🚘

المخصّص - ج ١٤

أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ ابن سيده ]

المخصّص - ج ١٤

المؤلف:

أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ ابن سيده ]


الموضوع : القرآن وعلومه
المطبعة: المطبعة الاميرية
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٦٦
🚘 نسخة غير مصححة

فى الدَّار (حَتَّى) على احتمال الوُجُوه المختِلَفة في الغاية فتارة تكونُ في المُفْرَدة بمنزِلة الى وتارةً تكون في الجُمَل حَرْفا من حُرُوف الابتداءِ ويجوز قمتُ إليه ولا يَجُوز قمت حَتَّاه لا تكونُ حَتَّى في المُضْمَر لأنها أُضْعِفت في حُروف الجرِّ وجعلوها حَرْفا من حروف الابتداء فقطَعوا بها واستأنَفُوا كقولهم

* وحَتَّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ*

وكقوله

* فَيا عَجبًا حتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِى*

وجعلوها مرَّةً عاطفةً كقوله

* والزَّادَ حتَّى نَعْلَه ألْقاهَا*

فأدخَلُوا بها الثانىَ في إعراب الاوّلِ حتى صارت تَجْرِى مَجْرَى الحروف المُخَلَّصة للعطف فلم تَقْوَ قُوَّةَ الى حينَ لزِمت الى بابا واحدًا وما لزم حَيِّزا أقوَى مما اعتَقَب على حيِّزيْنِ ولذلك لم تُضَف حتى الى المضمَر كما أُضِيفت الى ولذلك لم يَرَ حُذَّاق النحوِ أن يجعَلُوا للجملة التى بعد حَتَّى موضِعًا من الاعراب أعنِى أن تكون مُنْجَرَّة الموضِع بحتَّى حين لم يَروُا المضمَرَ يجوز بعدَها وكانت الجملة أَحْرَى أن لا تكونَ مُنْجرَّةَ الموضِع بعدَها اذ المُضمَر نائبٌ مَنابَ المُظْهَر في السَّعة والاختيارِ والجملةُ أوْلَى من ذلك فلما امتنع المضمَرُ أن يقَع موقِعَ المُظْهَر بعد حتى كانت الجملةُ أحْرَى أن تمتنِعَ ولذلك اذا رأينا بعْدَ حتَّى جملةً قلنا إن حتَّى حرفٌ من حُرُوف الابتداءِ ولم نقُلْ إنها جارّة وقد كان لحتَّى موضِعٌ آخَرُ يقتضِى هذا البيانَ .... بينهما وبين .... (١) حيث اشتركتا في انتهاء الغاية ونظير حَتَّى والَى في أنَّ الى تضافُ الى المضمَر والمُظْهَر وأن حتى انما تُضاف الى المُظْهر حتى اذا جاء المضمَرُ أدَّت الاضافةُ الى الَى قولُهم باللهِ وبِهِ ولم يجز وهو ولا تَهُو وقد قدمت شرحَ ذلك وانما أعدتُه ههنا للتنظير والتنبيهِ على جِهَة الْاطباق في الاختلافِ والاتِّفاق (لَكِن) إثباتٌ وقد زعَم قومٌ أنهَا تَدارُكٌ بعد النفىِ وذلك غَلَط وانما الاثبات للكِنْ (لعَلَّ) طَمَعٌ وإشْفاقٌ فالطَّمَع كقولك لعلَّ اللهَ يرحَمُنا والاشفاقُ كقولك لعَلَّ العَدُوَّ يُدْرِكنا ومعنى (كَلَّا) رَدْع وزَجْر ومعنى (أَنَّى) كيْفَ وأيْنَ (لَمَّا) تكون على وجهَيْن أما أبو عثمان فقال هى تدُلّ على وُقُوع الشىءِ لوُقُوع غيْرِه وهى منصوبَة الموضِع بالظرفِ وهى

__________________

(١) بياض بالأصل

٦١

مضارعَة للجزاءِ وهذا اذا كانتْ مُفْرَدة فأمّا اذا كانت مُرَكَّبَةً فهى داخلةٌ في حُروفِ الجزْم انما هى لَمْ ضُمَّت اليها ما هذا قول الخليل معنى (لو لا) امتِناعُ الشئ لوقُوع غيرِه كقولك لو لا زيدٌ لأتَيْتُك وتكون لو لَا ولو مَا بمعنى هَلَّا كقوله تعالى (لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ) «و (لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) (كأنّ) تشبيهٌ وما جاء على خمسةٍ أقلُّ من الاربعة نحو (لكنّ) مشدَّدة ولا يعرف في الحُرُوف غيرُها والقول في لكِنّ كالقول في لكِنْ

حَسْبُ وأشباهُها

* أبو عبيد* هذا رجُل حَسْبُك من رجُلٍ وقد أحسَبنِى الشىءُ ـ كَفَانِى ولهذا قال سيبويه حين مثَّل انتصابَ المصدَرِ في قوله هذا عربِىٌّ حِسْبَةً بقوله اكتِفاءً* قال سيبويه* اذا قلت مررت برجُلٍ حَسْبِك من رجُل فهو نعتٌ له بكماله وَبَذِّه غيْرَه* صاحب العين* أحْسَبْت الرجُل ـ أطعَمْته وسَقَيْته حتى يَشْبَع ويَرْوَى وكلُّ مَنْ أرضَيْته فقد أحْسَبْته وفي التنزيل (عَطاءً حِساباً) أى كَثِيرا كافِيًا وقد تقدم في العَطَاء* أبو عبيد* ناهِيكَ وكافِيكَ وجازِيكَ ونَهْيُك وهَدُّك وشَرْعُك كله بمعنى واحدٍ* قال* فاذا قلت القومُ فيه شَرَعٌ سَوَاءٌ نصبتَ الراءَ وليس هو من الأوّل* غيره* بَجَلُك وبَجْلُك أيضا دِرْهَم وقد أبجَلَنِى وأنشد

الَيْهِ موارِدُ أهْلِ الخَصَاص

ومَنْ عِنْدَه الصَّدَرُ المُبْجِلُ

وقَدْكَ وقَطْك* ابن السكيت* قَطْنٌ في معنى حَسْب يقال قَطْنِى مِن كذا وكذا ـ أى حَسْبِى وأنشد

امْتَلَأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِى

مَهْلاً رُوَيْدا قد مَلَأتَ بَطْنِى

* قال الفارسى* ان كان غَرَّ ابنَ السكيت هذا البيتُ فقد وَهِم ليستْ قَطْنٌ حَسْبا انما يقال قَطْنِى من كذا وكذلك قَدْنِى وانما هو قَطِى وقَدِى ودخلت عليهما النونُ كما دخلَتْ على منْ وعَن في حال الاضافةِ حين قالوا مِنِّى وعَنِّى ليسلَمَ الحرفُ الساكنُ من الكَسْر أَوَلا تَرَى أن سيبويه قال سألتُه رحمه‌اللهُ عن قولهم قَطْنِى

٦٢

وقَدْنِى ومِنِّى ولَدُنِّى ما بالُهم جعَلُوا علامةَ المجرُورِ ههنا كعلامة المنصُوب قال من قِبَل أنه ليس من حَرْف تلحَقُه ياءُ الاضافة الا كان متَحرِّكا مكسُورا ولم يُريدوا أن يكسِرُوا الطاء التى في قَطْ ولا الدالَ التى في قَدْ فلم يكن لهم بُدٌّ من أن يَجِيؤا قبل ياءِ الاضافةِ بحرف متحرِّك مكسورٍ* قال أبو على* واختصارُ ذلك أنهم كرهوا أن يُجْرُوها مُجْرَى الاسماء المتمكِّنة نحو يَدٍ ودَم اذا أضفت فقلت يَدِى ودَمِى وكان الاسمُ أقبَلَ للتغيير لقوَّته في ذاتِه فخصُّوا الاسمَ بالاجْحاف وخصُّوا هذا الحرفَ بحفظِ ونظامِ حُروفِه وحركاتِه* قال أبو على* كلُّ هذا الباب اذا وُصِف بما يصلُح أن يكون منه وَصْفا كان نَكِرة لأن النيَّةَ قيه الانفصالُ فمتى أتَى منه على لَفْظِ فاعِل نحو ناهِيك وكافِيك وجازِيكَ جرَى مَجْرى أسماء الفاعِلينَ المرادِ بها الاستقبالُ أو الحالُ كقوله تعالى (هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ وما أتَى منه على لفظ المصدَر نحو حَسْبُك ونَهْبُك وشَرْعُك موضُوع موضِعَ الاسم كما تكون المصادِرُ موضُوعةً موضع الاسماءِ في قولهم دِرْهَمٌ ضرْب وقوله

* والمَشْرَبُ البارِدُ والظِّلُّ الدَّوْمْ*

وهذا على ضربين إمَّا أن يكونَ الفِعْل المتكوِّنُ عن هذا المصدَرِ ملْفُوظا به كقولهم أحْسَبنِى من حَسْب وكفَانِى من كَفْيك وإما أن يكونَ متوَهَّما كفعل شَرْعٌ وقالوا هذا رجلٌ هَدُّك من رجُل* قال* وذلك لا يئَنَّى ولا يجمَع ولا يؤنَّث وحكى سيبويه أنّ من العرب من يجعل هَدَّ فِعلا فيقول مرَرت برجُل هَدَّك من رجلٍ وبامرأة هَدَّتْك من امرأة

دُخُول بعض الصِّفات على بعض

تدخُل مِن على عِنْد تقول جئت مِن عِندِك وتدخل على عَلَى أنشد الكسائى باتَتْ تنُوشُ الحوضَ نَوْشًا مِنْ عَلَى*

وتدخل على عَنْ قال ذو الرُّمَّة

* اذا نَفَحَتْ مِن عِنْ يَمينِ المَشارِقِ*

وتقول كنْت مَعَ أصحابٍ لِى فأقبَلْت مِن مَعِهم وكان مَعَها فانتزعه مِن مَعِها

٦٣

* وقال* مِنْ تدخُل على جميع حُرُوف الصفات الا على الباءِ واللَّامِ* قال الفراء* ولا تدخُل أيضا عليها نفسِها* قال* وانما امتنَعتِ العربُ من إدخالِها على الباءِ واللامِ لأنهما قَلَّتا فلم يتوَهَّمُوا فيهما الأسماءَ لأنه ليس من أسماء العرب اسم على حَرْف وأَدخِلت على الكافِ لأنها في معنَى مِثْل والباء تدخُل على الكاف قال الشاعر

وَزَعْتُ بِكَالهِرَاوةِ أعْوَجِىٍّ

اذا وَنَتِ الرِّكابُ جَرَى وثَابَا

وأنشد سيبويه

* وصَالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ*

فأدخَل الكافَ على الكاف وجملةُ هذا الباب أنَّ حُروفَ الجرِّ على ضربَيْن فضرب يكون حرْفًا واسمًا كعَلَى وعنْ وضربٌ لا يكون الا حرفا كالباء واللام والى وفي فما كان منه حرفا لم يدخل عليه الحرف وما كان منه اسما دخَل عليه الحرفُ فأما الكاف فانما دَخَل عليها الحرفُ لأن معناها معنَى مِثْل وانما أدخَل هذا سيبويه فيما يُضْطَّرُّ اليه الشاعر ثم قال فعَلُوا ذلك لأن معنَى الكافِ معنى مِثْل وعادلَ به سِوَى حِينَ قال وجعَلُوا ما لا يَجرِى في الكلامِ إلا ظَرْفا بمنزِلة غيرِه من الاسماءِ ثم أنشد

ولا يَنْطِقُ الفَحْشاءَ مَنْ كان مِنْهُمُ

اذا جَلَسُوا مِنَّا ولا مِنْ سَوائِنا

وكما استُجِيز ذلك في الكاف اذْ كان معناها معنَى مِثْل استُجِيز ذلك في سِوَى إذْ كان معناها معنَى غَيْر* أبو عبيد* جِثْت مِن عَلَيك ـ أى من عِنْدِك وقال الشاعر

* غَدَتْ مِنْ علَيْه بعدَ ما تَمَّ خِمْسها*

وكذلك مِنْ مَعِهم ـ أى مِنْ عِنْدِهم

دُخُول بعضِ الصِّفات مَكانَ بعضٍ

(فى مكانَ على) تقول لا يدخُل الخاتَمُ في إصْبَعِى ـ أى على إصْبَعِى قال الله تعالى (لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أى على جُذُوعِ وقال الشاعر

هُمُ صَلَبُوا العَبْدِىَّ في جِذْعِ نَخْلةٍ

فلا عَطَستْ شَيْبانُ إلَّا بأجْدَعَا

وقال غيره

* بَطَلٌ كأَنّ ثِيابَهُ في سَرْحةٍ*

٦٤

أى على سَرْحة من طُوله ومنه قولُهم لا يَدْخُل الخاتَمُ في إصبَعِى ـ يُرِيد على إصبَعِى فأما أبو على فقال هو على السَّعَة كما قال سيبويه أدخَلْت في رأسِى القَلَنْسُوة وحكى بعضهم أُلْقِمَ فاه الحَجَرُ (الى مكانَ في) قال النابغة

فَلا تَتْرُكَنِّى بالوَعِيدِ كأنَّنِى

الى الناسِ مَطْلِىٌّ به القارُ أجْربُ

يُرِيد في الناس* قال الفارسى* أما قوله مَطْلِىٌّ به القارُ فعلى القَلْب وهذا نحو قولهم أُدْخِلَ القَبْرُ زَيْدا ويقال جَلَستُ الى القومِ ـ أى فيهم (على مَكانَ عن) يقال رَضِيت عليكَ بمعنَى عَنْك وأنشد

اذا رَضِيَتْ عَلَىَّ بَنُو قُشَيْرٍ

لعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِى رِضاهَا

ورميت على القوسِ بمعنى عنها قال الراجز

* أَرْمِى علَيْها وهْىَ فَرْعٌ أجْمَعُ*

(عَنْ مَكانَ من) يقال عَنْك جاءَ هذا يُرِيد مِنْك وأنشد

أفَعَنْكِ لا بَرْقٌ كأنّ ومِيضَهُ

غابٌ تَسَنَّمه ضِرَامٌ مُثْقَبُ (١)

(مِنْ مَكانَ عنْ) يقال حَدَّثنِى فلانٌ من فلانٍ بمعنى عَنْه ولَهِيت من فُلانٍ بمعنى عنه* وقال الشيبانِىُّ* لَهِيتُ عنه لا غيْرُ ويقال أَخَذْته مِنْكم مكانَ عَنْ (الباء مَكانَ عَنْ) تأتِى الباءُ مكانَ عنْ بعدَ السُّؤال قال الله تعالى (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) أى عنْه ويقال أتَيْنا فلانا فَسأَلْنا به ـ أى عنه قال علقمة

«فانْ تَسْأَلُونِى بالنِّسَاء ...» (٢)

وقال ابنُ أحمر

تُسَائِلُ بابْنِ أحْمَرَ مَنْ رآهُ

أعارَتْ عيْنُه أمْ لم تَعارَا

وقال الأخطلُ أيضا

دَعِ المُعَمَّرَ لا تَسْأَلْ بمَصْرَعِه

واسأَلْ بمَصْقَلَةَ البَكْرِىِّ ما فَعَلا

فمَهْما رأيتَ الباءَ بعد ما سَأَلْت أو سَاءَلْت أو ما تصرَّف منهما فاعلم أنها موضُوعةٌ موضِعَ عنْ (عن مكانَ الباء) رميْت عن القوسِ بمعنى بالقَوْس وقال امرؤ القيس

* تَصُدُّوا تُبْدِى عن أسِيلِ وتَتَّقِى* (٣)

أى تصُدُّ بِأسِيل* وقال أبو عبيدة* فى قوله تعالى (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)

__________________

(١) البيت لساعدة ابن جؤية وقد رواه فى اللسان ضرام مُوقَد ومعنى عنك لا برق أى منك برق ولاصلة كما قال أبو عبيد اه

(٢) البيت

فان نسألوني بالنساء فانني

بصير بأدواء النساء طبيب

 (٣) تتمته

بناظرة من وحش وجرة مطفل

٦٥

أى بالهَوَى (فى مكانَ الى) قال اللهُ تعالى (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) ـ أى الى أفْواهِهم (فى مَكانَ الباءِ) قال زيدُ الخيلِ

ويَرْكَبُ يوْمَ الرَّوْعِ فيها فَوَارِسٌ

يَصِيرُونَ في طَعْنِ الأبَاهِرِ والكُلَى

وقال آخَرُ في مثل ذلك

وخَضْخَضْنَ فِينَا البَحْرَ حتى قَطَعْنَه

على كُلِّ حالٍ من غِمَارٍ ومِنْ وَحَلْ

أى خَضْخَضْنَ بنا وقال آخر

* نَلُوذُ في أُمٍّ لَنَا ما تَعْتَصِب*

أى نَلُوذُ بأُمٍّ وقال الاعشى

* واذا تُنُوشِدَ في المَهَارِقِ أَنْشَدا*

أى اذا سُئِل بكُتُب الانبياءِ أجابَ (علَى مكانَ اللامِ) قال الشاعر

رعَتْه أشْهُرًا وخَلَا عليْها

فَطارَ؟؟؟؟؟ فيها واستَطارَا

أى خَلَالها (اللامُ مكانَ على) يقال سَقَط لِفِيه بمعنَى على فِيهِ وأنشد

* فَخَرَّ صَرِيعًا لليَدَيْنِ ولِلفَمِ*

أى على اليَديْنِ والفَمِ وقال آخر

كأنّ مُخَوَّاهَا على ثَفِنَاتِها

مُعَرَّسُ خَمْسٍ وَقَّعَتْ لِلْجَنَاجِنِ

أى وَقَّعت على الجَنَاجِن (الى مَكَانَ من) قال ابن أحمر

* أيُسْقَى فلا يَرْوَى الَىَّ ابنُ أحمَرَا*

أى مِنِّى (الَى مكانَ عند) يقال هو أشْهَى الَىَّ من كذا وكذا ـ أى عِنْدى قال أبو كبير

أمْ لا سَبِيلَ الى الشَّبَاب وذِكْرُه

أشْهَى الَىَّ من الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

أى عِنْدى وقال الراعى

* صَنَاعٌ فقَدْ سادَتْ الَىَّ الغَوانِيَا*

(عن مَكانَ على) قال ذو الاصْبَع العَدْوانى

لاهِ ابنُ عَمِّك لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ

عَنِّى ولا أنْتَ دَيَّانِى فتَخْزُونِى

يريد علَىَّ وقال قيسُ بنُ الخَطِيم

٦٦

* تَدَحْرَجَ عن ذِى سامِهِ المُتَقارِبِ*

أى على ذى سامِهِ (عن مَكَان بعْد) منه

* لَقِحَت حَرْبُ وائِلٍ عن حِيَالِ*

أى بعد حِيَال ومنه

* نَؤُومُ الضُّحَى لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّل*

ومنه

* ومَنْهَلٍ وَرَدْتُه عن مَنْهَلِ*

أى بعد مَنْهل ويُقال أنا فاعِلٌ ذلك عن قليل ـ أى بعدَ قليل قال الجعدى

واسْئَلْ بِهِم أُسْدًا اذا جعَلَتْ

حربُ العدُوِّ تَشُول عنْ عُقْمِ

أى بعْدَ عُقْم (على مكانَ في) قال اللهُ تعالى (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ) ـ أى في مُلكِ سُليمانَ ويقال كانَ كذا علَى عَهْد فلانٍ ـ أى فى عَهْده (عنْ مكانَ مِن أجْل) قال لبيد

* لوِرْدٍ تَقْلِصُ الغِيطانُ عَنْه*

أى من أجْله وقال النمر بن تَوْلب

ولقد شَهِدْتُ اذَا القِدَاحُ توحدَتْ

وشَهِدْتُ عِنْدَ الليلِ مُوْقِدَ نارِها

عَنْ ذاتِ أوْلِيَةٍ أُساوِدُ رَبَّها (١)

وكأنَّ لَوْنَ المِلْحِ فَوْقَ شِفارِها

أى من أجْل (الباء بمعنى من) قال أبو ذؤيب

شَرِبْنَ بِمَاءِ البحْرِ ثم تَصَعَّدتْ

مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ

أى من ماءِ البحرِ ومثله قولُ عنترةَ

شَرِبَتْ بماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصبَحَتْ

زَوْراءَ تَنْفِرُ عن حِياضِ الدَّيْلَمِ

(الباءُ بمعنى في) قال الاعشى

* ما بُكاءُ الكَبِيرِ بالأَطْلالِ* (٢)

أى في الأَطْلال (الى بمعنى مع) يقال إنّ فلانا ظَرِيف عاقِلٌ الى حَسَبٍ ثاقِبٍ ـ أى مع حَسَب وقال الله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) ـ أي معَ أموالِكم وقال (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) ـ أى مع اللهِ وقولهم الذَّوْد الى الذَّوْد إبِلٌ ـ أى مع وقال ابن مُفَرِّغ

__________________

(١) قلت لا يغترن أحد بما وقع في لسان العرب من تحريف شكل عروض بيت النمر الثانى برسمه هكذا «أساودريها» أى الناقة أى أسارُّه لأشتريها وأُسَاوِدُ مضارع ساوده أى سارّه من السِّواد وهو السرار ومنه قول ابنة الخس وطول السِّواد ومعنى تُوُحِّدت القداحُ أن لا يمسها الا رجلان لشدة الجدب كتبه محمد محمود لطف الله به آمين

(٢) تتمته

وسؤالي وما ترد سؤالي

٦٧

شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوابِقِ فيهِمْ

فى وُجُوهٍ الى اللِّمَام الجِعَادِ

(اللامُ بمعنى الى) هديْتُه لَهُ واليه قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) وفي موضع آخر (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) وفي موضع آخر (وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (على مكان الباء) تقول اركَبْ على اسمِ اللهِ ـ أى باسمِ اللهِ ويقال عَنُفَ عليه وبِهِ وخَرُق عليه وبِهِ وقول الشاعر

* شَدُّوا المَطِىَّ على دَلِيل دائِبٍ*

وقول أبى ذؤيب

وكأنَّهُنّ رِبَابةٌ وكأنَّهُ

يَسَرٌ يُفِيضُ على القِدَاح ويَصْدَع

أى بالقِدَاح (على بمعنى مع) قال لبيد

كأنّ مُصَفَّحاتٍ في ذُرَاهُ

وأنْواحًا عَلَيْهِنَّ المَآلِى

أى كأنّ مُصَفَّحات على ذُرَى السَّحابِ وأنواحًا مَعَهُنَّ المَآلِى وقال الشماخ

وبُرْدانِ مِن خالٍ وسبْعُونَ دِرْهَما

على ذاكَ مَقْرُوظٌ من القِدِّ ماعِزُ

أى معَ ذاك (على بمعنى مِنْ) قال الله تعالى (إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) ـ أى من الناسِ وقال صَخْر الغىّ

مَتَى ما تُنْكِرُوها تَعْرِفُوها

على أقْطَارِها عَلَقُ نَفِيثُ

أى من أقْطارِها (على بمعنى اللام) يقال صِفْ عَلَىَّ وصِفْ لِى (فى بمعنى مِن) قال امرؤ القيس

وهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ أحدَثُ عَهْدِه

ثلاثينَ شَهْرا في ثَلاثةِ أحْوالِ

أى مِن ثلاثةِ أحوال (فى بمعنى مع) يقال فلانٌ عاقِلٌ في حِلْم ـ أى مع حِلْم قال الجعدى

* ولَوْحُ ذِراعَيْنِ في بِرْكةٍ*

أى مع بِرْكة وقال آخر

أوْ طَعْم غادِيَةٍ في جَوْفِ ذِى حَدَبٍ

مِن ساكِبِ المُزْنِ يَجْرِى في الغَرانِيقِ

أى مع الغَرانِيق ـ وهى طيْرُ الماءِ (اللام بمعنى مع) قال مُتَمِّم

فلما تفرَّقْنا كأنِّى ومالِكًا

لِطُولِ اجتِماعٍ لم نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا

أى مع طُول اجتماع (اللام بمعنى بعد) قولهم كُتِبتْ لِثَلاثٍ خلَوْن ـ أى

٦٨

بعْد ثَلاثٍ خَلَوْن قال الراعى

* حتَّى وَرَدْن لِتِمِّ خِمْسٍ بائِصٍ*

أى بعْد تمامِ خِمْس (اللام بمعنى من أجْل) تقول فعَلْت ذلك لَكَ ـ أى من أجْلِك وفعَلْت ذلك لعُيُون الناسِ ـ أى من أجْل عُيُونهم وقال العجاج

 تَسْمَعُ للجَرْع اذا اسْتُحِيرا

للْماءِ في أجْوافِها خَرِيرا

أراد تسمَع في أجوافِها خَرِيرا من أجْل الجَرْع (الباء بمعنى على) قال عَمْرو ابنُ قَمِيئة

بِوُدِّك ما قَوْمِى على ان تَرَكْتهم

سُليْمَى اذا هبَّت شَمالٌ ورِيحُها (١)

أراد على وُدِّك قوْمِى وما زائدةٌ (الباء بمعنى من أجْل) قال لبيد

غُلْبٍ تشَذَّرُ بالذُّحُول كأنَّها

جِنُّ البَدِىِّ رواسِيًا أقْدَامُها

أى مِن أجْل الذُّحُول (مِنْ موضع مُذْ) قال الشاعر

* أقْوَيْنَ من حِجَجٍ ومِن دَهْرِ*

وذلك اذا أُرِيد بها الحَرْفِيَّة فأما (متَى) فليست بموضُوعة موضِعَ في وانما هى بمعنَى في وانما يقال كذا في موضع كذا من هذه الحروفِ اذا كانت الكَلِمتانِ إمّا مُتَضادَّتين وإمّا مختلِفَتين فالمُتَضادَّتانِ كمِن والى فان من للابْتداءِ والى الانتِهاءِ وأما المختلفتان فكمِنْ وفي فان من لأحد طرَفَىِ الغايةِ وفي المعنَى الوِعاء فأما متَى فمعناها معنَى في ووَسَط قال أبو ذؤيب

شَرِبْنَ بِماءِ البحْرِ ثم ترفَّعتْ

متَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيج

وتوضع (دُون) مكانَ مِن فيقال ادْنُ دُونِى ـ أى منّى وقوله

فقُلْتُ لها فِيئِ إليكِ فانَّنِى

حَرامٌ وإنِّى بعْدَ ذاكِ لَبِيبُ

معناه معَ ذاكِ

زيادةُ حُروف الصِّفات

قال تعالى (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) وقال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وقال (عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ) ـ أى يشربُها وقال أمية «... اذ يَسَفُّون بالدَّقِيق»

__________________

(١) ينظر في البيت لأنه غير مفهوم المعنى وربما كان لفظ سليمى محرفا عن بسلمى وسلمى اسم أحد جبلى طيئ والباء هى باء الجر اه

٦٩

وقال الراعى

* سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ*

وقال الاعشى

* ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا*

وقال الله تعالى (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) وقال (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) ـ أى أيُّكم وقال امرؤ القيس

* هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِى شَمَارِيخَ مَيَّالِ*

أى غُصْنا وقال آخر

* نَضْرِب بالسَّيفِ ونَرْجُو بالفَرَجْ*

أى نرجو الفرَجَ وقال حُمَيد

 أبَى اللهُ إلا أنَّ سَرْحةَ مالِكٍ

على كُلٍّ أفنانِ العِضاهِ تَرُوقُ

أراد تَروقُ كلَّ (ما يتعدّى بصِفَتين مختَلِفتيْن) حَلَم به وعنْه ـ هَجَر به في نَوْمه

باب ما يصل اليه الفِعْل بغير توسُّط حرفِ جَرٍّ

بعد أن كان يَصِلُ اليه بتوسُّطه

الأفعال في التعدِى على ضربَيْنِ فعلٌ متعدٍّ الى مفعُوله بغير توسُّطٍ كقولنا ضربْتُ زيدًا وضَرْبٌ يتعدَّى اليه بتوسُّطِ حرفٍ كقولهم ما فعَلْتَ وأباكَ فهذا في الفِعْل المتعدّى الى مفعولٍ واحدٍ والفعلُ المتعدِّى الى مفعوليَنْ يجرِى هذا المَجْرَى في هذين القِسمين مثالُ الذى يتعدَّى الى مفعولَيْنِ قولُهم كَسوتُ عبدَ اللهِ ثوبًا وأعطيتُ زيدا دِرْهما فهذا المفعولُ الأوّل في الحقيقةِ فاعِل لأن معناه لَبِس عبدُ اللهِ الثوبَ وقَبِل زيدٌ الدِّرْهَمَ فأما القِسْم الذى يتعدَّى فيه الفِعل الى المفعُول الأوّل بِوَسِيط فقولُهم اختَرْت مِن الرِّجال زيدًا ثم تُحْذَف مِن فيقال اختَرْت الرِّجالَ زيدًا وفي التنزيل (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً) وهذا القسم الثانى من هذيْن القسمَين من البابين هو الذى نَعْترِض ونُعْنَى باحصائه وتعليلِه اذ كان بابًا غير مُطَّرد وانما يُقْتَصَر

٧٠

فيه على المسموع* قال أبو على* حينَ قَسَّم هذا البابَ بعد فَراغِه بذكر القِسم الأوّل والوجه الثانى من وجْهىْ ما يشتمل عليه البابُ أن يتعدَّى الفِعلُ الى مفعولٍ بغير حَرْف جرٍّ ولم يكن المفعولُ في الاصل فاعِلا بِالذى فيه حَرْفُ الجَرِّ من الثانى فيُنْزَع حرفُ الجرِّ من الثانى فيَصِل الفعلُ اليه وذلك قولُك اختَرْت الرِّجالَ عبْدَ اللهِ والأصل اخْترْت عبدَ الله من الرِّجالِ وحُذِفت مِن فوصَل الفعلُ الى الرجال ولم يكُنْ عبدُ الله فاعلا بالرجال شيْئًا كما فعل زيدٌ بالدِّرْهم الأخذَ ومثلُ ذلك سَمَّيته زيدًا وكنَيْت زيدا أبَا عبدِ الله والاصل سمَّيته بِزيدٍ وكنَيْت زيدا بأبِى عبدِ اللهِ ولم يكُنْ زيدٌ فاعِلا بأبِى عبد الله شيئًا فان قال قائِل إنك تقُول تَكَنَّى زيدٌ أبَا عبدِ اللهِ تجعَلُه فاعِلا وتنصِب أبَا عبدِ الله فتجعَلُه مفعُولا به فهلَّا جعلته من القِسْمِ الاوّل قيل له ليس قولُنا تَكَنَّى زيدٌ أبا عبدِ الله وتسَمَّى أخُوك زيدًا دِلالةً على أن أحدهما فاعِل بالآخَر إنما هو من بابِ قَبُولِ الفعل الذى أُوْقِعَ به وهو كقولك حَرَّكْته فتحرَّك وكَسَّرته فتَكَسَّر والنِّيَّةُ فيه حرف الجرِّ كأنك قلت تَسمَّى زيدٌ بعمْر ولم يكُن من بابِ الفِعل الذى بَيَّنت به مَنْ أدخلَه في الأخذ وسَهَّله له فقلت أعطَى عبْدُ اللهِ زيدًا درْهما* قال سيبويه* وتقول دعوتُه زيْدا اذا أردْتَ دعوتُه التى يَجْرِى مَجْرَى سَمَّيته فانَّ الدُّعاء في الكلام على ثلاثةِ معانٍ أحدها التسمِيَة والآخَرُ أن تَسْتَدْعِيَه الى أمر يَحضُره والثالث في معنى المَسْئلةِ لله فاذا كان الدعاءُ بمعنى التسمِيَة جَرَى مَجْرَى التسميةِ فقلت دَعوتُ أخاكَ زيدا ودعَوْت أخاكَ بِزَيد كما تقول سَمَّيت أخاك زيْدا وسمَّيت أخاك بزيد وهو الذى يدخُل في هذا الباب دُونَ معنَى الاستدعاءِ وهو الذى قال سيبويه وان عَنَيْت الدعاء الى أمْر لم يُجاوِزْ مفعُولا واحِدا يعنى الاسْتِدْعاء الى أمْر ألا تَرَى أنك لا تقُول استَدْعيتُ أخاكَ بزيدٍ وأما قول الشاعر

أستَغْفِرُ اللهَ ذَنْبا لستُ مُحْصِيَه

رَبَّ العبادِ اليه الوجْهُ والعَملُ

فانَّه أراد أستغفِرُ اللهَ من ذَنْبٍ وهذا هو القسمُ الثانى وقال عمْرُو بنُ معدى كَرِبَ

أمَرْتُكَ الخيْرَ فافعَلْ ما أُمِرْت به

فقد ترَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ

فالمعنى أمرتُك بالخيْرِ وهو أيضا من القِسْم الثانى* قال أبو على* قال سيبويه وإنما فَصَل هذا (١) أنها أفعالٌ تُوصَل بحرُوف الاضافةِ فتقول اخترتُه من الرِّجال وسمَّيته

__________________

(١) أى انما فصل هذا النوع من بقية ما يتعدى الى مفعولين أن هذه أفعال الخ

٧١

بفُلان كما تقول عَرَّفته بهذه العَلامةِ وأوْضَحْته بها وأستَغْفِر اللهَ من ذلك فلما حذَفُوا حَرْف الجرِّ عمِل الفِعْلُ يعنى هذه الأفعالَ التى تتعدَّى الى مفعولَيْنِ ممَّا كان في الاصل متعدِّيا الى واحدٍ بغير حرفِ جرٍّ والى الثانى بحرفِ جرٍّ مما جعلناه القسمَ الثانِىَ وجعلنا أحدَ المفعولين غيرَ فاعِل بالآخَرِ في الاصل وإنما فَصَله من القسم الأول اختلافُ معناهما في الأصل فأما قوله سمَّيته بفلانٍ كما تقول عرَّفته بهذه العلامة فان عَرَّفته على ضربين فان أردت شَهَّرته حتى عُرِف فانه يَجْرِى مَجْرَى التسميةِ لأنك اذا شَهَّرته بشئ فعُرِف به فهو بمنْزِلة تسميتكِ له بالاسمِ الذى يُعْرف له والوجه الآخر أن تكون عَرَّفته بمعنى أعلمته أمْرا كان يجهَلُه فتقول في الوجه الاول عَرَّفت أخاك بِزَيد كما تقول عَرَّفت أخاك بالعِمامة السوداءِ اذا جعلتها علامةً له يَعْرِفُه غيرُه بها وتقول في الوجه الثانى عَرَّفت أخاك زيدا اذا أعلمتَه إيَّاه ولم يكُنْ عارِفا به من قَبْلُ وهو من القسمِ الأوّل لأن الأصل عَرَفَ أخُوك زيدا كما تقول أخذ زيدٌ دِرْهما فقولنا عَرَّفت أخاك بزيد لا يجوز حذفُ حرفِ الجر منه كما جاز فى سَمَّيت لئلَّا يلتَبِس بالوجه الآخَر من وجهَىْ عرَّفت وليس لسمَّيت الا طريقةٌ واحدةٌ* قال سيبويه* مثل ذلك قول المتَلمِّس

آليْتَ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطعَمُهُ

والحَبُّ يأْكُلُه في القَرْيةِ السُّوسُ

وهذا شاهِدٌ لجواز حذفِ حرفِ الجرِّ لا للذى يتضمَّنُه البابُ من تعدِّى الفِعلِ الى مفعولين* قال أبو على* قال سيبويه في هذا الباب من كتابه مستشهدا لجواز حذفِ حرف الجرِّ كما قال نُبِّئتُ زيْدا يريدُ عن زيد* قال* وليست عن وعلى ههنا بمنزلة الباء في قوله (كَفى بِاللهِ وليس بِزَيد لأن علَى وعن لا يُفْعَل بهما ذلك ولا بِمِن في الواجب اعلم أن الحُروفَ التى يجوزُ حذفُها على ضربين منها ما يُحذَف وهو مقدَّر لصحَّةِ معنى الكلامِ ومنها ما يكونُ زائِدا لِضَرْب من التأكيد والكلام لا يُحْوِج اليه فاذا حذف لم يقَدَّرْ فأما الذى يكون زائدا والمعنى لا يُحْوِج اليه فنحو قولك (كَفى بِاللهِ) والمعنى كَفَى اللهُ وليس أخُوك بزيد لأن المعنَى ليس أخُوك زيدا وما قامَ مِن أحدٍ معناه ما قام أحدٌ واذا حذفنا هذا الحرفَ لم يختلَّ الكلامُ ولم

٧٢

يحُوجِ المعنى الى تقديرِها وأما الذى يقتضِيه معنى الكلامِ فنحوُ قولك نُبِّئْت زيدا فَعَل كذا وكذا تقديره نُبِّئت عن زيدٍ لأن نُبِّئت في معنى أُخْبِرت والخبر يقتضِى عن في المعنى وكذلك أمرْتَكَ الخيرَ الباء مقدَّرة لأن الأمر لا يَصِل الى المأمور به إلا بحرفٍ لا غيْرُ* قال سيبويه* وليس أستغْفِرُ الله ذَنْبا وأمرتُك الخيرَ أكثَرَ فى كلامهم جميعا وانما يتكَلَّم به بعضُ العرب وليس كلُّ ما كان متعدِّيا الى الفِعل بحرفِ جرٍّ جاز حذْفُه الا ما كان مسمُوعا ألا تَرَى أنك تقول مررْت بزيدٍ وتكلَّمت فى زيدٍ ولا تقول مرَرْت زيدًا ولا تكلَّمت عَمْرا كما قُلْت أمرتُك الخيرَ ودخلْتُ البيتَ في معنى أمرتُك بالخيْرِ ودخلْت في البيتِ* قال سيبويه* فى هذا الباب من كتابه وليس كلُّ فِعْل يُفْعَل به هذا كما أنه ليس كلُّ فعل يتعَدَّى الفاعلَ ولا يتعدَّى الى مفعولين يعنى ليس كلُّ ما كان متعدِّيا بحرْف جرٍّ يجوزُ حذْفه بل المتعدى بحرفِ جرٍّ على قسمين أحدُهما يجوز حذْفُه كما ذكرت في دخلت البيتَ واختَرْتُ الرجالَ زيدا والآخَرُ لا يجوز حذفُه كمررت بزيدٍ وتكلَّمت في عَمْرو وكما كان الفِعْل في الأصل على ضربين منه ما يتعدَّى نحو ضَرب زيدٌ عَمْرا ومنه ما لا يتعدَّى نحو جَلَس وقامَ وهذا معنى قوله كما أنه ليس كلُّ فِعل يتعدَّى الفاعلَ وقولِهِ لا يتعدَّى الى مفعولَيْنِ فقد أوضحتُ هذا القانونَ وأذكر ما حكَى أهلُ اللغة من هذا القِسم الثانِى أعنى الفِعل الذى تعدَّى بحذْف حرفِ الجر مما يتعدَّى الى مفعولٍ أو مفعولين* ابن السكيت* شَكَرْتك وشَكَرْت لك ونَصَحْتُك ونَصَحْت لك وفي التنزيل (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) وفيه (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ) وأنشد

نَصَحْت بَنِى عَوفٍ فلم يتَقَبَّلُوا

رَسُولى ولم تُنْجَحْ لَدَيْهِم وسَائِلِى

ومَكَّنْتك ومَكَّنْت لك قال الله عزوجل (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ) واشتَقْتك واشتَقْت إليك وبَلَّغْتك وبَلَّغْت اليك وهَدَيتُه الطرِيقَ والى الطَّرِيقِ وعَدَدْتك مائةً وعَدَدت لك وسَرَقْت زيدًا مالاً وسَرقْت من زيدٍ وكذلك سَلَبْت قال عنترة

ولقد أَبِيتُ عَلى الطَّوَى وأظَلُّه

حتَّى أنالَ به كرِيمَ المَأْكَلِ

أى أظَلُّ عليه ويقال جَمَّلكَ اللهُ وجَمَّلَ عليْك وقال الله تعالى (إِنَّما ذلِكُمُ

٧٣

الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) ـ أى يخوِّفُكم بأوليائِه وقوله تعالى (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) أى ليُنْذِرَكم بيومِ التَّلاق و (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً) ـ أى ليُنْذِركم ببأسٍ شديدٍ* أبو عبيد* شَغَبْت عليهم وشَغَبْتهم ورُحْتُ القوم ورُحْت اليهم* ابن دريد* تَرَوَّحْت أهْلِى وتَروَّحْت الى أهْلى ـ أى قَصَدْتهم متَرَوِّحا* أبو عبيد* تَعَرَّضْت معْرُوفَهم ولِمَعْرُوفهم ونَأَيْتُهم ونَأَيْت عنهم وحَلَلْتُهم وحَلَلْت بهم ونَزَلْتهم ونَزَلْت بهم وأمْلَلْتهم وأمْللْت عليهم من المَلَالة ونَعمِ اللهُ بكَ عَيْنا ونَعِمَك عَيْنا* ابن دريد* وأنْعَم اللهُ لكَ عيْنا وكلُّ ذلك حكاه الفارسى وزاد وأنعَمَك اللهُ عَيْنا* قال* وجميعُ ذلك كَرِهه بعضُ الفقهاء لأن النَّعِيمَ لا يقبَلُه الا قابلُ البَأْساء* أبو عبيد* طَرَحْت الشىءَ وطَرَحْت به ومَدَدْته ومَدَدْت به وأَثْمنت الرجلَ بمتَاعهِ وأثْمنْت له وقد شَيَّب الحزْنُ رأسَه وبرأْسِه وأشَابَ الحزْن رأسَه وبرأسِه* قال الفارسى* ولا أعْرِف لأَشابَ برأْسِه نَظِيرا الا قِرأةَ من قَرَأَ «يَكادُ سَنَا بَرْقهِ يُذْهِبُ بالأبصارِ» فأما قوله تعالى (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) آتَيْنا بها» فليس من هذا البابِ انما وزْنُ آتينا فاعَلْنا والدليلُ على ذلك معادَلُتنا إيَّاه بكافأنا وجازَيْنا* أبو عبيد* بِتُّ القومَ وبِتُّ بهم وحُقَّ فُلانٌ أن يفعَلَ ذلك وحُقَّ له* أبو زيد* أفطَرْت الشَّهْرَ الذى شَكَّهُ الناسُ يريد الذى شَكَّ فيه الناسُ* ابن دريد* هذا أمْر لا أحْفِلُ به ولا أَحْفِلُه* وقال* حَسَدْته على الشىءِ وحسَدْتُه الشىءَ* أبو حنيفة* جَنَيْتك وجَنَيْت لَكَ وصِدْتُك وصِدْت لك* ابن دريد* ظَفِرْت بالرجُل وظَفِرْته وأَوَيْت الى الرجُل وأَوَيْته أُوِيًّا ـ نزلْت به* قال الفارسى* فأمّا قولهم وعَدْته كذا فأُرَاه متعدِّيا في أوّليته بغير وَسِيط وقد زعَم قومٌ أنه لا يُقال وعَدْته كذا إلا على نية إسقاطِ الوَسِيط وقد تصَرَّف التنزيلُ باللُّغتين وقد أدخل أبو عبيد في هذا البابِ شَبِعْت خُبْزا ولَحْما ومن خُبْز ولَحْم ورَوِيتُ ماءً ولَبَنا ومن ماءٍ ولبَنٍ وليس من هذا الباب لأن هذا البابَ انما نَذْكُر فيه ما كان خارِجا من حَيِّز التمييزِ وكان منتَصِبا بايصالِ الفِعْل اليه بعْدَ إسْقاطِ الوَسِيط وكلُّ ذلك منتَصِب عن تمامِ الكلامِ فأمّا هذا فمنتصِبٌ عن تمامِ الاسم ومنه ما يكونُ منتَصِبا عن تمامِ الكلامِ غَيْر أنه ضُورِع به ما ينتَصِب

٧٤

عن تمامِ الاسمِ كعِشرينَ دِرْهما ونحوه فأمّا قولُهم رَشِدْت أمْرَك ووَفِقْت أمْرَك وبَطِرْتَ عَيْشَكَ وغَبِنْت رَأْيَك وأَلْمِتَ بَطْنَك وسَفِهْتَ نفسكَ فزعم الفارسى أنه على إسْقاطِ الوَسِيط وهو في وقيل إنه على معنى رَشَّدْت أمْرَك وسَفَّهْت رأْيَك وكذلك ينْقُل سائرَ الافعال* وقال الكسائى* كان الأصل رَشِد أمْرُك ووَفِقَ وغَبِنَ رأْيُك ثم حُوِّل الفعل الى الرجُل فانتَصَب ما بعدَه نحو قولك ضِقْت به ذَرْعا وطِبْت به نَفْسا المعنى ضاقَ بِه ذَرْعِى وطابَتْ به نَفْسِى* ابن دريد* غالَيْت السِّلْعةَ وغالَيْت بِها وثَوَيْت بالبصْرة وثَويْتُها واسْتَيْقَنْت الخبَرَ وبالخَبرِ وجاوَرْت في بَنِى فلانٍ وجاوَرْتُهم وكِلْتُ لك وكِلْتُك ووَزَنْت لك ووَزَنْتك ورَهَنْت عِنْده رَهْنا ورَهَنْته رَهْنا وخَذَل القومُ عنِّى يَخْذُلون خَذْلا وخِذْلانا وخَذَلُونِى خِذْلانا وخَذْلا ويأتِى علَىَّ اليَوْمانِ لا أذُوقُهما طَعاما ـ أى لا أذُوق فيهما وكنتُ آتِيكَ كلَّ يومٍ طَلَعْته الشمس وأنشد

* يا رُبَّ يومٍ فيهِ لا أُظَلَّلُه*

أى لا أُظَلَّل فيه وقال بعضهم

* فى ساعةٍ يُحَبُّها الطَّعامُ*

أى يُحَبُّ فيها وهذا في المَوَاقِيت جائز ثم قال رأيتُ العرَب قد ألِفَت المَحالَّ حتى جَرَى الكلامُ بالغائبِ المتَّصِل فقالوا خرَجْت الشامَ وذهَبْت الكُوفةَ وانطَلَقْت الغَوْرَ فأنفَذَتْ هذه الحُروف في البُلْدان كلِّها للمضْمَر فيها ومن هذا لم تقُلْ ذهَبْتُ عبدَ اللهِ ولا كتَبْتُ زيْدا لأنه ليس بناحِية ولا مَحلّ هذا قولُ الكوفيين وأما البَصْريون فأنكروا ذلك فيما كان مخصوصا وانما يَفْعَلون مثلَ هذا في المُبْهَم كالمَذْهب والمَكَان والطُّرُوف التى لا حُدودَ لها ولا نِهايةَ وهى في الأقْطار الستةِ خَلْف وأمَام وفَوْق وأسْفَل ويَمِين وشِمَال فأمّا قوله تعالى (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) فان أبا إسحاق حكى أن أبا عبيدة قال المعنى اقعُدُوا لهم كلَّ طَرِيق وأنشد

* نُغَالِى اللَّحْمَ للأَضْيافِ نِيئًا*

أى باللحمِ فحذَف الباءَ وكذلك حَذَف على ثم قال أبو اسحاق (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظَرْف كقولك ذَهَبْت مَذْهبا وذهَبْت طَرِيقا وذهَبْت كُلَّ طريق فلَستَ تحتاجُ أن تقول فى هذا الا ما تقولُه في الظَّرف نحو خَلْف وقُدَّام* قال أبو على* القولُ في

٧٥

هذا عندى كما قال وليس يُحتاج في هذا الى تقْدِير على اذا كان المَرْصَد اسما للمَكان كما أنك اذا قلت ذَهَبت مَذْهبا ودخَلْت مَدْخَلا فجعلت المَذْهب والمَدْخَل اسمين للمكانِ لم تَحتَجْ الى على ولا إلى تقديرِ حرفِ جرٍّ إلا أنّ أبا الحسَن ذهب الى أنّ المَرْصَد اسمٌ للطريق كما فسره أبو عبيدة واذا كان اسما للطريق كان مَخْصُوصا واذا كان مخْصُوصا وجب أن لا يصل الفعل الذى لا يتَعدّى اليه الا بحرف نحو ذهَبْت الى زيد ودَخَلت به وخَرَجْت به وقَعَدت على الطريقِ الا أن يجىء في شئٍ من ذلك اتساعٌ فيكون الحرفُ معه محذُوفا كما حكاه سيبويه من قولهم ذَهَبْت الشامَ ودخَلْت البيتَ فالأسماءُ المخصوصةُ اذا تعدَّت اليها الأفعال التى لا تتعَدَّى فانما هو على الاتساع والحُكْمُ في تعدِّيها اليها والأصلُ أن يكونَ بالحرف وقد غَلِط أبو إسحاقَ في قوله (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظَرْف كقولك ذهَبْت مَذْهبا وذهَبْت طرِيقًا وذَهبْت كلَّ طرِيق في أن جعَل كلَّ طرِيق ظَرفا كالمَذْهب وليس الطريقُ بظرف ألا تَرَى أنه مكانٌ مخصوصٌ كما أن البيتَ والمسجِدَ مخصوصانِ وقد نصَّ سيبويه على اختصاصِه والنصُّ به ليس كالمَذْهَب والمكان ألا ترى أنه حَمَلَ قول ساعدةَ

لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه

فيه كما عَسَل الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

على أنه قد حذِف الحرفُ معه اتِساعا كما حُذِف عِنده من ذهَبْت الشامَ وقد قال أبو اسحاقَ في هذا المعنى خلاف ما قال هنا ألا ترى أنه قال في قوله تعالى (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) ـ أى على طَرِيقك* قال* ولا اخْتِلافَ بينَ النحوِيِّين أن على محذوفةٌ ومثل ذلك ضُرِبَ زيدٌ الظَّهرَ والبَطْنَ معناه على الظَّهْر والبطنِ مخصوص من قولهم الظَّهْر والبَطْن وذهب الى أن على محذوفةٌ وأنه لا اختلافَ بين النحويِّين في ذلك فاذا كان كذلك بلا خِلاف لم يجز أن تجعَلَه مثل ما هو مبهَمٌ ظَرْف بلا خِلاف من قوله ذهَبْت مَذْهبا فاذا كان الصِّراطُ اسما للطريق وكان اسما مخْصُوصا ومما لا يصِحُّ أن يكونَ ظَرْفا لاختصاصه والمَرْصد مثلُه أيضا في الاختِصاص وأنه عبارةٌ عنه كما أن الصِّراط عبارةٌ عنه وجبَ أن يكون مثلَه في الاختِصاص وأن لا يكونَ ظَرفا كما لم يكُنِ الصِّراطُ والطريقُ ظرفيْنِ* غيره* تَعلَّقْتك وتَعلَّقت بك وكَلِفْتُك وكَلِفْت بِك وانما سَهُل في الباء لأنها أصلٌ لجمِيع

٧٦

ما وقَعت عليه الأفاعِيلُ اذا كنَيْت عنها بفعَلْت ألا ترى أنك تقول ضرَبْت أخاك فاذا كنَيْت عن ضَرَبت قلت فعَلْت به قال الله تعالى (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) ـ أى زوَّجناهم حورا عِينَا وهذه لغة لأزْد شَنُوءةَ تقول زوَّجته بها وغيرُهم يقول زَوَّجته إيَّاها ولذلك اجتزأتِ العربُ عن المحَالِّ فأسقَطُوها من الاسماء وأوقَعُوا الأفاعِيلَ عليها وأنشد

نجَا عامِرٌ والنَّفْس منه بِشِدْقِه

ولم يَنْجُ الا جَفْنَ سيفٍ ومِئْزَرا

وزعم يونسُ أن معناه ولم يَنْجُ الا بجَفْن سَيفٍ ومِئزْر وقد نُصِب هذا على الاستِثناءِ وأنشد

وما شُقَّ جَيْبٌ ولا قامَتْكَ نائِحةٌ

ولا بَكَتْكَ جِيادٌ عِنْد أسْلافِ

وكان الأصمعىُّ يدْفَع هذا ويُنْشِد ما ناحَتْك نائِحةٌ وفلانٌ بِلِصْقِ الحائِط وبِلزْقِ الحائِطِ ولا يقال بغير حرفِ الصِّفة وفلانٌ بِطِلْع الوادِى وطِلْعَ الوادِى وبسِقْطِ الأكَمة وسِقْطَ الأكَمةِ وهو بقَفَا الأكَمَةِ والثَّنِيَّة وقَفَا الثنِيَّة وبِلَبَب الوادِى ولا يقال بغير حرفِ الجرِّ وحاطَهُم بقَصَاهم وحاطَهُم قَصَاهُم وضرَبَه مَقَطَّ شَراسِيفِه وعلى مَقَطِّ شَراسِيفِه وشَجَّهُ قُصَاصَ شعَره وعلى قُصَاصِ شعَرِه وهو عُلَاوةَ الرِّيح وبِعُلَاوةِ الرِيح وبسُفَالةِ الرِّيحِ وسُفَالةَ الرِّيح وهو بمَبْدَءِ ذاك ومَبْدءَ ذاك وازَاءَ ذاكَ وبازاءِ ذاكَ وحِذَاءَه وبحِذَائِه ووِزَانَه وبوِزَانِه وساوَيْت ذاكَ وبِذاكَ* ثعلب* أمْحَضْته الحديثَ والنَّصِيحةَ وأمحَضْتُه له فأمّا أبو عبيد فأمحَضْته الحديثَ والنصيحةَ لا غيْرُ ـ أى صَدَقْته وحَقِيقة الْامْحاض الاخلاصُ وأنشد

قُلْ للغَوَانِى أمَا فِيَكُنَّ فاتِكةٌ

تَعْلُو اللَّئيمَ بضَرْب فيه امْحاضُ

وعلى هذا البابِ وجَّه الفارسىُّ قراءةَ من قرأ مِن فِضَّةٍ قُدِّروُها تَقْدِيرا ـ أى قُدِّرُوا عليها وأنشد

كأنَّه لاحِقُ الأقْرابِ في لُقُحٍ

أسْمَى بِهِنّ وعَزَّتْه الأناصِيلُ

أراد عَزَّتْ عليه الأنَاصِيل فأمّا ما رواه أبو الحسن من قراءة الأعمش لَنُثوِيَنَّهم مِنَ الجَنَّة غُرَفا فانه قال لا يُعْجِبنى لأنك لا تقول أَثْوَيتُه الدارَ* قال أبو على* هذا الذى رواه أبو الحسن يَدُلُّ على أن ثَوَى ليس بمَتَعدٍّ وكذلك تفسيرُ أبى عبيد أنَّه

٧٧

النازِلُ فيهم ووجهه أنه كان في الاصل لَنُثْوِيَنَّهم في غُرَف كما تقول أَنْواهم من الجنة فى غُرَف وحُذِف الجارُّ كما حُذِف من قوله أمَرْتُك الخيْرَ ويقوِّى ذلك أن الغُرَف وان كانتْ أماكنَ مختصَّةً فقد أُجْرِيت المختصةُ من هذه الظُّروفِ مُجْرَى غير المختصَّةِ نحو قوله «كما عَسَل الطَّرِيقَ الثعلَبُ» ونحو ذَهَبْت الشامَ عِنْد سيبويه ويقوِّى الوجهَ الاوّل قولهُ تعالى (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) وعلى هذا قراءة من قرأ تَعْتَدُونَها بالتخفيف وليس هذا البابُ بمُطَّرِد فيُحْمَل عليه وقال في قوله تعالى (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) يجوز أن تكونَ الدارُ ههنا دارَ الدُّنيا ودارَ الآخِرةِ فان كانت دَارَ الآخِرة فمعناه أنهم يَذْكُرُون دارَ الآخرةِ ويَزْهَدُون في الدنيا وان كان يُعْنَى بها دارُ الدنيا فانما يُرِيد طيب الثناءِ عليهم في الدنيا والدارُ ههنا منتصب باسقاط حَرْفِ الجرِّ كما قال ذهَبْتُ الشامَ و «كما عسَلَ الطَّرِيقَ الثعلَبُ» * وقال* حاشَيْتُه القومَ ـ أى من القَوْم وجَعْجَعْت الابلَ وجَعْجَعْت بها ـ حَرَّكتها للِانَاخة والنُّهُوضِ وعَضِضْته وعَضِضْت علَيه وعَضَضْت لُغتانِ واعْتَرَّه واعْتَرَّبه ـ تَعَرَّض لمعروفه أقْطَعْتُه النَّهْرَ وأقْطَعْته به ـ جاوَزْته به أقْذَعْت الرجُلَ وأقْذَعْت له ـ رمَيْته بالفُحْش عَلَّقْت الدابَّةَ وعَلَّقت عليها من العَلِيق وعَشَوْت النارَ وعَشَوْت اليها أطاعَه وأطاع له ـ لم يَعْصِه حَطَّ الرجلُ البعيرَ وحَطَّ عنه ـ وذلك اذا طَنِىَ فالتْوَتْ رِئْتُه بجَنْبِه فَحطَّ الرحْلَ عن جَنْبه بِسَاعِده دَلْكا على حِيَال الطَّنى حتى يَنْفَصِل عن الجَنْب حكَى هذا صاحبُ العين أحْمَشْت القِدْرَ وأحْمَشْت بها ـ أكثَرْت وَقُودَها وحَضَن الطائِرُ بَيْضَه وعلى بَيْضِه يَحْضُن حَضْنا وحِضَانَةً وحُضُونا وحِضَانًا وحَضَنْتُ بيْنَ القومِ وحَضَنْتُهم ـ أصْلَحتُ بيْنَهم وحَدَسَ الرجُلُ ناقَتَه وحدَسَ بها ـ اذا أضجعَهَا ثم وجَأَ بشَفْرته فى مَنْحَرِها واسْتَنْحَسْت الخَبرَ واسْتَنْحَسْت عنه ومَسَح عُنُقَه ومَسَح بها ـ ضرَبَها وحَظَرت الشىءَ وحَظَرْت عليه وما حَفَلْت به وما حَفَلْته* ابن جنى* عَطَوْت الشىءَ وعَطَوْت اليه وأعْشَشْت القومَ وأعْشَشْت بهِم (١) ـ أعْجَلْتهم عن أمْرِهم وتَعَمَّدته وتَعَمَّدت له ـ وهو ضِدُّ الخطا وعَرَمَنا صَبِيُّك وعَرَم علينا ـ أشِرَ ومَرِح علينا وقاعَ الفحْلُ الناقةَ وقَاعَ عليها ـ ضرَبَها ووَشَعْت الجبَلَ ووَشَعْتَ

__________________

(١) ويقال أغششت فلانا بالغين المعجمة عن حاجة أحجلته اه

٧٨

فيه ـ علَوْته وأبْضَعْته الكلامَ وبالكلامِ ـ بيَّنْتُه له وبِعتُه الشىءَ وبِعْتُه مِنه ـ اشتَرَيته ووَزَعْتُه ووزَعْت به ـ كَفَفته وزُعْت الناقةَ وزُعْت بزِمَامها كذلك وزُعْتُ الرجُلَ وزُعْت به ـ قَدَّمته وعَطَا الشىءَ وعَطَا اليه ـ تنَاوَلَه ووعَدْته ذلكَ ووَعَدْته بِه وحَسِيت الشىءَ وحَسِيتُ به ـ أحسَسْته وحَفُّوا به وحَفُّوه ـ أحْدَقُوا به وحَضَجَ البعيرُ حِمْلَه وبحِمْله ـ طَرَحه وحَدَجَه ببَصَره وحَدَج اليه بِهِ ـ رمَاه به وحَدَّثته الحدِيثَ وحَدَّثْته بِهِ ومَتَحْت الدَّلوْ ومَتَحْت بها ـ جَبَذْتها مَلْأَى وبَحَثْت عن الخبَرِ وبَحَثْته ـ كَشَفْت وكذلك اسْتَحَثْته واسْتَحَثْت عنه وأحْبَرتِ الضَّربةُ جِلْدَه وبجِلْدِه ـ أثَّرْت فيه واسْتَحبَيْت الرجُلَ واستَحْييْت منه وطَوَّحته وطَوَّحت به ـ حمَلْته على رُكُوب مكَارِهَ يَخافُ هلاكَه فيها وثَأَرَه وثَأَرَ به ـ أدْركَ ثَأْرَه وناحَتْه المرأةُ وناحَتْ عليه وهَجْهَجْت السَّبُع وهَجْهَجْت به ـ صِحْتُ به وزجَرْتُه وهَشِشْتُه وهَشَشْت به ـ بَشِشْت ومَذَقْته ومَذَقْت له ـ لم أُخْلِصْه واقْتَتُّ الشىءَ واقْتَتُّ به ـ جعَلْته قُوتِى وأوْفَقْت السَّهمَ وأوْفَقْت به ـ وضَعْته في الوَتَر لأرْمِىَ به وكَتَّبْتُ الناقةَ وعلَيْها ـ صَرَّرتها وأوْكَيْت القِرْبةَ وأوكَيْت عليها ـ رَبَطْتها بالوِكَاء ورَجَزْت به ورَجَزْته ـ أنشَدْته أُرْجُوزة وزَجَلْت الشىءَ وزَجَلْت به ـ رميتُه ونَجَل به أبُوه ونَجَلَه وجَأْجَأْت الابلَ وجَأْجَأْت بها ـ دعَوْتها للشُّرْب وأَشْرِفْت الشىءَ وأشْرَفْت عليه ـ عَلَوته وشَرَفْته وشَرَفْت عليه ـ فضَلْته وأشَاطَ دمَه وبدَمِه ـ أذْهَبه وأشَدْت ذِكْرَه وبذِكْره ـ أشَعْته وضَبَط على الشىءِ وضَبَطَه وصَفَفْت الدابَّةَ وصَفَفْتُ لها ـ عَمِلْت لها صُفَّة وأنْصَتُّه وأنْصَتُّ له ـ سكَتُّ وذَهَلْت الشىءَ وذَهَلْت عنه وذَهِلْته وذَهِلْت عنْه ـ تركْتُه على عَمْد وأذْهَلْته الأمْرَ وأذْهَلْته عنه ونَوَّهْت به ونوَّهْته ـ رفَعْت ذِكْره وخَفَرت الرجُلَ وخَفَرْت به وعلَيْه ـ أجَرْته وألْغَزْت الكَلامَ وألغَزْت فيه ـ عَمَّيته وقَزَّت نَفْسِى عن الشىءِ وقَزَّتْه ـ أبَتْه متكَلَّم فما أسْقَط كَلِمَة وما أسقَطَ فى كَمِلة

ذِكْر المبْنِيَّات

البِناءُ ضِدُّ الاعراب في المعنَى ومثلُه في اللفظ ألا تَرَى أن سيبويه قال هذا بابُ

٧٩

مَجَارِى أواخِر الكَلِم من العرَبِيَّة وهى تَجْرِى على ثمانِيَةِ مجَارٍ على النَّصْب والرفعِ والجَرِّ والجَزْم والفتْح والضمِّ والكَسْر والوَقْف ثم قال وهذه المَجَارِى الثمانيةُ يجمعُهنّ فى اللفظ أربعةُ أضْرُب فالنصبُ والفتحُ في اللفظ ضَرْبٌ واحدٌ والكسْرُ والجَرُّ فيه ضَرْبٌ واحد وكذلك الرَّفْع والضمُّ والجَزْم والوَقْف* قال* وانما ذكَرْت لكَ ثمانِيةَ مَجَارٍ لِأَفْرُقَ بين ما يَدْخُله ضَرْب من هذه الاربعةِ لما يُحْدِثُ فيه العاملُ وليس شئٌ منها إلا وهو يَزُول عنه وبين ما يُبْنَى عليه الحرفُ بِناءً لا يزُول عنه لغير شئٍ أحدَثَ ذلك فيه من العَوامِل التى لكل عامِلٍ منها ضَرْبٌ من اللَّفْظ بالحرْف وانما أوردت قول سيبويه لأُرِيَك اتِّفاقَ الاعرابِ والبِناءِ في اللفظ وافْتِراقَهما فى المعنَى ولو لا مُضادّةُ البِناءِ الاعرابَ من وجه وموافَقتُه له من وَجْه لما احتجنا الى الاعرابِ لأن غَرَضنا إيضاحُ المبْنِيَّات في هذا الباب ولكنِ الضدّ لا يتَبَيَّنُ الا بضِدّه فالاعراب مبَيَّن بالبِناء والبِناء مبَيَّن بالاعراب وذلك كما يقول أهلُ الكلامِ السَّواد ضِدُّ البياضِ والبَيَاض ضِدُّ السَّوادِ وقد يذكَر الشىءُ في بابِ ضدِّه لأن التعبيرَ عنه انما هوَ به وأنا أذكُر جملةً أدُلُّ بها على عِلَّة المبنى وأتَحرَّى في ذلك إيجازَ القولِ وتسْهِيلَه وتقريبَه من الافهام بغاية ما يُمْكِن وأعتَمِد في ذلك على عَقْد ذكره الفارسىُّ في كتابه الموسُوم بالاغْفال عند ردِّه على أبى اسحاق في تعليل بعض المَبنِيَّات* قال أبو على* الاسماء في الاعراب والبناء على ضربينِ مُعْرَبٌ ومبْنِىٌّ والمعرَبُ على ضربين مُنْصرِفٌ وغير مُنصرِف فغَيْرُ المنصرِف ما شابَه الفِعْل من وجهَيْن وأما المنصَرِف منها فما كان بخِلافِه والمبنِىُّ على ضربين مبْنِىٌّ على حركة ومبنىٌّ على سكونٍ فالمبنىُّ منها على الحركة على ضربَيْنِ أحدهما ما كان بِنَاؤه على الحركة لتَمُّكنه قبْلَ حاله المُفْضِيَة به الى البِنَاءِ وذلك من عَلُ وأوَّلُ ويا حَكَمُ وما أشبه ذلك والآخَر أن يكونَ بِناؤُه على الحرَكة لالتِقاء الساكِنَيْن نحو كَيْفَ وأيْنَ وأيَّانَ وثَمَّ وأُولاءِ وحَذَارِ ومُنْذُ وحركةُ ذلك تنْقِسم الى الحرَكاتِ الثلاثِ كما يتبَيَّنُ لكَ في هذه فأمّا المبْنِىُّ على السُّكُون فنحو كَمْ ومُذْ وإذْ وكلُّ هذه الأسماء المبنية معَ اختِلافِها فالعِلَّة الموجِبةُ لبِنائِها مشابَهَتُها للحُروف ومضارَعَتُها فهذه جملةُ العِلَّة المُوجِبةِ للبِناء وليس تَقَصِّى هذا من غرَضِ هذا الكتاب وانما أوردت هذه العِلَّة لأنها جِنْسٌ عالٍ

٨٠