليوم. فأقل ما فيه النسخ على أن يكون سلامته من أطم الدّواهي ، والسلامة والله منهم بعيدة.

فصل

بشرى إبراهيم بإنجاب ولد

ثم قال متصلا بهذا الفصل : «وقالوا له : أين سارة زوجتك؟ فقال : ها هي ذه في

__________________

(١) خاطر الطريق : عابره.

١٥٧

الخباء. قال : سأرجع إليك مثل هذا الوقت من قابل ويكون لها ابن ، وسارة تسمع في الخباء وهو وراءها ، وكان إبراهيم وسارة شيخين قد طعنا في السن ، وانتهى لسارة أن لا يكون لها عادة كالنساء فضحكت سارة في نفسها قائلة : أبعد أن بليت يصير لي ذا وسيدي شيخ؟! قال الله لإبراهيم : لما ضحكت سارة قائلة هل لي أن ألد وأنا عجوز وهل يخفى عن الله أمري في هذا الوقت إذ قال عزّ من قائل : يكون لسارة ابن فجحدت سارة وقالت : لم أضحك لأنها خافت ، وقال السيد : ليس كما تقولين بل قد ضحكت فقام القوم من ثمّ».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : عاد الخبر بين سارة وإبراهيم وبين الله عزوجل وعاد الحديث الماضي ، ثم في هذا زيادة : أن الله تعالى قال : «إنّ سارة ضحكت» وقالت سارة : لم أضحك. فقال الله : بلى ، قد ضحكت. فهذه مراجعة الخصوم وتعارض الأكفاء ، حاش لسارة الفاضلة المنبأة من الله عزوجل بالبشارة من أن تكذب الله عزوجل فيما يقول ، وتكذب هي في ذلك فتجحد ما فعلت ، فتجمع بين سوأتين ، إحداهما كبيرة من الكبائر ، قد نزه الله عزوجل الصالحين عنها ، فكيف الأنبياء؟ والأخرى أدهى وأمر ، وهي التي لا يفعلها مؤمن ولو أنه أفسق أهل الأرض لأنها كفر ، ونعوذ بالله من الضلال.

فصل

وبعد ذلك وصف أن الملكين باتا عند لوط ، وأكلا عنده الخبز الفطير ، وأن لوطا سجد لهما على وجه الأرض وتعبد لهما ، وقد مضى مثل هذا وأنه كذب ، وأن الملائكة لا تأكل فطيرا ، ولا مختمرا ، وأن الأنبياء عليهم‌السلام لا يسجدون لغير الله تعالى ، ولا يتعبدون لسواه.

فصل

طلب إبراهيم من ربه عدم هلاك قوم لوط جميعا

وذكر أن إبراهيم عليه‌السلام قال لله عزوجل إذ ذكر له هلاك قوم لوط في كلام كثير : «أنت معاذ من أن تصنع هذا الأمر لا تقتل الصالح مع الطالح فيكون الصالح كالطالح فأنت معاذ يا حاكم جميع العالم من هذا».

ولم ينكر الله تعالى عليه هذا القول. وقال بعد ذلك :

١٥٨

«إن الملكين قالا للوط انظر من لك هنا من صهر بنيك وبناتك وكل ما لك في القرية أخرجهم من هذا الموضع لأنّا مهلكون هذا الموضع».

وقال بعد ذلك : «إن لوطا كلّم أصهاره المتزوجين بناته» وقال لهم : «اخرجوا من هذا الموضع فإنّ الله مهلكهم ، وأنّه صار عندهم كاللاعب».

ثم قال بعد ذلك :

«إن الملائكة أمسكوا بيد لوط وبيد زوجته وابنتيه لشفقة الله عليهم وأخرجوهم خارج القرية ، ثم ذكر هلاك القرية بكل ما فيها».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : لا يخلو أصهار لوط وبنوه وبناته الناكحات من أن يكونوا صالحين أو طالحين ، فإن كانوا صالحين فقد هلكوا مع الطالحين ، وبطل عقد الله تعالى مع إبراهيم في ذلك ، وحاش لله من هذا. وإن كانوا طالحين فكيف تأمر الملائكة بإخراج الطالحين ، وهم كانوا مبعوثين لهلاكهم؟ فلا بدّ من الكذب في أحد الوجهين ، وبالجملة فأخبارهم معفونة جدا.

فصل

ادعاء التوراة على لوط عليه‌السلام بمضاجعة ابنتيه

وبعد ذلك قال : «وأقام لوط في المغارة هو وابنتاه فقالت الكبرى للصغرى : أبونا شيخ وليس في الأرض أحد يأتينا كسبيل النساء ، تعالي نسق أبانا الخمر ونضاجعه ونستبق منه نسلا فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة فأتت الكبرى فضاجعت أباها ولم يعلم بنومها ولا بقيامها فلما كان من الغد قالت الكبرى للصغرى قد ضاجعت أبي أمس تعالي نسقيه الخمر هذه الليلة وضاجعيه أنت ، ونستبقي من أبينا نسلا. فسقتاه تلك الليلة خمرا ، وأتت الصغرى فضاجعته ولم يعلم بنومها ولا بقيامها ، وحملت ابنتا لوط من أبيهما ، فولدت الكبرى ابنا وسمته «موآب» ، وهو أبو المؤابيين إلى اليوم ، وولدت الصغرى ابنا سمته «عمون» وهو أبو العمونيين إلى اليوم. وفي السفر الخامس من التوراة يزعمهم أن موسى قال لبني إسرائيل : «إن الله تعالى قال : لما انتهينا إلى صحراء بني موآب قال لي : لا تحارب بني موآب ولا تقاتلهم فإني لم أجعل لكم فيما تحت أيديهم سهما لأني قد ورثت بني لوط (ادوا) وجعلتها مسكنا لهم» ثم ذكر أن موسى قال لهم : «إن الله تعالى قال له أيضا أنت تخلف اليوم حوز بني موآب المدينة التي تدعى عاد ، وتنزل في حوز بني عمون فلا تحاربهم ، ولا تقاتل أحدا منهم فإني لم

١٥٩

أجعل لكم تحت أيديهم سهما لأنهم من بني لوط ، وقد ورثتهم تلك الأرض».

قال «أبو محمد» (رضي الله عنه) : في هذه الفصول فضائح وسوآت تقشعر من سماعها جلود المؤمنين بالله تعالى العارفين حقوق الأنبياء عليهم‌السلام.

فأولها : ما ذكر عن بنتي لوط عليه‌السلام من قولهما : «ليس أحد في الأرض يأتينا كسبيل النساء ، تعالي نسق أبانا خمرا ، ونضاجعه ونستبق منه نسلا» فهذا كلام أحمق في غاية الكذب والبرد ، أترى كان انقطع نسل ولد آدم كله حتى لم يبق في الأرض أحد يضاجعهما؟ إنّ هذا لعجب فكيف والموضع معروف إلى اليوم؟ ليس بين تلك المغارة التي كان فيها لوط عليه‌السلام مع بنتيه ، وبين قرية سكنى إبراهيم عليه‌السلام إلّا فرسخ واحد لا يزيد ، وهو ثلاثة أميال فقط ـ فهذه سوأة.

والثانية : إطلاق الكذاب الواضع لهم هذه الخرافة لعنه الله ـ هذه الطومة (١) ـ على الله عزوجل من أنه أطلق نبيّه ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على هذه الفاحشة العظيمة من وطء ابنتيه واحدة بعد أخرى.

فإن قالوا : لا ملامة عليه في ذلك لأنه فعل ذلك وهو سكران ، وهو لا يعلم من هما ، قلنا : فكيف عمل إذ رآهما حاملتين؟ وإذ رآهما قد ولدتا ولدين لغير رشدة؟ وإذ رآهما تربيان أولاد الزنى؟

هذه فضائح الأبد ، وتوليد الزنادقة المبالغين في الاستخفاف بالله تعالى وبرسله عليهم‌السلام.

والثالثة : إطلاقهم على الله تعالى أنه نسب أولاد ذينك الزنيمين (٢) فرخي الزنى إلى ولادة لوط عليه‌السلام ، حتى ورثهما بلدين كما ورث بني إسرائيل وبني عيسو ابني إسحاق سواء بسواء. تعالى الله عن هذا علوا كبيرا.

فإن قالوا : كان مباحا حينئذ. قلنا : فقد صح النسخ الذي تنكرونه بلا كلفة. وقال قبل هذا : «إن إبراهيم إذ أمره الله تعالى بالمسير من حران إلى أرض كنعان أخذ مع نفسه امرأته سارة ، وابن أخيه لوط بن هاران ، وذكروا في بعض توراتهم أنه كلمته الملائكة ، وأن الله تعالى أرسلهم إليه ، فصح بإقرارهم أنه نبي الله عزوجل ، وهم

__________________

(١) كذا في الأصل ، ولم أجدها في كتب اللغة. وهو يريد «الطامّة» والطامّة : الداهية تفوق ما سواها (المعجم الوسيط : ص ٥٦٦).

(٢) الزنيم : الدعيّ ، وهو الملحق بقوم (المرجع السابق : ص ٤٠٣).

١٦٠