🚘

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

السيد أمير محمد القزويني

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

المؤلف:

السيد أمير محمد القزويني


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٣
🚘 نسخة غير مصححة

ومن حيث أنّه لم يكن ظهورها فيه ، على حدّ ما ذكرنا بل كان على العكس من ضده ، علمنا عدم نزولها فيه (رض).

ما ادّعيتم من نزول الآيات في أبي بكر (رض)

قد أبطلته ابنته عائشة أم المؤمنين (رض)

وشيء آخر : إنّ كل ما ذكرتموه من الآيات ، وزعمتم أنّها نازلة في فضل الخليفة أبي بكر (رض) قد أبطلته ابنته أم المؤمنين عائشة ، وهي أعرف بذلك من الآخرين وأقرب من النبي (ص) من الراوين عنه (ص) نزولها فيه (رض).

فهذا البخاري يحدّثنا في صحيحه ص ١٣٥ من كتاب التفسير في سورة الأحقاف من جزئه الثالث عن يوسف بن ماهك : (إنّ مروان قال : هذا (يعني عبد الرحمن بن أبي بكر) الذي أنزل الله فيه (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ : أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي) فقالت عائشة من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلّا أنّ الله أنزل عذري).

فإنّ هذا كما ترونه نصّ صريح بقرينة الإثبات بكلمة (إلّا) بعد النفي بكلمة (ما) ، على عدم نزول شيء في مدح أبيها مطلقا بدليل قولها (فينا إلّا عذري) لأنّ الاستثناء دليل على العموم ، وقد نفت على العموم نزول شيء في (تيم) ولم تستثن إلّا عذرها خاصة ونزول ذلك فيه فقط ، ويبقى ما عداه داخلا في عموم النفي.

ومنه ما ادّعيتموه من نزول الآيات فيه ، فإنّه غير صحيح بحكم ابنته عائشة أمّ المؤمنين (رض) ، وإلّا لاستثنت شيئا منه لو كان نازلا فيه ، كما استثنت عذرها فعدمه دليل واضح صريح على عدمه ، ولا جائز أن يخفى عليها حديث نزول ما زعمتم من الآيات في مدح أبيها والثناء عليه ، وبيان فضله ، أو تغفل عنها ، أو تنساها ، وهي التي

٣٦١

عرفنا أنّها لم تأل جهدا في ادّعاء ورود الأحاديث في فضل أبيها مع قربها من النبي (ص).

ولا يخفى عليكم ذلك أو لا تغفلون عنها مع بعدكم عن زمن النبي (ص) ، فهل يا ترى بعد هذا في وسعكم ، أو في وسع الآخرين ، إذا وقفوا على ما حققناه أن يدعوا نزول الآيات في مدحه ، والثناء عليه (رض) ، وهم يرون بأمّ أعينهم ابنته عائشة أمّ المؤمنين تنفي نفيا قاطعا نزول شيء من ذلك فيه (رض)؟!!.

٣٦٢

آية الغار ومفادها تحقيق معناها

قال : لقد قطعتم علينا السبيل بما أوضحتموه لنا بالدليل ، ولم تبقوا زيادة لمستزيد ، في عدم إمكان التمسّك بما ادّعاه خصومكم ، من نزول الآية في الخليفة أبي بكر (رض) ، ولكنهم يقولون بأنّ الله تعالى قد شهد لأبي بكر (رض) بالفضيلة الكبرى التي تصغر دونها كل فضيلة في محكم كتابه ، فأنزل فيه (رض) في سورة التوبة آية ٤٠ : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ، فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها). وأنتم ترون أنّ الله تعالى قد آنس به نبيّه (ص) ، وأثنى عليه ، وجعله صاحبا له (ص) في سفره ، وساكنا معه في الغار.

قلت : أولا : إنّ الآية لم تأت على ذكر اسم صاحبه (ص) بشخصه ، لنعلم أنّها تريد الخليفة أبا بكر (رض) دون غيره من أصحابه (ص) ، لأنّ أصحابه كثيرون لم ينحصروا فيه (رض) ، ولم ينحصر هو فيهم ، فمن أين يا ترى علمتم أنّ الآية تريد بصاحبه خصوص أبي بكر (رض)؟ وأنتم لم تأتوا على ذلك بدليل؟ فإن قلتم : دليلنا على ذلك اشتهار الأمر فيه ، فيقال لكم : ما ذا تقولون لو قال

٣٦٣

لكم قائل ممّن لا يقول بقولكم : «ربّ مشهور لا أصل له» ، وهذا منه وكل ما تقولونه فيه يقوله هو فيه.

القرآن جاء على ذكر علي (ع) صريحا

وهذا بخلاف الحال في أمير المؤمنين علي (ع) فإنّ القرآن جاء على ذكر اسمه صريحا واضحا لا خلجة فيه ، ولا شك يعتريه ، وذلك قوله تعالى في سورة مريم (ع) آية ٥٠ : (وَهَبْنا لَهُ) (يعني إبراهيم (ع)) (إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) ، (وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا ، وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) ، ولا شكّ في أنّ عليّا (ع) من ذريّة إبراهيم (ع) وهو (ع) لسان إبراهيم خليل الرحمن (ع) ، ولسان رسول الله (ص) ، الذي لا ينطق عنه إلّا بالصدق دون غيره من أصحابه (ص) ، وهو القائم مقامه في حفظ شريعته ، وتنفيذ أحكامها ، كما أنزل الله تعالى على رسوله (ص) لعصمته من الخطأ ، والنسيان ، والزلل ، والعصيان ، كما تقدم التنصيص عليه (ع) في حديث المنزلة دون غيره ، لعدم عصمة غيره (ع) من أصحابه (ص) ، ويدلكم على ذلك ويقرّره ، قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم (ع) في سورة الشعراء آية ٨٤ : (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) ، فهو يشمل لسان النبي (ص) أولا وبالذات ، ولسان علي (ع) ثانيا وبالعرض ، لأنّه (ع) ينطق عن النبي (ص) ، لا عن غيره ويسير على منهاجه لا على منهاج غيره.

* * *

٣٦٤

المناقشة في آية (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)

قال : يقول خصومكم إنّ قوله تعالى : (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) يعني ثناء حسنا ، ومرتفعا بين الناس ، ولا يعني علي بن أبي طالب (ع) كما عليه جميع أهل التفسير من أهل السنّة.

قلت : ما أبعد هذا المعنى عن ظاهر الآية لا سيّما وهو لا دليل لهم على إرادته من ظاهرها ، وما أشدّ حرص هؤلاء على صرف كل فضيلة ومنقبة لعلي (ع) نزل بها القرآن ، وجاءت بها السنّة عنه (ع) ، ولو كان ذلك نازلا في غيره ، أو واردا في سواه (ع) ، لتلقوه بكل فخر وترحاب ، وإن كان كذبا ، وانتحالا ، وموضوعا لا أصل له ، وبعد فإنّ الله تعالى لم يقل (وجعلنا لهم ثناء حسنا ومرتفعا) لكي يدلّ على ما يزعمون نعم ذلك ما يريده هؤلاء دون الله تعالى الذي أنزلها ، وهو يعلم ما يريد فهو تعالى يريد عليّا (ع) ، وهم يريدون غيره ، ولا يكون إلّا ما يريد الله تعالى ، ولو اجتمع الناس جميعا على خلافه ، فإنّه لا وزن له ولا قيمة وذلك فإنّ اللسان لا يوصف بالعلو ، ولا بالارتفاع في لغة العرب ، ولا يفهم ذلك من لغتهم ، ولا يوصف بالثناء ، ولا بالحسن ، وإنّما يوصف بالصدق ، ولفظ علي في الآية منصوب على أنّه مفعول ثان لكلمة (جَعَلْنا) التي هي من أفعال القلوب و (لِسانَ

٣٦٥

صِدْقٍ) منصوب على أنّه مفعول أول ل (جَعَلْنا) ، والجار والمجرور في كلمة (لَهُمْ) متعلق بفعل (جَعَلْنا) الذي يعود إلى من تقدم من ذريّة إبراهيم من الأنبياء (ع) ، ويجوز أن يكون في الآية تقديم وتأخير بأن يكون هكذا (وجعلنا عليا لسان صدق لهم) فكيف يا ترى يستقيم لهؤلاء ما يريدون والآية تأباه كل الإباء؟ ثم يا هل ترى في الله تعالى عيا من أن يقول (وجعلنا لهم ثناء حسنا ومرتفعا بين الناس) بدلا عن قوله تعالى : (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) لو كان تعالى يريده؟ وعلى الجملة إنّ الآية لا معنى لها إلّا ما ذكرنا وإلّا لكانت باطلة لا معنى لها ، وليس لها في الوجود صورة ، وبطلانه واضح ، ولكن أعداء علي (ع) ، وحاسديه ، ومبغضيه ، لا يهمهم بطلان الآية بقدر ما يهمهم صرف الآية عنه (ع) ، وحملها على معنى لا صلة بينها وبينه ، لذا أبت عليهم نفوسهم إلّا أن يغمطوا حقّه ، ويصرفوا عنه كل فضيلة ، ومنقبة ، ابتغاء مرضاة قوم لا يؤمنون ، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره المبغضون ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ثانيا : لو سلمنا لكم تنازلا أنّ الآية تريد بصاحبه أبا بكر (رض) إلّا أنّ رسول الله (ص) لم يكن محتاجا إلى أنس أحد ، كما تدعون وذلك لما يعلمه كل منّا ، ويعلمه المسلمون كلّهم أجمعون ، بأنّه (ص) مؤيد بالملائكة الكرام ، والوحي ينزل عليه من الله تعالى متواليا ، وكان جبرئيل (ع) يأتيه بالقرآن ، وكان معصوما ، موفقا ، واثقا بما وعده الله تعالى به ، من الظفر والانتصار على أعدائه ، كما يرشدكم إليه قوله تعالى في الآية : (فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) ، وبعض هذا فضلا عن جميعه كاف لرفع الاستيحاش عنه (ص) فأيّ حاجة به (ص) يا ترى بعد هذا إلى أنيس هو دون منزلته (ص) في الكمال ، مفتقر إلى التسكين والمداراة ، نتيجة ما ناله من الحزن والاضطراب كما نطق به القرآن ، وأخبر بحزنه وخوفه النبي (ص) في صحيح الأخبار ، وما

٣٦٦

عالجه في تدبيره له بالتشجيع ، وتلافي ما وقع منه لشدّة ما لحقه من الحزن ، على ما حكاه الله تعالى في القرآن بقوله تعالى : (لا تَحْزَنْ! إِنَّ اللهَ مَعَنا) ونقله السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) وغيره من مفسّري أهل السنّة في تفسير الآية وإنّه (رض) حزن ثلاثا ، والنبي (ص) نهاه عن ذلك ثلاثا.

ثالثا : لو فرضنا لكم تنازلا أنّه (رض) كان أنيسا لرسول الله (ص) في الغار ، ومع ذلك فإنّه لا يوجب له فضيلة خاصّة ، لأنّ الأنيس قد يكون مؤمنا ، برّا ، تقيا ، وقد يكون غيره ، وربما كان من البهائم والحيوانات أو المظاهر الطبيعية كالأشجار ، والأنهار الجارية ، والجبال المخضرة ، والأودية المكسوة بالثلوج ، ألا ترون أنّ الإنسان قد يأنس بمن لا يدين بدينه ، وقد يستوحش بمن يوافقه في دينه ، وربما أنس بعبده ، وخادمه وأن لم يكونا مسلمين أكثر من أنسه بالعالم الفقيه ، وقد يأنس بزوجته أكثر من أنسه بأمّه وبأولاده أكثر من أبيه ، ويأنس بالأجنبي أكثر من أنسه بأخيه ، وابن عمّه ، وربما يرى أنسه بفرسه وبعيره أولى من أنسه بصديقه ، وهلم جرّا. فإذا كان الأمر على ما حققناه لم يثبت للخليفة أبي بكر (رض) بالأنس به ما يميزه (رض) عن غيره لو سلمناه لكم ولم نحكم ببطلانه على ما تقدم منا بيانه.

رابعا : إنّ قوله تعالى : (ثانِيَ اثْنَيْنِ) لا يدلّ على أكثر من الإخبار عن العدد ، وإنّ الذي كان في الغار لا يزيد على اثنين ، ولا ثالث لهما ، وقد يكون المؤمن ثانيا في سفره لغير المؤمن ، أو يكون ثانيا لجاهل ، أو عالم ، أو صالح ، أو طالح ، وهذا ما لا يمكن لأحد من أهل العقل أن يشك فيه ، كما أنّ فيه بيانا لحال النبي (ص) باعتبار دخوله (ص) ثانيا ودخول أبي بكر (رض) أولا على ما نطقت به الأخبار ، وحكاه كل من جاء على تفسيره من مفسّري القرآن عند أهل

٣٦٧

السنة ، ولو كان يريد كونه ثانيا في الفضيلة ، لزم أن يكون النبي (ص) ثاني اثنين أبي بكر (رض) في الشرف والفضل ، وأن أبا بكر (رض) أفضل منه (ص) وهو الكفر بعينه.

وأمّا قوله تعالى : (إِذْ هُما فِي الْغارِ) فليس فيه إلّا الإخبار عن اجتماعهما في المكان الذي كان يومئذ هو الغار ، وهذا كسابقه يتحقق بين المؤمن وغيره ، والكامل والناقص ، والحيوان ، والجماد ، والإنسان والبهيمة ، وقد ضمّ مسجد النبي (ص) الذي هو أشرف من الغار على كل حال المؤمنين الأخيار ، والمنافقين الفجّار ، وفي القرآن يقول الله تعالى لنبيّه (ص) في سورة المعارج آية ٣٦ وما بعدها : (فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ* عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ).

وقد اجتمع في سفينة نبي الله تعالى نوح (ع) البهائم وأهل الإيمان من الناس ، فلم يدلّ ذلك على شيء من الفضيلة ، بل كان رسول الله (ص) يجتمع مع أبي جهل وغيره من المشركين ، وليس معنى هذا ثبوت فضيلة لأبي جهل وغيره من المشركين لأجل اجتماعه (ص) معهم في مكان واحد.

وأمّا قوله تعالى : (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ : لا تَحْزَنْ) فيدل على مجرّد الصحبة وهي لا دلالة فيها على أية فضيلة تميّزه عن غيره (رض) من أصحابه (ص) ، لأنّ الصحبة قد تكون بين المؤمن وغيره ، كما تكون بين الإنسان وغيره ، وقد يكون الصاحب برّا ، تقيا وقد يكون صبيا وطفلا ، وقد يكون حيوانا ، أو جمادا ، فليست الصحبة من حيث هي من صفات المدح ، ولا من صفات الذم حتى توجب الفضل ، أو النقص لصاحبه.

وقال تعالى في سورة التكوير آية ٢٢ مخاطبا مشركي قريش حينما بهتوا نبيّه (ص) وادّعوا عليه الجنون : (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ).

٣٦٨

وقال تعالى في سورة سبأ آية ٤٦ : (ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) فأضافهم إلى صحبة نبيّه (ص) وهم مشركون فلم يوجب لهم فضلا ، ولا إيمانا ، كما لم يوجب لهم ذمّا ولا تحقيرا.

وقد ثبت في علم المعاني أنّ إضافته (ص) إليهم بذكر الصحبة أوكد في معناها من إضافة الخليفة أبي بكر (رض) إليه (ص) بها ، لأنّ المضاف إليه أقوى في السبب من المضاف على ما اتّفق عليه العلماء من أهل هذا الفن بين الفريقين. وقد يكون الصاحب حمارا ، وفيه يقول أميّة بن أبي الصلت :

إنّ الحمار مع الحمار مطية

فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وقد يكون الصاحب جمادا وفيه يقول الشاعر العربي :

زرت هند وذاك بعد اجتناب

ومعي صاحب كتوم اللسان

فإنّه يريد بذلك سيفه ، فسماه صاحبا له.

وإنّما سقنا لكم هذه الشواهد والمشاهد من موارد استعمال الصاحب عند العرب ، لتعلموا : أن لفظة الصاحب لا تشعر بشيء من المدح ، كما لا يوجب لصاحبه الذمّ ، وإنّ صحبة الخليفة أبي بكر (رض) رسول الله (ص) في سفره (ص) ، ونزوله (ص) في الغار ، لا توجب لصاحبه فضيلة خاصّة ولا منقبة مخصوصة.

وأمّا قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ مَعَنا) فقد يراد به الواحد تعظيما له وهو النبي (ص) خاصّة وقد يراد به الجماعة. ومع هذا الاختلاف في استعمالها لا يقتضي فضلا خاصّا لا سيما إذا علمتم أنّ الله تعالى مع المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، والقرآن يقرّر هذا ويؤكّده بقوله تعالى في سورة المجادلة آية ٧ : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ،

٣٦٩

أَيْنَ ما كانُوا) فهذه المعية كما ترونها لا تدلّ على فضيلة خاصة تميّزه عن غيره من أصحاب النبي (ص).

ثمّ إنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل إنّ حزن الخليفة أبي بكر (رض) كان طاعة لله تعالى أو لا؟ وذلك فإنّه لا يخلو من أن يكون واجبا أو مستحبّا ، أو مكروها ، أو مباحا ، أو حراما على سبيل منع الخلو.

فإن قلتم كان واجبا. فيقال لكم : كيف يا ترى يصحّ لمسلم أن يقول إنّ رسول الله (ص) ينهي عن طاعة الله تعالى ويحرّم ما كان واجبا في دينه (ص) وهو يقول على ما أخبر الله تعالى في كتابه لصاحبه (لا تَحْزَنْ!) ، وهو (ص) أشدّ الناس حرصا على طاعته تعالى وطاعة الناس له تعالى؟.

وإن قلتم : كان حزنه (رض) مستحبا مندوبا إليه : فهو كسابقه في البطلان فإنّه لا يجوز لمن له دين أن ينسب إلى النبي (ص) النهي عمّا أحبّه الله تعالى والناس إليه.

وإن قلتم : كان حزنه مكروها فيقال لكم : إن كانت الكراهة بمعنى أنّه مبغوض في الشريعة كان داخلا في الشقّ الأخير وهو كونه حراما ، وإن كانت بالمعنى المصطلح عليه بين الفقهاء من أنّه ما كان منهيا عنه وغير ممنوع من تركه ، فلا فضل فيه ولا ثواب.

وإن قلتم كان حزنه مباحا ، لزمكم أن تقولوا : إنّ رسول الله (ص) ينهى عن المباح في شريعته ويحرّم ما جاء بإباحته للعباد وذلك لا يجوز نسبته إلى النبي (ص) في حال من الأحوال ، ومن نسب إليه ذلك كلّه فقد طعن في نبوّته (ص) ودينه ، وهو الكفر بعينه.

ولم يبق إلّا الشق الخامس وهو أنّ حزنه (رض) كان حراما وأنتم تعلمون أنّ المرء لا يستحقّ المدح والثناء على فعل الحرام.

٣٧٠

المعارضة لما حققناه في آية الغار

قال : إنّ ما قلتموه في آية الغار معارض بقوله تعالى في قصة إبراهيم وموسى (ع) (لا تَخَفْ!) فإنّ نهيه تعالى لهما عن الخوف يجري مجرى قوله تعالى في آية الغار (لا تَحْزَنْ!) ويأتي عليه ما أتى عليه ، فإن كان ما قلتموه في آية الغار صحيحا كان هذا صحيحا ، وهذا باطل وذلك مثله باطل.

قلت : إنّ ما جئتم به من المعارضة باردة ، وغير واردة ، وذلك لما تعلمون من أنّ علمنا بعصمة إبراهيم وموسى (ع) لأنّهما نبيّان يخرج النهي عن ظاهره ، وأبو بكر (رض) لم يكن معصوما ، ولا يستطيع أحد أن يدّعي له (رض) العصمة ، فلا يقاس هذا على ذلك لانتفاء علّة المساواة فيه.

ما قلناه لا ينتقض بما تقولون

قال : إنّ ما قلتموه ينتقض بقوله تعالى لنبيّه (ص) في سورة النحل آية ١٢٧ (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ).

وقوله تعالى في سورة الحجر آية ٨٨ : (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما

٣٧١

مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ).

وقوله تعالى للمؤمنين عامّة في سورة آل عمران آية ١٣٩ : (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا).

قلت : أولا : إنّ حزن الخليفة أبي بكر (رض) في الغار كان معلوم الوقوع ، وحزن النبي (ص) والمؤمنين لم يكن ثابت الوقوع ، لأنّه من الإنشاء دون الإخبار عن شيء واقع ، فلا ينتقض ما كان معلوم الوقوع بما لم يثبت وقوعه ، ويشهد لما قلناه قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ مَعَنا) الدالّ بصراحة على وقوع الحزن منه (رض) فيكون النهي في الآيات عن الحزن كالنهي عن سائر المحرمات التي لم تقع ، ولن تقع من النبي (ص) إطلاقا ، فيجري ذلك مجرى قوله تعالى في سورة القصص آية ٨٦ : (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ).

وقوله تعالى في سورة يونس (ع) آية ٩٤ : (لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ).

وقوله تعالى في سورة يونس (ع) آية ٩٥ : (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ).

وقوله تعالى في سورة الفرقان آية ٥٢ : (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً) وقوله تعالى في سورة الأنعام آية ٣٥ : (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ) وقوله تعالى في سورة القصص آية ٨٧ و ٨٨ : (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ، وَادْعُ إِلى رَبِّكَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ).

وقوله تعالى في سورة الأحزاب آية ١ : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ).

٣٧٢

ونظير هذا في المؤمنين كافة قوله تعالى في سورة الأعراف آية ٣١ : (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا).

وقوله تعالى في سورة النساء آية ٢٢ : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ).

وقوله تعالى في سورة هود (ع) آية ١١٣ : (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ).

وقوله تعالى في سورة البقرة آية ١٨٨ : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ) إلى غيرها من الآيات الدالّة على الإنشاء دون الإخبار عن وقوع متعلق النهي فيها.

ثانيا : إنّ النبي (ص) كان معصوما وأبو بكر (رض) لم يكن معصوما ، والمعصوم لا يقع منه مرجوح مطلقا ، فضلا عن محرم ، بخلاف غير المعصوم فإنّه يجوز وقوع الحرام منه عمدا ، أو خطأ ، فلا ينتقض هذا بذلك لاختلافهما في الموضوع ، والمحمول ، والصغرى ، والكبرى ، فهما مختلفان حكما.

وأمّا المؤمنون ، وإن كان في الإمكان أن يقع منهم مطلق المرجوح وأن يقع منهم الحرام لانتفاء العصمة عنهم ، إلّا أنّه لا تلازم بين نهيهم عن الحزن ، وبين وقوعه منهم ، على وجه التحقيق والثبوت ، إذ ليس في الآيات ما يدلّ على وقوع ذلك منهم ، وإنّما المدلول عليه في منطوقها النهي عن إيقاعه في الخارج ، وذلك بخلاف الحال في الخليفة أبي بكر (رض) فإنّ حزنه كان ثابت الوقوع على وجه التحقيق ، بدليل ما تقدم من قوله : (إِنَّ اللهَ مَعَنا) ، لأنّ الله تعالى لم يحك هذا القول عن نبيّه (ص) إلّا بعد وقوع الحزن من صاحبه (ص) ، وهذا في الوضوح بحيث تكاد أن تراه بباصرة عينك.

ثالثا : إنّ النهي المدلول عليه في الآيات من المرجوحات كافّة

٣٧٣

فكما أنّها تقع قبل تعلّق النهي بها ، كذلك قد يتعلق النهي بها بعد وقوعها بقرينة أخرى ، هي غير ما في الآيات ، كوقوعه في آية الغار من الخليفة أبي بكر (رض) بقرينة حالية ، ومقالية في سياق الآية ، كما ألمحنا.

رابعا : إنّ ظهور الحزن من الخليفة أبي بكر (رض) في موضع لا ينبغي لأيّ مؤمن كامل الإيمان ، راسخ العقيدة أن يحزن فيه ، لا سيما بعد أن يشاهد ما ظهر على يد النبي (ص) من الآيات الباهرات ، والمعجزات الساطعات ، الموجبة لقطعه بالحفظ والسلامة من كيد الأعداء ، وأنّهم لا يستطيعون الوصول إليه ، ومعرفة مكانه ، كإنبات الشجرة على باب الغار ، ونسج العنكبوت ، ووجود عش الفاختة ، الأمر الذي جعل المشركين يعتقدون باستحالة وجود أحد في الغار.

كل أولئك من الأدلّة الواضحة على خلاف ما تدعون فالآية كما ترونها من الحجة لنا عليكم لا لكم.

وأمّا قوله تعالى : (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) فظاهر في نزول السكينة على رسول الله تعالى وحده بدليل ما بعد الآية في سياقها : (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها) بظهور اتحاد مرجع الضميرين لأنّ النبي (ص) هو المؤيّد بالجنود في الآية ، وهم الملائكة دون صاحبه (رض) ، وفي هذا دلالة صريحة على اختصاص السكينة بالنبي (ص) ، وعدم نزولها على صاحبه ، وإلّا كان المناسب أن يقول : لو أراده : (فأنزل الله سكينته عليه وعلى صاحبه) ، أو يقول : (فأنزل الله سكينته عليهما) كما أنزلها على من كان مع النبي (ص) من المؤمنين في غزوة حنين بعد أن أنزلها على رسوله (ص) بقوله تعالى في سورة التوبة آية ٢٦ : (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها).

٣٧٤

وقال تعالى في سورة الفتح آية ٢٦ : (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وأنتم تجدون في هاتين الآيتين الكريمتين دلالة واضحة على عمومية السكينة لكل من حضر مع النبي (ص) من أهل الإيمان في كل موطن ، سوى الغار على ما نزل به القرآن فيما يقتضيه صلاح القوم في إخلاصهم لله تعالى ، واستحقاقهم الكرامة منه تعالى بالسكينة التي أكرم بها رسوله (ص) وخصّه بها في الغار دون صاحبه (ص) في ذلك الحال على ما قدمنا.

ثمّ إنّ من إنزال السكينة على رسول الله (ص) في (حنين) و (الفتح) تستشرفون على القطع واليقين بفساد من زعم بانتفاء حاجة النبي (ص) إلى نزولها عليه (ص) ، واختصاصها بأبي بكر (رض). فلو صحّ هذا الزعم من قائله لبطلت الآيتان ولم يكن لهما معنى ولا في الوجود صورة ، كما يلزم منه نسبة تحصيل الحاصل إلى الله ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.

وشيء آخر فاتنا ذكره وهو قوله تعالى في أول آية الغار (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) : فإنّ الله تعالى لم يقل إذ أخرجهما الذين كفروا حتى نعلم أن خروج أبي بكر (رض) كان نصرة للنبي (ص) لا لشيء آخر ، لا سيما إذا لاحظتم قوله تعالى : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) ولم يقل وقد نصره صاحبه بينا نراه تعالى يقول في سورة الأنفال آية ٦٢ : (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) وبعد هذا كلّه لا أراكم تشكون في صحّة ما نقول.

* * *

٣٧٥
٣٧٦

حديث صلاة الخليفة أبي بكر (رض)

قال : لقد عرفنا ما ذكرتم من أمر الآية ، ووعينا ما أدليتم به من عدم دلالة آية الغار على شيء يفيد خصومكم ، ولكنهم يقولون إنّ رسول الله (ص) قدم الخليفة أبا بكر (رض) في حياته على جميع المسلمين من أصحابه ، حيث أمره أن يصلّي بالناس في مرضه الذي توفّى (ص) فيه ، وقد تواتر عنه (ص) أنّه قال : «إنّ الصلاة عمود الدين ، وأنّه يؤمّكم أقرؤكم (أي أعلمكم)» فهذا من أوضح البراهين على إمامته (رض) بعد النبي (ص) وتقدمه (رض) بالفضل على غيره من أصحابه (ص).

قلت : أولا : لو سلمنا لكم جدلا أنّ النبي (ص) أمر أبا بكر (رض) أن يصلّي بالناس في مرضه الذي توفي (ص) فيه ، ولكن ما ذا تقولون لو قال لكم قائل ممّن لا يقول بقولكم : ألم يقل جمهور الصحابة لرسول الله (ص) في مرضه هجر رسول الله (ص) على ما أخرجه البخاري في صحيحه في أواخر ص ١١٨ في باب (هل يستشفع إلى أهل الذمّة ومعاملتهم) من جزئه الثاني عن ابن عباس أنّه قال :

«يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه

٣٧٧

الحصباء ، قال : اشتدّ برسول الله (ص) وجعه يوم الخميس ، فقال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، قالوا : هجر رسول الله (ص)! قال : دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه ، ونسيت الثالثة».

أو ليس قول النبي (ص) في هذا الحديث : «دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه» أنّهم دعوه (ص) إلى ما يريدون من الشرّ ، وهو (ص) كان يريد لهم الخير بكتابة ذلك الكتاب الذي وصفه بأنّه كتاب هدى «لن تضلّوا بعده أبدا» ، ولو كتبه لهم بعد ما قالوا : لقالوا بعد ذلك كتبه وهو يهجر ، فلن يقبلوه كتبه (ص) أم لم يكتبه؟.

ألم يكن قول الراوي ونسيت الثالثة دليلا صريحا على أنّ النبي (ص) أراد أن يجدد العهد بالخلافة لعلي بعده بالكتابة تأكيدا لنصوصه القولية كما تقدّم ، ولكن السياسة يومئذ قهرت الراوي على أن يقول : «ونسيت الثالثة» إذ لا يضر القوم سوى كتابة الخلافة لعلي (ع) بعده (ص) دون سواها؟.

ثم ألم يقل الخليفة عمر بن الخطاب للصحابة في مرض النبي (ص) : «إنّ النبي (ص) قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله» على ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ، في أواخر ص ٥ من جزئه الرابع. في باب قول المريض قوموا عني من كتاب المرضى :

عن ابن عباس قال : «لما حضر رسول الله (ص) ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي (ص) هلم أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده ، فقال عمر : «إنّ النبي (ص) قد غلب عليه الوجع ،

٣٧٨

وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله» ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (ص) ، قال رسول الله (ص) : «قوموا!» قال عبد الله ، فكان ابن عباس يقول : «الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم».

وهل يتسنّى لكم بعد هذا كلّه أن تقولوا بعدالة جميع الصحابة ، وإنّ أعمالهم كلّها مجيدة؟ أليس قول الخليفة عمر (رض) : «إنّ النبي (ص) قد غلبه الوجع» يعني أنّه (ص) يتكلم بكلام المرضى الذي هو عبارة أخرى عن كلمة (هجر) التي تعني الهذيان ، والهذر ، بدليل قوله (رض) لأصحابه والموافقين له على قوله (رض) ، «وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله» دون أن ينظر إلى قوله تعالى في وصف نبيّه (ص) (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى).

وأنّه (ص) لا ينطق عن الهوى في سائر أوقاته بمختلف حالاته سواء أكان في حال صحته ، أو حال مرضه (ص)؟.

وإن قلتم كما قال غيركم تصحيحا لقول الخليفة عمر (رض) : إنّ قوله (ص) ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده ، لم يكن على وجه العزيمة والوجوب ، وإلّا لما حال بينه وبين كتابته حائل مطلقا.

فيقال لكم ويردّ عليكم بالنقض.

أولا : بأنّ قوله (ص) فيما قلتم مروا أبا بكر فليصل بالناس ، لم يكن على وجه العزيمة والوجوب ، وحينئذ فلا يدلّ على الإمامة ووجوب الطاعة مطلقا.

ثانيا : إنّ الأمر ظاهر في الوجوب باتّفاق المحققين من علماء أصول الفقه بين الفريقين فلا يجوز العدول عنه إلى غيره.

٣٧٩

ثالثا : إنّ قوله (ص) : «لن تضلّوا بعده» لا يناسب غير الوجوب ، إذ لا ضلال في ترك غير الواجب ، وفعل الحرام إجماعا وقولا واحدا.

لذلك فيقول هذا القائل لكم : إنّ رسول الله (ص) أمر أبا بكر بالصلاة في الناس في مرضه ، وقد هجر فيه ، على حدّ قول جمهور الصحابة ، وكان مغلوبا للوجع على حدّ قول الخليفة عمر (رض) ، وحينئذ يجب الرجوع إلى القرآن تحقيقا لقول الخليفة عمر (رض) «وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله تعالى» وأنتم تعلمون كما نعلم ، ويعلم كل المسلمين أنّ كتاب الله تعالى خال من هذا الأمر مطلقا. ولم يأت فيه ما يدلّ على جواز الصلاة خلفه (رض) فضلا عن وجوبها كما لا يخفى.

٣٨٠