منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

الشيخ عباس القمي

منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

المؤلف:

الشيخ عباس القمي


المحقق: السيد ياسين الموسوي
الموضوع : الأخلاق
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: ١
ISBN: 964-470-223-9
الصفحات: ٣٠٨
  نسخة غير مصححة

كَشفِها بِكَرَمِكَ اِلهي إن طالَ في عِصيانِكَ عُمري وَعَظُمَ فِي الصُّحُفِ ذَنبي فَما اَنَا مُؤَمِّلٌ (١) غَيرَ غُفرانِكَ ، وَلا اَنَا بِراجٍ (٢) غَيرَ رِضوانِكَ * اِلهي اُفَكّرُ في عَفوِكَ فَتَهُون عَلَيَّ خَطيئَتي ، ثُمَّ اَذكُرُ العَظيمَ مِن اَخذِكَ فَتَعظُم عَلَيَّ بَليَّتي * آه اِن قَرَأتُ فِي الصُّحُف (٣) سَيّئَةً اًَنَا ناسيها وَاَنتَ مُحصيها فَتَقُولَ : خُذُوهُ ، فَيالَهُ مِن مَأخُوذٍ لا تُنجيهِ عَشيرَتُهُ وَلا تَنفَعُهُ قَبيلَتُهُ * آه مِن نارٍ تُنضجُ الاَكبادَ وَالكلِى * آه مِن نارٍ نَزّاعَة لِلشَّوى * آه مِن غَمرَةٍ مِن لَهَبابٍ لَظى (٤).

* القصة السادسة :

روي عن الامام الصادق عليه‌السلام انّه قال :

انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى بالناس الصبح ، فنظر الى شاب من الأنصار (٥) وهو في المسجد يخفق ، ويهوي رأسه ، مصفر لونه ، نحيف جسمه ، وغارت عيناه في رأسه.

فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كيف أصبحت يافلان.

فقال : أصبحت يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله موقناً.

فقال : فعجب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله ، وقال له : انّ لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة يقينك؟

قال : انّ يقيني يا رسول الله هو أحزنني ، وأسهر ليلي ، وأظمأ هواجري. فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتّى كأني انظر الى عرش ربّي وقد نصب الحساب ، وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم.

وكأني انظر الى أهل الجنّة يتنعمون فيها ، ويتعارفون ، على الارائك متكئين.

__________________

(١) بمؤمل : خ ، ل.

(٢) راج : خ ، ل.

(٣) الصحيفة : خ ، ل.

(٤) مفتاح الفلاح للشيخ البهائي ، ص ٣٠٧.

(٥) روى البرقي رحمه‌الله في المحاسن رواية اُخرى وقال (استقبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حارثه بن مالك بن النعمان فقال له : كيف أنت يا حارثة الحديث ... ) المحاسن : ص ٢ب٤٦ ، (كتاب مصابيح الظلم من المحاسن) ، باب ٢٩ ، ح ١٤٧.

٢٦١

وكأني انظر الى أهل انار فيها معذبون يصطرخون.

وكأني أسمع الآن زفير النار نعزفون في مسامعي (١).

قال : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه : هذا عبد نوّر الله قلبه للإيمان.

ثمّ قال : الزم ما أنت عليه.

قال : فقال له الشاب : يا رسول الله! ادع الله لي أن اُرزق الشهادة معك.

فدعا له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك.

فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فاستشهد بعد تسعة نفر ، وكان هو العاشر (٢).

__________________

(١) في الكافي بدل ( يعزفون في مسامعي ) (يدور في مسامعي).

(٢) رواه الكليني رضي اللهُ عنه في الكافي : ج ٢ ، ص ٥٣ ، ح ٢ ورواه البرقي في المحاسن : ص ٢٥٠ ، ح ٢٦٥ ( كتاب مصابيح الظلم من المحاسن) ، باب ٢٩. ونقله المجلسي في البحار : ج ٢٢ ، ص ١٤٦ ، ح ١٣٩ ، عن (نوادر الراوندي) ، وفي ج ٦٧ ، ص ٢٩٩ ، ح ٢٥ ، وفي ج ٦٧ ، ص ٣١٣ ، ح ٤٦ ، وفي ج ٧٠. وراجع معاني الأخبار للصدوق : ص ١٨٧ ، باب معنى الاسلام والإيمان ، وفي ج ٥ ص ١٥٩ ، ح ١٧ وفي ج ٧٠ ، ص ١٧٤ ، ح ٣٠.

ولا يكاد ينقضي عجبي من قوم دخلاء على أحاديث بيت العصمة والطهارة يتجرّؤون ويتجاسرون على أهل البيت عليهم السلام ، وهم يدّعون انّهم من شيعتهم فينسبون لأهل البيت عليهم السلام ما يعجبهم من الاخبار ويرون عنهم ما لا يفهمون ولا يفقهون ، وكأنهم أولياء عليهم لا أولياء لهم. اعاذنا الله تعالى من أقوالهم. وعليه فيصححون بعض الأخبار بحسب عقولهم وسليقتهم ، وينفون غيرها بذلك ، كما عمل ذلك بعذ مَن علّق على بحار العلاّمة المجلسي أعلى الله تعالى مقامه فهم :

أولاً : لا يعرفون انّ السند اذا صحّ كان حجّة على العباد لأن خبر الثقة حجّة.

وإن لم يصح لا يجوز ردّه لاحتمال أن يكون قد صدر عن أهل البيت عليهم السلام فيكون ردّاً عليهم كما ورد في الخبر الشريف عن الامام الباقر عليه السلام الذي رواه الكليني في الكافي الشريف في باب اكتمان عن أبي عبيدة الحذّا ء قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : (والله ان احبّ أصحابي اليّ اورعهم وافقههم واكتمهم لحديثنا وان أسوأهم عندي حالاً وامقتهم الذي اذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يعقله اشمأز منه وجحدهِ ، وكفر من دان به ، وهو لا يدري لعلّ الحديث منم عندنا خرج وإلينا اسند ، فيكون بذلك خارجاً من ولا يتنا).

وفي البصائر روى الشيخ الثقة محمّد بن الحسين الصفار بإسناده عن أحدهما عليهم‌السلام

٢٦٢

__________________

قال : (لا تكذبوا بحديث اتاكم به أتحتد فانّكم لا تدرون لعلّه من الحقّ تكذّبوا الله فوق عرشه).

والروايات في هذا المعنى قد بلغت استفاضتها حدّ التواتر.

وثانياً : انّ التدين لا يقاس بعقول الرجال كما ورد في الاخبار المسفيضة إن لم يد التواتر على النهي بالعمل بالرأي والقياس والاستحسان حتّى صار ذلك من ضروريات لامذهب كمما ادّعاغه كثير من الأساطين أهل التحقيق ، وهو الصحيح ، فمنها ما رواه المفيد بإسناد صحيح عن زرارة بن أعين قال : قال لي أبو جعفر بن علي عليهم السلام : يا زرارة إياك وأصحاب القياس في الدين فانّهم تركوا علم ماوكلوّا به ، وتكلفوا ما قد كفوه ، يتأوّلون الأخبار ويكذّبون على الله عزّوجلّ ... ) « الوسائل : كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب ٦ ، ح ٤٣ ».

وفي رواية عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق عليه السلام قال : ( .. إيّاك عن خصلتين تهلك فيهما الرجال : أن تين بشيء من رأيك ، أ, تفتي الناس بغير علم « الوسائل كتاب القضاء : أبواب صفات القاضي ، باب ٤ ، ح ٢٩.

وانّما أوجب الأئمة عليهم‌السلام الرجوع إليهم والعمل برواياتهم وقد بحث علماؤنا ذلك في علوم خاصّة.

وثالثاً : بطلان حجّة اولئك الذين لم يفهموا شيئاً من الأخبار ، وإليك المثال هذا ، حيث علّق على هذا الحديث الشريف بقوله :

( الظاهر أن هذا الحديث من سفاسف المتصوفة المتزهدة ، خصوصاً بملا حظة ما في بعضها انّه كان في امسجد يخفق ويهوي برأسه ، فانّه من شعار المتصوفة).

هامش البحار : ج ٧٠ ، ص ١٧٥ ، ١٧٦.

ويحاب عليه ـ ولو انّي لا أرى حاجة للجواب لولا تكرر هذه الخزعبلات منه في عدّة مواضع من الكتاب الشريف ـ بعدة ادوبة منها :

أولاً : متى كان الخفق من شعار المتصوفة؟ وفي أي كتاب يوجد هذا الشعار؟!

وهو أمر طبيعي لمن يقضي ليله بالعبادة وسهر التهجد أن تخفق عينه بالنهار.

نعم الذين لم يعرفوا التهجد ، ولم يرزقوا الحياء الليل في العبادة ، يعتبرون ذلك أمراً غريباً.

وثانياً : ما هو تحديد معنى الصوفي؟ فهل أن كل عابد زاهد فهو صوفي في رأية؟ أم انّ الصوفية مذهب خاص له افكاره وآراؤه ونظكرياته في الوجود والواجب والمعاد والسير الى الله تعالى والسلوك إليه ، والوسيلة إليه وغير ذلك.

٢٦٣

__________________

وهل أن كل ما عند الصوفية فهو قبيح سيء غير مقبول ، حتّى لو كان السهر في العبادة.

انّه لأمر غريب من اولئك الدخلاء. ولكن الأعجب منه ما يفعله بعض التجار بطبع تلك الخزعبلات وترويجها. والله تعالى هو المنجي الخلق من جهل الجاهلين وانتحال الضالين. وثالثاً : أليست تلك الحقائق التي ذكرها الشباب العارف مذكورة في خطبة أمير المؤمنين عليه‌السلام في أوصاف المتقين؟

وإليك الخطبة لتعرف مطابقتها لمضامين الخبر :

(فالمتقون فيها هم أهل الضائل. منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، غضوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم. ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم.

نزلت انفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت ف يارخاء. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً لاى الثواب ، وخوفاً من العقاب ، عظم الخالق في انفسهم فصغر مادونه في أعنيهم فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وانفسهم عفيفة.

صبروا أيّاماً قصيرة اعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسرها لهم ربّهم. ارادتهم الدنيا فلم يريدوها ، واسرتهم ففدوا انفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً يحزِّنون به انفسهم ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً ، وتطلعت نفوسهم إليهاشوقاً ، وظنّوا انّها نصب اعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم وظنوا انّ زفير جهنم وشهيقها في اصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم واكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يَطَّلِبُونَ الى الله تعلى في فكاك رقابهم.

وأما النهار فحلماء علماء أبرار اتقياء قد برأهم الخوف بري القدّاح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، ويقول قد خولطوا ولقد خالطجهم أمرٌ عظيم ، لا يرضون من أعمالهم إلاّ القليل ولا يستكثرون الكثير ... الخطبة الشريفة).

ورابعاً : هل يحق لكل أحد أن يستظهر ما يشاء كيف يشاء وما يشاء كما يذهب إليه ذلك القائل دون أن يحاسب عن الدليل والسبب.

انذ الاستظهار ( وهو أن يقول القائل : الظاهر ، والأظهر وما شابهها من العبارات ) لابدّ وأن يكون مبتنياً على أساس علمي ودليل منطقي.

* * *

٢٦٤

في ذكر بعض الأمثال لتنبّه المؤمنين

* المثال الأول :

قال بلوهر : بلغنا انّ رجلاً حمل عليه فيل مغتلم ، فانطلق مولياً هارباً ، واتبعه اليل حتّى غشيه ، ، فاضطره الى بئر ، فتدلى فيها ، وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر ، ووقعت قدماه على رؤوس حيات.

فلما نظر الى قعر البئر اذا بنيّين فاعر نحوه يريد التقامه.

فلما رفع رأسه الى أعلى الغصنين اذا عليهما شيء من عسل النحل ، فتطعم من ذلك العسل فالهاه ما طعم منه ، وما نال من لذة العسل وحلاوته عن الفكر ف يأمر الأفاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه ، والهاه عن التنّين الذي لا يدري كيف بصير مصيره بعد وقوعه في لهواته.

أما البئر فادنيا مملوَّة آفات وبلايا وشرور ، وأما الغصنان فالعمر ، وأما الجرذان فالليل والنهار يسرعان في الأجل ، وأما الأفاعي الأربعة فالاخلاط الأربعة التي هي السموم القاتلة من المرّة والبلغم والريح والدم لا يدري صاحبها متى تهيج به.

وأما التنّين الفاغر فاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب.

٢٦٥

وأما العسل الذي اغترّ به المغرور فما ينال الناس من لذة الدنيا وشواتها ونعيمها ودعتها من لذة المطعم والمشرب والشمّ واللمس والسمع والبصر (١).

يقول المؤلّف : لم يذكر مثل أحسن من هذا في انطباقه على المُمَثَّل لغفلة الانسان عن الموت والأهوال التي بعده واشتغاله بلذّات الدنيا العاجلة الفانية ، فليتأمّل فيه جيداً فلعله يصير سبب التنبه عن نومة الغفلة.

* وفي الخبر عن أمير المؤمنين عليه‌السلام لما دخل (سوق البصرة فنظر الى الناس يبيعون ويشترون ، فبكى عليه‌السلام نبكاءاً شديداً ، ثمّ قال :

« ياعبيد الدنيا وعمّال أهلها ، اذا كنتم بالنهار تحلفون ، وبالليل في فرشكم تنامون ، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون ، فمتى تجهزون (٢) الزاد ، وتفكرون في المعاد؟!! (٣) ».

يقول المؤلّف : ورأيت من المناسب أن اذكرهنا عدّة أبيات من الشعر :

اي به غفلت گذرانيده همه عمر عزيز

تا چه دارى وچه كردى عملت كو وكدام

توشه آخرتت چيست در اين راه دراز

كه توراموى سفيد از اجل آورد پيام

مى توانى كه فرشته شوى از علم وعمل

ليك از همّت دون ساخته اى بادد ودام

چون شوى همره حوران بهشتى كه تو را

همه در آب وگياه است نظر چون انعام

جهد آن كه نمانى ز سعادت محروم

كارخودسازكه اينجا دو سه روزيست مقام

يعني :

١ ـ يامن قضيت عمرك العزيز بالغفلة ، فأيّ عمل عندك ، وما الذي فعلته ، وماهو ، وأين هو؟.

٢ ـ ماهو زاد آخرتك في هذا الطريق؟ وقد أتاك الشيب برسالة من الأجل

__________________

(١) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٥٩٣ ـ ٥٩٤.

(٢) في نسخة (تحرزون).

(٣) الأمالي : لشيخ المفيد ، ص ١١٩ ، المجلس : ١٤ ، ح ٣ ونقله عنه في البحار : ج ٧٧ ، ص ٤٢٤ ، ح ٤١ وفي ج ١٠٣ ، ص ٣٢ ، ح ٦٠.

٢٦٦

(الموت) (١).

٣ ـ كنت قادراً أن تصير مَلاكاً بالعلم والعمل ، ولكنك لو ضاعة همتك عايشت الحيوانات المفترسة وغير المفترسة.

٤ ـ كيف تكون مصاحباً لحواري الجنّة؟ مع أنّك تفكر دائماً باماء والعلف كالانعام.

٥ ـ فاجهد أن لا تبقى محروماً من السعادة ، واصلح عملك ، فانّ مكثك هناليومين أو ثلاث.

وقال شيخ الشيوخ النظامي الگنجوي (٢) :

__________________

(١) أقول : روى الصدوق بإسناده عن ابراهيم بن محمّد الحسني قال : بعث المأمون الى أبي الحسن الرضا عليه‌السلام جارية ، فلما ادخلت إليه اشمأزت من الشيب ، فلما رأى كراهيتها ردّها الى المأمون ، وكتب إليه بهذه الأبيات شعرا :

نعى نفسي الى نفسي المشيب

وعند الشيب يتعظ اللبيب

... الخ). عيون أخبار الرضا : ج ٢ ، ص ١٧٨ ، باب ٤٣ ، ح ٨.

وروى القطب الراوندي في دعواته : انّه لما دنا وفاة ابراهيم عليه‌السلام ، قال : هلا أرسلت إليّ رسولاً حتّى أخذت اهبة الموت؟

قال له : (أو ما علمت انّ الشيب رسولي).

دعوات الراوندي : ص ٢٣٩ ، ح ٦٧٠. وعنه في البحار : ج ٨٢ ، ص ١٧٢ ، ح ٦.

(٢) هو الشيخ أبو محمّد الشاعر جمال الدين المشهوربالنظامي والحكيم النظامي الگنجوي ، اختلفت كتب الانساب في اسمه ونسبه وهو من ناحية (تفريش) أو (فراهان) من توابع قم من بلاد ايران وكان حكيماً عارفاً عالماً عابداً زاهداً متقياً وكان يجتنب من ملازمة السلاطين وصحبتهم من بداية شبابه ، مع ما كانوا يظهرونه له من الاحترام والاهتمام به ، ولم يمدح أحداً منهم ، وتنسب إليه بعض الكرامات.

وله شعر كثير باللغة الفارسية معروف ويعدّ من أركان الأدب الفارسي ، وله دواوين خمسة معروفة (مخزن الأسرار ـ خسرو وشيرين ـ ليلى ومجنون ـ هفت پيكر ـ اسكندر نامه ومجموعها : ثلاث آلاف وأربعمائة وثمانين بيت. أضافة الى ديوان شعر مفقود. راجع ترجمته في الكنى والألقاب ـ للمؤلّفك ج ٣ ص ٢٥٩. ريخحانة الأدب : ج ٦ ، ٢١١ ـ ٢١٥ ، وقد لخصنا ترجمته عنه وهو باللغة الفارسية.

٢٦٧

حديث كودكى وخود پرستى

رها كن كان خمار بود ومستى

چوعمر از سى گذشت ويا كه از بيست

نمى شايد دگر چون غافلان زيست

نشاط عمر باشد تا چهل سال

چهل رفته فروريزد پروبال

پس از پنجه نباشد تندرستى

بصر كندى پذيرد پاى سستى

چو شصت آمد نشست آمد پديدار

چو هفتاد آمخد افتاد آلت از كار

به هشتاد ونود چون در رسيدى

بسا سختى كه از گيتى كشيدى

از آنجا گربه صد منزل رسانى

بود مرگى به صورت زندگانى

سگ صيّاد كاهو گير گردد

بگيرد آهويش چون پير گردد

چو در موى سياه آمد سفيدى

پديد آمد نشان نا اميدى

زپنبه شد بنا گوشت كفن پوش

هنوز اين پنبه بيرون نارى از گوش

يعني :

١ ـ اترك حديث الطفولة والأنانية فانّها حالة السكر وامخمورية.

٢ ـ فعندما تنقضي ثلاثون سنة من العمرأ أو حتّى عشرين فلا يليق بعد ذلك ان تعيش كالغافلين.

٣ ـ فانّ قوة (حيوية) العمر الى أربعين سنة ، فإذا انقضت الأربعون فقد وقع الريش والجناح.

٤ ـ فلا تبقى بعد الخمسين صحّىة وعافية ن ويعشو البصر ، وتخور القدم.

٥ ـ فإذا جاءت الستون فسوف تظهر جلياً امارات الاقعاد ، فإذا جاء السبعون عجز عن العمل.

٦ ـ فإذا وصت الى أبواب الثمانين والتسعين فما أكثر المصاعب التي سوف تواجهها من هذا العالم.

٧ ـ وإذا تجاوزت التسعين الى المائة فهو اموت بصورة الحياة.

٨ ـ فكلب الصياد الذي يصطاد الغزال ، فانّ الغزل سوف يصطاده عندما يشيب.

٢٦٨

٩ ـ فاذا جاء الشيب في الشعر الأسود فقد جاءت علامات انقطاع الأمل.

١٠ ـ وقد لبست شحمة اُذنك من القطن كفناً وأنت بَعدُ لم تخرج هذه القطنة من الاذن.

وقال آخر :

از روش لين فلك سبز فام

عمر گذشته است مرا شصت عام

در سر هر سالى از اين روزگار

خورده ام افسوس خوشيهاى پار

باشدم از گردش دوران شگفت

كانچه مرا داد همه پس گرفت

قوّتم از زانو وبازو برفت

آب زرخ رنگ هم از مو برفت

عقد ثريّاى من از هم گسيخت

گوهر دندان همه يك يك بريخت

آنچه بجا ماند ونيابد خلل

بار گناه آمد وطول امل

زنگ رحيل آمد از اين گوچگاه

همسفران روى نهاده به راه

آه زبى زادى روز معاد

زاد كم وطول مسافت زياد

بارگران بر سر دوشم چه كوه

كوه هم زبار من آمد ستوه

اى كه بَرِ عفو عظيمت گناه

در جلو سيل بهار امت كاه

فضل تو گر دست نگيرد مرا

عصمتت ار باز گذرد مرا

جز به جهنّم نرود راه من

در سقر انداخته بنگاه من

بنده شر منده نادان منم

غوطه زن لجّه عصيان منم

خالق وبخشنده احسان توئى

فرد ونوازنده به غفران توئى

يعني :

١ ـ بحركة هذا الفلك الأخصر قد انقطعت من العمر ستون سنة.

٢ ـ وعلى رأس كلّ سنة من هذا الدهر تأسفت على طيّبات العام الماضي.

٣ ـ وانّي لا عجب من التفاف الدهر حيث استردّ منّي كل ما أعطانيه.

٤ ـ وراحت مني قوتي من الساق والساعد ، وذهب الماء من وجنتي ، واللون من شعري.

٢٦٩

٥ ـ وانفرط عقد ثرياي وتناثر جوهر أسناني الواحد تلو الآخر.

٦ ـ والذي بقي سالماً بدون اختلال هو حمل الذنب وطول الأمل.

٧ ـ وحان جرس رحيل هذا الزعن المسافر وتقدّم رفقاء السفر.

٨ ـ آه من فقدان زاد يوم المعاد ، فازاد قليل والمسافة طويلة.

٩ ـ والحل الثقيل على كتفي كالجبل ، بل يكلّ الجبل عن حمل ثقلي أيضاً.

١٠ ـ فيامن الذنب أمام عفوك العظيم مث٣ل التبن أمام سيل اربيع.

١١ ـ اذا لم يأخذ فضلك بيدي وكذا لو تركتني عصمتك أيضاً :

١٢ ـ فسوف لا ينتهي طريقي إلاّ الى جهنم ، ويكون مستقري في سقر.

١٣ ـ أنا العبد النادم الجاهل الغريق في لجّة عصياني.

١٤ ـ وأنت الخالق المحسن بالعفو الفرد واللطيف بمغفرتك.

* قال رسول الله عليه‌السلامك « أبناءُ الاربعين زَرعٌ قد دنا حصاده أبناء الخمسينَ ماذا قدمتم وماذا أخرتُم ، أبناءُ الستين هلموا إلى الحِساب أبناء السبعينَ عدوا انفسكم في الموتى » (١).

* وفي الخبر : إن الديك يقول : اذكروا الله يا غافلين (٢).

__________________

(١) جامع الأخبار : ص ١٢٠ ، الفصل ٧٦ ، وعنه في البحار ، ج ٧٣ ، ص ٣٩٠ ، ح ١٢ ، وفي سفينة البحار ، ج ٢ ، ص ٢٥٧ الطبعة الحجرية.

(٢) راجع قصص الأنبياء للقب الراوندي : ص ٢٥٦ ، الباب ١٧ن فصل ٨ ، ح ٣٠٠. والرواية مروية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام.

وفي ك مناقب آل أبي طالب : لا بن شهر آشوب ، ج ٢ ، ص ٥٥ ، (فصل في المسابقة بالعلم) وفيه : (ابن مجال قال : قال علي عليه‌السلام : نقيق الديك اذكر وا الله ياغافلين).

وفي : الاختصاص ، للشيخ المفيد ، ص ١٣٦ ، (حديث منطق بعض الحيوانات) ، فقال علي عليه‌السلام : (ويقول الديك في نعيقه بالاسحار : اذكروا الله ياغافلين).

سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٧٥ الطبعة الحجرية. وقد نقلها المجلسي في البحار : ج ١٤ ، ص ٤١٢ ، ح ١ ، وفي : ج ٤٠ ، ص ١٧٠ ، ح ٤ ، وفي : ج ٦٤ ، ص ٣٥ ، ح ١٢ ولكنه نقل عن أصل قديم من خط التلعكبري رحمه‌الله ، بإسناده عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (وأما الديك فيقول : سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، وأما الضفدع فيقول اذكروا الله ياغافلين) ، ج ٦٤ ، ص ٤٦ ، ح ٢٢.

٢٧٠

هنگام سفيده دم خروس سحرى

داني كه چراهمى كند گرى

يعني كه نمودند در آئينه صبح

كز عمر شبى گذشت وتوبى خبرى

يعني :

١ ـ هل تدري لماذا ينوح دائماً ديك السحر عندما يضيء الفجر ويتنفس؟

٢ ـ يعني ظهر في مرآة الصبح انّه انقضى من عمرك ليلة وأنت غافل.

وَلنعم ما قال الشيخ الجامي :

دلا تا كى در اين كاخ مجازى

كنى مانند طفلان خاكبازى

توئى أن دست پرور مرغ گستاخ

كه بوتدت آشيان بيرون از اين كاخ

چرا زان آشيان بيگانه گشتى

چو دونان مرغ اين ويراه گشتى

بيفشان بال وپر زاميزش خاك

بپرتا كنگره ايوان افلاك

ببين در قصر ازرق طيلسانان

رداى نور بر عالم فشانان

همه دور جهان روزى گرفته

به مقصد راه فيروزى رفته

خليل آسا درِ ملك يقين زن

نداى لا اُحبّ الآفلين زن

يعني :

١ ـ ألا يا نفس الى متى تعمل في هذا القصر المجازي كالأطفال يلعبون بالتراب.

٢ ـ أنت ذلك الطائر المربّي الجريء ، الذّي كان وَكرُك خارج هذا القصر.

٣ ـ لماذا تركت وَكرك ذاكن وصرت طير هذه الخرائب؟

٤ ـ انفض جناحك وريشك مما عليه من تراب ، وحلّق الى أعلى مكان من ايوان الافلاك.

٥ ـ انظر في القصر ذوي الطيالسة (١) الذّين ينشرون رداء النور على العالم.

٦ ـ والكل آخذ برزقه من هذا العالم ، منخذ طريق الفوز والنجاح.

__________________

(١) الطيالسة : مفرده طيلسان ، وهو كساء أخضر (ازرق) يلبسه الخواص من المشائخ والعلماء ، وهو من لباس العجم.

٢٧١

٧ ـ فاطرق باب ملك اليقين كابرهيم الخليل ، ونادِ بنداء لا اُحبّ الآفلين (١).

* المثال الثاني :

لأهل الدنيا الذين خدعتهم الدنيا وتعلقت قلوبهم بها.

قال بلوهر :

كان أهل مدينة يأتون الرجل الغريب الجاهل بأمرهم فيملّكونه عليهم سنة ، فلا يشكّ انّ ملكه دائم عليهم لجهالته بهم ، فاذا انقضت السنة اخرجوه من مدينتهم عرياناً مجرداً سليباً ، فيقع في بلاء وشقاء لم يحدّث به نفسه ، فصار ما مضى عليه من ملكه وبالاً وحزناً ومصيبة وأذىً (٢).

ويصير مصداق هذا الشعر :

اى كرده شراب حبّ دنيا مستت

هشيار نشين كه چرخ سازد پستت

مغرور جهان مشوكه چون مثل حنا

بيش از دو سه روزى نبود در دستت

يعني :

يامن أسكرته خمرة حبّ الدنيا

انتبه! فانّ الفلك يدور بك إلى الأسفل

ولا تغتر بالدنيا لأنّها كالحناء لا يبقى لونها

في يديك أكثر من يومين أو ثلاث

ثمّ انّ أهل تلك المدينة أخذوا رجلاُ آخر ، فملّكوه عليهم ، فلمّا رأى الرجل غربته فيهم ، لم يستأنس بهم ، وطلب رجلاً من أهل أرضه خبيراً بأمرهم حتّى وجده ، فأفضى إليه بسرِّ القوم ، وأشار إليه أن ينظر الى الأموال التي في يديه فيخرج منها ما استطاع ، الأوّل فالأوّل : حتّى يحرزه في امكان الذي يخرجونه إليه فإذا اخرجه القوم صار الى الكفاية والسعة بما قدّم واحرز.

ففعل ما قال له الرجلا ولم يضيّع وصيته (٣).

__________________

(١) وهو نداء ابراهيم الخليل عليه‌السلام كما في قوله تعالى : ( لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) من سورة الانعام الآية ٧٦.

(٢) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٥٩٥.

(٣) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٥٩٥.

٢٧٢

يقول المؤلّف : يقول الله تعالى في القرآن المجيد :

( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) (١).

* وقال الامام الصادق عليه‌السلام :

إن العمل الصالح ليسبق صاحبه الى الجنّة فيمهد له كما يمهد لأحدكم خادمه فراشه (٢).

* ويقول أمير المؤمنين عليه‌السلام في كلماته القصار :

يابن آدم كن وَصيَّ نفسك ، واعمل في مالك ما تؤثر أن يُعمَلَ فيه من بعدك (٣).

فيا عزيزي!

برگ عيشى به گور خويش فرست

كس نيارد زپس توپيش فرست

خور وپوش وبخشاى وراحت رسان

نگه مى چه دارى زبهر كسان

زر ونعمت اكنون بده كان تست

كه بعد از تو بيرون زفرمان تست

توبا خود ببر توشه خويشتن

كه شفقت نيايد زفرزند وزن

__________________

(١) سورة الروم : الآية ٤٤.

(٢) راجع مجمع البيان للطبرسي : ج ٤ ، ص ٣٠٧ ، قال : (وروى عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ... الحديث) ، ونقله عنه الشيخ عبد علي الحويزي ، في تفسير نور الثقلين ، ج ٤ ، ص ١٩١.

وفي كتاب الزهد ، للحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي : عن الامام الصادق عليه السلام قال : (انّ العمل الصالح ليذثب الى الجنّة فيسهل لصاحبه كما يبعث الرجل غلاماً فيفرش له ... ) ، ص ٢١ ، باب ٢ ، ح ٤٦.

وروى الشيخ أحمد بن فهد الحلي في عدة الداعي ص ٢١٧ عن الامام الصادق عليه السلام قال : إنّ العمل الصالح ليمهد لصاحبه في الجنّة كما يرسل الرجل غلاماً بفراشه فيفرش له ).

وفي الأمالي للشيخ المفيد : ص ١٩٥ ، ح ٢٦ قريباً منه.

ونقله في البحار : ج ٨ ، ص ١٩٨ ، ح ٨٩ ، وفي : ج ٧١ ، ص ١٨٥ ، ح ٤٦ ، وفي : ج ٧١ ، ص ١٨٧ ، ح ٤٩ ، وفي : ج ٧١ ، ص ١٩١ ، ح ٥٨.

(٣) نهج البلاغة : ج ٤ ، ص ٥٦ ، شرح محمّد عبده ـ تحت رقم ٢٤٦ ، باب المختار من حكمه عليه‌السلام ، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد : ج ١٩ ، ص ٩٥.

٢٧٣

غم خويش در زندگى خور كه خويش

به مرده نپردازد از حرص خويش

به غمخوارگى چون سر انگشت تو

نخارد كسى در جهان پشت تو

يعني :

١ ـ ابعث بزادٍ الى قبرك ، فليس هناك من يبعثه إليك بعدك.

٢ ـ كل ، والبس ، وهب ، وتنعم ، فلِمَ تبقي ما عندك لغيرك؟!

٣ ـ أنفق الذهب والنعمة وأموالك الآن ، فانّها سوف تخرج من سلطتك من بعدك.

٤ ـ خذ زادك معك بنفسك فسوف ، لا يشفق عليك ابنك ، ولا زوجتك.

٥ ـ اغتم لنفسك وأنت حيّ ، فانّ الأقارب لا يؤدون شيئاً للميت بسبب حرصهم.

٦ ـ فاغتم لنفسك ، فانّه ليس في الدنيا أحد يحك ظهرك مثل ظفرك.

* قال رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « واعْلَموَا أنَّ كُلّّ امْرئٍ عَلى ما قَدّّمَ قادِمٌ عَلى ما خَلََّّفَ نادِمٌ »

* ونقل عن أمالي المفيد النيشابوري ، وتاريخ بغداد انّه :

رأى أميير المؤمنين عليه‌السلام الخضر في المنام فسأله نصيحة قال : نصيحةً قال : فأراني كفّه فإذا فيها مكتوب بالخضرة :

قد كنت ميتاً فصرت حيّاً

وعن قليل تعود ميتاً

فابن لدار البقاء بيتاً

ودع لدار الفناء بيتاً (٢)

* المثال الثالث :

وقد بلغنا انّ ملكاً من الملوك كان عاقلاً قريباً من الناس ، مصلحاً لامورهم ،

__________________

(١) أعلام الدين للديلمي : ص ٣٤٠ ـ ٣٤١ ، الاربعون حديثاً التي رواها ابن ودعان ، الحديث ٢٧ ، ونقله في البحار : ج ٧٧ ، ص ١٨٥ ، ح ١٠.

(٢) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٣٩١ ، الطبعة الحجرية. ج ٢ ، ص ٦١٠ ، الطبعة الحديثة ، مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب ، ج ٢ ، ص ٢٤٨ ، البحار : ج ٣٩، ص ١٣٣.

٢٧٤

حسن النظر والانصاف لهم ، وكان له وزير صق صالح يعينه على الاصلاح ويكفيه مؤونته ، ويشاوره في اُموره ، وكان الوزير أديباً عاقلاً ، له دين ، وورع ، ونزاهة عن الدنيا ، وكان قد لقي أهل الدين ، وسمع كلامهم ، وعرف فضلهم ، فأجابهم ، وانقطع اليهم بأخائه وودّه.

وكانت له من الملك منزلة حسنة وخاصّة. وكان الملك لا يكتمه شيئاً من أمره. وكان الوزير أيضاً له بتلك المنزلة ، إلاّ انّه لم يكن ليطلعه على أمر الدين ، ولا يفاوضه أسرار الحكمة.

فعاشا بذلك زماناً طويلاً. وكان الوزير كلما دخل على الملك سجد للاصنام (١) وعظمها وأخذ شيئاً في طريق الجهالة والضلالة تقية له.

فأشفق الوزير على الملك من ذلك ، واهتمّ به ، واستشار في ذلك أصحابه واخوانه ، فقالوا له : انظر لنفسك وأصحابك فإن رأيته موضعاً للكلام فكلمه وفاوضه ، وإلاّ فانّك انّما تعينه على نفسك ، وتهيجه على أهل دينك ، فانّ السلطان لا يغتربه ، ولا تؤمن سطوته.

فلم يزل الوزير على اهتمامه به ، مصافياً له ، رفيقاً به رجاء أن يجد فرصة فينصحه ، أو يجد للكلام موضعاً فيفاوضه.

وكان الملك ـ مع ضلالته ـ متواضعاً ، سهلاً ، قريباً ، حسن السيرة في رعيته ، حريصاً على اصلاحهم ، متفقداً لا مورهم.

فاصطحب الوزير الملك على هذا برهة من زمانه.

ثمّ انّ الملك قال للوزير ذات ليلة من الليالي بعدما هدأت العيون : هل لك أن تركب فيسير في المدينة ، فننظر الى حال الناس ، وآثار الأمطار التي اصابتهم في هذه الأيّام؟

فقال الوزير : نعم.

فركبا جميعاً يجولان في نواحي المدينة. فمرّا في بعض الطريق على مزبلة

__________________

(١) هكذا في المصدر المطبوع وفي البحار.

٢٧٥

تشبه الجبل ، فنظر الملك الى ضوء النار تبدو في ناحية المزبلة. فقال للوزير : انّ لهذه لقصة ، فانزل بنا نمشي حتّى ندنومنها ، فنعلم خبرها.

ففعلا ذلك. فلما انتهيا الى مخرج الضوء وجدا نقباً شبيهاً بالغار ، وفيه مسكين من المساكين.

ثمّ نظرا في الغار من حيث لا يراهما الرجل ، فإذا الرجل مشوّه الخلق ، عليه ثياب خلقان من خلقان المزبلة ، متكئ على متكاء قد هيّأه من الزبل ، وبين يديه ابريق فخار فيه شراب وفي يده طنبور يضرب بيده. وامرأته في مثل خلقه ولباسه قائمة بين يديه تسقيه إذا استسقى منها ، وترقص له إذا ضرب ، وتحييه بتحية الملوك كلما شرب. وهو يُسميها سيدة النساء وهما يصفان انهفسهما بالحسن والجمال ، وبينهما من السرور والضحك والطرب مالا يوصف.

فقام الملك على رجليه ملياً ، والوزير ينظر كذلك ، ويتعجبان من لذتهما واعجابهما بما هما فيه.

ثمّ انصراف الملك والوزير.

فقال الملك : ما أعلمني وإيّاك اصابنا الدّهر من اللذة والسرور والفرح مثل ما أصاب هذين الليلة هذين الليلة ، مع انّي اظنّهما يصنعان كل ليلة مثل هذا.

فاغتنم الوزير ذلك منه ، ووجده فرصة ، فقال له : أخاف ـ أيّها الملك ـ أن تكون دنيانا هذه من الغرور ، ويكون ملكك وما نحن من البهجة والسرور في أعين مَن يعرف الملكوت الدائم مثل هذه المزبلة ، ومثل هذين الشخصين اللذين رأيناهما ، وتكو مساكننا وا شيّدنامنها عند من يرجو مساكن السعادة وثواب الآخرة مثل هذا الغار في اعيننا ، وتكون أجسادنا عند مَ ، يعرف الطهارة والنضارة والحسن والصحّة مثل جسد هذه المشوّه الخلق في أعيننا ، ويكون تعجبهم عن اعجابنا بما نحن فيه كتعجبنا من اعجاب هذين الشخصين بما فيه. قال الملك : وهل تعرف لهذه الصفة أهلاً؟

قال الوزير : نعم.

٢٧٦

قال الملك : مَن هم؟

قال الوزير : أهل الدين الذين عرفوا ملك الآخرة ونعيمها فطلبوه.

قال الملك : وما ملك الآخرة؟

قال الوزير : هون النعيم الذي لا بؤس بعده ، والغنى الذي لا فقر بعده ، والفرح الذي لا ترح بعده ، والصحّة التي لا سقم بعدها ، والرضا الذي لا سخط بعده ، والأمن الذي لا خوف بعده ، والحياة لاتي لا موت بعدها ، والملك الذي لا زوال له. هي دار البقاء ودار الحيوان التي لا انقطاع لها ، ولا تغيير فيها ، رفع الله عزّوجلّ عن ساكنيها فيها السقم والهرم والشقاء ، والنصب ، والمرض ، والجوع ، والظمأ ، والموت.

فهذه صفة ملك الآخرة ، وخبرها أيّها الملك.

قال الملك : وهل تدركون الى هذه الدار طلباً ، والى دخولها سبيلاً؟

قال الوزير : نعم! هي مهيّأة لمن طلبها من وجه مطلبها. ومن أتاها من بابها ظفربها.

قال الملك : ما منعك أن تخبرني بهذا قبل اليوم؟

قال الوزير : منعني من ذلك اجلالك ، والهيبة لسلطانك.

قال الملك : لئن كان هذا الأمر الذي وصفت يقيناً فلا ينبغي لنا أن نضيّعه ، ولا نترك العمل به في اصابته. ولكنّا نجتهد حتّى يصحّ لنا خبره.

قال الوزير : أفتأمرني أيّها الملك أن او اظب عليك في ذكره ، والتكوير له؟

قال الملك : بل آمرك أن لا تقطع عني ذكره ليلاً ولا نهاراً ، ولا تريحني ، ولا تمسك عني ذكره ، فانّ هذا أمر عجيب لا يتهاون به ، ولا يغفل عن مثله.

وكان سبيل ذلك املك والوزير الى النجاة (١).

* يقول المؤلّف : رأيت من المناسب في هذا المقام لأجل زيادة بصيرة

__________________

(١) كمال الدين للشيخ الصدوق : ص ٦٠٤ ـ ٦٠٦ ، طبعة طهران.

٢٧٧

المؤمنين أن اتبرك بذكر عدّة فقرات من أحدى خطب أمير المؤمنين عليه‌السلام الشريقة : قال :

« احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة التي قد تزينت بحليها ، وفتنت بغرورها ، وعزت بآمالها ، وتشوفت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلوة والعيون إليها ناظرة والنفوس بها مشغوفة ، والقلوب اليها تائقة ، وهي لا زواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بسوء أثرها على الأول مزدجر » (١).

الى أن قال عليه‌السلام :

« ومما يدلك على دناءَة الدنيا ان الله جلّ ثناؤه زواها عن أوليائه واحبائه نظراً واختياراً ، وبسطها لا عدائه فتنة واختباراً.

فاكرم محمّداً نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله حين عصب على بطنه من الجوع.

وحماها موسى نجيّه المكلم ، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال » (٢).

وساق عليه‌السلام الكلام في زهد الأنبياء عليهم‌السلام وتنزّههم عنها وانّهم :

« انزلوا الدنيا من انفسهم كالميتة التي لا يحلّ لأحد أن يشبع منها إلاّ في حال الضرورة إليها ، واكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس ، وامسك على فيه ، فهم يتبلّغون بأدنى البلاغ ولا ينتهون الى الشبع من النتن ويتعجبون من الممتلي منها شبعاً ، والراضي بها نصيباً.

اخواني والله لهي في العاجلة والـآجلة لِمَن ناصَح نَفسَهُ في النظر ، واخلص لها الفكر أنتَن مِنَ الجيفة ، واكره من الميتة ، غير انّ الذي نشأ في دباغ الاهاب لا يجد نتنه ، ولا يؤذيه رائحته ما تؤذي المارّبه ، والجالس عنده » (٣).

__________________

(١) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٦٦ ، الطبعة الحجرية. البحار : ج ٧٣ ، ص ١٠٨ ، ح ١٠٩.

(٢) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٦٦ ، الطبعة الحجرية. البحار : ج ٧٣ ، ص ١١٠ ، ح ١٠٩.

(٣) سفينة البحار : ج ١ ، ص ٤٦٦ الطبعة الحجرية ، البحار : ج ٧٣ ، ص ١١١ ، ح ١٠٩.

٢٧٨

ويقول عليه‌السلام :

وإياك أن تغتر بما ترى من اخلاد أهلها وتكالبهم عليها فانّهم كلابٌ عاوية وسباع ضاريةٌ ، يهرُّ بعضها على بعض ، يأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كثيرها قليلها (١). يقول : الفقير : قد أخذ الحكيم السنائي (٢) هذا المعنى ونظمه شعراً فقال :

اين جهان برمثال مردارى است

كركسان گرد أو هزار هزار

اين ، مر آن همى زند مخلب

آن مر اين راهمى زند منقار

آخر الامر بگذرند همه

وزهمه بازماند اين مردار

__________________

وروي عن الامام الصادق عليه‌السلام انّه قال : « تمثلت الدنيا لعيسى عليه‌السلام في صورة امرأة زرقاء.

فقال لها : كم تزوجت؟

قالت : كثيراً.

قال : فكلّ طلّقك؟

قالت : بل كلّاً قتلت.

قال : فويح لازواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين » من المؤلّف رحمه‌الله.

أقول : رواه الحسين بن سعيد الاهوازي الكوفي ، في الزهد ن باب ٨ ، ح ١٢٩ ، ص ٤٨ ، ونقله في البحار : ج ١٤ ، ص ٣٣٠ ، ح ٦٧ ، وفي : ج ٧٣ ، ص ١٢٥ ، ح ١٢٠.

(١) رواه الشيخ ورام في تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : ج ١ ، ص ٧٧. ونقله عن المجلسي في البحار : ج ٧٣ ، ص ١٢٣ ، ح ١١١ ، وفي : ج ٧٧ ، ص ٢٠٧ ، ح ١. كشف المحجة لثمرة المهجة للسيّد ابن طاووس : الفصل ١٥٤ ، ص ١٦٦ ، باختلاف يسير.

(٢) الحكيم السنائي : أبو المجد ن مجدود بن آدم ، الحكيم الغزنوي العالم العارف الشاعر الكامل الذي يستشهد بأشعاره المتقنة ، وكان على مذهب أهل البيت عليهم‌السلام وكان في بداية أمره من رجال بلاط الحاكم الغزنويين ، وكان من مدّاحي السلطان ابراهيم الغزنوي ، ثمّ تاب وأناب وصار من أهل السير والسلوك ، وكان الملا الروحي مع فضله ومقامه ـ فانّه كان قطب وقته وسر سلسلة الشعراء العرفانيين ـ يعد نفسه من اتباع الحكيم السنائي.

ومن شعره وآثاره : الهي نامه ـ حديقة الحقيقة ـ بهروز وبهرام ـ حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة ـ ديوان قصائد وغزل ـ رموز الأنبياء وكنوز الأولياء ـ زاد السالكين ـ طريق التحقيق ـ سير العباد الى المعاد ... وغير ذلك.

راجع في ترجمة : روضات الجنات : ج ٧ ، ص ٢٣٦ ـ ٢٤٢. ريحانة الأدب : ج ٣ ، ص ٧٩ ـ ٨٧. الكنى والألقابك ج ٢ ، ص ٢٩١ ـ ٢٩٢ ، وغير ذلك.

٢٧٩

اى سنائي نداى مرگ رسيد

گوشه اى گير از اين جهان هموار

هان وهان تا تورا چه خود نكند

مشتى ابليس ديده طرّار

يعني :

١ ـ هذه الدنيا مثل الجيفة ، والغربان تحوم حولها آلافاً وآلافاً.

٢ ـ فهذا ينشب مخالبه في الآخر ، وذاك ينقر بمنقاره فيه.

٣ ـ وفي النهاية يذهبون ، ويتركون الجيفة على حالها.

٤ ـ ياسنائي : قد وصل نداء الموت ، فتنحى جانباً في زاوية من هذه الدنيا.

٥ ـ فاحذر كلّ الحذر من شرذمة أبالسة أن يجعلوك مثلهم.

* يقول الفقير :

وقالَ أميرُ المُؤمنينَ عليه‌السلام : واللهِ لَدُنياكُم هذِه اَهوانُ في عَيني مِن عُراقِ خِنزيرٍ في يَدِ مَجذُوم (١).

وهذا منتهىى التحقير للدنيا ، فانّ العظم أحقر من كل حقير بلا قيمة وبالخصوص إذا كان عظم خنزير وبالخصوص اذا كان في يد مجذوم فانّه في تلك الحالة سوف يكون أقذر من كل شيء.

* المثال الرابع :

وهو للذين قضوا عمرهم بنعمة الحقّ تعالى ، فإذا ابتلوا أو امتحنوا كفروا بالنعمة ، فاعرضوا عن المنعم الحقيقي واسرعوا الى غير الله ، وارتكبوا

__________________

(١) نهج البلاغة : ج ٤ ، ص ٥٢ ، شرح محمّد عبدة تحت رقم ٢٣٠ن باب المختار من حكمه عليه‌السلام ، شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد : ج ١٩ ، ص ٦٧ ، تحت رقم (٢٣٣). وقال :

(العُراق : جمع عَرق وهو العظم عليه شيء من اللحم ، وهذا من الجموع النادرة نحو رَخل ورُخال ، وتَوأم وَتُؤام. ولا يكون شيء أحقر ولا ابغض الى الانسان من عُراق خنزير في يد مجذوم ، فانّه لم يَرضَ بأن يجعله في يد مجذوم ـ وهو غاية ما يكون من التنفير ـ حتّى جعله عُراق خنزيز.

ولعَمري لقد صدق ـ وما زال صادقاً ـ ومن تأمّل سيرته في حالتي خلوِّه من العمل وولايته الخلافة عرف صحّة هذا القول). انتهى كلام ابن أبي الحديد.

٢٨٠