🚘

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

السيد أمير محمد القزويني

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

المؤلف:

السيد أمير محمد القزويني


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٣
🚘 نسخة غير مصححة

اختلاف آحاد المسلمين في آرائهم

سادسا : إنّ اختلاف آحاد المسلمين في آرائهم ، وتضاربهم في أهوائهم ، وتباينهم في مشتهياتهم ، يمنع منعا باتا من اتّفاقهم ، واجتماعهم ، على حسن شيء باختيارهم ، ليكون حسنا عند الله تعالى ، كما هو المنصوص عليه في الحديث. وهذا شيء لا سبيل إلى إنكاره ، بل تكاد ترى استحالته بباصرة عينك ، وتلمسه بأنامل يدك. فالقول بإمكان اجتماع جميع المسلمين المنتشرين في البقاع ، فضلا عن إمكان وقوع مثل هذا الاجتماع منهم جميعا باختيارهم على حسن شيء بعينه ، أمر لا يمكن تصديقه ، أيّا كان قائله.

ومن ذلك كلّه يتّضح لكم جليّا إنّ الواضعين لهذا الحديث غفلوا حينما وضعوه لتصحيح غير الصحيح إلى بطلانه ، وعدم إمكان تحقيق مدلوله ، فأخفقوا في صياغته وأساءوا إلى النبي (ص) بنسبتهم ذلك إليه (ص) إساءة يستمرّ شؤمها سرمدا ، فتعثّروا في وضعه عثرة لا تقال أبدا ، كما أساءوا إليه (ص) في وضع غيره من الأحاديث المكذوبة تزلفا منهم إلى الحكّام ، وتبصبصا حول العروش والتيجان ، وسعيا وراء الأصفر الرنان ، فذبحوا الدين ، وقضوا على الحقّ واليقين ، في سبيل

٤١

مطامعهم الدنيوية ، وتكالبهم عليها ، وقديما أنذر النبي (ص) بكثرة الكذابة عليه.

فالحديث موضوع لا أصل له ويستحيل صدوره عن رسول الله (ص) ، وأفضل الأنبياء (ع) ، وأعقل العقلاء ، لمخالفته للبداهة من جهة ، ولآيات كتاب الله تعالى من جهة أخرى.

قال : لقد كشفتم لنا وجه الصواب فيما أدليتموه علينا من آيات كتاب الله تعالى البيّنات ، وأحاديث رسول الله (ص) الصحاح الجياد ، وتحقّق لدينا بتلك الحجج والدلالات أنّه لا يمكن الأخذ بمدلول الحديث ، وإنّه لا يتناول ما فعله الصحابة برأيهم في السقيفة ، ولا يكون صغرى له ، ولكن نقول لكم : إذا كان المختار من الصحابة غير مختار لله تعالى فقد اختار الصحابة عليّا (ع) بعد عهد الخلفاء الثلاثة (رض) وجعلوه خليفة للنبي (ص) ، وإماما للمسلمين ، فإذا كان مثل هذا الاختيار غير صحيح عندكم كان اختيارهم عليّا (ع) لذلك أيضا غير صحيح ، لأنهما واحد موضوعا ، فيكونان واحدا حكما وقياسا؟!.

اختيار الشيعة عليا (ع) لم يكن لأجل اختيار الصحابة له (ع)

قلت : إنّ اختيار الشيعة عليّا (ع) إماما ، وخليفة بعد النبي (ص) ، لم يكن مستندا إلى اختيار الصحابة له (ع) لكي يأتي عليه ما أتى على غيره في إمامة الأمّة ، وخلافة الرسالة ، وإنّما كان مستندا إلى اختيار الله تعالى له (ع) بعد نبيّه (ص) ، وموافقة اختيارهم له (ص) لاختيار الله تعالى له (ع) ، لا يعني استناد اختياره إليهم إطلاقا. لذا ترانا قد عدلنا عمّن اختاره الناس في السقيفة إلى من اختاره الله تعالى ورسوله (ص) إماما ، وهاديا ، وخليفة لرسوله (ص)

٤٢

ولم يرض عنه (ع) بديلا ، ويدلّكم على صحّة اختيارنا هذا ما أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين البخاري ومسلم ص ١٢٩ من جزئه الثالث في باب فضائل علي (ع) عن النبي (ص) أنّه قال لابنته فاطمة (ع) : «يا فاطمة أما ترضين أنّ الله عزوجل اطّلع إلى أهل الأرض ، فاختار رجلين : أحدهما أبوك ، والآخر بعلك» وأخرجه محبّ الدين الطبري في (الرياض النضرة) من جزئه الثاني في باب فضائل علي بن أبي طالب (ع) وأخرجه أيضا في (ذخائر العقبى) في الباب نفسه. وفي حديث آخر أخرجه الطبراني في (جامعه الكبير) بإسناده إلى أبي أيوب الأنصاري عن النبي (ص) أنّه قال لها (ع) : «يا فاطمة أما علمت أنّ الله عزوجل اطّلع على أهل الأرض فاختار منهم أباك ، فبعثه نبيّا ، ثم اطّلع الثانية فاختار بعلك ، فأوحى إليّ فأنكحته ، واتّخذته وصيّا» وقد أخرجه المتقي الهندي في كتابه (كنز العمال) ص ١٥٣ من جزئه السادس وهو الحديث ٢٥٤١ من أحاديثه وأخرجه أيضا في ص ٣١ من منتخبه بهامش الجزء الخامس من (مسند الإمام أحمد بن حنبل) ونقله آخرون من حملة الأحاديث النبوية (ص) ، من أهل السنّة وصححوه.

فإذا كان علي (ع) هو الرجل الثاني الذي اختاره الله تعالى من أهل الأرض جميعا بعد نبيّه وصفيّه (ص) ، وإذا كان هو المنصوص عليه بالخلافة والوصاية بعده (ص). بحكم ما يأتي من النصوص الصحيحة الصريحة ، وما مرّ عليك من حديثه (ص) دون غيره ممّن تقدم عليه ، فكيف يمكن للشيعة أن تختار غيره من أهل الأرض كائنا من كان؟ بل وكيف يجوز للأمّة أو لآحادها أن تختار غيره وتقدّمه عليه ، وهو الذي اختاره الله تعالى بعد نبيّه (ص)؟!.

وفي القرآن يقول الله تعالى لهم كما تقدم (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) وقد أكّد القرآن هذا عليهم وأقرّه فيما مرّ

٤٣

(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) ، كما نهاهم كتاب الله من أن يقدموا بين يدي الله ورسوله (ص) ، فقال تعالى فيما ألمعنا : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ).

فإذا كان لا يجوز لمؤمن ولا مؤمنة أن يؤخّروا من اختاره الله تعالى إماما بعد نبيّه (ص) ، وجعله خليفته (ص) ، وقدمه على غيره ، فكيف يريد الناس من الشيعة ، وهم شيعة الله تعالى وشيعة رسوله (ص) ، أن يختاروا غير من اختاره الله تعالى ورسوله (ص) ، ويقدموا على علي (ع) من أخره الله تعالى عنه ، وما اختاره إطلاقا؟ وهل تكليفهم بذلك إلّا تكليف بغير المقدور شرعا وعقلا؟ وهل تحريضهم على أن يختاروا من اختاره أصحاب السقيفة لخلافة النبوّة (ص) دون الله تعالى ، ودون رسوله (ص) ، إلّا تحريضا لهم على معصية الله ومعصية رسوله (ص) كما جاء التنصيص عليه في الآية (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)؟؟.

ولا شك في أنّ إنسانا يختار غير ما يختاره الله تعالى ورسوله (ص) ، ويريد غير ما يريدان هذا لهو عند الله تعالى خفيف الميزان ، والشيعة تأبى ذلك كل الإباء ، ولا ترضى به ، ولا تستسيغه أبدا مطلقا!!.

* * *

٤٤

حديث المنزلة ومنازل هارون من موسى (ع)

قال : لقد قلتم فيما تقدم بوجود نصوص نبويّة (ص) وآيات قرآنية تدلّ على اختصاص إمامة الأمّة ، وخلافة النبي (ص) بعلي (ع) دون غيره فلنا عليكم أن تذكروا بعض تلك النصوص النبويّة ، والآيات القرآنية ، لنكون على بصيرة من الأمر ويتّضح لنا ما أثبتم من أنّ اختيار الصحابة له (ع) إماما على الأمّة كان موافقا لتنصيص الله تعالى ورسوله (ص) عليه دون غيره.

قلت : ناهيك بحديث المنزلة قولا فصلا ، وحكما عدلا ، على خلافته (ع) بعد النبي (ص).

فهذا الإمام البخاري يحدّثنا في صحيحه ص ١٩٧ من جزئه الثاني في مناقب علي بن أبي طالب وذاك الإمام مسلم في الباب نفسه من صحيحه من جزئه الثاني عن النبي (ص) أنّه قال لعلي (ع) : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي».

وفي القرآن العربي المبين يقول الله تعالى في سورة طه آية ٢٥ وما بعدها حكاية عن كليمه موسى (ع) : (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ، وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ

٤٥

أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي ، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) ـ إلى قوله تعالى : ـ (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى).

وأنتم تعلمون أنّ منازل هارون (ع) من موسى (ع) كثيرة متعددة جامعة لعناوين معلومة يعرفها المتتبعون :

فإليكم تلك المنازل لتعلموا ثمة نصّ هذا الحديث في عصمة علي أمير المؤمنين (ع) ، وإمامته على الأمّة بعد النبي (ص) دون غيره.

الأول : إنّ هارون (ع) كان وزيرا لموسى (ع) ، فكذلك علي (ع) وزير رسول الله (ص).

الثاني : إنّ هارون (ع) كان شريكا لموسى (ع) في أمره ، فكذلك علي (ع) شريك رسول الله (ص) في أمره على الإمامة ، لا النبوّة المستثناة من عموم المنازل في الحديث.

الثالث : إنّ هارون (ع) كان ثاني موسى (ع) في قومه ، فكذلك علي (ع) ثاني رسول الله (ص) في أمّته.

الرابع : إنّ هارون (ع) كان أخا لموسى (ع) ، فكذلك علي (ع) كان أخا لرسول الله (ص) بدليل حديث المؤاخاة المتواتر نقله بين الفريقين ، وعدم استثناء النبي (ص) من حديثه إلّا النبوّة ، وقد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ص ٣٣٠ من جزئه الأول عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس في حديث بضع عشرة فضيلة كانت لعلي (ع) لم تكن لغيره من الصحابة ، وحكاه المحب الطبري في (الرياض النضرة) في باب فضائل علي من جزئه الثاني ، وغيرهما من حفّاظ أهل السنّة.

الخامس : إنّ هارون (ع) كان أفضل قوم موسى (ع) عند الله تعالى ، وعند نبيّه موسى (ع) ، فكذلك علي (ع) أفضل أمّة

٤٦

النبي (ص) عند الله تعالى وعند رسوله محمد (ص).

السادس : إنّ هارون (ع) كان هو القائم مقام موسى (ع) في غيبته مطلقا ، فكذلك علي هو الذي يقوم مقام النبي (ص) في غيبته مطلقا ، وقد جاء التنصيص عليه جليا ، واضحا ، لا يرتاب فيه اثنان من أهل الإيمان ، بقوله (ص) «لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي» ، على ما سجّله الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) في آخر ص ٣٣٠ من جزئه الأول.

السابع : إنّ هارون (ع) كان أعلم قوم موسى (ع) ، فكذلك علي أعلم أمّة رسول الله (ص) ، وقد صرّح النبي (ص) بذلك فقال : «أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب» على ما أخرجه التقي الهندي في ص ٣١ من (منتخب كنز العمال) بهامش الجزء الخامس من (مسند الإمام أحمد بن حنبل) وغيره من أهل السنن.

الثامن : إنّ هارون (ع) كان واجب الطاعة على يوشع بن نون وصيّ موسى (ع) ، وغيره من أمّته ، فكذلك علي (ع) واجب الطاعة على الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان (رض) وغيرهم من أمّة النبي (ص).

التاسع : إنّ هارون (ع) كان أحبّ الناس إلى الله تعالى وإلى كليمه موسى (ع) ، فكذلك علي أحبّ الناس إلى الله تعالى وإلى رسوله محمد (ص).

العاشرة : إنّ الله تعالى قد شدّ أزر نبيّه موسى (ع) بأخيه هارون (ع) ، فكذلك شدّ أزر نبيّه محمد (ص) بأخيه علي (ع).

الحادي عشر : إنّ هارون (ع) كان معصوما من الخطأ ، والنسيان ، والزلل ، والعصيان ، فكذلك علي (ع) يكون معصوما من الخطأ ، والنسيان ، والزلل ، والعصيان.

٤٧

فهذه منازل هارون (ع) من موسى (ع) ، وقد أعطى رسول الله (ص) كلّها لعلي (ع) وحده ، وخصّه بها دون غيره من أصحابه ، وقد أكّد القرآن هذا ، وأقرّه بقوله تعالى في سورة طه آية ٢٩ وما بعدها كما تقدم وقال تعالى في سورة الفرقان آية ٣٥ : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً).

وقد جاء تنصيصه (ص) عليه دون غيره في حديث بضع عشرة فضيلة كانت لعلي (ع) لم تكن لغيره من الصحابة وقد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) في آخر ص ٣٣٠ من جزئه الأول عن ابن عباس وفيه قوله (ص) : «لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي» وقد أخرجه بهذا اللفظ جمع كثير من حفّاظ أهل السّنة.

فمنهم الحاكم في (مستدركه) والذهبي في (تلخيصه) ص ١٣٤ من جزئه الثالث وصححاه على شرط البخاري ومسلم ومنهم ابن عبد البر في (استيعابه) في ترجمته لعلي (ع) من جزئه الثاني وقال : إنّه إسناد لم يطعن فيه أحد لصحّته ، ووثاقة نقلته وأخرج النسائي في (الخصائص) ص ١٧ عن النبي (ص) أنّه قال لعلي : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّك لست بنبي أنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي» وأخرجه ابن حجر العسقلاني في (الإصابة) ص ٥٦٨ من جزئه الرابع. على أنّ قوله تعالى فيما تقدم في سورة الفرقان (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً) نصّ صريح بدلالة الحديث على خلافة علي بعد النبي (ص) وأنّ الله تعالى هو الذي جعله وزيرا وخليفة لرسوله (ص) ، كما جعل هارون (ع) وزيرا ، وخليفة ، لأخيه موسى (ع).

عموم المنازل ثابت لعلي (ع)

وأمّا عموم المنازل المذكورة فثابت لعلي (ع) بنصّ الحديث وذلك

٤٨

لما تقرّر في أصول فقه الفريقين أنّ اسم الجنس المنكر ، المضاف إلى المعرفة ، يفيد العموم ، وكلمة منزلة نكرة مضافة إلى هارون المعرفة ، فهي تفيد الشمول والعموم لجميع تلك المنازل التي تقدم ذكرها ، ويؤكّد هذا ويقرره الاستثناء فإنّه لا يكون إلّا من العموم.

فإنّ ادّعيتم ما ادّعاه غيركم أنّ عليا (ع) يشبه هارون في الاستخلاف ، وقد استخلف النبي (ص) غيره كابن أم مكتوم. فيقال لكم :

أولا : لو كان ما ادّعيتم صحيحا لكان المناسب أن يقول (ص) لو أراده أنّ عليا (ع) خليفتي مثل هارون (ع) خليفة موسى (ص) ، فإنّ هذا التعبير هو الصحيح لو أراد النبي (ص) من حديث ما ادّعيتم لكي لا يلزم نسبة الغلط إلى رسول الله (ص) في كلامه.

ثانيا : إنّ حديث المنزلة مشتمل على جملتين مستثنى ، ومستثنى منه ، ففيه عموم ، وخصوص ، فلو صحّ ما ادّعيتم لزمكم أن تقولوا ببطلان العموم والخصوص في الحديث ، والحكم بلغوية الحديث وبطلانه ، وذلك فإنّ كل عربي ، وغير عربي ، إذا درس لغة العرب يفهم من القول المشتمل على مستثنى ، ومستثنى منه ، أنّه يريد العموم ، وأن الحكم فيه على الاستيعاب دون المستثنى ، فالمستثنى يوجب خروجه من ذلك الحكم الوارد على المستثنى منه ، ولا أحسب أنّ ذلك يخفى على مثلكم ، وأنتم من أهل اللسان بلا كلام.

ثالثا : إنّنا لم نستند في إثبات الخلافة العامة لعلي (ع) بعد النبي (ص) إلى مجرّد جعل النبي (ص) عليّا (ع) خليفة على المدينة حتى يتسنى لكم أن تقولوا : إنّه يشبه هارون (ع) في الاستخلاف ، وقد استخلف غيره ، وإنّما كان استدلالنا بحديث المنزلة الذي قال (ص) فيه ذلك القول لعلي (ع) خاصة ، ولم يقله لغيره مطلقا فالدليل الذي

٤٩

أدليناه عليكم هو القول المذكور في الحديث المخصوص بعلي (ع) دون الفعل الذي أجراه (ص) مع غيره ولكن غير المنصفين لعلي (ع) أبت عليهم ضمائرهم أن يجهروا بالحق ، ودفعهم بغضهم إلى أن يكتموا ذلك كله ويدّعوا أنّه (ع) يشبه هارون (ع) في الاستخلاف ، وقد استخلف غيره ليخفوا الحقيقة عن أعين المسلمين النجباء لأنّه مناف لغرضهم.

طعن الآمدي في حديث المنزلة

قال : إنّ الآمدي ، وهو فحل الفحول في علم الأصول ، قد طعن في صحّة هذا الحديث ، وطعن مثل هذا الرجل يوجب الشكّ في صدوره عن النبي (ص)؟!.

قلت : لو كان الآمدي فحل الفحول في علم الأصول ، على حدّ زعمكم ، لما غاب عنه معرفة رجال سند هذا الحديث ، وإنّهم كلّهم ثقات عند علماء الدراية بأسانيد الحديث ، والعارفين برجاله من أهل الصحاح الستة عند أهل السنة ، الذين أخرجوه في صحاحهم بأسانيده الصحيحة وفي طليعتهم الشيخان البخاري ومسلم اللذان أجمع علماء أهل السنّة ، ممّن يعتدّ بهم ، على أنّهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى ، على ما صرّح به ابن حجر الهيثمي في كتابه (الصواعق) في الفصل الأول من الباب الأول في كيفية خلافة الصديق (رض) فقد أخرجاه في صحيحيهما بأسانيده الصحيحة كما تقدم ، اللهم إلّا أن تقولوا بأنّ هؤلاء الحفّاظ من أصحاب الصحاح الستة ، وغيرهم من أهل المسانيد من أهل السنة العارفين بطرق الحديث ، والمميزين صحيحه من سقيمه ، كلّهم جهلوا عدم صحّة حديث المنزلة إلّا الآمدي وحده (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) فالحديث صحيح متواتر بين الشيعة وأهل السنّة ، ولكن الآمدي لما رأى الحديث

٥٠

نصّا صريحا في خلافة علي (ع) بعد النبي (ص) ، لأنّه فحل الفحول في علم الأصول ، كما تقولون ، لم يجد سبيلا إلى التخلّص منه إلّا أن يطعن فيه ، ظنّا منه بأنّ ذلك ينفع أو يوجب وهنا فيه فهو كما ترون لم يستند في نفي صحته إلّا إلى بغضه لعلي (ع) ، وحقده على آل النبي (ص) ، والآمدي هذا هو (علي بن علي الآمدي) وقد نسبه فقهاء بلاده وهم أعرف بحاله من غيرهم إلى فساد العقيدة ، وانحلال الطويّة ، والتعطيل ، حتى خرج مستخفيا على ما ذكره ابن خلكان في كتابه (وفيات الأعيان ص ٣٣٠ من جزئه الأول) وعن ابن حجر العسقلاني والذهبي من أئمة الجرح والتعديل عند أهل السنة أنّهما قالا : «كان الآمدي سيئ العقيدة ، وقد نفي من دمشق لذلك ، وكان مع ذلك تاركا للصلاة» وبعد هذا كلّه هل ترون أنّ من الجائز لأحد من المسلمين أن يعول على طعنه في الحديث ، وهو من أفسق الفاسقين بتركه عمود الدين الصلاة؟ وكيف يجوز لمسلم أن يأتي على ذكره في كتب المسلمين على وجه التعظيم لشخصه المهين إلى حدّ يحكي قوله في قبال حملة الحديث ونقاده من دون أن يشير إلى ما قاله هؤلاء في جرحه ، وفساد عقيدته ، وأنّي لأربأ بكم من أن تقبلوا هذا أو تعتمدوا عليه وأنتم ممّن تشدّ الرحال إليه للاستفادة من فيض علمه؟!!.

حديث المنزلة متواتر

قال : لقد أجدتم ، وأحسنتم في البيان ، وأوضحتم لنا ما كان مخفيا من مضمون الحديث ، وإن طعن الآمدي في صحته غير مقبول ، ومردود عليه بعد أن أعلن أئمة الحديث ، وأمناؤه عن صحته وصدوره ، ولكن ما تقولون لمن قال لكم : إنّ حديث المنزلة ، وإن كان صحيحا إلّا أنّه من آحاد الخبر والشيعة لا تعتمد في إثبات الخلافة إلّا بالمتواتر من الحديث فكيف يصحّ لكم أن تحتجّوا به عليهم؟.

٥١

قلت : كيف يمكن أن يكون حديث المنزلة من آحاد الخبر وقد حكاه أهل الصحاح جميعا واتّفقوا على صدوره من النبي (ص)؟ وهل للتواتر معنى غير هذا عندكم لا سيما إذا أضفتم إلى ذلك إجماع الشيعة واتّفاقهم معكم على صدوره؟ ولو سلمنا لكم جدلا أنّه من آحاد الخبر ، فهو مع ذلك حجّة على أهل السنّة إلزاما لهم بما ألزموا به أنفسهم من حجيّة آحاد الخبر في إثبات الإمامة ، وحينئذ فلا يجب علينا الاحتجاج بالمتواتر من الحديث عليكم في إثباتها.

العام المخصوص حجة في الباقي

قال : يقول ابن حجر في (صواعقه) إنّ العام المخصوص غير حجّة في الباقي ، أو حجة ضعيفة ، وعموم حديث المنزلة قد خصّ باستثناء النبوّة فلا يكون حجة في الباقي ، وحجيّته ضعيفة ، لذا فلا ينهض لإثبات ما تدعون.

قلت : إنّ ما قاله ابن حجر لا يدعمه شيء من الدليل ، ومخالف لما عليه المحققون من علماء أصول الفقه من الفريقين ، فقد اتّفقوا على أنّ تخصيص العام لا يخرجه عن الحجية في الباقي إذا لم يكن مخصوصا بأكثر من مدلوله أو لم يكن المخصّص مجملا مفهوما ، أمّا المخصوص بأقلّ من مدلوله كما في حديث المنزلة ، حيث لم يستثن إلّا النبوّة ، فهو حجّة في الباقي لا سيما في المخصص المتصل كما في حديثنا ، وعلى ذلك قول أهل التحقيق في هذا الفن على أنّ قوله مخالف لما هو مبني عليه سيرة العلماء قديما ، وحديثا ، على العمل بالعمومات المخصصة من الكتاب والسنّة حتى اشتهر القول بينهم : «ما من عام إلّا وقد خصّ» فلو جاز ترك العمل بعمومات الكتاب والسنّة بعد تخصيصهما سقط الكتاب والسنّة عن الحجّية ، وانسدّ باب العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية ، وبطلانه واضح ومن

٥٢

ذلك يتّضح لكم أن ما قاله ابن حجر من نفي العموم في الحديث عن الحجّية ، بعد تخصيصه ، لا يجوز نسبته لأدنى العرب في محاوراتهم ، فكيف يا ترى يجيز نسبته إلى سيد البلغاء ، وأفضل الأنبياء (ص)؟!!.

قول بعضهم باختصاص حديث المنزلة بمورده

قال : هناك من خصومكم من يقول بأنّه لا عموم في حديث المنزلة ، وإنّه خاص بمورده ، وذلك لأنّ النبي (ص) إنّما قال ذلك لعلي (ع) حينما استخلفه على المدينة في غزوة تبوك فقال علي (ع) يا رسول الله (ص) أتخلفني في النساء والصبيان فقال (ص) : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي». ولا شك في أن استخلاف موسى (ع) لهارون (ع) في قومه لم يكن إلّا عند توجّهه إلى جبل الطور في أيام مناجاته لربّه وكذلك يكون استخلاف النبي (ص) عليّا (ع) مدّة غيبته في غزوة تبوك ، وأنّه (ع) منه (ص) بمنزلة هارون من موسى في تلك المدة خاصة فلا يتناول غيره.

قلت : أولا : لقد فات هذا القائل ولم يهتد إلى أنّ خصوص المورد لا يخصص عموم الوارد عند علماء أصول الفقه من الفريقين والذي يدلّكم على فساد هذا القول آيات كتاب الله البيّنات.

فمنها : قوله تعالى في سورة الحجرات آية ٦ : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) فمورد الآية خاص وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فلو كان المورد يخصص عموم الوارد لزمكم أن تقولوا بعدم وجوب التبين في نبأ غيره من الفاسقين وهو معلوم الفساد.

ومنها : قوله تعالى في سورة الحجرات آية ١١ : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) وموردها خاص ، وهو ثابت بن قيس بن

٥٣

شماس ، فلو صحّ تخصيص الوارد به لجاز لغيره أن يسخر من الآخرين ، وبطلانه واضح.

ومنها : قوله تعالى في سورة النحل آية ٩٥ وما بعدها : (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) فإنّ موردها خاص بامرئ القيس الكندي وهو غير الشاعر المشهور الذي مات قبل بعثة النبي (ص) ، فلو كان موردها يخصّص عموم واردها ، لزمكم أن تقولوا بجواز أن يشتري غيره بعهد الله ثمنا قليلا ، وهو واضح البطلان ، إلى غير ما هنالك من الآيات التي يكون موردها خاصّا وواردها عامّا ما لو أردنا استقصاءها لضاق بها وقتنا وما أقصره. فلو كان موردها موجبا ولتخصيص عموم واردها كما يزعم هذا القائل في حديث المنزلة يلزمه أن يقول ببطلان هذه الآيات ، وسقوط ما اشتملت عليه من الأحكام ، عمّن لم يكن داخلا في موردها ، وهذا ما لا يقول به من كان من الإسلام على شيء. فحديث المنزلة من ذلك القبيل ولا يكون مورده الخاص ، لو سلمناه جدلا ، موجبا لتخصيص عموم واردة ، ثم إنّكم لو أمعنتم النظر في لغة العرب ، وما تستعملها في محاوراتها ، لوجدتم بطلان هذا القول جليّا واضحا ، وذلك كما لو رأيتم زيدا مثلا يأكل الطعام في نهار شهر رمضان فقلتم له : لا يجوز للصائم أن يأكل في نهار شهر رمضان ، فهل تجدون ذلك بنظركم خاصّا بمورده وهو زيد ، ولا يكون عامّا شاملا لكل الصائمين في شهر رمضان على وجه يباح لغيره أن يأكل فيه؟! ولعمري إنّ بطلان هذا من أوضح الواضحات بنظر العقل والدين ، وكذلك قول القائل بتخصيص عموم المنازل في الحديث بمورده في غزوة تبوك مثله في البطلان.

ولو كان ما زعمه هذا صحيحا لكان المناسب أن يقول النبي (ص) له (ع) (أما ترضى أن تكون خليفتي مدة غيبتي في غزوة تبوك كما كان هارون خليفة موسى في مدة غيبته للمناجاة) لكي يدلّ

٥٤

عليه ويفيده ، ومن حيث أنّ النبي (ص) لم يقل هذا. وقال ذاك علمنا بطلان ما قاله هذا. فعموم المنازل ثابت لعلي (ع) بنصّ قول النبي (ص) ولا يخصصه غزوة تبوك ولا غيرها مطلقا.

موارد حديث المنزلة كثيرة

ثانيا : إنّ موارد حديث المنزلة كثيرة غير منحصرة في استخلاف ـ النبي (ص) عليّا (ع) على المدينة في غزوة تبوك لكي يدّعي هذا القائل تخصيصه بغزوة تبوك ، وقد ذكرها حفّاظ أهل السنة في صحفهم ، وأخرجوها في مسانيدهم.

فمن ذلك ما أخرجه الحاكم في (الكنى) والشيرازي في (الألقاب) من جزئه السادس وهو الحديث ٦٠٢٩ و ٦٠٣٢ من أحاديث (كنز العمال) ص ٣٩٥ من جزئه السادس عن النبي (ص) : «إنّه كان متكئا على علي (ع) وعنده أبو بكر وعمر (رض) وأبو عبيدة بن الجراح فضرب على منكبه ثم قال يا علي أنت أول المؤمنين إيمانا ، وأولهم إسلاما ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي).

ومنها : ما ورد في المؤاخاة الأولى بينه (ع) وبين النبي (ص) وقد أخرجه الإمام أحمد في كتابه (مناقب علي (ع)) وابن عساكر في تاريخه والبغوي ، والطبراني في (مجمعيهما) والبارودي في (المعرفة) وابن عدي على ما حكاه عنهم المتقي الهندي في (كنز العمال) ص ٤٠ و ٤١ من جزئه الخامس ، وص ٣٩٠ من جزئه السادس في حديث طويل جاء في آخره أنّه قال (ص) له (ع) : «والذي بعثني بالحق ما أخّرتك إلّا لنفسي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي».

ومنها : ما أخرجه المتقي الهندي في ص ١٥٤ من جزئه السادس

٥٥

وفي ص ٣١ من منتخبه بهامش الجزء الخامس من (مسند الإمام أحمد) وهو الحديث ٢٥٥٤ من أحاديثه عن النبي (ص) أنّه قال لأمّ سليم في بعض الأيام : «يا أم سليم ، إنّ عليّا لحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي».

ومنها : ما ورد في المؤاخاة الثانية بينه (ص) وبين (ع) على ما سجّله ابن عبد البر في (استيعابه) في ترجمته لعليّ (ع) من جزئه الثاني وقال له في تلك المؤاخاة : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي» وأخرجه علي بن برهان الدين الحلبي في ص ١٢٠ من (سيرته الحلبية) من جزئه الثاني كما أخرج المؤاخاة الأولى في ص ٢٦ من جزئه الثاني وقال فيها أيضا له (ع) : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي» وهكذا سجّله الدحلاني في (سيرته الدحلانية) بهامش (السيرة الحلبية).

ومنها : ما أخرجه الشيخ القندوزي في كتابه (ينابيع المودة) في آخر الباب التاسع عن كتاب (فضائل أهل البيت (ع) لأخطب خوارزم) عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي (ص) أنّه قال : «يا علي إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي ، وإنّك مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي» وأخرجه أيضا في الباب السابع عشر من (ينابيعه) إلى غير ما هنالك من الموارد التي لا تعدّ ولا تحصى نكتفي بما أوردناه لكم لتعلموا فساد ما زعمه هذا القائل من أنّ حديث المنزلة مخصّص بمورده من غزوة تبوك وإنّ ما جئنا به من موارده كاف لتزييف مزعمته.

* * *

٥٦

حديث الراية يوم خيبر

ومن النصوص الجليّة على خلافة علي (ع) بعد النبي (ص) الحديث المتّفق على صحّته بين الفريقين حتّى إنّ الإمام البخاري أخرجه في صحيحه ص ١٩٧ من جزئه الثاني في باب مناقب علي بن أبي طالب (ع) والإمام مسلم في صحيحه ص ٢٧٨ وص ٢٧٩ من جزئه الثاني في باب فضائل علي (ع) وغيرهما من أهل الصحاح والمسانيد والمؤرخين من أهل السنّة كابن حجر العسقلاني في إصابته في ترجمته لعلي (ع) ص ٢٧٠ من جزئه الثاني وفي كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) ص ٣٢٤ من جزئه السابع في الباب نفسه والحاكم في (مستدركه) ص ١٠٩ من جزئه الثالث في باب فضائل علي (ع) والحافظ الترمذي في (سننه) ص ٢١٤ من جزئه الثاني في الباب نفسه وابن عبد البر في (استيعابه) ص ٤٧٢ من جزئه الثاني في ترجمته لعلي (ع) والإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) ص ٣٥٣ من جزئه الخامس من حديث بريدة الأسلمي وأخرجه علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي في (سيرته الحلبية) ص ٣٥ من جزئه الثالث والدحلاني في (سيرته الدحلانية) ص ١٥٩ بهامش الجزء الثاني من السيرة الحلبية وابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) ص ١٨٥ من جزئه

٥٧

الرابع عن النبي (ص) أنّه قال يوم خيبر : «لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، كرّار غير فرّار ، لا يرجع حتى يفتح الله على يده» هذا بعد أن أعطاها لأبي بكر ثم لعمر (رض) فرجعا بها ولم يفتحا شيئا. وأنتم ترون هذا الحديث من النصوص الواضحة على خلافة علي (ع) بعد النبي (ص) لأنّ تلك الصفات والملكات التي اشتمل عليها الحديث لم تكن في الخليفتين (رض) ، ولا في غيرهما من الصحابة فلو لم يكن علي بأقصى مراتب المحبة لله تعالى ولرسوله (ص) ، وعند الله تعالى وعند رسوله (ص) كما يدلّ عليه منطوق الحديث لزمكم أن تقولوا بخروج جميع أصحاب النبي (ص) وغيرهم عن هذه المحبة أو تقولوا بلغوية التخصيص وعبثية الكلام من سيد الأنام (ص) الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى ، وكلاهما باطلان لا يليقان بمقام النبوّة فلا يجوز حمل كلامه (ص) عليه فإذا تسجّل لديكم بطلان كلا الشقّين ثبت اختصاص علي (ع) بغاية هذه المرتبة ولا ريب في أنّ أقصى غاية المدح والثناء والتعظيم والإعلاء هو محبة الله تعالى ومحبة رسوله (ص) والأحبّ إليهما أحقّ بخلافة النبي (ص) بل لا تجوز لغيره بدليل قوله تعالى في سورة الحجرات آية ١٣ : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) والأحب إليه تعالى لا شك في أنّه أكرم الناس عنده فهو (ع) أقربهم لديه تعالى وأتقاهم عنده.

* * *

٥٨

حديث الغدير ورواته

ومن النصوص الجليّة حديث الغدير المتواتر نقله بين الفريقين وقد أخرجه جماعة كثيرة من حفّاظ أهل السنّة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم فهذا ابن حجر الهيتمي يقول في (صواعقه) ص ٤٠ في الفصل الخامس في الشبهة الحادية عشرة من شبهات كتابه أنّ رسول الله (ص) (جمع الصحابة بعد رجوعه من حجة الوداع في (غدير خم) موضع ب (الجحفة) وكرر عليهم : «ألست أولى بكم من أنفسكم» ثلاثا وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف ثم رفع يد علي وقال : «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فأحبّ من أحبّه وابغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار») وقال في ص ١٢٠ في الباب التاسع في الفصل الأول في فضائل علي (ع) إنّه (قد رواه ثلاثون صحابيا وإنّ كثيرا من طرقه صحيح) ، ويقول في ص ٢١ في الفصل الثالث من الباب الأول عند ذكره حديث صلاة أبي بكر (رض) (واعلم أنّ الحديث متواتر ثم عدّ رواته فكانوا ثمانية) فادعى تواتره لأنّ رواته ثمانية على حدّ زعمه مع أنّه مما تفرد بنقله ولم يكن متفقا عليه فحديث الغدير على ما أفاده ابن حجر الهيثمي يزيد على ثلاثة أضعاف ما ادّعاه من

٥٩

تواتر حديث صلاة أبي بكر (رض) ومع ذلك زعم في ص ٤٠ من (صواعقه) أنّه من آحاد الخبر دون أن يشعر إلى التناقض بين قوليه نعم ، لما كان ذلك الحديث واردا في صلاة أبي بكر (رض) عنده وكان هذا واردا في خلافة علي (ع) بعد النبي (ص) صار ذلك عنده متواترا ، وهذا من آحاد الخبر ، وكذلك يفعل التعصّب البغيض بصاحبه فينسيه بطلان قوله وإذا كان تناقضه هذا غريبا فانظر إلى غرابة قوله إنّ المولى في الحديث بمعنى الناصر دون أن يهتدي إلى لزوم ما زعمه لغوية قول النبي (ص) في الحديث : «وانصر من نصره».

وقد أخرج الحديث الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) ص ١١٩ و ١٥٦ و ٣٣١ من جزئه الأول وص ٣٧٠ و ٣٧٢ من جزئه الرابع عن أكثر من ثلاثين صحابيا. (وقال الهيثمي في ص ٤٠ من (صواعقه) في الفصل الخامس في الشبهة الحادية عشرة من شبهات كتابه إنّ الذهبي (وهو من أئمة الجرح والتعديل عند أهل السنّة) قد صحّح عدّة طرق من حديث الغدير وأنّه (ص) قال لأصحابه ثم ساق الحديث).

وأخرجه آخرون غير من تقدم ذكرهم من جهابذة أهل السنّة وفطاحل أعلامهم في صحاحهم ومسانيدهم من طرق كثيرة صحيحة وحسنة بأسانيد مختلفة عن جماعة من الصحابة.

١ ـ الإمام مسلم في صحيحه ص ٢٧٩ من جزئه الثاني في باب فضائل علي بن أبي طالب (ع) عن زيد بن أرقم مختصرا فقال أنّه (ص) (صرّح به في موضع يدعى خمّا بين مكة والمدينة).

٢ ـ الحافظ محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير الكبير فإنّه صنف فيه كتابا خرّجه فيه عن خمسة وسبعين صحابيا من خمسة وسبعين طريقا.

٣ ـ الحافظ الجزري صاحب كتاب (جامع الأصول) فإنّه خرّجه عن

٦٠