🚘

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

السيد أمير محمد القزويني

مناظرات عقائديّة بين الشيعة وأهل السنّة

المؤلف:

السيد أمير محمد القزويني


الموضوع : العقائد والكلام
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٨٣
🚘 نسخة غير مصححة

مفصلا فعليكم أن تراجعوا ص ١٨٦ وما بعدها من كتاب (الخطط) لعلّامة أهل السنّة الإمام المقريزي من جزئه الرابع لتعلموا ثمّة صدق ما قلناه ومن حيث ثبت خلاف بعضهم لبعض ، وثبت انتفاء العصمة عنهم ، وخلو القرآن والسنّة عمّا يمكن أن يكون مسوغا للرجوع إليهم ، وأخذ أحكام الشريعة منهم ، علمنا عدم شمول الحديث لهم.

١٤١
١٤٢

حديث النجوم

وممّا يزيد الأمر وضوحا عندكم ، من أنّ حديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» لا يريد غير الأئمة من البيت النبوي (ص) ما أخرجه الحاكم النيسابوري في (مستدركه) صحيحا على شرط البخاري ومسلم من جزئه الثالث ص ١٤٩ وابن حجر الهيتمي في (صواعقه) ص ١٥٠ في تنبيه المفضل الأول في الآيات الواردة في أهل البيت (ع) عن النبي (ص) أنّه قال : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف وإذا خالفتها قبيلة اختلفوا فصاروا حزب إبليس» ونصّ هذا الحديث في عصمتهم فغنى عن البيان وذلك لأنّه لو لم يكونوا معصومين لوجبت مخالفتهم في الخطأ إذ لا شيء من الخطأ لا تجوز مخالفتهم فيه ولما حكم (ص) بأنّ من خالفهم مطّلعا صار من حزب إبليس ثبت أنّهم لا يخطأون مطلقا.

١٤٣
١٤٤

حديث علي مع الحق

أمّا شمول الحديث لشيعة الأئمة من البيت النبوي فيدلّكم عليه مضافا إلى ما تقدّم قوله (ص) : «علي مع الحقّ والحقّ مع علي» وقد أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ ، وحكم بثبوت صحّته غير واحد من علماء أهل السنّة وكبار حفّاظهم العارفين بنقد الحديث.

فمنهم الفضل بن روزبهان في الحديث الرابع والعشرين من أحاديث خلافة علي (ع) بعد النبي (ص) من كتابه الذي سمّاه (إبطال الباطل) ومنهم الحاكم النيسابوري في (مستدركه) ص ١١٩ من جزئه الثالث وصحّحه على شرط البخاري ومسلم.

ومنهم الحافظ الذهبي في (تلخيص المستدرك) ص ١١٩ من جزئه الثالث معترفا بصحّته.

وأخرج الحاكم في صحيح مستدركه ص ١٢٥ من جزئه الثالث عن النبي (ص) أنّه قال : «تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا وأصحابه على الحقّ وأشار إلى علي» ولهذا وأضعاف أمثاله من أحاديثه (ص) سلكت الشيعة سبيله (ع) ، وانحرفت عن غيره ، نزولا على حكم النبي (ص) بأنّ الحق مع علي ، وعلي مع الحق ، يدور معه

١٤٥

حيث ما دار كما جاء التنصيص عليه في بعض متونه.

المناقشة في حديث علي مع الحق

قال : يقول خصومكم نحن لا نسلّم لكم بأنّ مثل هذا الحكم الغيبي يصدر من صاحب الرسالة (ص) لأنّ الإنسان مجهول الخاتمة ، فلا بدّ أنّه (ص) قاله لسبب خاص بأن يكون وقعت خصومة بين علي (ع) وبين أحد فتبين أنّ الحق في جانب علي (ع) ، فلا يكون مثل هذا الحق داخلا في حديث (لا تزال) لدلالة هذا الحديث على العموم وحديث علي (ع) مع الحق على الخصوص ، والفرق بينهما واضح ، لأنّ دلالة العموم لا تدلّ على إرادة الخصوص.

قلت : أولا : كيف فات عليكم دلالة هذا الحديث على العموم دون الخصوص وأنتم تعلمون إجماع علماء أصول الفقه من المسلمين أجمعين على أنّ اسم الجنس المفرد إذا أدخل عليه الألف واللام يفيد العموم مطلقا وكلمة (الحق) اسم جنس قد أدخل عليه الألف واللام فهو يفيد العموم؟ وخصوص المورد لو سلّمناه لكم جدلا فإنّه لا يخصص الوارد مع عموم الحكم كما هو صريح الحديث وهذا نظير ما لو كان زيد عادلا مثلا فقيل لكم : ما تقولون في زيد؟ فقلتم (إنّ العادل مأمون) فإن هذا الحكم قطعا لا يختصّ بزيد وحده بل يتعدّاه إلى كل عادل ، فالحديث من هذا القبيل لأنّا وإن فرضنا اختصاص مورده بقضية خاصة إلّا أنّ ذلك لا يخصص عموم حكمه فيه بل يعمّ غيره ، فالحديث يدلّ بعموم لفظه ومعناه على أنّ عليا (ع) مع الحق والحق معه (ع) في جميع قضاياه الخصوصية والشخصية في كل زمان ومكان. وإذا كان الحق لا ينفك عن علي (ع) أبدا كما هو مفاد الحديث دلّ ذلك أبلغ الدلالة على عصمته ، ووجوب الاقتداء به ، وهو المراد من الإمام ولا جائز على النبي (ص) أن يخبر على الإطلاق بأنّ عليّا (ع) مع الحق

١٤٦

والحق معه ووقوع القبيح جائز منه لأنّه إذا وقع كان الإخبار كذبا ولا يجوز ذلك على رسول الله (ص) بالإجماع.

ثانيا : كيف لا يجوز عندكم صدور مثل هذا الحكم الغيبي القطعي من صاحب الرسالة ، وأنتم تقولون بصدور مثله من النبي (ص) في حديث فيه البشارة لجماعة بالجنّة ، ومنهم الخلفاء الثلاثة (رض) ، وغيرهم فكيف يا ترى صحّ لكم هنا أن يصدر من صاحب الرسالة مثل هذا الحكم الغيبي القطعي والإنسان مجهول الخاتمة ، ولم يصحّ عندكم هناك؟ فسكت صاحبي ولم يقل شيئا.

ثالثا : إنّ النبي (ص) ما كان ليقدم على إصدار مثل هذا الحكم الغيبي القطعي فيقول (ص) : «علي مع الحق والحق مع علي» إلّا بعد أن أعلمه الله تعالى به ، وإنّ عليّا (ع) في علم الله تعالى موصوف بهذا الوصف دائما ، وفي طول حياته (ع) حتى توفّاه الله تعالى وهو على ما هو عليه من ذلك الوصف لم يتغيّر إطلاقا. ولما كان ذلك ثابتا في علمه تعالى أمر نبيّه (ص) أن يخبر الناس به ويبيّن لهم رفيع منزلته وعلوّ مقامه (ع) وأنّه ممّن لا يرتاب في أقواله وأفعاله (ع) وفي القرآن يقول الله تعالى في وصف نبيّه (ص) في سورة النجم آية ٣ و ٤ : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) فقوله (ص) : «علي مع الحق والحقّ مع علي» من الوحي الإلهي الذي لا يعتريه الشك إذ في الشك به مروق عن الإسلام.

تخلّف علي (ع) عن بيعة السقيفة

ولهذا فإنّ الشيعة لما رأت أنّ عليّا (ع) تخلّف عن بيعة الخليفة ، ولم يرض بها ، ولم يبايع أحدا منهم أبدا ، علموا أنّ الحق مع علي (ع) لا مع غيره.

١٤٧

ما تخلّفه (ع) عن بيعة الخليفة أبي بكر (رض) فقد سجّله الإمام البخاري في (صحيحه) في آخر ص ٣٧ في باب غزوة خيبر من كتاب (المغازي) من جزئه الثالث عن عروة عن أمّ المؤمنين عائشة (رض) : «إنّ فاطمة بنت رسول الله (ص) أرسلت إلى أبي بكر (رض) تسأله ميراثها من أبيها رسول الله (ص) ممّا أفاء الله تعالى عليه بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر (رض) : إنّ رسول الله (ص) قال : لا نورث ما تركناه صدقة فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (ع) منها شيئا ، فوجدت فاطمة (ع) على أبي بكر ، فهجرته ، فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد أبيها ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي (ع) ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي (ع) من الناس وجه حياة فاطمة (ع) ولما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ولم يكن يبايع تلك الأشهر» ويقول الفيروزآبادي في (القاموس) كغيره من أئمة اللغة إنّ كلمة (وجدت) : معناها غضبت. وأخرج أيضا في آخر ص ١٢٣ من (صحيحه) في باب فرض الخمس من جزئه الثاني (إنّ فاطمة ابنة رسول الله (ص) سألت أبا بكر الصديق (رض) بعد وفاة رسول الله (ص) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله (ص) ممّا أفاء الله تعالى عليه فقال لها أبو بكر (رض) : إنّ رسول الله (ص) قال : «لا نورث ما تركناه صدقة» فغضبت فاطمة (ع) بنت رسول الله (ص) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر».

وأخرج البخاري في (صحيحه) ص ٢٠٢ من جزئه الثاني في باب منقبة فاطمة بنت رسول الله (ص) أنّه قال : «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني».

وأخرج ابن حجر العسقلاني في كتابه (الإصابة) ص ١٥٧ من جزئه الثامن حديثا صحيحا متفقا عليه عند ترجمته لفاطمة بنت

١٤٨

رسول الله (ص) عن النبي (ص) أنّه قال : «يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك» وأخرجه الحاكم في (مستدركه) ص ١٥٤ من جزئه الثالث وصحّحه على شرط البخاري ومسلم.

فلو كانت بيعة السقيفة مرضية عنده ، ومقبولة لديه (ع) ، وكانت حقّة ، لاستحال أن يتخلّف عنها من لا يفارق الحق إطلاقا وهو معه دائما أبدا كما هو صريح الحديث.

١٤٩
١٥٠

حديث الثقلين

وحسبكم في وجوب التمسّك بعترة النبي (ص) أهل بيته (ص) ولزوم رجوع الأمّة إليهم خاصة دون غيرهم من الخلفاء الثلاثة (رض) والأئمة الأربعة ، حديث الثقلين المتواتر نقله بألفاظ مختلفة وأسانيد صحيحة عند أهل السنّة.

عن النبي (ص) أنّه قال : «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي» على ما سجّله المتقي الهندي في أول كتاب الاعتصام بالكتاب والسكنة عن الحافظين الترمذي والنسائي في ص ٤٤ من (كنز العمال) من جزئه الأول.

وأخرج الترمذي عن زيد بن أرقم كما في ص ٤٤ من (كنز العمال) من جزئه الأول عن النبي (ص) أنّه قال : «إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) من طريق زيد بن ثابت بطريقين صحيحين أحدهما في أول ص ١٨٢ من جزئه الخامس

١٥١

والثاني في آخر ص ١٨٩ من جزئه الخامس.

عن النبي (ص) أنّه قال : «إنّي تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». وأخرجه الحافظ الطبراني في الكبير عن زيد بن ثابت وهو الحديث ٨٧٣ من أحاديث (كنز العمال) في ص ٤٤ من جزئه الأول.

وأخرج الحاكم النيسابوري في (مستدركه) والذهبي في تلخيصه ص ١٤٨ من جزئه الثالث.

عن النبي (ص) أنّه قال : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» ثم قالا : إنّ هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين (البخاري ومسلم) ولم يخرجاه.

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده) من طريق أبي سعيد الخدري من طريقين أحدهما في آخر ص ١٧ من جزئه الثالث وثانيهما في آخر ص ٢٦ من جزئه الثالث.

عن النبي (ص) أنّه قال : «إنّي أوشك أن ادعى فأجيب وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزوجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما» وأخرجه المتقي الهندي عن أبي سعيد وأبي يعلى وابن سعد عن أبي سعيد الخدري في (منتخب كنز العمال) ص ٤٤ من جزئه الثاني وهو الحديث ٩٤٥ من أحاديثه.

وأخرج الحاكم في (مستدركه) ص ١٠٩ من جزئه الثالث.

١٥٢

عن زيد بن أرقم أنّه (ص) لما رجع من حجة الوداع ونزل (غدير خم) أمر (ص) بدوحات فقممن فقال (ص) : «كأنّي دعيت فأجبت ، إنّي تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، وإنّ الله عزوجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فهذا وليّه اللهم وال من والاه وعاد من عاده وانصر من نصره واخذل من خذله» إلى آخر الحديث ثم قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجان بطوله) وأخرجه أيضا في (مستدركه) ص ٥٣٣ من جزئه الثالث من طريق آخر عن زيد بن أرقم وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه واعترف الذهبي في (تلخيصه) ص ٥٣٣ من جزئه الثالث بصحّته.

ويقول ابن الهيثمي في أواسط ص ١٤٨ وما قبلها في الآية الرابعة في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من (صواعقه) في الآيات الواردة في أهل البيت (ع) من الطبعة التي كانت سنة ١٣٨٥ هجرية عن كبير الطبراني بسند رواته كلهم ثقات.

قال رسول الله (ص) : «إنّي مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم» وقال (ثم اعلم إنّ لحديث التمسّك بذلك طرق) كثيرة وردت عن نيف وثلاثين صحابيا ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه وفي بعض تلك أنّه (ص) قال ذلك بحجة الوداع بعرفة وفي أخرى أنّه قاله (ص) بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه (ص) ، وفي أخرى أنّه قاله بغدير خم ، وفي أخرى أنّه قاله لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف ، إلى أن قال في أواسط ص ١٤٩ ثم أحقّ من يتمسّك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن

١٥٣

أبي طالب كرم الله تعالى وجهه لما قدّمنا من مزيد علمه ، ودقائق مستنبطاته ومن ثم قال (الخليفة) أبو بكر : علي عترة رسول الله (ص) أي الذين حثّ على التمسّك بهم فخصّه لما قلنا) انتهى ورواه الحافظ الترمذي في (سننه) ص ٢٢٠ و ٢٢١ من جزئه الثاني عن نيف وثلاثين صحابيا وأخرج الإمام مسلم في صحيحه ص ٢٧٩ من جزئه الثاني في باب فضائل علي بن أبي طالب (ع) عن زيد بن أرقم أنّه قال صدع به النبي (ص) في موضع يدعى خمّا بين مكة والمدينة فحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة بين الفريقين وذلك لما قاله ابن حجر الهيثمي في أوائل ص ٢١ من الباب الأول في الفصل الثالث وهو الباب الذي عقده لخلافة أبي بكر (رض) من (صواعقه) بعد أن أورد حديث صلاة أبي بكر (رض) في مرض النبي (ص) (واعلم إنّ هذا الحديث متواتر فإنّه ورد (عن ثمانية من الصحابة) ثم عدّهم واحد بعد واحد فكانوا ثمانية من الصحابة فحديث الثقلين على ما أفاده ابن حجر متواتر لأنّه ورد عن نيف وعشرين صحابيا في قوله ، وعن نيف وثلاثين صحابيا في قول الترمذي.

فهو كما تراه قد تجاوز حدّ التواتر أضعافا كثيرة عمّا قاله الترمذي ويزيد على ثلاثة أضعاف التواتر فيما قاله الهيثمي وليس عترة النبي (ص) أهل بيته (ع) في الحديث غير علي وفاطمة والحسن والحسين وأبنائهما الطاهرين كما يقتضيه معنى العترة في اللغة فهذا الفيومي يقول في مصباحه بمادة عتر (العترة نسل الإنسان قال الأزهري وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنّ العترة ولد الرجل وذرّيته من عصبه من صلبه ولا تعرف من معنى العترة غير ذلك).

ثمّ إنّ قوله (ص) «أهل بيتي» بعد قوله (ص) «عترتي» يعني خروج غير من ذكرنا عن العترة من أقاربه (ص) ، ويقرر هذا ويعينه ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في أواخر ص ٢٥٩ من جزئه الثالث :

١٥٤

عن النبي (ص) أنّه كان يمرّ ببيت فاطمة (رض) ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر فيقول الصلاة يا أهل البيت (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) وأخرج أيضا في ص ٢٩٢ من حديث أم سلمة.

إنّ النبي (ص) كان في بيتها فأتته فاطمة إلى أن قالت فقال (ص) لها أدعي لي زوجك وابنيك. قالت : فجاء علي والحسن والحسين فدخلوا عليه ، قالت : وأنا أصلي في الحجرة فأنزل الله عزوجل هذه الآية : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قالت : فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ، ثم قال : «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» فقلت : وأنا معكم يا رسول الله (ص) ـ قال : إنّك إلى خير ، إنّك إلى خير».

وأخرج أيضا في ص ٣٢٣ من مسنده من جزئه السادس من حديث أم سلمة.

قالت : «إنّ رسول الله (ص) قال لفاطمة ائتيني بزوجك وابنيك ، فجاءت بهم فألقى عليهم كساء فدكيا ، ثم وضع يده عليهم ، ثم قال اللهم إنّ هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وآل محمد إنّك حميد مجيد. قالت أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال : إنّك على خير».

وأخرج الحديث أيضا الإمام مسلم في صحيحه ص ٢٨٣ من جزئه الثاني في فضائل الحسن والحسين (ع) ونقله السيوطي في كتابه (الدر المنثور) عن الكتب المعتبرة بأسانيد صحيحة في تفسير الآية عن علماء الحديث والتفسير من أهل السنّة.

١٥٥

وعلى ضوء هذا الحديث الشريف بنت الشيعة أصولها وفروعها لأنّه يدلّ على مطلوبها من وجوه.

حديث الثقلين وما يدلّ عليه

الأول : إنّ رسول الله (ص) جعل عترته أحد الثقلين وحكم بأنّهما لن يفترقا أبدا حتى يردا عليه الحوض ، وهو دليل على عصمتهم من الخطأ ، والمعصوم أحقّ بالاتّباع من غيره وذلك لأنّ أهل البيت مع القرآن دائما ، وكل من كان مع القرآن دائما مصيب دائما ، وكل مصيب دائما معصوم ، فأهل البيت معصومون ، والحديث دليل الصغرى من القياس ، وأمّا الكبرى فلأنّه لو جاز عليهم الخطأ لأمروا بالخطإ ، فيجب التمسّك بهم في الأمر بالخطإ ولا شيء من الخطأ يجوز التمسّك به ، ولما وجب التمسّك بهم مطلقا كالقرآن وجب أن يكونوا معصومين ، ولأنّه لو جاز عليهم الخطأ لفارقوا القرآن إذ لا شيء من القرآن بخطإ ، ولما ثبت أنّهم لا يفارقون القرآن ، ثبت أنّهم معصومين ، ولأنّه لو لم يكونوا معصومين لأمروا بالباطل ولا شيء من الباطل يجوز التمسّك به ولما وجب التمسّك بهم كالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وجب أن يكونوا معصومين ، ولا شيء أدلّ على عصمتهم من هذا الحديث الشريف.

الثاني : إنّ الحديث نصّ صريح في أنّ عندهم علم القرآن الذي فيه تبيان كل شيء وتفصيله فيتعيّن على الناس جميعا بما فيهم الخلفاء الثلاثة (رض) والأئمة الأربعة أن يرجعوا إليهم في أخذ معارفه ، وعلومه ، وسائر أحكامه ، لا إلى غيرهم.

الثالث : إنّ رسول الله (ص) جعلهم أعدال القرآن وهو واجب الاتّباع على جميع الناس بما فيهم الخلفاء الثلاثة والأئمة الأربعة (رض) ، فكذلك يجب على الناس كافّة بما فيهم الخلفاء

١٥٦

الثلاثة (رض) والأئمة الأربعة أن يتّبعوهم في كل أمر ونهي دون. غيرهم.

الرابع : إنّ النبي (ص) رتّب الضلال على تركهما معا ، والهدى على التمسّك بهما معا ، فالتمسّك بأحدهما لو صحّ دون الآخر لا يغني من الحق شيئا بل التمسّك بأحدهما دون الآخر لا يكون من التمسّك بأحدهما في شيء كما يقتضيه قوله (ص) : «ولن يفترقا» فكما أنّ المتخلّف عن التمسّك بالقرآن ، والمنحرف عنه ، لا يصيبه إلّا الضلال ، فكذلك المتخلّف عن التمسّك بأهل البيت ، والمنحرف عنهم ، لا يصيبه إلّا الضلال. وهذا هو معنى قول الشيعة إنّه لا علم ، ولا هدى ، إلّا ما كان من طريق عترة النبي (ص) أهل بيته (ع) وإنّه لا نجاة إلّا لهم (ع) ولشيعتهم المتمسّكين بعروة هدايتهم ، وإنّ كل شيء يأتي من طريق غيرهم لا يكون علما ولا هدى بحكم هذا الحديث.

ولما كانت الشيعة لا تريد الوقوع في الضلال لم يرضوا بكتاب الله تعالى بدلا ، ولم يبتغوا عن أعداله حولا.

الخامس : الحديث نصّ صريح في عدم خلو البيت النبوي من رجل في كل زمان هو في وجوب التمسّك به كالقرآن ، وهو دليل على وجود الإمام الثاني عشر منهم (ع) بدليل قوله (ص) «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» كما تقول الشيعة ويقول به غير واحد ، من أعاظم علماء أهل السنّة.

فمنهم : ابن حجر الهيثمي في أواسط ص ١٤٩ من (صواعقه) قال ما نصّه : (وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة ، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك).

١٥٧

ومنهم : الإمام ابن الصبّاغ المكّي المالكي في كتابه (الفصول المهمة) ص ٣١٠ وما بعدها.

ومنهم : الإمام الشبلنجي في كتابه (نور الأبصار) ص ٢٨ وما بعدها.

ومنهم : الشيخ سليمان الحنفي المعروف بخواجة كلاب البلخي القندوزي في كتابه (ينابيع المودة) ص ٤١٤ من جزئه الثاني من النسخة المطبوعة سنة ١٣٠١ هجرية في إسلام بول تركيا وغير هؤلاء ممّن سجّلهم الشيخ القندوزي في (ينابيعه) وهو ممّا اتّفقت عليه أحاديث الفريقين المتواترة. فلو لم يكن للإمام الثاني عشر منهم وجود لبطل قوله (ص) : «لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) والقول ببطلان قول النبي (ص) كفر صراح.

تعداد أسماء الأئمة الاثني عشر

وقد جاء على تعداد أسماء الأئمة الاثني عشر من عترة النبي (ص) أهل بيته (ع) ، واحدا بعد واحد ، جماعة من علماء أهل السنّة فمنهم من تقدّم ذكرهم.

ومنهم : الشيخ محيي الدين ابن العربي في الباب السادس والستين والثلاثمائة من (الفتوحات المكيّة) على ما في ص ١٢٨ من (اليواقيت والجواهر) للشيخ عبد الوهاب الشعراني من جزئه الثاني من النسخة المطبوعة سنة ١٣١٧ هجرية فإنّه قال ما لفظه : (واعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهدي ولكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورا وظلما فيملأها قسطا وعدلا ، ولو لم يكن من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة ، وهو من عترة رسول الله (ص) ، ومن ولد فاطمة (رض) ، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب ، ووالده

١٥٨

الحسن العسكري ، ابن الإمام علي النقي ب (النون) ، ابن الإمام محمد التقي ب (التّاء) ، ابن الإمام الرضا ، ابن الإمام موسى الكاظم ، ابن الإمام جعفر الصادق ، ابن الإمام محمد الباقر ، ابن الإمام زين العابدين علي ، ابن الإمام الحسين ، ابن الإمام علي بن أبي طالب (رض) يواطئ اسمه اسم رسول الله (ص) ، يبايعه المسلمون بين الركن والمقام).

ومنهم : ابن حجر الهيثمي في (صواعقه) في أوائل ص ١٩٨ إلى أوائل ص ٢٠٦ فإنّه بعد أن جاء على ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والحسن والحسين (ع) في الفصل الثالث في الأحاديث الواردة في أهل البيت كفاطمة وولديها (ع) من الباب الحادي عشر فإنّه قال :

(وزين العابدين علي هو الذي خلف أباه الحسين علما ، وزهدا ، وعبادة ، ووارثه عبادة ، وعلما وزهادة ، أبو جعفر محمد الباقر وخلف ستة أولاد أفضلهم وأجلّهم جعفر الصادق ، ومن ثم كان خليفته ونقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، وتوفي عن ست ذكور ، وبنت ، منهم موسى الكاظم وهو وارثه علما ، ومعرفة ، وكمالا ، وفضلا ، وكان أعبد أهل زمانه ، وأعلمهم ، وأسخاهم ، وكانت أولاده سبعة وثلاثين ذكرا وأنثى ، منهم : علي الرضا ، وهو أجلّهم قدرا ، وأنبههم ذكرا ، وتوفي عن خمسة ذكور وبنت أجلّهم محمد الجواد ، ثم ذكر قصته مع القاضي يحيى بن أكتم ، وقال : وتوفي عن ذكرين وبنتين ، أجلّهم علي العسكري ، قضى عن أربعة ذكور وأنثى ، أجلّهم أبو محمد الحسن الخالص ، ثم ذكر قصته مع الراهب النصراني ، وقال : لم يخلف غير ولده. أبي القاسم محمد الحجّة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين ، لكن آتاه الحكمة ، وسمّي القائم المنتظر) انتهى.

١٥٩

فهؤلاء اثنا عشر إماما كما نصّ عليهم رسول الله (ص) في أحاديثه ونصّ كل سابق منهم بالإمامة من بعده على اللاحق منهم صلوات الله وسلامه تعالى عليهم أجمعين.

فحديث الثقلين يا صاحبي هو الأصل الأصيل الذي أسّست الشيعة أصول الشريعة وفروعها عليه ، ورجعوا في فهمها إليهم (ع) ، وأخذوها منهم (ع) ، وهم صلوات الله عليهم أخذوها عن رسول الله (ص) ، عن جبرئيل ، عن الله تعالى ، وبه حكمت الشيعة ببطلان ما زعمه الآخرون ، أصولا وفروعا في الشريعة ، لأنّها لم تبن على أساس هذا الحديث الصحيح المتواتر ، ولا شكّ في أنّ الفروع تفسد بفساد أصلها.

١٦٠