🚘

المخصّص - ج ١٤

أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ ابن سيده ]

المخصّص - ج ١٤

المؤلف:

أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي [ ابن سيده ]


الموضوع : القرآن وعلومه
المطبعة: المطبعة الاميرية
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٦٦
🚘 نسخة غير مصححة

رَمَى يَرْمِى ويكون الأمرُ منه انْقِ يا زيدُ كما تقول ارْمِ يا زيدُ وكلامُ العرب على ما ذكرناه أوَّلا قال الشاعر

زِيادتَنَا نُعْمانُ لا تَنْسَيَنَّها

تَقِ اللهَ فِينا والكِتابَ الذى تَتْلُو

وقال آخر أيضا

تَقُوهُ أيُّها الفِتْيانُ إنِّى

رأيتُ اللهَ قد غلَب الجُدُودا

وقال آخر في المستقبل

جَلَاها الصَّيْقَلُونَ فأخلَصُوها

فجاءَتْ كُلُّها يتَقِى بأَثْرِ

فمذهبُ أبى العَبَّاس أن فاء الفُعَل سقطتْ في المصدَر كسُقوطها في الفِعْل وأنَّ التاءَ الباقيةَ هى تاءُ افتعلَ فلهذا وزنه بتُعَلٍ* وقال الزجاج* هو فُعَلٌ وكان يقُول إن تَقَى الذى هذا مصدَرُه لا يتعدّى وإنه يقال فيه تَقَى يَتْقِى وإن قولهم تَقَى يَتَقِى مُخَفَّف من اتَّقى يتَّقِى وهو متعدٍّ وكان يزعم أن سيبويه انما قال في هُدًى إنه لم يجئ غيرُه يريد في الفعل المتعدِّى وأن سُرًى مصدرُ فِعْل غيرِ متعَدٍّ فحمله ذلك أن قال تُقًى مصدر فعل لا يتعَدَّى ولذى قاله غيرُ معروفٍ لأنه لا يُعرَف تَقَى يَتْقِى ولا يُؤْمر منسه باتْقِ كما يقال ارْمِ وبُكًا فيه لغتانِ المدُّ ولقصرُ وكأن القَصْر تخفيفٌ والاصل المدُّ لأنه صوتٌ والصَّوتُ بابُه أن يجىءَ على فُعَال في المصادِر وقد مضَى الكلامُ على نحو ذلك* قال سيبويه* وذلك لأن الفِعَلَ لا يكونُ مصدَرا في هَدَيت معناه أنَّ هذا في هَدَيت خاصٌّ لأن الفِعَلَ لا يكون مصدَرًا في هَدَيْت فصار هُدًى عِوَضا منه وفي الناس من قال لأن الفِعَل لا يكونُ مصدَرا في هَدَيت فصار هذا عِوَضا من الفِعَل لأن الفِعَل يكثر في المَصادِر وقالوا قلَيته قِلًى وقَرَيْتُه قِرًى فأشْرَكُوا بينهما يعنى بيْنَ فِعَلٍ في قِلًى وبيْنَ فُعَلٍ في هُدًى فصار هذان البِناآنِ عوضا من الفَعْل في المصدر لان الأصل الفَعْل وكان حقه أن يقال في الأصل هَدَيته هَدْيا وقَليْته قَلْيا وقَرَيْته قَرْيا فدخَل كلُّ واحد منهما على صاحِبه كما قالوا كِسْوةٌ وكُسًا وجِذْوَةٌ وجُدًا وصُوَّة وصُوًى وفِعَلٌ وفُعَلٌ أخَوانِ لأنك اذا جمعتَ فِعْلَة قلت فِعَلٌ واذا جمعت فُعْلة قلت فُعَلٌ فلم تزِدْ على فتْح الثانى فيهما وكذلك اذا جمعتَهما بالتاء جاز في كل واحد منهما ثَلاثُ لُغَات الاتباعُ وفتحُ الثانى

١٦١

وتسكينُه تقول في ظُلْمةٍ ظُلُمات وظُلَمات وظُلْمَات وفي كسْرة كِسِرَات وكِسَرات وكِسْرات فهما يَجْريانِ مَجْرًى واحدا وفي المعتَلِّ يقال رُشْوة ورُشًا ورِشًا ورِشْوةٌ ورُشًا ورِشًا وكذلك في كِسْوة وجِذْوة* قال سيبويه* وقالوا شَرَيتُه شِرًا ورَضِيته رِضًا فالمعتل يختصُّ بأشياءَ واختصاصُ المعتَلِّ الذى ذكره سيبويه أن فِعَلا يَقِلُّ فى مَصادر غير المعتَلِّ وقد كثُر في المعتلِّ وفُعَلٌ لا يوجَد في غير المعتَلِّ وقالوا عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا ودَنَا يَدْنو دُنُوًّا وثَوَى يَثْوِى ثُوِيًّا ونَمَى يَنْمِى نَماءً وبَدَا يَبْدُ وبَداءً ونَثَا يَنْثُو نَثَاءً وقَضَى يَقْضِى قَضاءً وقد قُصِرَ بَدًا ونَثًا وإنما كثُرا الفَعَال في هذا كراهِيَةَ الياآتِ مع الكسرة والواواتِ مع الضمَّة يريد أنهم عدَلُوا عن فُعُول الى فَعَال لأنهم لو جاؤُا به على فُعُول قالوا بَدَا بُدُوًّا ونَثَا نُثُوًّا وقَضَى قُضِيًّا كما قالوا ثَوَى ثُوِيًّا ودَنَا دُنُوًّا على أن الفَعَال جاء في غير المعتَلِّ نحو الذّهَاب والنَّباتِ والصَّوَاب وقالوا جَرَى جَرْيا كما قالوا سَكَت سَكْتا وقالوا زَنَا زِنًا وشَرَى يَشْرِى شِرًى والتُّقَى فصار عِوَضا من فِعَل أيضا فعلى هذا يجْرِى المعتلُّ الذى حرفُ الاعتلالِ فيه لازِمٌ وقد جاء المدُّ في زِنًا وشِرًا لأنه فِعْل يقَع من اثنينِ كلُّ واحدٍ منهما يفْعَل مثلَ فِعْل الآخَر فصار بمنزلة ضاربْتُه ضِرَابا وقاتَلْته قِتَالا وقالوا قومٌ غُزًّا وبُدًّا وعُفًّى كما قالوا ضُمَّر وشُهَّد وقُرَّح وقالوا السُّقَّاء والجُنَّاء كما قالوا الجُلَّاس والعُبَّاد والنُّسَّاك* قال أبو على* ذكر سيبويه جمعَ الفاعِل في هذا الموضِع وليس ببابٍ له شاهِدًا على ما جاء من المَصادِر مقصورًا وممدُودا كقولهم بَدًا وبَدَاءٌ وما جاء على فَعَلٍ وفَعَال فالفَعَل نحو الحَلَب والسَّلَب والجَلَب والفَعَال نحوُ الذَّهابِ والثَّبَات ومثله في أسماءِ الفاعِلينَ فُعَّلٌ وفُعَّال بثَباتِ الألفِ قبل آخِره وسُقوطِها والجُنَّاء جمع الجانِى الذى يَجْنِى الثمرةَ وقالوا بَهُو يَبْهُو بَهَاءً وهو بَهِىٌّ وسَرُو يَسْرُو سَرْوا وهو سَرِىٌّ كما قالوا ظَرُفَ يَظْرُف ظَرْفا وهو ظَرِيف وبَذُوَ يَبْذُو بَذَاءً وهو بَذِىٌّ كما قالوا سَقُمَ سَقَاما وهو سَقِيم وبعض العرب يقول بَذِيت كما تقول شَقِيت ودَهَوت وهو دَهِىٌّ والمصدَر الدَّهاء كما قالوا سَمُحَ سَمَاحا وقالوا داهٍ كما قالوا عاقِلٌ ومثلُه في اللفظ عَقُر وهو عاقِرٌ وقد مضى الكلامُ على فَعُل فهو فاعِلٌ وقالوا دَهِىٌّ كما قالوا لَبِيب (ثم نذكر لمعتَلَّ العين والذى مضَى المعتلُّ اللامِ) تقول بِعْتَه بَيْعا وكِلْته كَيْلا وسُقْتَه سَوْقا وقُلْته قَوْلا

١٦٢

وقالوا زُرْته زِيَارةً وعُدْته عِيَادةً وحُكْته حِيَاكةً كأنهم أرادُوا الفُعُول ففرُّوا الى هذا كراهِيَّةَ الواواتِ والضَّمَّات ومع هذا انهم قالوا في الصحِيح عَبَدَ عِبَادة وعَمَر عِمَارةً ولو أتَوْا به على فُعُول لقالوا زُرْته زُؤْورا وعُدْته عُؤُودًا وقد جاء مثلُ ذلك على .... (١) اليه أنك ارتفعْت اليه وقالوا غارَ يَغُور غُؤُورا ـ اذا غابَ قال الاخطل

لما أَتَوْها بمِصْباحٍ ومِبْزَلِهِمْ

سارَتْ اليهم سُؤُور الأبْجَلِ الضَّارِى

وقالوا خِفْته فأنا أخَافُه خَوْفا وهو خائِف كما تقول لَقِمته ألْقَمُه لَقْما وهو لاقِمٌ وهِبْته أَهَابُه هَيْبة وهو هائِبٌ كما قالوا خَشِّيته خَشْيةً وهو خاشٍ وقالوا رجل خافٌ وأصله خَوِفٌ انقلبت الواو ألفا لتحرُّكها وانفِتاحِ ما قبْلَها وخَوِفٌ بمنْزِلة فَزِعٍ وفَرِق والمعنى واحد وقالوا ذِمْته أَذِيمه ذامًا وعِبْته أَعِيبه عابًا كما تقول سَرَقه سَرَقا ووزْن الذَّامِ والعابِ فَعَلٌ وسُؤْته سُوءًا وقُتُّه قُوتا وقد قلنا قبْلَ هذا قُتُّه قَوْتا في المصدر وجعلوا القُوت اسمًا لما يُقْتات وعِفْته عِيَافةً فأنا أعَافُه وهو عائِفٌ وقالوا غابَتِ الشمسُ تَغِيب غُيُوبا وبادَتْ تَبِيد بُيُودا وقام يَقُوم قِيَاما وصامَ يَصُوم صِيَاما كراهِيَةً للفُعُول لو قلتَ قُؤُوما وصُؤُوما ونظيره من الصحيح نَفَر نِفَارا وقالوا آبَتِ الشمسُ إيَابا وقال بعضهم أُيُوبًا كما قالوا الغُؤُور والسُّؤور ونظيرُهما من غير المعتَلِّ الرجُوع ومع هذا أنهم أدخلُوا الفِعَال مع الفُعول في الصحيح قالوا النِّفَار والنُّفُور وشَبَّ شِبَابا وشُبُوبا فهذا نظيرٌ مع العلة وقالوا ناحَ يَنُوح نِياحةً وقافَ يَقُوف قِيَافَةً وصاح صِيَاحا وغابتِ الشمسُ غِيَابا كراهِيَةً للفُعُول في بَناتِ الياء وقد ذكر الغُيُوب والبُيُودَ وقالوه على استثقالهم إيَّاه وقالوا دامَ يَدُوم دَوَامًا وهو دائِمٌ وزالَ يَزُول زَوَالا وهو زائِلٌ وراحَ يَرُوح رَوَاحا وهو رائِحٌ كَراهِيَةً للفُعُول وقالوا حاضَتِ المرأةُ حَيْضا وصامَتْ صَوْما وجال الرجُلُ جَوْلا كما تقول سَكَت سَكْتا وعَجَز عَجْزا وقالوا لِعْت تَلَاع لاعًا وهو لاعٌ كما قالوا جَزِع يَجْزَع جَزَعا وهو جَزِعٌ وقالوا دِئْت تَدَاء وهو دَاءٌ وقالوا وَجِع يَوْجِعُ وَجَعا وهو وَجِعٌ وقالوا لِعْت وهو لائِعٌ مثل بِعْت وهو بائِعٌ ولاعٌ أكثرُ ومعنى لِعْت فَزِعْت

__________________

(١) بياض في الأصل بمقدار سطر

١٦٣

هذا باب نَظائِر ما ذكرْنا من بَناتِ الواوِ التى الواوُ فيهنَّ فاءٌ

تقولَ وَعدْته أَعِدُه وَعْدا ووَزْنته أَزِنُه وَزْنا ووَأَدْته أَئِدُه وَأْدا والوَأْد ـ قتلُ البَنَات كما قالوا كَسَرته أَكْسِره كَسْرا ولا يجِىء في هذا الباب يَفْعُل لأنهم استثقلُوا الواوَ مع الياءِ وكان أصله يَوْعِدُ ويَوْزِنُ والدليل على استثقالهم الياءَ مع الواوِ أنهم يقولُون ياجَلُ ويِيجَل في يَوْجَل فحذَفُوا لوقُوعها بينَ ياءٍ وكسرةٍ وألزموا هذا البابَ يَفْعِل اذا كان الماضِى على فَعَل لأنهم اذا حَذفوا الواوَ كانت الياءُ مع كسرةٍ أخَفَّ من الياءِ مع ضَمَّةٍ والياء مع الواو والكسرة في تقديرنا يَوْعِدُ الذى هو أصلُ يَعِدُ أخَفُّ من الياء والواوِ في يَوْعُد ويَوزُن لو جاء على يَفْعُلُ فصرَفُوه الى يَفْعِل وحذَفُوا الواوَ لوقُوعها بين ياءٍ وكسْرةٍ والكوفِيُّون يقولُون إن الواوَ سقَطتْ فَرْقا بين ما يتعَدَّى من هذا الباب وبين مالا يتعَدَّى وما يتعدّى منه نحو وعَدَه يَعِدُه ووَزَنه يَزِنهُ ووَقَمَه يَقِمُه وما لا يتعدَّى نحو قولِنا وَحِلَ يَوْحَل ووَجِلَ يوْجَل ووَهِمَ يَوْهَم والذى قالوا من ذلك باطلٌ من غيرِ وجْهٍ من ذلك أنَّ ما جاء على فَعَل يَفْعِل أو فَعِلَ يَفْعِل من هذا الباب تسقط واوُه وان كان لا يتعدَّى وذلك كثير كقولك وكَفَ البيتُ يَكِفُ ووَجَب الشىءُ يَجِبُ ووَنَم الذُّبابُ يَنِمُ ـ اذا ذَرَقَ ووَخَد البعيرُ يَخِدُ ووَجَدِ عليه في المَوْجِدة يَجِدُ وهو أكثر من أن يحصَى ومن الدليل أيضا على ذلك انا رأينا بعض الأفعال من هذا الباب يجىءُ .... (١) قالوا وَحِر صَدْرُه يَحِر ووَغِر يَغِر وقالوا يَوْغَر ويَوْحَر فاثبتوا الواو في بعض وأسقطوها من يَفْعِل فوضَح من ذلك أن سقوطَ الواو فى يَعِدُ ويَزِن من أجل وُقُوعها بين ياءٍ وكسرةٍ لا من أجْل التعدِّى* فان قال قائل فاذا كان سُقوطُ الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ فلِمَ أسقطُوها مِن يَهَب ويَضَع ويَقَع قيل الاصل في ذلك يُفْعِل وكان يَوهِب ويَوْضِع ويَوْقِع منه على فَعِل يَفْعِل نحو حَسِبَ يَحْسِب وفي المعتل وَثِقَ يَثِقُ فسقطت الواوُ لوقُوعها بين ياءٍ وكسرةٍ فصارت يَهِب ويَضِع ويَقِع ثم فُتِح من أجلِ حرف الحلقِ كما قالوا صَنَع يَصْنَع وقَرَأ يَقْرأُ من أجل حَرْف الحلْق وما لم يكنُ فيه حرفُ الحلق في موضِع عينِه أو لامِه لم يَجُزْ فيه ذلك* فان قال قائل اذا قلتم إن الواوَ تسقط لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ استِثْقالا لذلك

__________________

(١) بياض بالأصل

١٦٤

فهَلَّا أسقطتموها لوقوعها بينَ ياءٍ وضَمَّة وهى أثقلُ في قولك وضُؤَ الرجُل يَوْضُؤُ ووَسُم يَوْسَم ـ اذا صارَ وَسِيما ووَقُحَ الحافِرُ يَوْقُح قيل له انما أنمُّوا هذا البابَ لأنه لزم طرِيقا واحِدًا لا يمكنُ فيه التغْيِيرُ في وَزنُه فلمَّا لزِمَهم ذلك التزَمُوا التمامَ فيه وهو أن باب وَعَدَ ووَزَنَ هو على فَعَلَ وفَعَلَ يَجِىء مستقبَلُه على يَفْعِل ويَفْعُل فاقصَرُوا على يَفْعِل منه لما ذكرنا من العِلَّة فكان اقتصارُهم على يَفْعِل تغييرًا لما يوجِبه القِياسُ في مستقبَلِ فَعَل فحمَلَهم التغييرُ في ذلك أن حذَفُوا الواوَ أيضا وهو تغييرٌ آخَرُ لما فيه من الاستِثْقال فكأنهم أتْبَعوا التغييرَ وهذا الطريقُ يسلُكه سيبويه كثيرا وأما وَسُم يَوْسُم فانه على فَعُل ويلزَم مستقبَل فَعُل يَفْعُل فلَمَّا لم يُغَيَّر مستقبَلُه الذى هو واجِب في الصحِيح في مثل ظَرُف وكَرُم لم تحذَف الواوُ منه لأن الأصل هو يَفْعُل فيه وإن ثبتت الواو فلما لم يُغَيَّر أحدُهما لم يغيَّر الآخَرُ ومما يقوّى ذلك أن فَعَلَ لا يأتى .... (١) اذا كان في موضعِ عينهِ أو لامهِ حرفٌ من حروفِ الحلْقِ فيجعلُ على يَفْعَلُ كما يُجعَلُ ما كان ماضيهِ على فَعِلَ وان قال قائلُ فقد تقَعُ الواوُ بين يَاءٍ وكَسرةٍ في مثل يُوقِنُ ويُوصِلُ فهَلَّا حُذفَتْ فالجوابُ فيهِ نحوُ ما ذكرنا أنَّ مُستقبلَ أفعلَ لا يتغيّر عن يُفْعِلُ كما أنَّ مُستقبلَ فَعُلَ لا يتغيّر عن يَفْعُلُ ومع ذلك فانَّ الواوَ الساكنةَ اذا كان ما قبلها ضمةٌ فهى كالاشباع للضمةِ والاستِثقالُ لها أقلُّ وقد ذكرَ سيبويه أن من العربِ من يقولُ يَجُدُ وذلك قليلٌ وحَذفُوا الواوَ من يَجُدُ لأن الاصلَ فيه يَجِدُ فسقطتِ الواوُ من أَجلهِ وقالوا وَرِمَ يَرِمَ ووَرِعَ يَرِعُ وَرَعًا ووَرَمًا ويَوْرَعُ لغةٌ ووَغرَ صَدرُه يَغِرُ ووَحِرَ يَحِرُ وَحَرًا ووَغَرًا ويَوْغَرُ ويَوْحَرُ أكثَرَ ووَلِى يَلِى ووَثِقَ يَثِقُ ووَمِقَ يَمِقُ ووَرِثَ يَرِثُ ووَفِقَ يَفِقُ ووَرِىَ الزَّندُ يَرِى* قال الفارسى* وقد قرئ فما وَهِنُوا والمستقبلُ يَهِنُ فهو من هذَا البابِ اذ لم نَسمَعْ يَوْهَن فأما قَولُهمْ «اذا عَزَّ أخُوكَ فَهِنْ» فهو من هَانَ يَهِينُ يقال هَانَ الرجلُ يَهِينُ مثلُ لَان يَلِينُ يَرويه عن الزَّجَّاجِ ولا يكون من وَهنَ يَهِنُ لأن هذا انما هو ضعفٌ وضدُّه القُوَّةُ وليس ضِدُّ اللِّينِ القُوَّةَ انما ضِدُّه الصَّلابةُ فكذلك عَزَّ اشْتدَّ وصَلُبَ ولو كان عَزَّ قَوِىَ وكان في الكلام موجودًا لقَلنَا ان هِنْ من وَهِن يَهِنُ فهذا نقلُ أبِى على* وقد حكى أبو عبيد* وَهَنْت في أمرِكَ ووَهِنْتَ وقد

__________________

(١) بياض بالأصل

١٦٥

كثُرَ في المعتلِّ من هذا الباب فَعِلَ يَفْعِلُ على قِلَّته في الصحيح والسببُ في ذلك كَراهتُهم الجمعَ بينَ واوٍ وياءٍ لو قالوا وَلِىَ يَوْلِى ووَرِثَ يَوْرِثُ ووَثِقَ يَوْثِقُ فَحملوه على بناءٍ تَسقُطْ فيه الواوُ وما كان من الياءِ فانه لا يسقطُ منه الياءُ لوقوعها بين ياء وكسرةٍ كقولهم يَئِسَ يَيْئِسُ ويَبِسَ يَيْبِسُ ويَسَر يَيْسِرُ من المَيْسرِ ويَمَن يَيْمِنُ من اليُمْنً لأن الياء أخفُّ من الواو لأنهم يفِرُّون من الواوِ الى الياءِ ولا يَفِرُّون من الياءِ الى الواوِ فلما كانت الياءُ أخفَّ سَلموهُ اذا كانت فاءَ الفِعلِ ومن العرب من يجرِى الياء مُجرَى الواوِ وهو قليل فيقو يَئِسَ يَئِسُ والاصل يَيْئِسُ فسقطتِ الياءُ الثانية لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ كسقوط الواوِ في يَعِدُ ويَزِنُ

هذا باب افْتراقِ فَعَلْتُ وأَفْعلتُ في المعنَى

تقول دَخَل وخَرَج وجَلَس فاذا أخبرتَ أن غيرَه صَيَّره الى شئ من هذا قلت أدخَلَه وأخْرجه وأجْلَسه وتقول فَزِعَ وأفْزَعته وخافَ وأخَفْته وجالَ وأجَلْته فأكثَرُ ما يكونُ على فَعَلَ اذا أردْتَ أن غيره أدخَله في ذلك يُبْنَى الفعلُ منه على أفْعلْت ومن ذلك أيضا مَكُث وأمْكَثْته وقد يجىء الشىءُ على فَعَّلْت فتشرَك أفْعلْت كما أنهما قد يَشتَرِكان في غير هذا وذلك قولك فَرِحَ وأفْرَحْته وإن شئت قلتَ وفَرَّحته وغَرِمَ وغَرَّمته وأغْرَمته إن شئتَ كما تقول فَزَّعته وأفْزَعته وتقول مَلُح ومَلَّحته وسمعناه من العرب من يقُول أمْلَحته كما تقول أفْزَعْته وقالوا ظَرُفَ وظَرَّفته ونَبُل ونَبَّلته ولا يُستَنْكَر أفعَلْت فيهما ولكن هذا أكثَرُ فاستُغْنِى به ومثل أفْرَحْت وفَرَّحت أنزَلْت ونَزَّلت قال الله تعالى «وقالُوا لَوْ لا أُنْزِل عليه آيةٌ مِن ربِّه (قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) ويقال نَجَا زيدٌ وأنْجَيتُه ونَجَّيته وكَثَّرهم وأكْثَرهم ويدخل في ذلك عَرَف زيدٌ أمرَه وعَرَّفت زيدا أمْرَه* قال أبو على* اعلم أن هذا البابَ يسَمَّى باب نَقْل الفِعْل عن فاعله وتصيِيره مفْعُولا وذلك أن الفعل الثُّلاثىَّ اذا أردتَ أن تجعلَ الفاعلَ فيه مفعولاً جِئتَ بفاعِلٍ أدخَلَه في ذلك الفِعل فيصيرُ مفعُولا وعلامة نَقْل الفعل أن تزيدَ همزةً في أوَّله أو تُشَدِّد عينَ الفِعل وزيادةُ الهمزة في أوّله أكثَرُ وأعمُّ فاذا كان الفِعْل غير متعَدٍّ تعدَّى الى واحدٍ كقولك ذَهَب

١٦٦

زيدٌ وأذْهبَ عمرٌ وزيدًا وجَلَس زيد وأجْلَس عمرٌو زيدًا وان كان الفِعل متعدّيا الى مفعُولٍ صارَ بالنقْل متعدِّيا الى مفعُوليْنِ لأن فاعلَه يَصِيرُ مفعُولا كقوله لَبِس زيدٌ الثوْبَ وألبَسْتُ زَيدًا الثوبَ ودخَلَ زيدٌ الدارَ وأدْخلَ عمرٌ وزيدًا الدارَ وان كان متعدِّيا الى مفعُوليْنِ تعَدَّى بالنقْل الى ثلاثةٍ ولا يكون أكثَرَ من ذلك وذلك قولُك عَلِم زيدٌ عَمْرا خارِجًا ثم تقُول أعلَم اللهُ زيْدا عَمْرا خارِجًا وقد يجوز أن يكونَ الفِعْلُ يصير فاعلُه مفعُولا على غير لفظِ النقْل الذى ذكرتُ لك وذلك قولك زادَ مالُك وزادَ اللهُ مالَكَ ونَقَص مالُك ونَقَصَ اللهُ مالَكَ وشَحَا فُو زيدٍ وشَحَا عَمْرٌو فَا زيْدٍ وقد يجوز أن يدخُلَ أفْعَلَ وفَعَّلَ على غير وجه النقْلِ وسيتبَيَّن لك تصرُّفُ وُجُوه ذلك وهذا أيضا تحليل أبى سعيد وأمَّا طَرَدته فنَحَّيته وأطْرَدْته جَعَلْته طَرِيدا أعنى أن أطْرَدْته ليس بنَقْل لطَرَدته وطَرَدتِ الكلابُ الصَّيْدَ ـ أى جعَلَتْ تُنَحِّيه ويقال طَلَعْت ـ أى بَدَوْت وطَلَعتِ الشمسُ ـ أى بدَتْ وأطْلَعْت عليهم ـ أى هجَمْت عليهم وشَرَقت الشمسُ ـ بدَتْ وأشْرقَتْ ـ أضَاءتْ وأسْرَعَ ـ عَجِلَ وأبْطأَ ـ احتَبَس وأما سَرُعَ وبَطُؤَ فكأنهما غَرِيزة كقولك خَفَّ وثَقُل ولا تُنْفِذُهما الى شئ كما تقول طَوَّلت الامْرَ وعَجَّلته يعنى أن أسرَعَ وأبْطأَ لا يتعدَّيانِ وان كانَا على أفْعَلَ وفَصَّل سيبويه بينهما وبين سَرُعَ وبَطُؤَ وان كان ذلك كلُّه لا يتعَدَّى بأن قال سَرُع وبَطُؤَ كأنهما غريزة ـ أى صار طَبْعُه السُّرْعةَ والبُطْءَ وفي أسْرعَ وأَبطأَ ليس بطَبْع وقولنا لا تُنْفذُهما الى شئ يعنى لا تُعدِّى أسْرَع وأبْطأَ كما تُعدِّى طوَّلت الامْرَ وعَجَّلته ويقولون فَتَن الرجلُ وفَتَنْته وحَزِنَ وحَزَنْته* قال سيبويه* وزعم الخليلُ أنك حيث قلتَ فتَنْته وحَزَنْته لم ترد أن تقُولَ جعَلْته حَزِينا وجعَلْته فاتِنا كما أنك حين قلت أدخَلْته أردْت جعَلْته داخِلا ولكنك أردتَ أن تقُول جعَلْت فيه حُزْنا وفِتْنةً فقلت فتَنْته كما قلت كَحَلْته ـ أْى جعَلْت فيه كُحْلا ودَهَنْته جعَلْت فيه دُهْنا* قال أبو سعيد* مذهب سيبويه أن أفْعَلْته الذى للنقل معناه جعَلْته فاعِلا للفِعل الذى كانَ له أى صيَّرته وفَعَلته أى جعَلْت فيه ذلك الفعلَ فاذا قلت أدخَلْته ـ أى جعلتُه داخِلا واذا قلت ضرَبْته ـ أى جعلتُ فيه ضَرْبا واذا قلت بَنَيْته جعَلْت فيه بِنَاء واذا قلت أبْنَيْت زيدا الدَّارَ معناه جعَلْته

١٦٧

بانِيًا لها ولذلك قالوا فَتَنْت الرجُلَ وأفتَنْته فمن قال فتَنْته أراد جعلْت فيه فِتْنةً ومن قال أفْتَنْته أى جعَلْته فاتِنا يقال فَتَن الرجلُ فهو فاتِنٌ ويسمِّى سيبويه النقْل الذى قدَّمنا ذكره التغْييرَ فلذلك قال في فَتَنْته وكَحَلْته وحَزَنْته لم ترد بفعَلْته ههنا تغييرَ قولِه حَزِن وفَتَن يعنى نقْلَه على ما ذكرتُه لك ولو أردتَ ذلك لقُلْت أحْزَنْته وأفتَنْته وفَتَن من فتَنْته كحَزِنَ من حَزَنته ومثله شَتِر الرجُلُ وشَتَرتُ عيْنَه فاذا أردتَ تغيِيرَ شَتِر لم تقُلْ الا أشْتَرته كما تقول فَزِع وأفزَعته واذا قلت شَتَرتُ عيْنَه لم تَعْرِض لشَتِر الرجُلُ وانَّما جاء ببناء على حدةٍ كأنه قال جعَلْت فيه شَتَراكما أنك اذا قلت طَرَدْته وأطْرَدْته فهما مختلِفانِ ومثل ذلك عَوِرَتْ عَيْنه وعُرْتها وعُرْتها ليس بتغْيِير عَوِرتْ عينُه وقد قالوا حِينَ أرادُوا التغييرَ والنقْلَ لعَوِرتْ عينُه أعْوَرْت عينه ومثله سَوِدْت أى اسْودَدْتُ هذا معناه وسُدْت غيْرِى وسَوِدْت أنا وسُدْت غيرى أى سَوَّدته قال نُصيْب

سَوِدْتُ فلم أَمْلِكْ سَوادِى وتحْتَه

قَمِيصٌ من القُوْهِىِّ بِيضٌ بَنائِقُهْ

وقال بعضهم سُدْت يريد فَعُلْت تحصيلُ هذا أنه يقال اسْوادَدْت واسْودَدْت وسَوِدْت وسُدْت بمعنًى واحدٍ وذلك كلُّه غيرُ متعدٍّ يقال من لفْظة سُدْت سادَ يَسُود في معنى اسْوَدَّ يَسْوَدُّ فاذا أردتَ المتعدِّى جاز أن تقُول سُدْتُه وسَوَّدْته فأما سُدْته فجعلت فيه سَوَادا وأمَّا سَوَّدته فجعَلْته أسْودَ* قال أبو على* وقد رُوِى بيتُ نُصَيب سُدْت على احتِمال الثَّرْم وقالوا عَوَّرْته كما قالوا فَرَّحته وقالوا جَبَرت يدُه وجَبَرْتها وركَضتِ الدابَّةُ ورَكَضْتها ونَزَحتِ الرَّكِيَّة ونَزَحتها وسارَ الدابَّةُ وسِرْتُه وقالوا رَجُسَ الرجُلُ ورَجَسْته وبعضٌ يقول رَجُسَ ـ اذا صار نَجِسا ونَقَص الدِّرهمُ ونَقَصته وغاضَ الماءُ وغِضْته وقد ذكر نحو هذا وسأفرِد لهذا بابا ان شاء الله والمتعدِّى منه ليس لعى طريقِ النقْل والتغيِير لما لا يتعَدَّى ولكن على معنى جعَلْت ذلك الفِعلَ فيه وقد جاء فَعَّلته اذا أردتَ أن تجعله مُفْعِلا وذلك فَطَّرته فافْطَرَ وبَشَّرته فأبْشَرَ وهذا النحو قليل ومعنى ذلك أنه جعَل فَعَّلْته نقْلا لأفعلْتُ والباب أن يكون نقلا لفَعَلْت كما يقال عَرَفَ وعَرَّفته ونَبُل ونَبَّلته وفَرِح وفَرَّحته وأمَّا خَطَّأَته فانما أردْتَ سمَّيته مُخْطِئًا كما أنك حيثُ قُلتَ فَسَّقته وزَنَّيته ـ أى سمَّيته بالزنا

١٦٨

والفِسْق كما تقول حَيَّيته أى استَقْبلته يحَيَّاك اللهُ كقولك سَقَّيته ورَعَّيته أى قلت له سَقَاك اللهُ ورَعَاك والباب فيما نسبته الى الشىء أن يكون على فَعَّلت كقولك لَحَّنته وخَطَّأْته وصَوَّبته وجَهَّلته ومثله ما يُدْعَى به له أو عليه كقولك جَدَّعته وعَقَّرته ـ أى قلت له جَدَعك اللهُ وعَقَرك اللهُ وأَفَّفْت به ـ أى قلْتُ له أُفّ وقالوا أسْقيتُه فى معنى سَقَّيْته يعنِى به الدعاءَ له فدخلَتْ أفْعَلْت على فَعَّلت كما تدخُل فَعَّلت عليها لأن الباب في نقْل الفِعل وتغييرِه أفْعلتُ وقد استعملوا فيه فَعَّلت كفَرَّحت وفَزَّعت والبابُ في الدُّعاء والتسمِيَة فَعَّلت وقد أدخلُوا عليه أفْعَلْت فقالوا أسْقيْت له في معنى دعوتُ له بالسُّقْيا قال ذو الرمة

وقَفْتُ على رَبْعٍ لَمِيَّةَ ناقتِى

فما زِلْتُ أَبْكِى حَوْله وأُخاطِبُهْ

وأُسْقِيه حتَّى كادَ مما أُبِثُّه

تُكَلِّمُنى أحجارُه وملاعِبُهْ

ويجىءُ أفْعَلْته على أن تُعَرِّضه لأمر وذلك أقْتَلْته ـ أى عَرَّضته للقتْل ويجىءُ مثل قَبَرته وأقْبَرْته فقَبَرته ـ دفَنْته وأقْبَرته ـ جعلْت له قَبْرا ويقال سَقَيْته فشَرِبَ وأسْقَيْته ـ جعلتُ له ماءً وسُقْيَا* قال الخليل* سَقَيته مثلُ كسَوْته وسَقَّيته مثلُ ألْبَسْته وقال بعض أهل اللُّغة لا فرقَ بينهما وأنشد للبيد

سَقَى قَوْمِى بنِى مَجْدِ وأسْقَى

نُمَيْرا والقَبَائِلَ من هِلَالِ

* قال سيبويه* وتقول أَجْرَبَ الرجُلُ وأنْحزَ وأحالَ ـ أى صارَ صاحِبَ جَرَبٍ وحِيَالٍ ونُحَازٍ في مالهِ* وهذا الباب يجىءُ على أربعةِ أوجهٍ منها أن يكونَ الرجُلُ صاحِبَ شئ بتلكَ الصِّفة كقولنا رجل مُشِدٌّ ومُقْطِف ومُقْوٍ ـ أى صاحِبُ ابِلٍ قويَّة وخَيْلٍ تَقْطُف وابِلٍ شِدَاد وعلى هذا يُقال امرأةٌ مُطْفِل ـ أى لها أطْفالٌ وظَبْيةٌ مُشْدِنٌ ومُغْزِل ـ أى ولَدُها غَزَال وشادِنٌ ومن ذلك يقال فلانٌ خَبِيثٌ مُخْبِث ـ أى هو خَبِيث في نَفْسه وله أصحابٌ خُبَثاءُ وعلى هذا قراءة من قرأ لِتُرْبُوا أى لتَصِيرُوا ذَوِى رِبًا ومنها أن يُقال لمن يُصادِف الشىءَ على صِفَةٍ أفْعَلْته ـ أى صادَفْته كذلك كقولك أبْخَلْت الرجُلَ ـ أى وجدْتُه بخيلا وروى أن عَمْرو بنَ معدِى كَرِبَ سأل مُجاشِعَ بنَ مسعُودٍ السُّلَمىَّ بالبَصْرة فأعطاه فمَدح بَنِى سُلَيْم فقال سأَلْناكُم فما أبْخَلْناكم وقاتَلْناكُم فما أجْبَنَّاكم وهاجَيْناكم فما أفْحَمْناكم ـ أى

١٦٩

ما وَجَدْناكم بُخَلاءَ ولا جُبَناءَ ولا مُفْحَمِين ومنها أن يأتِىَ وَقتٌ يُستَحَقُّ فيه شئٌ فيقال لمستحِقِّه ذلك كقولك أَصْرَم النخلُ وأمْضَغَ وأحْصَدَ الزرْعُ وأجَزَّ النخلُ وأقطَعَ ـ أى قد استَحَقَّ أن يُصْرَم ويُمْضَغ ويُحْصَد ويقال في قولهم أَلَامَ الرجلُ ـ أى صار صاحِبَ لائِمةٍ وألَامَ ـ أى صاحَبَ من يلُومه فاذا صار له لُوَّام قيل مُلِيم كما يقال لصاحب الابِلِ الجَرْباء مُجْرِب ويقال إنَّه قيلَ له ألَامَ لأنَّه استَحقَّ أن يُلامَ فصارَ بمنْزِلة قولِهم أصْرَم النخْلُ* والرابع أن يُقالَ أفعَلَ من الدُّخول في الشىءِ كقولهم أفْجَرْنا ـ أى دَخَلنا في وقتِ الفَجْر وأمسَيْنا وأصْبَحْنا وأظْهَرْنا ـ دخَلْنا في المَساءِ والصَّباح والظُّهْر ومنه يقال أشْمَلْنا وأجْنَبْنا وأصْبَيْنا وأدْبَرْنا ـ اذا دخَلْنا في الشَّمَال والجَنُوب والصَّبا والدَّبُور ويقال أشهَرْنا ـ اذا دخَلْنا في الشَّهْر قال الشاعر

ما زِلْتُ مُذْ أشْهَرَ السُّفَّارُ أنْظُرهُم

مثْلَ انتظار المُضَحِّى راعِىَ الابِلِ

وانما يستَعْمل ذلك في الأوقاتِ وما جَرَى مَجْراها* قال سيبويه* وتقول لما أصابه هذا نَحِزٌ وجَرِبٌ وحالَتِ الناقةُ يعنى أنه ليس يقال للبَعِير الذى أصابَه الجَرَب فى نَفْسه مُجْرِب ولا الذى أصابَهُ النُّحَاز مُنْحِز انما يقالُ مَنْحُوز والمُنْحِزُ صاحِبُه والنُّحَاز ـ السُّعَال وفي غير ذلك اذا لم يكُنْ على الوجه الذى ذكرْنا لَامَ الرجُلُ صاحبَه وصَرَم النخْلَ وجَزَّه وقَطَعه وما أشبه ذلك ومثل ذلك «أَسمَنْتَ وأكْرَمْت فارْبِطْ» يقال ذلك للرجُل اذا وجدَ شيأً نَفِيسا يُرْغَب فيه أن يتمسّك به فمعنى أسمَنْت ـ أى وجَدْت سَمِينا وأَكْرَمْت ـ أى وجَدْت فَرَسا كرِيما وغيْرَ فَرَس فارْبِطْ ـ أى اتخِذْه وأمَّا أحْمَدْته فوجَدْته مستَحِقًّا للحَمْد منى* قال* وقالوا أَرَابَ كما قالوا أَلَامَ ـ أى صار صاحِبَ رِيبةٍ كما قالوا أَلَام ـ استَحَقَّ أن يُلَام وأمَّا رابَنِى فتقول جَعَلَ فِىَّ رِيبةً كما تقول قَطَعت النخلَ ـ أى أوصَلْت اليه القَطْع فأرَابَ غيرُ مُتعدٍّ ورابَ متَعدٍّ لا تقُلْ أرَابَنِى لأنك لم تَفْعَل به الارابةَ وانما استوْجَبْت الرِّيبَة أو صِرْت صاحبَ رِيبةٍ وقال بعض أهل اللغة رَابَنِى ـ اذا تَبَيَّنَتْ منه وأرَابَ ـ اذا اتُّهِم بها ولم تتبَيَّن ولذلك قال بعض الشعراء

أخُوكَ الذى إنْ رِبْتَه قال انَّما

أَرَبْتَ وإن عاتَبْته لانَ جانِبُهْ

١٧٠

فمعناه ان تبَيَّن منك رِيبةً قال لم أتبَيَّنْ بعدُ ومثل ذلك أبَقَّتِ المرأةُ وأبَقَّ الرجلُ ـ اذا كثُرَ أولادُهما وهو يدخل في باب المُنْحِزِ والمُجْرِب أى لهما أولادٌ كثيرٌ وان جئت بالفعل من ذلك قلت بَقَّت المرأةُ ولَدًا وبَقَقْتُ كلامًا كقولك نَثَرَتْ ولَدا ونَثَرْتُ كلاما ومثل المُجْرِب والمُقْطِف المُعْسِر والمُوْسِر والمُقِلُّ وأما عَسَّرْته ـ فمعناه ضَيَّقت عليه ويَسَّرته ـ وسَّعْت عليه* وقد يكون فَعَلْت وأفْعَلْت بمعنًى واحدٍ كأنَّ كل واحد منهما لغةٌ لقوم ثم تختَلِط فتُستعملُ اللُّغتان كقولك قِلْتُه البيعَ وأقَلْته وشَغَله وأشْغَلَه وصَرَّ أُذُنَيْه وأصَرَّ ـ اذا أقامهما وبَكَرَ وأبْكَرَ وقالوا بَكَّرَ فأدخلُوها مع أبْكَرَ فبَكَّر أُدْخِلَ مع أبْكَرَ كما قالوا أَدْنَف فبَنَوْه على أفْعَلَ وهو من الثلاثَة ولم يقولوا دَنِفَ وهذا عَقْد سيبويه وأُحَلِّله يريد أن البابَ في الأمراضِ أن تجىءَ على فَعِلَ ولم يَستَعْمِلُوا ما يوجِبُه البابُ وهو دَنِفَ واستعملوا أَدْنَفَ وقالوا أشْكلَ أمرُك ولم يستعملوا غيْرَه وقالوا حَرَثْتُ الظَّهْرَ ـ أى أتعَبْته والظَّهْر ـ المَرْكوبُ وأحْرَثت* قال سيبويه* ومثل أدْنَفْت أصْبَحْنا وأفْجَرْنا وأمسَيْنا شبَّهوه بهذه التى تكونُ في الأحْيانِ كأنَّ مَعْناه دخَلْت في وَقْت الدَّنَف كما دخَلْت في وقْت السحَر* قال* ومثل ذلك نَعِمَ اللهُ بِكَ عَيْنا وأنعَم اللهُ بكَ عيْنا فهذا من باب فَعَلْت وأفْعَلْت بمعنًى واحد يقال إن قوما من الفُقَهاء كانوا يَكْرَهُون استعمالَ هذه اللفظةِ وهى نَعِمَ اللهُ بك عَيْنا لأنه لا يستَعْمَل في الله نَعِمَ اللهُ وللقائل أن يقول الباء في بك بمنزِلة التعدِّى ألا ترى أنك تقولُ ذهَبَ الله به وأذْهبَه ومعناهما واحدٌ وزُلْت به من مكانِه وأزَلْته وتقول غَفَلْت ـ أى صِرْت غافِلا وأغْفَلْت ـ اذا أخبَرْتَ بأنك تركْتَ شيأ ووَصَلَتْ غفلَتْك اليه وقد يقال أغْفَلْت الانسان ـ اذا وجدْتَه غافِلا كما تقول أجْبَنْته ـ اذا وجدتَه جَبَانا وعلى ذلك يحمل قوله تعالى (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) أى وجدناه غافِلاً وغَفَلْت عنه بمعنى أغْفَلْته اذا تركْتَه ومثل ذلك لَطَف له وألْطَف غيْرَه ولَطَف به كغَفَل عنه وألْطَفَه كأغْفَله ولَطَف له بمعنى تَلَطَّف له ورَفَق به ويقال بَصُرَ الرجلُ فهو بَصِير ـ اذا خَبَّرت عن وُجُود بصره وصِحَّتِه لا على معنى وقُوع الرُّؤْية منه لأنه قد يقال بَصِير لمن غَمَّض عينَه ولم يَرَ

١٧١

شيْئا لصحة بصَره فاذا قلت أبْصَرَه أخبَرْت بوُقُوع رُؤْيتِه على الشئ وتقول وَهَم يَهِمُ وأوْهَم يُوهِم ووَهِم يَوْهَم فأما وَهِمَ يَوْهَم فهو الغَلَط في الشىءِ تقول وَهِمْت في الحِساب أَوْهَمُ وَهَما ـ اذا غَلِطْت فيه ووَهَمْت الى الشىءِ ـ اذا ذَهَب قلبِى اليه أَهِمُ وَهْما وأوْهَمْت الشىءَ أُوهِمُه إيهامًا ـ اذا تركْتَه كلَّه وقد يجىء فَعَّلْت وأفعَلْت في معنًى واحد مشتَرِكيْنِ كما جاآ فيما صيَّرته فاعلا وذلك وَعَّزت اليه وأوْعَزْت وخَبَّرت وأخبَرْت وسَمَّيت وأسْمَيْت فقد اشتَرَكا في هذا كما اشتركا في بابِ نقْل الفاعِلِ الى المفعُولِ فى قولك غَرَّمته وأغْرَمْته وفَرَّحته وأفْرَحْته وليس هذا من ذاك وقد يجِيان مفتَرِقَيْنِ من معنًى واحدٍ فيكون لكل واحد منهما غيرُ معنى الآخَرِ كقولك عَلَّمته وأْعَلْمته فعَلَّمت أدَّيْت وأعلمت آذَنْت وتقول آذَنْت أعْلمت وأذَّنت ـ اذا ناديتَ للصلاةِ وبعضُ العرب يُجْرِى أذَّنْت وآذَنْت مُجْرَى سمَّيت وأسمَيْت وتقول أمْرضْتُه ـ أى جعلته مَرِيضا ومَرَّضته ـ أى قمتُ عليه وولِيتُه ومثله أقْذَيتُ عينَه ـ أى طرَحْت فيها القَذَى وجعلتها قَذِيَةً وقَذَّيتها ـ نَظَّفتها وقد قيل في قول الله تعالى (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) أُذْهِبَ الفَزَعُ عنها على معنى مَرَّضْته ـ أى أزَلْت مرضَه وتقول أكثَرَ اللهُ فينا مثلك كثيرًا (١) وأما كَثَّر فمعناه جَعَلَ القلِيلَ كثيرا وكذلك أقْللْت وقَلَّلت فأما أقْلَلت فمعناه جئتُ بقَلِيلٍ وكذلك أوْبَحْتَ ـ أى جئت بَوتَحٍ قليلٍ وقَلَّلت ـ أى جَعَلْت الكثير قليلاً وهو في معنى صَيَّرت وقد يقال أقْللْت وأكْثَرْت في معنى قَلَّلت وكَثَّرت وتقول أصبَحْنا وأمْسَيْنا وأسْحَرْنا وذلك اذا صِرْت في حِينِ صُبْحٍ ومَساءٍ وسَحَر وقد مضى نحوُ ذلك وأما صَبَّحناه ومَسَّيناه وسَحَّرناه فمعناه أتَيْناه صَبَاحا ومَسَاء وسَحَراء ومثله بَيَّتناه ـ أتَيْناه بَيَاتًا* وما بُنِى على يُفَعَّلُ يُشَجَّع ويُجَبَّن ويُقَوَّى ـ أى يُرْمَى بذلك معناه أنه يُذْكَر ويُنْسَب اليه كما تقول يُفَسَّق ويُضَلَّل ومثله قد شُيِّع الرجُلُ أى قد رُمِى بذلك والمُشَيَّع ـ الشُّجاع كأنه نُسِب الى الشَّجاعة وقِيلَتْ فيه وقالوا أغْلَقْت البابَ وغَلَّقت الأبوابَ حِينَ كَثَّروا العملَ وسترَى ذلك في باب فَعَّلت وان قلت أغْلَقْت الأبوابَ كان عربِيًّا جَيِّدا قال الفرزدق

ما زِلْتُ أُغْلِقُ أبوابًا وأَفْتَحُها

حتى أتَيْتُ أبا عَمْرِو بنَ عَمَّارِ

__________________

(١) قوله وتقول أكثر الله فينا مثلك كثيرا) يظهر أن في الكلام نقصا وعبارة سيبويه وتقول أكثر الله فينا مثلك أى أدخل الله فينا كثيرا مثلك اه كتبه مصححه

١٧٢

* قال أبو على* اعلم أن اللَّفظ الذى يُدَلُّ به على التكثير هو تشدِيدُ عينِ الفِعْل فى الفِعْل وإن كان قد يَقَع التشديدُ لغير التكثِير كقولنا حَرْكته ولا نُرِيد تكثيرًا فممَّا يُدَلُّ به على التكثير أنك تقولُ أغلَقْت البابَ الواحدَ ولا تقول غَلَّقته وتقول ذَبَحْتُ الشاةَ ولا تقول ذَبَّحتها وتقول ذَبَّحْت الغنَمَ وأما سائرُ الافعال فليس فيها دِلالةٌ على أحدهِما وهى تقَعُ للكثيرِ والقليلِ فمن أجل ذلك يجوز أن تستَعْمِلَها للكثير فتريد بها ما تريد بالمشدَّد ومن أجل ذلك أُغْلِق أبوابًا وقوله أفْتَحُها بمعنى أُفتِّحها وقد أعاد سيبويه هذا البيت بعَيْنه في باب فَعَّلت شاهدا في أن أَفْتَحُها في معنى أُفَتِّحها وفي هذا الموضع أُغْلِق في معنَى أُغْلِّق وقد استعملوا أنْزَل ونَزَّل في معنًى واحدٍ وقد يستعمل نَزَل في معنى التكثِيرِ فأما أنْزَل ونَزَّل بمعنًى واحدٍ غيرِ التكثير فقولُه عزوجل (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) وقال عزوجل «لو لا أُنْزِل عليه آيَةٌ من رَبِّه (قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً فهذا لغير التكثيرِ لأن آيةً واحدةً لا يقَع فيها تكثِيرُ الانْزال وكان أبو عمر ويَخْتار التخفيفَ في كل موضِع ليس فيه دِلالةٌ من الحض على التَّثْقيل الا في موضِعيْن أحدهما قوله عزوجل (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) اختار التثقيلَ في هذا لأنه تَنْزِيل بعدَ تنْزِيل فصار من بابِ التكثيرِ والموضِعُ الآخرُ (وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) فاختار التشديدَ في (يُنَزِّلَ) حتى يشاكل (نُزِّلَ) لأن المعنى واحدٌ فالاول الذى في الْحِجر للتكثير وهذا للمُطابَقة وليس للمُطابَقة تكثيرٌ وقد يجوز أن يكونَ بَيَّن في معنى أبانَ ويجوز أن يكونَ للتكْثِير

هذا باب دُخُول فَعَّلت على فَعَلت

لا يَشْرَكُه في ذلك أفْعلْت

تقول كَسَرته وقَطَعته فاذا أردْت كَثرةَ العَمَل قلت كَسَّرته وقَطَّعته ومَزَّقته وانما يدُلُّك على ذلك قولهم عَلَّطْت الابلَ وإبِلٌ مُعَلَّطة وبعِيرٌ مَعْلُوط ولا يقال مُعَلَّط لأنَ

١٧٣

الابلَ كثير فقد تَكَرَّر فيه العِلَاط وعلى هذا شاةٌ مذبوحٌ وغَنَم مُذَبَّحة وباب مُغْلَق وأبوابٌ مُغَلَّقة وجَرَحتِ الرجلَ ـ اذا جَرحْته مَرَّة أو أكثَرَ وجَرَّحته ـ اذا أكْثَرت الجِراحاتِ في جسَده وقالوا ظَلَّ يُفَرِّسها السَّبُع ويُؤَكِّلُها ـ اذا أكثَرَ ذلك فيها وقالوا مَوَّتَتْ وقَوَّمَتْ ـ اذا أردْتَ جَمَاعةَ الابِل أنَّها ماتَتْ وقامَتْ وقالوا وَلَدت الشاةُ ووَلَّدتِ الغنَمُ لأنها كثيرةٌ وقالوا يُجَوِّل ويُطَوِّف ـ يُكْثِر الجَوَلان والطَّواف* واعلم أنَّ التخفيفَ في هذا كلِّه جائزٌ عربىٌّ الا أن فَعَّلت إدخالُها هُنا أجودُ ليبَيِّن الكثيرَ وقد يدخُل في هذا التخفيفُ كما أن الرِّكْبةَ والجِلْسة قد يكون معناهما في الرُّكُوب والجُلُوس ولكن بيَّنوا بها الضَّرْبَ فصار بناءً خاصّا له كما أن هذا بناءٌ خاصٌّ للتكثير أعنى أن التخفيفَ قد يجوزُ أن يُراد به القليلُ والكثيرُ فاذا شدَّدت دَللتَ به على الكثير وقد مضى هذا كما أن الرُّكوبَ والجُلُوس قد يقَع لِقَليل الفِعل وكثيرِه ولجميع صُنُوفه فاذا قلت الرِّكْبة والجِلْسة دَلَّ على هَيْئته وحالهِ واذا قلت الرَّكْبة والجَلْسة دلَّ على مرَّةٍ واحدةٍ والجُلُوس قد يجوز أن يرادَ به المرَّة ويجوز أن يُراد به المصدَر الذى تقَع عليه الجِلْسة فصار اختصاصُ الجِلْسة بشئٍ خاصٍّ كاختِصاص يُطَوِّف ويُجَوِّل بشئٍ خاصٍّ وصار الرُّكُوب والجُلُوس بمنزلة يَجُول ويَطُوف في أنه يصْلُح للامرين* قال سيبويه* وكما أن الصَّرْف والرِّيح قد يكون فيه معنى صَرْفة ورائِحة يريد أنك اذا قلت صَرَفْته صَرْفا فقد يجوز أن تُرِيد به المرةَ وهى الصَّرْفة واذا قلت شَمِمت رِيحًا فيجوز أن تُرِيد به معنَى الرائِحة كأنه جعل الرائِحةَ للواحدةِ والرِّيح للجنس وهذا في أكْثر الاستعمال قال الله عزوجل (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) فعبر عنها بالرِّيح وهو الكثِيرُ وأما الرائِحةُ فأكثَرُ ما يستَعْمل مما يَفُوح في دُفْعةٍ واحدة ثم أنشد

* ما زِلْت أفْتَحُ أبوابًا وأُغْلِقها*

ثم قال وفُتَّحت في هذا أحسَنُ كما أن القِعْدة في ذلك أحسَنُ لأن اللفظَ الخاصَّ الموضُوعَ لمعنًى أكْشَفُ لذلك المعنَى من أن تأتِىَ بمُبْهَم وقد قال الله عزوجل (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) وقال (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) فهذا وجه فَعَلت وفَعَّلت مبَيَّنا في هذه الابواب وهكذا صفتُه وهذا الباب جُمْهوره أو عامَّتُه

١٧٤

تحليلُ أبى على وأبى سعيدٍ (ثم نذكرُ بِنَاءَ ما طاوَعَ) فالذى يكون فِعْلُه على فَعَل يكون على انْفَعل وافْتَعل والباب فيه انْفَعل وافْتَعلَ قليلٌ تقول كَسَرته فانْكَسَر وحَطَمته فانْحَطم وحَسَرته فانْحَسر ودَفَعْته فانْدَفع ومعنى قولِنا مُطاوَعة أن المفعولَ به لم يمتَنِعْ ممَّا رامه الفاعلُ ألا ترى أنَّك تقول فيما امتَنع مما رمتَه دفَعْته فلم يَنْدَفِع وكَسَرته فلم يَنْكَسِر أى أورَدْت أسبابَ الكسر عليه فلم تُؤَثِّرْ وتقول شَوَيته فانْشَوى وبعضهم فاشْتَوى بمعنى انْشَوى وقد يقال اشْتَوَيتُه في معنى شَوَيته ـ أى اتَّخذته مَشْوِيًّا وكذلك اطَّبَخْت في معنَى طبَخَت ـ أى اتَّخَذت طبِيَخا وتقول غَمَمته فاغْتم وانْغَمَّ عربِيَّةٌ وصَرَفته فانصرَفَ* وأما أفْعَلت الشىءَ فمطاوعه هو الفِعْل الذى دَخَل عليه أفْعَلت كقولك أدْخَلته فدَخَل وأخْرَجْته فَخرَج غير أن الاصلَ في قولك قَطَعته فانْقَطع قَطَعت فانقَطَع فَرْعُه المُطاوِعُ وقوله أَدْخَلته فدَخَل الاصل دَخَل وقولك أدْخَلته أى صيَّرته داخِلا ورُبَّما استُغْنِى عن انفَعَل في هذا البابِ فلم يستعمل وذلك قولُهم طَرَدته فذَهَب ولا يقولُون انْطَرد ولا فاطَّرَد كما استغنوا بتَرَك عن وَدَع ونظيرُ هذا من المُطاوَعة فَعَّلْته فتَفَعَّل كقولك كَسَّرته فتَكَسَّر وعَشَّيته فتَعَشَّى وغَدَّيته فتَغَدَّى وفي فاعَلْته تَفَاعلَ كقولك نَاوَلْته فتَنَاوَل وفُتِحت التاءُ لأن معناه معنَى الافْتِعال والانْفِعال يعنى تاءَ تَفَاعل فُتحت لأنها أوّلُ فِعْلٍ ماضِ سمِّى فاعِلُه وان كانَت زائدةً للمطاوَعةِ كالانْفِعَال والافْتِعَال وليست بالفِ وصْل دخولُها لسُكون ما بعدَها ونظير ذلك في بنَاتِ الأربعة على مِثال تَفَعْلَلَ نحو دَحْرجْته فتَدَحْرَج وقَلْقَلْته فَتقَلْقلَ ومَعْدَدْته فتَمْعدَد وصَعْرَرته فتَصَعْرَر ومعنى مَعْدَدته أى حَمَلته على الخُشُونة والصَّلابة قال الشاعر

رَبَّيتُه حتَّى اذا تَمَعْدَدا

وآض نَهْدا كالحِصانِ أجْرَدا

* كانَ جزائِى بالعَصَا أن أُجْلَدا*

وصَعْرَرته ـ دَوَّرته* قال* وأما تَقَيَّس وتَنَزَّر وتَتَمَّم فانما يجْرِى على نحو كَسَّرته كأنه قال تُمِّم فتَتَمَّم وقُيِّس فتَقَيَّس ونَزَّرهم فتَنَزَّروا ومعنى قُيِّس ـ أى نُسِب الى قَيْس بنِ عَيْلانَ بنِ مُضَر وتُمِّم ـ نُسِب الى تَمِيمِ بنِ مُرٍّ ونُزِّر ـ نُسِب الى نِزَار وتَقَّيس ـ انتَسَب الى قَيْس وتَتَمَّم ـ انتَسَب الى تَمِيم وتنَزَّر ـ انتَسَب الى

١٧٥

نِزَار وقال ذو الرمة

اذا ما تَمَضَّرنا فما الناسُ غَيْرُنا

ونُضْعِف إضعافا ولا نَتَمضَّر

أى انتسَبْنا الى مُضَر* قال سيبويه* وكذلك كلُّ شئٍ كان على زِنة فَعْلَلةٍ عددُ حُروفه أربعةٌ ما خَلَا أفْعَلْت فانه لم يُلْحَق بِبِنَات الأربعةِ يريد أن كلَّ شئٍ من الفعل كان ماضِيه على أربعةِ أحرُفٍ يجوز أن يُزَاد في أوّله التاءُ ما خلا أفعَلْت فانه لا يُزاد فيه التاء والذى تُزَاد فيه التاء ثلاثة أبْنِيَة فعْلَلْت وما أُلْحِق به نحو دَحْرَجْت وسَرْهَفْت وعَذْلَجْت تقول فيه تَسَرْهفَ وتعَذْلَج وفاعَلْت كقولك عالَجْته فتَعَالَج وفَعَّلْت كقولك كَسَّرته فتَكَسَّرَ ولا تقَع زيادةُ التاء في باب أفْعَلْت لا تقول أكْرَمْته فتَأَكْرَم ولا يجوز ذلك

هذا بابُ ما جاء فُعِل منه على غير فَعَلت

وذلك نحو جُنَّ وسُلَّ وزُكِمَ ووُرِدَ ومعنى وُرِدَ حُمَّ وكذلك رُعِدَ ومَرْعُود ومَوْرُود ومَحْمُوم بمعنًى واحدٍ وقالوا على هذا مَجْنُون ومَسَّلُول ومَحْمُوم ومَوْرُود وانما جاءتْ هذه الحروفُ على جَنَنْت وسَلَلْت وان لم يستَعْمَل في الكلام كما أنَّ رجُلٌ أقطَعُ جاء على قَطِعَ كما يُقال أعْوَرُ من عَوِرَ ولا يستعمل قَطِع استُغْنِى عنه بقُطِعَ وقال بعضهم رجل مَحْبُوب وكان حقه أن يقال في فِعْله حَبَبْته فهو مَحْبُوب كما يقال وَدِدته فهو مَوْدُود والمستعمل أحبَبْته وقد قال بعضهم حَبَبْته قال الشاعر

فَو اللهِ لو لا تَمْرُه ما حَبَبْته

ولا كانَ أدْنَى من عُبَيْدٍ ومُشْرِقِ

ويروى* وكان عِيَاضٌ منه أدْنَى ومُشْرِقُ* وقد ذكر أبو العباس محمدُ بنُ يزِيد المبرد في الكامل أن أبا رَجَاء العُطَارِدىَّ قرأ (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي) يَحِبُّكم اللهُ وذكر أن فيه شيئين من المخالَفة أحدُهما أنه فتَح الياءَ من يُحِبُّكم والآخَر أنه أدغَم وذكر غير سيبويه أن هذه الاشياء التى ليسَتْ من أفعال الآدميين وقد جاءت على مَفْعول وفِعْله مما لم يُسَمَّ فاعِلُه اذا نُسِب الفعلُ الى الله عزوجل كان على أفْعَلَ نحو أجنَّه اللهُ وأسَلْه وأزْكَمَه وأوْرَدَه ـ أى فَعَل اللهُ به ذلك ومما أورده غير سيبويه من هذا النحو مَحْزُون ومَزْكُوم ومَكْزُوز ومَقْرُور* قال أبو عبيد*

١٧٦

وانما ذلك لأنهم يقولون في هذا كله قد فُعِل ثم بُنِى مفعُول على هذا قال ولا يقولون حَزَنه الأمرُ ويقولون يَحْزُنه وهذا خُلْف من نَقْله وانما أوردته للتحذير من اعتِقاده وقد قدَّمت من كلامِ سيبويه ما دَلَّ على ذلك وحَزَنه مَقُولة كثيرةٌ* أبو عبيد* وكلُّ هذا يقال فيه مَفْعُول ولا يقال مُفْعَل الا حرفٌ واحدٌ وهو قول عنترة

ولقد نَزَلْتِ فلا تُظنِّى غيرَه

منِّى بمنزِلة المُحَبِّ المُكْرَم

وقال أزْعَقْته فهو مَزْعوق على هذا القياس حكاها عن الاموى* وقال غيره* زَعَقْته بغير ألفٍ فانْزَعَق ـ أى فَزِعَ فاذا كان هذا فمَزْعوق على القياس وأنشد

تَعَلَّمنْ أنّ عليك سائِقَا

لا مُبْطِئًا ولا عَنِيفا زاعِقَا

* لَبًّا بأعْجازِ المَطِىِّ لاحِقَا*

اللَّبُّ ـ اللازِمُ لها لا يفارِقُها يقال رجلٌ لَبٌّ وامرأةٌ لَبَّة ـ لطيفةٌ قريبةٌ من الناس* قال* وقال الفراء بُرَّ حَجُّك فهو مَبْرُور فاذا قالوا أبَرَّ اللهُ حَجَّك قالوا بالالف فهو مَبْرور وقالوا المَبْروز من أبْرزْتُ وأنشد

أوْ مُذْهَبٌ جُدَدٌ على ألواحِنَّ

النَّاطِق المَبْرُوز والمَخْتُوم

وقال المَضْعوف من أضْعَفْت قال لبيد

وعالَيْنَ مَضْعُوفا ودُرًّا سُمُوطُه

جُمَانٌ ومَرْجانٌ يَشُدُّ المفاصِلَا

* أبو على* يَشُكُّ ويَشُدُّ وقد قدمت تفسير معنَى البيتِ في باب الحَلْى ومن هذا الباب أمْرَضه اللهُ من المَرَض وآرَضَه من الأَرْضِ ـ وهو الزُّكام وأملَأَه من المُلَاءة وأضْأَده من الضُّؤْدة وكله الزُّكامُ وكل هذا يقال فيه مَفْعول ولا يقال مُفْعَل وكذلك مَهْمُوم من أهَمَّه الله تعالى

هذا بَاب دُخولِ الزِّيادة في فَعَلْت

اعلم أنك اذا قلت فاعَلْته فقد كانَ من غيْرِك اليك مِثْلُ ما كان منكَ اليه حين قلت فاعَلْته ومثل ذلك ضارَبْته وفارَقْته وعازَّنِى وعازَزْته وخاصَمْته وكذلك سائر ما يكون الفعل فيه بين اثنين كقاتَلْته وشاتَمْته وما أشبهَ ذلك فان غَلَب أحدهما كان فِعلُه

١٧٧

على فَعل يَفْعُل وان كان المستعمَل في الأصل على يَفْعِل ولذلك قال سيبويه واعلم أن يَفْعلُ من هذا الباب على مثال يَخْرُج تقول خاصَمَنِى فَخَصمْته أخْصُمُه وتقول غالَبنِى فغَلَبته أَغْلُبه وشاتَمَنى فشتَمْته أشْتُمه الا أن يكون فيه من الحُرُوفِ ما يلزم فيه يَفْعِل أو يَفْعَل فيَجْرِى عليه فمن ذلك ما لامُه أو عينُه ياءٌ أو فاؤُه واوٌ فانه يجىء على فَعَل يَفْعِل لأن ذلك يلزم فيه في الأصل قياس لا يَنْكسِر فتقول بايَعنِى فبِعْته أبِيعُه ورَامَانى فرميْته أَرْمِيه وواعدَنى فوعَدْته أَعِده وواخَدَنِى فوخَدْته أخِدُه* قال سيبويه* وليس في كل شئ يكونُ هذا ألا ترى أنك لا تقُول نازعَنِى فنَزَعْته استُغْنِى عنها بغَلَبْته وأشباه ذلك* ومما جاء من هذا الباب قولُك طاوَلْته فطُلْته أَطُولُه وتقول طَالَ زيْدٌ عمرًا اذا غالَبَه في الطُّول فغَلَبه ويكون الفعلُ متعدِّيا فان لم تُرِدْ هذا لم يتعَدَّ فعلُه وكان على فَعُل يَفْعُل كقولك طالَ يَطُول فهو طوِيلٌ قال الشاعر

إنَّ الفَرَزْدقَ صَخْرةٌ عادِيَّةٌ

طالَتْ فلا تَسْطِيعُها الأوْعالا

معناه طالَت الأوعالَ على معنى غَلَبَتْها في الطُّول وكذلك من الطَّوْل الذى هو الفَضْل هذا عَقْد سيبويه* وزاد أبو عبيد أن كُلَّ ما كان فيه حَرْفٌ من حُرُوف الحَلْق من هذا البابِ فان قولك أفْعَلُه منه بالفتْح كقولك فاخَرَنى ففَخَرْته أفْخَرُه وقد تبينَّ من كلامنا أن هذا الباب حِفْظِىٌّ غيرُ مَقِيس وأنا أذكر ما سقَطَ الى من .... (١) كارَمنِى فكَرَمْته ـ أى كُنت أكْرَمَ منه وفاخَرنى ففَخَرتُه من المُفَاخَرة وشاعَرَنِى فشَعَرْتَه من الشِّعْر وخازَانِى فَخَزَيْته وشَاقَانِى فشَقَوْته وراضَانِى فَرَضَوْته لأنه من الرِّضْوان وساعَانِى فسَعَيْته وساوَدَنِى فَسُدْته من سَوَاد اللَّونِ والسُّودَدِ جميعا وبايَضَنِى فبِضْتُه من البَيَاض وفازَعَنِى ففَزَعْته ـ أى صِرْت أشَدَّ منه فَزَعا وناوَمَنِى فنِمْتُه وخاوَفَنِى فَخِفْته وخاشَانِى فَخَشَيْته وواضَأنِى فَوَضَأْته أَضُوءُه وواخَمَنِى فَوَخَمْته وواسَمَنِى فوسَمْته أَخِمُه وأَسِمُه وقد أصاب في أَخِمُه وأَسِمُه وأخطَأ في أَضُوءُه على ما بَيَّنت في القانون* وقال* ضارَبَنِى فضَرَبْته أَضْربُه وكذلك من العَقْل ومثله عالَمنِى فعَلَمْته أَعْلُمُه وواجَلَنِى فوَجَلْته أَجِلُه وفي الوَحَل مثلُه وواهَبَنِى فوَهَبْته أَهَبُه وأَهِبُه والفتحُ فيه أجودُ ومن الوعد واعَدَنِى فوَعَدْته* وقد تجىءُ فاعَلْت لا تُرِيد بها عمَلَ اثنيْنِ

__________________

(١) بياض بالأصل

١٧٨

ولكنهم بَنَوْا عليه الفِعْل كما بَنَوْه على أفْعَلْت كقولك ناوَلْته وعاقَبْته وعافَاهُ اللهُ وسافَرْت وظاهَرْت عليه ومعنى ظاهَرْت ـ أى أضْعَفْت عليه لِبَاسَه كقولك ظاهَرَ عليْهِ دِرْعَينِ وثَوبَيْنِ ـ أى جعَل أحدَهما ظِهَارة والآخَرَ بِطانةً ومن هذا قولهم تظَاهَرَتْ نِعَمُ اللهِ عليه وظاهَرْت كُتُبِى اليك ـ أى تابَعْت فصار بعضُها كالظَّهْر لبَعْض فصارتْ هذه الافعالُ كسائِر الأَبْنِية التى تَرِد فيما يتعَدَّى من الأفْعال كقولك أكْرَمْته وما أشبَهَ ذلك وقالوا ضاعَفْت وضَعَّفت وناعَمْته ونَعَّمْته كما قالوا عاقَبْته وتقول تَعَاطَيْنا وتَعَطَّيْنا فيكون تعاطَيْنا من اثنَينِ كأنك قلت عاطَيْته الكاسَ ـ أى أعْطانِى كَأْسا وأَعْطَيته مثلَها فاذا قلت تَعَطَّينا فقد أردتَ التكثِيرَ فى هذا المعنى* قال أبو على* ومن هذا الباب قولهم قارَبَ وقَرَّبَ وباعدَ وبَعَّدَ وعلى هذا قراءةُ من قرأ (رَبَّنا باعِدْ) وبَعِّدْ* قال سيبويه* وأما تفاعلْتَ فلا يكون الا وأنت تريد فعل اثنين فصاعدا ولا يجوز أن يكون معملا في مفْعُول ولا يتعدَّى الفِعْل الى منصوب ففى تَفاعَلْنا يُلْفَظ بالمعنَى الذى كان في فاعَلْته وذلك قولك تضَارَبْنا وترامَيْنا وتَقَاتَلْنا* قال أبو سعيد* اعلم أن فاعَلْته يجوز أن تكون من فِعْل متَعَدٍّ الى مفعُولٍ ثانٍ غيرِ الذى يفْعَل بكَ مثلَ فِعْلك ويجوز أن لا يكونَ متعَدِّيا إلى أكثَرَ كقولك ضارَبْت زيدا وشاتَمْته وليس بعدَ زيدٍ مفعولٌ آخَرُ فاذا قلت تَضارَبْنا وتَشاتَمْنا فقد ذكرتَ فِعْل كلِّ واحدٍ منكما بالآخَرِ ولا مفعولَ غيرُكما وهذا الذى أراد سيبويه أنه لا يكون مُعْملا في مفعُول وقد يجوز أن يكونَ الفِعل متعدِّيا الى اثنين في الأصل فيُؤْتَى بمفعُولٍ آخَرَ في قولك تَفاعَلْنا وذلك قولُك عاطَيْت زيدًا الكأس ونازَعْته المالَ فاذا جعَلْت الفِعلَ لنا قلت تَعاطَيْنا الكَأْسَ وتنَازَعْنا المالَ قال الشاعر

فلَمَّا تَنَازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ

هَصَزتُ بغُصْنٍ ذِى شَمارِيخَ مَيَّالِ

وقال الأعشى

نازَعْتُهمْ قُضُبَ الرَّيْحانِ مُرْتَفِقًا

وقَهْوةً مُزَّة راوُوقُها خَضِلُ

وقال ابن أبى ربيعة

ولَمَّا تَفاوَضْنا الحَدِيثَ وأسْفَرَتْ

وُجُوهٌ زَهاها الحُسْنُ أن تَتَقَنَّعَا

* وقد يجِىءُ تَفاعَلُوا وافْتَعَلُوا في معنًى واحِدٍ كقولك تَضارَبُوا واضطَربُوا وتَقاتَلُوا

١٧٩

واقتَتَلُوا وبَحاوَرُوا واجْتَوَرُوا وتَلَاقَوْا والْتقَوْا* وقد يجىء تَفاعَلْت بمعنى فعَلْت كما جاء عاقبْته ونحوُها وأنت لا تُرِيد بها الفِعلَ من اثنيْنِ وذلك قولك تقارَبْتُ من ذلك وتَرَاءيتُ له وتَقَاضَيته وتمَاريْتُ في ذلك ـ أى شَكَكت وتعاطَيْنا منه أمْرًا قَبِيحا* وقد يجىءُ تَفَاءَلْت ليُرِيَك أنه في حالٍ ليس فيها من ذلك قولك تَغَافَلْت وتَعامَيْت وتَعاشَيْت وتَعارَجْت وتكاسَلْت ـ اذا أرَيْتَ من نَفْسك ما ليس فيك قال

اذا تَخازَرْت ومابِى من خَزَرْ

ثُمَّ كَسَرْت العيْنَ من غَيْرِ عَوَرْ

ألْفَيْتَنِى ألْوَىَ بَعِيدَ المُسْتَمَرّ

أحْمِلُ ما حُمِّلْت من خيْرٍ وشَرّ

ومعنى تَخَازَرْت ـ أى صَغَّرت عيْنِى وما كانتْ صغِيرةً ويقال تذَاءبتِ الرِّياحُ وتَذَأبتْ ـ اذا جاءتْ من كلِّ وجْه

هذا بابُ استَفْعَلْت

* قال سيبويه* تقُول اسْتَجدْته ـ أى أصَبْته جَيِّدا واستَكْرَمته ـ أى أصَبْته كريمًا واستَعْظمْته ـ أى أصَبْته عظيما واسْتَسْمَنَه ـ أى أصَبْته سَمِينا وقد يجِئُ على غيرِ هذا المعنَى كما جاء تَذَاءَبتْ وعاقَبْتُ* قال أبو على* اعلم أن أصل استَفْعَلْت الشىءَ في معنى طَلْبته واستَدْعَيْته وهو الأكثَرُ وما خَرَج عن هذا فهو يُحْفَظ وليس بالبابِ* قال أبو على* وأنا أسُوقُه اليك على ما قاله سيبويه ويكون أيضا استَفْعلته على معنَى أصَبْته وهو كالبابِ فيه ولذلك قال سيبويه وقد يَجِىءُ على غير هذا المعنَى كما جاء تَذَاءَبتْ وعاقَبْت وليس بالباب وقد مضى الكلام فيه وتقول اسْتَلْأَم ـ اذا لَبِس اللَّأْمَة واستَخْلَف لأهْلِه كما تقول أخْلَف لأَهْله والمعنى واحدٌ* أبو على* استَقَى لهم* قال* وفي بعض النسخ كما قالوا استَسْقَى لهم وتقول استَعْطَيْت ـ أى طلبتُ العطِيَّة واستَعْتبْتُه ـ أى طلَبْت اليه العُتْبَى وهو الرِّضا من العَتْب واستَفْهَمْت ـ أى طلَبْت تفْهِيم وكذلك استَخْبرت واسْتَشرْت واسْتَخْرجته ـ أى لم أزَلْ أطلُب اليه حتى خَرَجَ وقد يقولون اختَرجْته شبَّهوهُ باقتَلَعْته وانتَزَعْته وذكر أبو بكر مَبْرَمانُ عن أصحابه الذين أخَذَ عنهم التفسيرَ أن استَخْرجتُه استدعَيْت خُرُوجه وَقْتا بعْد وقتٍ واخْتَرجْته

١٨٠