🚘

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

السيد أمير محمد القزويني

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

المؤلف:

السيد أمير محمد القزويني


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٣
🚘 نسخة غير مصححة

حديث تركت فيكم كتاب الله وسنّة رسوله (ص)

قال : ما تقولون لو قال لكم قائل : قال رسول الله (ص) «إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعده ، كتاب الله وسنّة رسول الله (ص)) ، ولم يقل عترتي أهل بيتي».

فهذا الحديث كما ترونه يفيد أنّ التمسّك بكتاب الله وسنّة رسول الله (ص) يعصمان الأمّة من الضلال فهما يغنيان الأمّة ولا يحتاجان إلى غيرهما كليّة؟.

قلت : أولا : إنّ هذا الحديث لو صحّ لم يروه إلّا واحد فهو من آحاد الخبر لا يقتضي علما ولا عملا فلا ينهض لمعارضة ما ثبت تواتره عند المسلمين أجمعين لأنّ حديث «وعترتي أهل بيتي» مروي عن نيف وعشرين صحابيا في قول الهيثمي ، وعن نيف وثلاثين صحابيا في قول الترمذي كما قدمنا فالمتعين طرح هذا الحديث لأنّه موضوع لا أصل له.

ثانيا : لو سلّمنا التعارض بينهما فإنّ الترجيح في جانب حديث «عترتي أهل بيتي (ص)» كما هو شأن المتعارضين في الحديث ، وتقديم المتواتر منه على غيره ، ولو كان صحيحا.

ثالثا : إنّ أئمة الحديث ونقاده عند أهل السنّة لم ينقلوا كلمة

١٦١

سنتي في شيء من صحاحهم ومسانيدهم المعتبرة ، وإنّما اقتصروا على كلمة (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) فلو كانت صحيحة لأخرجوها ولم يخرجوا غيرها ومن حيث أنّهم جميعا لم يخرجوها علمنا أنّها موضوعة لا أصل لها وإنّ واضعيها لم يقصدوا من وراء ذلك إلّا صرف هذه الفضيلة العظمى عن أهل بيت المصطفى (ص) ، بغضا لهم (ع) ، وعنادا للنبي (ص) دون أن يدرك واضعوها إلى أنّهم لم يحسنوا وضعها ، فخاب ظنّهم ، وطاش سهمهم ، كما سيتّضح لكم ذلك فيما يأتي.

رابعا : إنّ رسول الله (ص) لم يقرن عترته ، أهل بيته (ع) ، بكتاب الله تعالى ، إلّا لأنّه علّمهم علومه ، وعرّفهم أحكامه ، ليقوموا بحفظها ورعايتها ، ويوضّحوا للأمّة غوامض ما فيه ، ويدلّوها على تعاليمه ، دلالة واضحة كما أنزل الله تعالى على رسوله (ص) ، وذلك لا يمكن أن يكون إلّا لأعداله المعصومين بحكم النبي (ص) كما ألمعناه.

خامسا : ممّا أفاده ابن حجر الهيثمي في (صواعقه) في أواسط ص ١٤٨ في الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم (ع) من الباب الحادي عشر فإنّه (قال : «وفي رواية كتاب الله وسنّتي» وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب ، لأنّ السنّة مبينة له فأغنى ذكره. والحاصل إنّ الحثّ وقع على التمسّك بالكتاب وبالسنّة وبالعلماء من أهل البيت ، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة) انتهى قوله.

فحديث «كتاب الله وسنّتي» لو صحّ فلا منافاة بينه وبين «كتاب الله وعترتي» بذلك التفسير ، لأنّ العلماء بهما كما أنزل الله تعالى ، وجاء به رسوله (ص) ، هم عترة النبي (ص) ، أهل بيته (ص) ، دون غيرهم ، لانتفاء العصمة عن غيرهم مطلقا.

سادسا : إنّ السنّة هي الأخرى كالقرآن تحتاج إلى من يقوم

١٦٢

بحفظها كاملا غير منقوص ، وذلك لا يمكن إلّا إذا كان معصوما ، فالسنّة إذن لا تغني الأمّة من الوقوع في الضلال ما لم يكن لها حافظ وقيّم. فعترة النبي (ص) هم القوامون عليها ، والحافظون لها من الزيادة والنقيصة ، والمبينون للأمة ناسخها من منسخوها ، ومحكمها من متشابهها ، لا سواهم لأنّهم معصومون بحكم النبي (ص) فيما تقدم من حديثه ، وغيرهم لم يكن معصوما بالإجماع.

سابعا : كيف يمكن للمسلمين المخاطبين بقوله (ص) (فيكم) أن يتمسّكوا بكتاب الله وسنّة نبيّه (ص) لكي لا يضلّوا على حدّ قول هذا القائل إذا لم يكن لهما قيّم يرجعون إليه في فهمهما؟ لذلك جعل النبي (ص) عترته قيّما عليهما وأوجب الرجوع إليهم في معرفة ما فيهما لعلمه (ص) بأنّ المسلمين ، قديما وحديثا ، يجهلون معاني كتاب الله تعالى ، ويجهلون السنّة ، ولا يميزون بينها وبين غيرها ، ولا يفهمون شيئا منهما وليس تكليفهم بذلك إلّا تكليف بما لا يطاق الباطل عقلا وشرعا.

ثامنا : لو كان التمسّك بهما وحدهما يغني المسلمين عن التمسّك بعترة النبي (ص) الذي حكم (ص) على الأولين منهم والآخرين ، بوجوب التمسّك بهم ، وبالكتاب ، لئلا يقعوا في الضلال المبين ، لما وقع أكثر المسلمين في الضلال الواضح. وأوضح دليل على ذلك ما وقع فيه الأئمة الأربعة من الاختلاف في حكم الكتاب والسنّة في الواقعة الواحدة كما تقدم تفصيله ، مع أنّ حكم الكتاب والسنّة في الواقعة الواحدة لا يتغيّر ولا يتبدّل ، فأحد المختلفين لا شكّ في ضلال وخطأ لقوله تعالى في سورة يونس (ع) آية ٣٢ : (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) وقد نهى الله تعالى عن التفرق والاختلاف في الدين فقال تعالى في سورة آل عمران آية ١٠٥ : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ).

١٦٣

ويقول الإمام البخاري في صحيحه ص ٨٤ من جزئه الثالث في باب قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ).

عن أمّ المؤمنين عائشة (رض) أنّها قالت : «إنّ من حدّثك بأنّ محمدا (ص) كتم شيئا ممّا أنزل الله فقد كذّب بالقرآن» ويقول الدكتور علي أحمد السالوس في كتابه (فقيه الشيعة الإمامية) الذي ناقشناه في كتابنا (محاورة عقائدية) ص ٥٣ قال الإمام الشافعي قال رسول الله (ص) : «ما تركت شيئا ممّا أمركم الله تعالى به إلّا وقد أمرتكم به ، ولا تركت شيئا نهاكم عنه إلّا وقد نهيتكم عنه» وفي القرآن يقول الله تعالى كما تقدم : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً).

فأي شيء يا ترى يبقى ممّا تحتاج إليه الأمّة لم يأمر به رسول الله (ص) ، أو لم ينه ، عنه ، حتى يقع مثل هذا الاختلاف بين الأئمة الأربعة؟ وما الذي يا ترى ضاع منهم ، أو التبس الأمر فيه عليهم ، من دين النبي (ص) الكامل حتى جدّوا في طلبه فوقع هذا الاختلاف بينهم؟ وإذا كان كاملا والنبي (ص) لم يترك شيئا من أوامر الله تعالى ونواهيه إلّا بيّنه (ص) لهم بيانا واضحا ، رافعا للالتباس ، فأيّ شيء يا ترى فات عليهم بيانه ، هو غير الدين ، حتى فتّشوا عنه واختلفوا من أجله هذا الاختلاف الكبير؟ فهذه أسئلة يجب الجواب عنها.

تاسعا : لو كان التمسّك بالكتاب والسنّة وحدهما يغني الأمّة من الوقوع في الضلال ، لما أوجب الله تعالى على المكلفين أن يسألوا المعصومين عمّا جهلوه من الكتاب والسنّة ، فقال تعالى في سورة النحل آية ٤٣ : (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فإن وجوب السؤال يستلزم وجوب الجواب ، ووجوب الجواب يستلزم وجوب

١٦٤

القبول ، وهو يستلزم وجوب العمل على طبقه ، ووجوب العمل به مطلقا موجب لعصمة المسئول ، وذلك لأنّه لو لم يكن معصوما لجاز عليه أن يجيب بالخطإ ، فيجب القبول والعمل بالخطإ ، ولا شيء من الخطأ يجوز قبوله ، والعمل به ، ومن حيث أنّه وجب قبوله والعمل به بحكم إطلاق عموم الآية ، علمنا أنّه معصوم ، أرأيتم كيف أنّ التمسّك بالكتاب والسنّة وحدها لا يغني الأمّة عن الوقوع في الضلال إن لم يكن ثمة إمام معصوم يقوم ببيانهما ويرشدها إلى ما فيهما من أحكام وعلوم؟!.

عاشرا : لا يختلف اثنان من علماء الإسلام في أنّ السنّة النبويّة ليست إلّا قول النبي (ص) ، أو فعله ، أو تقريره ، وهي ما تضمنته أحاديثه (ص) المروية عنه (ص) ، وقد ثبت لدى الجمهور من أهل السنّة أنّ رسول الله (ص) نهى نهيا مطلقا ، ومنع منعا باتّا من أن يكتب عنه غير القرآن.

فهذا الإمام مسلم يحدّثنا في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) أنّه قال : «لا تكتبوا عنّي ، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه ، وحدّثوا عنّي ولا حرج ، ومن كذّب علي ، قال همّام : أحسبه قال : متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» أنظر (صحيح مسلم) ص ٢٢٩ من جزئه الثامن من الطبعة التي كانت سنة ١٣٨٠ ه‍ في باب التثبت في الحديث وكتابة العلم فإذا كانت السنّة لم تكتب في حياته (ص) ونهى عن كتابة غير القرآن بعد وفاته (ص) ، وأمرهم بمحو ما يكتب عنه فليس من الممكن المعقول أن يترك في أمّته (ص) إلى يوم القيامة شيئا لا وجود له ، ويأمرهم بالتمسّك به ، ويخاطبهم بكلمة «فيكم» وهو لا وجود له ، وهذا بخلاف القرآن والعترة النبويّة ، فإنّهما موجودان ، «ولن يفترقا حتى يردا عليه الحوض» كما جاء التنصيص عليه في حديث الثقلين المارّ ذكره. فحديث «سنتي» مكذوب به

١٦٥

عليه (ص) ، ومشمول لقوله (ص) في آخر الحديث : «من كذّب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».

الحادي عشر : بما أخرجه الإمام مسلم في (صحيحه) ص ٤١ من جزئه الرابع ، من الطبعة المتقدمة في حجّة الوداع.

عن النبي (ص) أنّه قال : «وقد تركت فيكم لن تضلّوا إن اعتصمتم به : كتاب الله وأنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون قالوا : نشهد أنّك بلّغت ، وأدّيت ، ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ، وينكتها إلى الناس ، اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرّات».

فهذا الحديث كما ترونه صريح في أنّ الذي تركه (ص) فيهم هو كتاب الله ، وليس فيه ذكر سنّته (ص) فلو كان حديث سنّتي صحيحا لأخرجه الإمام مسلم في صحيحه كما أخرج الحديث المشتمل على كلمة «عترتي» ومن حيث أنّه أخرج هذا ، وترك ذاك ، مع أنّه (ص) في مقام بيان ما يجب التمسّك به بعد وفاته (ص) ، لئلا يضلّوا بعده ، علمنا أنّ حديث «سنتي» كذب وانتحال لا أصل له.

قال : إذا كان الاقتصار على ذكر كتاب الله موجبا لبطلان حديث «سنتي» فكذلك يكون موجبا لبطلان حديث «عترتي» لأنّهما من واد واحد فحكمهما واحد؟.

قلت : لما كان الحديثان حديث «عترتي» وحديث «كتاب الله» مرويان في أصحّ الكتب بعد كتاب الله عند أهل السنّة بإجماعهم كان العمل بهما جميعا واجبا لا محيص عنه ، لا سيما إذا علمتم أنّ ثبوت الشيء لا ينفي غيره ، وإن التوسعة في دائرة موضوع الحكم شيء يعرفه العلماء ، ولم يفت ذلك على الإمام مسلم لذا ترونه أخرجهما في صحيحه ، ولم يخرج حديث «سنتي» لبطلانه كما قدمنا ، وحينئذ يكون الجمع بينهما أنّه (ص) ترك فيهم كتاب الله وعترته معا.

١٦٦

الإمام هو غير المجتهد

قال : إنّ ما ذكرتموه من موارد وقوع الخلاف بين الأئمة الأربعة لم يكن ناتجا إلّا عن الاجتهاد ، ووقوع مثل هذا الاختلاف بين أرباب الاجتهاد أمر طبيعي ، لا يختص وقوعه بين الأئمة الأربعة لوقوع مثل هذا الاختلاف بين مجتهدي الشيعة أيضا ، فلو كان مثل هذا الاختلاف مانعا من دخول الأئمة الأربعة في حديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» لكان مانعا أيضا من دخول مجتهدي الشيعة جميعا فيه ، ومن حيث أنّكم لا تقولون بخروجهم عن عموم إطلاقه يلزمكم أن تقولوا بدخول أئمة أهل السنّة في عموم إطلاقه ، وإلّا كان تخصيصكم له تخصيص بلا مخصص وبطلانه ظاهر.

قلت : إنّ الذي كان يدور عليه بحثنا هو موضوع الإمامة ، وهو يختلف كلية عن موضوع الاجتهاد ، والفرق بين الموضوعين في غاية الوضوح لأمور :

الأول : إنّ الإمامة هي الزعامة العظمى ، والرئاسة الكبرى ، في أمور الدين والدنيا ، وهي خلافة الرسول (ص) في حفظ الشريعة ، وحسم مادة الفتن ، وقطع دابر الشغب ، واستئصال الفساد ، وتقويم

١٦٧

المعوج ، وإقامة الحدود ، وتنفيذ الأحكام (أحكام الله المتعلقة بتحديد سلوك المكلفين في واقع حياتهم ، وما يتصل بآخرتهم ، وهي صنو النبوة ، وقائمة مقامها ، وسادة مسدها. غير أنّ الإمام لا يوحى إليه كما يوحى إلى النبي (ص) ، ولا يكون إلّا واحدا في كل عصر وزمان كما جاء عن النبي (ص) فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ص ١٢٨ من جزئه الثاني في باب من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع أنّه (ص) قال : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر».

وأخرج أيضا في أواخر ص ١٢٦ من جزئه الثاني في باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول عن النبي (ص) : أنّه قال : «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه ، فليطعه إذا استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنقه».

وأخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٦ من جزئه الأول في باب الصلاة بعد الفجر حتى ترفع الشمس مختصرا.

وهذا بخلاف الاجتهاد فإنّه قد يبلغ عدد المجتهدين في عصر واحد عشرات المئات لأنّ بابه مفتوح للراغبين في تحصيل الأحكام الشرعية الفرعية من الكتاب والسنّة ، ولا دليل لمن يحاول غلقه في وجوه الطالبين أو يدّعي حرمته على غير الأئمة الأربعة من غير دليل يقرّره الدين ، أو يسنده العقل فلو كان محرّما لكان حراما أيضا على الأئمة الأربعة لأنّ (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة) كما جاء التنصيص عليه في متواتر الحديث.

الثاني : إنّ الإمام كالنبي (ص) واجب الطاعة على الناس أجمعين بما فيهم المجتهدون ، بخلاف المجتهد ، فإنّ طاعته لا تتعدّى مقلّديه في الفروع الفقهية لتحديد سلوكهم ولا تتعدى إلى غيرهم ، ومن ثم إذا ثبت خطأه فلا تجوز طاعته.

١٦٨

الثالث : إنّ الإمام كالنبي (ص) يجب أن يكون معصوما من الخطأ والنسيان والسهو والعصيان كما قدّمنا لأنّه حافظ للشريعة ، وقائم بها. ، فلو جاز عليه الخطأ لم يكن حافظا لها ، ولا منفذا لأحكامها بالشكل الذي أنزل الله تعالى على رسوله (ص) ، بخلاف المجتهد فإنّه لا تجب عصمته ، ويجوز عليه الخطأ ، ولا يستطيع أن يحفظ نفسه من الخطأ والنسيان ويجوز عليه السهو والعصيان.

الرابع : إنّ الإمام يجب أن يكون مخبرا عن الله تعالى بواسطة النبي (ص) ولا يجوز عليه الاجتهاد كالنبي (ص) ، لأنّ الاجتهاد يخطئ والنبي (ص) والإمام لا يخطئان ، ولأنّه لا يحصل معه العلم بأنّ ما يقوله نازل من عند الله تعالى لجواز أن يكون ناشئا عن رأيه ، وهوى نفسه ، وقد حكم النبي (ص) بأنّ ذلك ضلال وإضلال.

ففي صحيح الإمام البخاري في باب ذمّ الرأي وتكلّف القياس في أواسط ص ١٧٣ من جزئه الرابع.

عن عبد الله بن عمرو عن النبي (ص) أنّه قال : «إنّ الله تعالى لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ، ولكنه ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى أناس جهّال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلّون ويضلون».

ولأنّه لو جاز على النبي (ص) الاجتهاد لجاز أن يكون ما يقوله باجتهاده ، وليس نازلا من عند الله تعالى وذلك ينافي قوله تعالى : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) ومناف لما أخرجه البخاري في صحيحه في أواخر ص ١٧٣ من جزئه الرابع في باب ما كان النبي (ص) يسأل ممّا لم ينزل عليه الوحي فيقول (ص) لا أدري ، ولم يجب حتى ينزل عليه الوحي ، ولم يقل برأيه ، ولا بقياس لقوله تعالى : (بِما أَراكَ اللهُ) ولأنّه مناف لقوله تعالى في سورة الحاقة

١٦٩

آية ٤٤ وما بعدها : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) وقال تعالى فيما مرّ : (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) وليس من الممكن إطلاقا أن يكون الإمام ضالا ومضلا وتابعا لغير ما أنزل الله تعالى ، وموجبا على الناس غيره ، ومنفذا لغير ما نزل من عند الله تعالى على رسوله (ص) ، لأنّه لو لم يكن معصوما لجاز أن يفتي الناس بغير علم ، وهو مناف لقوله تعالى في سورة الإسراء آية ٣٦ : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ومناف لقوله تعالى في سورة يونس (ع) آية ٥٩ : (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) بل لو لم يكن معصوما لجاز أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى ، خطأ أو عمدا ، وفي القرآن يقول الله تعالى كما مرّ : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، والظالم كما تعلمون لا يستحق منصب الإمامة ، ولا يليق به لقوله تعالى كما قدمنا : (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).

الخامس : إنّ مخالفة الإمام ، والخروج على أوامره ونواهيه ، مروق عن الدين ، وخروج عن الإسلام ، كالخروج على النبي (ص) ومخالفة أوامره ، ونواهيه ، لقوله (ص) فيما تقدم ذكره مفصلا : «من خرج عن السلطان بشبر ومات ، مات ميتة جاهلية» وقوله (ص) : «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» وقوله (ص) : «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» أي ميتة كفر ، وهذا بخلاف مخالفة أوامر المجتهد ونواهيه فإنّه لا يوجب الخروج عن الإسلام مطلقا.

السادس : إنّ المجتهد يمكن إفحامه ، ففي الإمكان أن يقول المكلف إنّي اجتهدت فأدّى اجتهادي إلى أن لا أقبل قولك في هذا الحال ونحوها فأيّ حجة يا ترى بعد هذا تجدها لله تعالى على الناس أجمعين وفي القرآن يقول الله تعالى في سورة الأنعام آية ١٤٩ : (قُلْ فَلِلَّهِ

١٧٠

الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) بخلاف الإمام فإنّ قوله (ع) قول النبي (ص) ، وفعله فعله (ص) لأنّه مخبر عن الله تعالى بواسطته لا بواسطة رأيه وهواه ، فتتم الحجة به لله تعالى بعد الرسول (ص) على الناس أجمعين والحمد لله تعالى ربّ العالمين.

السابع : إنّ الإمام كالنبي (ص) أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فهو وليّ كل مؤمن ومؤمنة ، كما جاء التنصيص عليه في أحاديثه (ص) ، لا سيما حديث الغدير المتقدم ذكره تفصيلا ، بخلاف المجتهد ، فإنّه لا ولاية له على أنفس الناس مطلقا من ذكر وأنثى.

عصمة الإمام لا ينتقض بعدم عصمة نائبه المجتهد

ثم إنّ وجوب عصمة الإمام لا ينتقض بعدم عصمة نائبه المجتهد في زمان غيبته (ع) ، وذلك لأنّه يعتبر في التناقض شرائط كثيرة على ما سجّله علماء المنطق في كتبهم وأهمها. وحده الموضوع ، والزمان ، والمكان ، ومن المعلوم أنّ الإمام حال حضوره هو غير نائبه المجتهد في عصر غيبته ، فلا ينتقض هذا بذاك لاختلافهما موضوعا ، ومحمولا ، وحكما ، وقياسا ، ومن ثم لا يجوز تحصيل الأحكام بالاجتهاد مع حضوره وإمكان الوصول إليه ، وتحصيلها منه مشافهة ، أو كتابة إذا كانت مفيدة للعلم بصدورها منه (ع).

عدم عصمة المجتهد لا يمنع من رجوع غيره إليه في عصر غيبة الإمام (ع)

وأمّا رجوع غير المجتهد من الشيعة إليه في عصر غيبة الإمام المنتظر (عج) ، وأخذ الأحكام الشرعية الفرعية من طريقه ، مع عدم عصمته ، فهو في الحقيقة رجوع إلى الإمام المعصوم (ع) ، لأنّ أئمتهم الأطهار أمروهم ، في عصر غيبة الثاني عشر منهم ، بالرجوع إلى رواة

١٧١

حديثهم ، وهم المجتهدون العدول ، وحكموا بأنّهم حجة عليهم ، وأنّ تقليدهم مبرئ لذمّتهم منها وهو نظير أمر النبي (ص) برجوع المسلمين في غير المدينة من الأمصار الإسلامية إلى عمّاله المنصوبين من قبله (ص) ، من حملة أحاديثه الشريفة المتعلقة بإدارة شئونهم ، وحلّ مشكلاتهم الدينية والدنيوية ، مع علمه (ص) بعدم عصمتهم.

لا دليل لأهل السنّة على جواز رجوعهم إلى أحد الأئمة الأربعة

وهذا بخلاف حال العامة من أهل السنّة ، فإنّا قد أشرنا فيما تقدم إلى أنّه لا يوجد في كتاب الله تعالى آية ، ولا في سنّة النبي (ص) رواية ما يمكن أن يفيدهم العلم بجواز رجوعهم إلى واحد من أئمة المذاهب الأربعة ، أو غيرهم من علمائهم ، وإن أخذهم أحكام الشريعة من طريقهم مبرئ لذمّتهم منها ، ومسقط للتكاليف الشرعية الموجهة إليهم من الله تعالى على لسان نبيّه (ص) عنهم ، وقلنا لكم إن وجدتم شيئا من ذلك فيهما فاذكروه لنا لتكون العامّة من أهل السنّة على يقين من براءة ذمّتهم منها ، وسقوط المسئولية عنهم أمام الله تعالى في يوم القيامة ، وهيهات إثبات ذلك لأنّ كتاب الله تعالى ، والسنّة النبويّة خاليان من ذلك كلية.

ما قاله أحمد أمين في عدم الحاجة إلى العصمة

قال : يقول خصومكم إنّ الحاجة إلى الإمام ليس هو جواز الخطأ على الأمّة ، بل وظيفته تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد ، وحفظ بيضة الإسلام ، ولا حاجة في ذلك إلى العصمة بل يكفي الاجتهاد والعدالة ، ولأنّ الإمام ليس هو الحافظ للشريعة وإنّما هو المنفّذ والحافظ هم العلماء ، ولو كان وجود المعصوم ضروريا لوجب أن يكون في كل

١٧٢

قطر ، بل في كل بلدة ، إذا لواحد لا يكفي الجميع لانتشار المكلفين في الأقطار ، ونصب نائب عنه لا يفيد ، لأنّ النائب غير معصوم ، ويشهد لذلك ما روي في (الكافي) عن علي (ع) أنّه قال لأصحابه : «لا تكفوا عن مقال بحق ، أو مشورة بقول ، فإنّي لست بآمن أن أخطئ» وما روي من أنّ الحسين كان يظهر الكراهة من صلح أخيه مع معاوية ، وهذا لا يتفق مطلقا مع ما تدعونه من وجوب عصمة أئمتكم؟.

قلت : إنّ هذا شيء التقطه الأستاذ أحمد أمين من وراء بعض من تقدمه ، وسجّله في كتابه (ضحى الإسلام) ص ٢٢٦ من جزئه الثالث بلا تروّ ، ولا تفكير ، لأنّه يرى أنّ وجود المعصوم بالضرورة يوجب تعدده في كل قطر ، بل في كل بلدة ، وهذا لا يمكن ، فوجوده لا يمكن ، ولكن كان عليه في الأقل قبل أن يصدر هذا الحكم أن يقرأ كتاب الله تعالى حيث يقول تعالى كما تقدم تحقيقه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ليعلم وجوب وجود من تجب طاعته كطاعة الله تعالى وطاعة رسوله (ص) ، وأنّ عصمة أولي الأمر في الآية واجبة كعصمة النبي (ص) ، وتلك قضية وحدة السياق وتساوي المتعاطفات في الحكم ، فكما أنّ الله تعالى ورسوله (ص) لا يخطئان ، فكذلك أولو الأمر من بعده ، ولا يجوز التفكيك بين فقرات الآية مطلقا. ومن حيث أنّ النبي (ص) معصوم وجب أن يكون أولو الأمر من بعده معصومين ، لأنّه لو لم يكونوا معصومين لأمروا بالخطإ فتجب طاعتهم في الأمر بالخطإ ، ولا شيء من الخطأ تجوز طاعتهم فيه ، ولما أمر بطاعتهم مطلقا علمنا أنّهم معصومون.

نعم لا جائز في نظر الأستاذ أن يكون الواحد كاف للجميع للتعليل العليل الذي جاء به مؤخرا بقوله «لانتشار المكلفين في

١٧٣

الأقطار ، وعدم عصمة النواب» فيلزم من قوله هذا.

إمّا أن يقول بتعدد الأنبياء ووجود نبي في كل قطر بل في كل بلدة ، لأنّ الواحد لا يكفي الجميع على حدّ قوله ، ونصب النائب عنه لا يفيد ، لأنّ النائب غير معصوم أو يقول بعدم عصمة الأنبياء (ع) وأنّه يجوز عليهم الفسق والعصيان كالأشقياء ، ومنهم سيدهم رسول الله محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليهم أجمعين (نعوذ بالله منه).

وظنّي ، وربّ ظن يقين ، أنّ الشقّ الأخير أولى في اعتقاد الأستاذ (أحمد أمين) من اعتقاده بوجوب تعدّد الأنبياء (ع) ، وأيّهما قال فهو واضح البطلان عند جميع أهل الإيمان.

وكأنّ الأستاذ يرى أنّ الله تعالى ما كان يعلم بانتشار المكلفين في الأقطار ، أو ما كان يعلم بكفاية الواحد ، وعدم عصمة النائب ، فبعث محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله نبيّا للعالمين من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدين. وليت قائل عنّي يقول ل (أحمد أمين) هل يا ترى توقّف تبليغه (ص) لها على أن يشدّ الرحال ، ويسير بنفسه الشريفة إلى جميع الأقطار ، ليبلّغها رسالة ربّه؟ أو يا هل ترى لم يكتف بنصب نائب عنه (ص) مع علمه (ص) بعدم عصمته ، أو أنّه يرى أنّه (ص) كان مقصرا في دعوته ولم يبلغها كاملة غير منقوصة مع عصمته من العصيان ، والخطأ والنسيان ، ولا شكّ في أنّ نسبة شيء من ذلك إلى النبي (ص) كفر وضلال؟!!.

وأمّا قوله : (بل وظيفته تنفيذ الأحكام) فقد مرّ عليكم أنّ تنفيذ الأحكام يجب أن يكون بالشكل الذي أنزل الله تعالى على رسوله (ص) ، وهذا لا يمكن إلّا إذا كان المنفذ لها معصوما لأنّ الاجتهاد يخطئ فلا يحصل معه العلم بتنفيذه لها كما أنزل الله تعالى.

١٧٤

وأمّا قوله : (إنّ الحافظ للشريعة هم العلماء) فيقال له إنّ العلماء غير معصومين فيجوز عليهم الخطأ فيؤدّي خطأهم إلى ضياعها لا حفظها ورعايتها ، فإذا كان العلماء لا يستطيعون على حفظ أنفسهم من الخطأ فكيف يا ترى يستطيعون أن يحفظوا الشريعة من الضياع ، وقديما قالت الحكماء : (فاقد الشيء لا يعطي ما فقده).

وأمّا قوله : (بل الحاجة إليه لدرء المفاسد) فيقال له إنّ غير المعصوم قد يخطئ ، وقد يعصي ، فتقع منه المفاسد عمدا أو خطأ ، فمن يا ترى يوقفه عند حدّه ويدرأ مفاسده إن لم يكن ثمة إمام معصوم؟؟!.

وأمّا ما أورده من الرواية ونسبها إلى (الكافي) فموضوعة لا أصل لها ، لأنّها منافية للأدلّة القطعية على عصمته (ع) ومثلها ما نسبه إلى الإمام الحسين (ع) ، من إظهاره الكراهة من صلح أخيه الحسن (ع) مع معاوية ، فإنّه كذب وانتحال لا أصل له ، مع أنّه معارض للمتواتر من الحديث ، وللأدلّة العقلية القطعية الدالّة على وجوب عصمتهما ، فالقولان المنسوبان إلى علي (ع) وابنه الحسين (ع) مفتعلان مزوّران ، لا أساس لهما من الصحة إطلاقا.

وأمّا العدالة التي هي دون مرتبة العصمة فلا تكفي لما مرّ من أنّ العادل قد يجوز خطأ ، فيصرف أموال بيت مال المسلمين في أغراض نفسه وأهله باعتقاد أنّه في محلّها ، ويقيم الحدود في غير محلّها باعتقاد أنّها في محلّها ، ويعزر من لا يستحق التعزير باعتقاد أنّه مستحقه ، وهلم جرا كل ذلك قد يقع من المجتهد العادل خطأ ، فأي عاقل يا ترى مع هذا كله يقدر أن يزعم أنّ الحافظين للشريعة والقوانين بها العدول من المجتهدين الذين يخطئون وهم لا يعلمون؟.

١٧٥
١٧٦

ما يجب على صاحبي من النصح للأمّة

وبعد هذا كله أليس من الواجب الشرعي عليكم كرجل من رجال الفكر الإسلامي ، المعول عليه في الأمور الدينية والشريعة الإسلامية ، الذي يهمكم تهذيب النفوس ، وصقل العقول وتنويرها بالعقائد الحقّة ، أنّ تدققوا النظر ، وتفكروا جيدا في الحديثين الشريفين اللذين أوردناهما لكم عند ذكرنا لتخلّف علي (ع) عن بيعة السقيفة ، والمسجّلين في أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى عندكم ، بإجماع من يعتدّ به لديكم على ما حكاه ابن حجر في (صواعقه) ص ٧ من الباب الأول الذي عقده لبيان خلافة أبي بكر (رض) في الفصل الأول.

عليكم أن تنصحوا الأمّة بنبذ التعصّب البغيض ، وترك التقليد للآباء والأمهات والآخرين في الدين ، بلا دليل يقرّه العقل والدين ، والتمسّك بعترة النبي (ص) أهل بيته (ع) علي وبنيه الطاهرين ، صلوات الله عليهم أجمعين ، والرجوع إلى ما أراده الله تعالى ورسوله (ص) من إمامة علي (ع) على الأمّة بعد نبيّها (ص) ، كما تقدم من تنصيصهما عليه (ع) في القرآن والصحاح المحمدية (ص) المتواترة الجياد ، دون غيره ، ليحصل لهم النجاة في العاجل والآجل من

١٧٧

الضلال فإنّكم مسئولون عن ذلك عند الله تعالى.

ليس للشيعة ذنب في اتّباعهم عليّا وبنيه (ع)

وهل تجدون للشيعة بعد ذلك ذنبا في تمسّكهم بعلي وبنيه الطاهرين دون من تقدم عليهم؟ وهل يجوز لأحد من الناس أن يؤاخذهم على عدم قبولهم بيعة السقيفة ، وانحرافهم عنها ، وهم يرون رسول الله (ص) يقول : «علي مع الحقّ والحقّ مع علي» ويقول (ص) : «تكون بين الناس فرقة واختلاف ، فيكون علي وأصحابه على الحقّ» ويسمعون الله تعالى يقول : (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) ويرون بأمّ أعينهم تخلّف عليّ عن بيعة الخليفة (رض) في السقيفة ، كما تقدم البحث عن ذلك كلّه مفصلا. ولا شك في أنّكم تعلمون أنّ من يريد غير ما يريده الله ورسوله (ص) لهو في ضلال مبين.

إنّ الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم

فقد غفرت لكم

خير القرون قرني ثم الذين يلونهم

أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم

قال : بعد أن أورد هذه الأحاديث الثلاثة كيف يصحّ مع هذا كلّه أن يرتكب أصحاب رسول الله (ص) الخطأ ، ويختاروا غير الصواب ، وقد حكم النبي (ص) بالخيرية لهم ، وبالهداية والغفران كما نصّت عليه الأحاديث الثلاثة المتقدمة.

قلت : إنّ ما أوردتموه من الأحاديث كلّها من أخبار الآحاد ،

١٧٨

وهي موهونة الطرق والإسناد ، وغير متفق على روايتها بين أهل الإسلام ، لا سيما أن الحديث الأول مخالف للكتاب ، والسنّة ، ودليل العقل.

أمّا الكتاب فقد توعد مرتكبي المحرّمات بالعقاب لا بالغفران من غير توبة ، فلو شاء أهل بدر أن يرتكبوا ما حرّم الله تعالى كالزنا ، وشرب الخمر ، وقتل النفس ، بغير حقّ مثلا ، كانوا كغيرهم من الناس مشمولين بآيات الوعيد بالعقاب ، لا بآيات الغفران من غير توبة ، إذ لا محاباة بين الله تعالى وبين أحد من عباده ، ولا يجري عليه تعالى ما يجري على غيره من المخلوقين من التشهّي وميل النفس ، وليس بينه تعالى وبين أحد من خلقه قرابة ، ليميل إليه.

وهكذا حال السنّة فإنّها لا تخالف كتاب الله في مؤاخذة أهل الكبائر من الذنوب ، والمصرّين على الصغائر منها ، من غير توبة.

وأمّا العقل فإنّه حاكم حكما قطعيا بمؤاخذة أفراد المكلّفين على مخالفتهم لأوامر مولاهم ونواهيه ، سواء أكانوا من أهل بدر أم من غيرهم. فمثل هذا الحديث يستحيل صدوره عن النبي (ص).

وأمّا الحديث الثالث وهو قوله : «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» فنقول فيه :

أولا : إنّ في طريقه حمزة النصيبي ، والحارث بن غصين. والأول متهم بالكذب ، وحديثه لا يساوي فلسا ، وعامّة مروياته موضوعة ، ومنكر الحديث عند شيخ الحديث البخاري ، والثاني مجهول الحال لا يعرف من هو على ما صرّح به إمام الجرح والتعديل عند أهل السنّة الذهبي في كتابه (ميزان الاعتدال) ص ٢٨٤ من جزئه الأول فإنّه قال : (قال ابن معين : حمزة النصيبي لا يساوي فلسا وقال ـ خ ـ (يعني البخاري) منكر الحديث ، وقال الدار قطني : متروك. وقال ابن

١٧٩

عديّ عامة مروياته موضوعة) انتهى وقال ابن حجر العسقلاني في كتابه (لسان الميزان) ص ١٥٦ من جزئه الثاني : (الحارث بن غصين قال ابن عبد البر في كتاب العلم مجهول) انتهى. فكيف ترون أن مثل هذا الخبر الموضوع عند هذين الإمامين يصادم الإجماع القطعي ، ويقاوم ما أدليناه عليكم من أحاديث الحوض والبطانتين : «ولتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا» المجمع على صحة ثبوتها بين الفريقين ، والمسجّلة في صحيح البخاري كما تقدم ، وهي تكفي في إبطال حديث أصحابي كالنجوم ، وإثبات أنّه موضوع لا أصل له. هذا كلّه من حيث فساد سنده.

وأمّا من حيث فساد دلالته ، وإن كان يكفينا بطلان سنده عن بطلان دلالته فمن وجوه :

الأول : إنّ المخاطبين بلفظ اقتديتم ، إن كانوا أصحابه مع غيرهم ، فباطل ، لأنّه لا يصحّ لعربي فصيح أن يقول لأصحابه ، ومع غيرهم ، أصحابي لأنّ غيرهم ليسوا من أصحابه فكيف يصحّ لمسلم أن ينسب إلى النبي (ص) ما لا تسوغه الفصاحة ، وهو أفصح العرب ، وأبلغهم على الإطلاق؟! ولما بطل هذا بطل ذاك ، وإن كان المخاطبون بلفظ اقتديتم غير أصحابه ، فباطل أيضا ، لأنّ المشافهين يومئذ بهذا الخطاب لم يكونوا غير أصحابه ، وذلك لأنّ كل من خاطبه النبي (ص) وشافهه بهذا الخطاب. كان على مرأى منه ومسمع ، فيكون صحابيا ، وإلّا لزمكم أن تقولوا إمّا بمخاطبة المعدومين ، ومشافهتهم ، وبعثهم ، وزجرهم ، وتوجيه الأمر إليهم ، أو تقولوا ببطلان نسبة صحبتهم إليه (ص) ، لأنّ الصحبة مأخوذة من مصاحبة الإنسان لغيره. والشقّ الأول معلوم بالضرورة ، من الدين والعقل ، بطلانه ، ومثله الشقّ الثاني باطل ، لأنّ الحديث نصّ في نسبة صحبتهم إليه (ص) ، وإن كان المخاطبون بلفظ اقتديتم خصوص أصحابه بطل وجوب اقتداء

١٨٠