فضائح الباطنية

أبو حامد الغزالي

فضائح الباطنية

المؤلف:

أبو حامد الغزالي


المحقق: محمد علي القطب
الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٥

أخذ العهد عليه ؛ (و) عصا موسى : حجته التى تلقفت ما كانوا يأفكون من الشبه ، لا الخشب ؛ (و) انفلاق البحر : افتراق علم موسى فيها على أقسام ؛ والبحر هو العالم ؛ والغمام الّذي أظلهم : معناه الإمام الّذي نصبه موسى لإرشادهم وإفاضة العلم عليهم ، (و) الجراد والقمل والضفادع : هى سؤالات موسى وإلزاماته التى سلطت عليهم ؛ والمن والسلوى : علم نزل من السماء لداع من الدعاة هو المراد بالسلوى ؛ (و) تسبيح الجبال : معناه تسبيح رجال شداد فى الدين راسخين فى اليقين ، (و) الجن الّذي ملكهم سليمان بن داود : باطنية ذلك الزمان ، والشياطين هم الظاهرية الذين كلفوا بالأعمال الشاقة ؛ (و) عيسى : له أب من حيث الظاهر ، وإنما أراد بالأب : الإمام ، إذ لم يكن له إمام ، بل استفاد العلم من الله بغير واسطة ، وزعموا ـ لعنهم الله! ـ أن أباه يوسف النجار (١) ؛ (و) كلامه فى المهد : اطلاعه فى مهد القالب قبل التخلص منه على ما يطلع عليه غيره بعد الوفاة والخلاص من القالب ؛ (و) إحياء الموتى من عيسى معناه الإحياء بحياة العلم عن موت الجهل بالباطن ؛ وإبراؤه الأعمى : معناه عن عمى الضلال وبرص الكفر ببصيرة الحق المبين ؛ (و) إبليس وآدم : عبارة عن أبى بكر وعلى ، إذ أمر أبو بكر بالسجود لعلى والطاعة له فأبى واستكبر ، (و) الدجال زعموا أنه أبو بكر ، وكان أعور إذ لم يبصر إلا بعين الظاهر دون عين الباطن ؛ ويأجوج ومأجوج : هم أهل الظاهر.

هذا من هذيانهم فى التأويلات حكيناها ليضحك منها ؛ ونعوذ بالله من صرعة الغافل وكبوة الجاهل ؛ ولسنا نسلك فى الرد عليهم إلا بمسالك ثلاثة : إبطال ، ومعارضة ، وتحقيق.

أما الإبطال فهو أن يقال : بم عرفتم أن المراد من هذه الألفاظ ما ذكرتم؟ فإن أخذتموه من نظر العقل فهو عندكم باطل ؛ وإن سمعتموه من لفظ الإمام المعصوم

__________________

(١) يوسف النجار : خطيب مريم ؛ وهم فى قولهم هذا يوافقون اليهود بدعواهم الزنى على مريم عليها‌السلام (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ).

٦١

فلفظه ليس بأشد تصريحا من هذه الألفاظ التى أولتموها. فلعل أمر آخر أشد بطونا من الباطن الّذي ذكرتموه ؛ ولكنه جاوز الظاهر بدرجة فزعم أن المراد بالجبال : الرجال ـ فما المراد بالرجال؟ لعل المراد به أمر آخر. والمراد بالشياطين أهل الظاهر فما أهل الظاهر؟ والمراد باللبن العلم ـ فما معنى العلم؟ فإن قلت : العلم والرجال وأهل الظاهر صريحة فى مقتضياتها بوضع اللغة إن كنت ناظرا بالعين العوراء إلى أحد الجانبين ، فأنت المراد إذا بالدجال فإنه أعور لأنك أبصرت بإحدى العينين فإن الرجال ظاهر ؛ وعميت بالعين الأخرى الناظرة إلى الجبال وإنها أيضا ظاهر. فإن قلت : يمكن أن يكنى بالجبال عن الرجال ـ قلنا : ويمكن أن يكنى بالرجال عن غيرهم كما عبر الشاعر بالرجلين اللذين أحدهما خياط والآخر نساج عن أمور فلكية وأسباب علوية ، فقال :

رجلان : خياط وآخر حائك

متقابلان على السّماك الأعزل

لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر

ويخيط صاحبه ثياب المقبل

وهكذا فى كل فن ؛ وإذا نزل تسبيح الجبال على تسبيح الرجال فلينزل معنى الرجال فى قوله تعالى (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) [النور : ٣٧] على الجبال فإن المناسبة قائمة من الجانبين ؛ ثم إذا نزل الجبال على الرجال ونزل الرجال أيضا على غيره أمكن تنزيل ذلك الباطن الثالث على رابع وتسلسل إلى حد يبطل التفاهم والتفهيم ، ولا يمكن التحكم بأن الحائز الرتبة الثانية دون الثالثة أو الثالثة دون الرابعة.

(المسلك الثانى) معارضة الفاسد بالفاسد ، وهو أن يتناول جميع الأخبار على نقيض مذهبهم ، مثلا يقال : قوله (١) : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» ، أى لا

__________________

(١) قوله : صلى‌الله‌عليه‌وسلم : رواه أحمد والترمذي وابن حبان وصيغته المشهورة : «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صورة».

٦٢

يدخل العقل دماغا فيه التصديق بالمعصوم ؛ وقوله : «إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليغسله سبعا» (١) ـ أى إذا نكح الباطنى بنت أحدكم فليغسلها عن درن الصحبة بماء العلم وصفاء العمل بعد أن يعفرها بتراب الإذلال ؛ أو يقول قائل : النكاح لا ينعقد بغير شهود وولى. وأما قوله : كل نكاح لا يحضره أربعة فهو سفاح ـ معناه : أن كل اعتقاد لم يشهد له الخلفاء الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلى فهو باطل. وقوله : لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل ، أى لا وقاع إلا بذكر وأنثيين ـ إلى غير ذلك من الترهات.

والمقصود من ذكر هذا القدر معارضة الفاسد بالفاسد ، وتعريف الطريق فى فتح هذا الباب ، حتى إذا اهتديت إليه لم تعجز عن تنزيل كل لفظة من كتاب أو سنة على نقيض معتقدهم. فإن زعموا أنكم أنزلتم الصورة على المعصوم فى قوله : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» ـ فأى مناسبة بينهما؟ قلت : وأنتم نزلتم الثعبان على البرهان ، والأب ـ فى حق عيسى ـ على الإمام ، واللبن على العلم فى أنهار اللبن فى الجنة ، والجن على الباطنية ، والشياطين على الظاهرية ، والجبال على الرجال ، ـ فما المناسبة؟ فإن قلت : البرهان يقضم الشبه كما يقضم الثعبان غيره ، والإمام يفيد الوجود العلمى كما يفيد الأب الوجود الشخصى ، واللبن يغذى الشخص كما يغذى العلم الروح ، والجن باطن كالباطنية ـ فيقال لهم : فإذا اكتفيتم بهذا القدر من المشاركة ، فلم يخلق الله شيئين إلا وبينهما مشاركة فى وصف ما ؛ فإنا نزلنا الصورة على الإمام لأن الصورة مثال لا روح فيها ، كما أن الإمام عندكم معصوم ولا معجزة له ؛ والدماغ مسكن العقل كما أن البيت مسكن العاقل ؛ والملك شيء روحانى ، كما أن العقل كذلك. فثبت أن المراد بقوله : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» (٢) ، معناه : لا يدخل العقل دماغا فيه اعتقاد عصمة الإمام. ـ فإذا عرفت

__________________

(١) متفق عليه.

(٢) رواه السبعة.

٦٣

هذا ، فخذ كل لفظ ذكروه ، وخذ ما تريده ، واطلب منهما المشاركة بوجه ما ، وتأوله عليه فيكون دليلا بموجب قولهم كما عرّفتك فى المناسبة بين الملك والعقل ، والدماغ والبيت ، والصورة والإمام. وإذا انفتح لك الباب اطلعت على وجه حيلهم فى التلبيس بنزع موجبات الألفاظ وتقدير الهوسات بدلا عنها ، للتوصل إلى إبطال الشرع. وهذا القدر كاف فى إبطال تأويلهم.

(المسلك الثالث) وهو التحقيق : أن تقول : هذه البواطن والتأويلات التى ذكرتموها ، لو سامحناكم أنها صحيحة فما حكمها فى الشرع؟ أيجب إخفاؤها ، أم يجب إفشاؤها؟ فإن قلتم : يجب إفشاؤها إلى كل أحد ـ قلنا : فلم كتمها محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يذكر شيئا من ذلك للصحابة ولعامة الخلق حتى درج ذلك العصر ولم يكن لأحد من هذا الجنس خبر؟ وكيف استجاز كتمان دين الله ، وقد قال تعالى : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران : ١٨٧] ـ تنبيها على أن الدين لا يحل كتمانه ، وإن زعموا أنه يجب إخفاؤه فنقول : ما أوجب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إخفاؤه من سر الدين ، كيف حل لكم إفشاؤه؟ والجناية فى السر بالإفشاء ممن اطلع عليه من أعظم الجنايات. فلو لا أن صاحب الشرع عرف سرا عظيما ومصلحة كلية فى إخفاء هذه الأسرار لما أخفاها ولما كرر هذه الظواهر على أسماع الخلق ولما تكررت فى كلمات القرآن صفة الجنة والنار بألفاظ صريحة مع علمه بأن الناس يفهمون منه خلاف الباطن الّذي هو حق ، ويعتقدون هذه الظواهر التى لا حقيقة لها. فإن نسبتموه إلى الجهل بما فهمه الخلق منه فهو نسبة إلى الجهل بمعنى الكلام ، إذ كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلم قطعا أن الخلق لا يفهمون من قوله : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ) [الواقعة : ٣٠ ـ ٣٢] إلا المفهوم منه فى اللغة ـ فكذا سائر الألفاظ ؛ ثم مع علمه بذلك كان يؤكده عليهم بالتكرير والقسم ، ولم يفش إليهم الباطن الّذي ذكرتموه لعلمه بأنه سرّ الله المكتوم ، فلم أفشيتم هذا السر وخرقتم هذا الحجاب؟ وهل هذا إلا خروج عن الدين ومخالفة لصاحب الشرع ، وهدم لجميع ما أسسه؟! إن سلم لكم جدلا أن ما ذكرتموه من الباطن حق عند الله ـ وهذا لا

٦٤

مخرج لهم عنه. فإن قيل : هذا سر لا يجوز إفشاؤه إلى عوام الخلق فلهذا لم يفشه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكن حق النبي أن يفشيه إلى سوسه الّذي هو وصيه وخليفته من بعده ؛ وقد أفشاه إلى عليّ دون غيره ـ قلنا : وعليّ هل أفشاه إلى غير سوسه وخليفته ، أم لا؟ فإن لم يفشه إلّا إلى سوسه ، وكذا سوس سوسه وخليفة خليفته إلى الآن ـ فكيف انتهى إلى هؤلاء الجهّال من العوام حتى تناطقوا به وشحنت التصانيف بحكايته ، وتداولته الألسنة؟ فلا بد أن يقال : إن واحدا من الخلفاء عصى وأفشى السر إلى غير أهله فانتشر ، وعندهم أنهم معصومون لا يتصور عليهم العصيان؟ فإن قيل : السوس لا يذكره إلا مع من تعاهده عليه ـ قلنا : وما الّذي منع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أن يعاهد ويذكره إن كان يجوز إفشاؤه مع العهد؟ فإن قيل : لعله عاهد وذكر ، ولكن لم ينقل لأجل العهد الّذي أخذ ممن أفشى إليه. قلنا : ولم انتشر ذلك فيكم وأئمتكم لا يظهرون ذلك إلّا مع من أخذ العهد عليه؟ وما الّذي عصم عهد أولئك دون عهد هؤلاء؟ ثم يقال : إذا جاز إفشاء هذا السر بالعهد فالعهد يتصور نقضه ، فهل يتصور أن يفشيه إلى من يعلم الإمام المعصوم أنه لا ينقضه ، أو يكفى أن يظنه بفراسته واجتهاده واستدلاله بالأمارات؟ فإن قلتم : لا يجوز إلا إلى من علم الإمام المعصوم أنه لا ينقضه بتعريف من جهة الله ، فكيف انتشرت هذه الأسرار إلى كافة الخلق ، ولم تنتشر إلا ممن سمع؟ فإما أن يكون المبلغ ناقضا للعهد ، أو لم يعاهد أصلا. وفى أحدهما نسبة المعصوم إلى الجهل ، وفى الآخر نسبته إلى المعصية ، ولا سبيل إلى واحد منهما عندهم.

وإن زعمتم أنه يحل الإفشاء بالعهد عند شهادة الفراسة فى المأخوذ عليه عهده أنه لا ينقضه استدلالا بالأمارات ففى هذا نقض أصل مذهبهم ، لأنهم زعموا أنه لا يجوز اتباع أدلة العقل ونظره ، لأن العقلاء مختلفون فى النظر ، ففيه خطر الخطأ ـ فكيف حكموا بالفراسة والأمارة التى الخطأ أغلب عليها من الصواب ، وفى ذلك إفشاء سر الدين هو أعظم الأشياء خطرا؟

وقد منعوا التمسك بالظن والاجتهاد فى الفقهيات التى هى حكم بين الخلق على

٦٥

سبيل التوسط فى الخصومات ، ثم ردوا إفشاء سرّ الدين إلى الخيالات والفراسات وهذا مسلك متين يتفطن له الذكى ، ويتبجح (١) به المشتغل بعلوم الشرع ، إذ يتيقن قطعا أن القائل قائلان : قائل يقول لا باطن لهذه الظواهر ولا تأويل لها ، فالتأويل باطل قطعا ؛ وقائل ينقدح له أن ذلك يمكن أن يكون كنايات عن بواطن ، لم يأذن الله لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن يصرح بالبواطن ، بل ألزمه النطق بالظواهر ، فصار النطق بالباطن حراما باطلا وفجورا محظورا ومراغمة (٢) لواضع الشرع.

وهذه التأسيسية بالاتفاق فليس أهل عصرنا ـ مع بعد العهد بصاحب الشرع وانتشار الفساد واستيلاء الشهوات على الخلق وإعراض الكافة عن أمور الدين ـ أطوع للحق ولا أقبل للسر ولا آمن عليه ولا أحرى بفهمه والانتفاع به من أهل عصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهذه الأسرار والتأويلات إن كان لها حقيقة فقد أقفل أسماعهم عنها وألجم أفواه الناطقين عن اللهج بها ، ولنا فى رسول الله أسوة حسنة فى قوله وفعله ، فلا نقول إلا ما قال ولا نظهر إلا ما يظهر ، ونسكت عما سكت عنه ؛ وفى الأفعال نحافظ على العبادات ، بل على التهجد والنوافل وأنواع المجاهدات ، ونعلم أن ما لم يستغن عنه صاحب الشرع فنحن لا نستغنى عنه ولا ننخدع بقول الحمقى : إن نفوسنا إذا صفت بعلم الباطن استغنينا عن الأعمال الظاهرة ، بل نستهزئ بهذا القائل المغرور ونقول له : يا مسكين! أتعتقد أن نفسك أصفى وأزكى من نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد كان يقوم ليلا يصلى حتى تنتفخ (٣) قدماه ، أو يعتقد أنه كان يتنمس (٤) به على عائشة ليخيل إليها أن الدين حق ، وقد كان عالما ببطلانه؟ فإن اعتقدت الأول فما أحمقك ولا نزيدك عليه ، وإن اعتقدت الثانى فما أكفرك وأجحدك!! ولسنا نناظرك عليه ، لكنا نقول : إذا أخذنا بأسوإ الأحوال ، وقصرت

__________________

(١) يتبجح : (بجحه فتبجح) أى : فرحه ففرح.

(٢) مرغمة ؛ راغم فلانا : هجره وعاداه (مختار الصحاح).

(٣) وفى الحديث : تتورم.

(٤) يتنمس ؛ من تنمس الصائد : اتخذ بيتا يستتر فيه للصيد ، والمعنى المقصود هنا : يلبس ويدلس.

٦٦

أدلة عقولنا مثلا عن درك ضلالك وجهلك وعن الإحاطة بصدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنا نرى بدائه عقولنا تقضى بأن الخسران فى زمرة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وموافقته والقناعة بما رضى هو لنفسه ، أولى من الفوز معك أيها المخذول الجاهل ، بل المعتوه المخبل. فلينظر الآن المنصف فى آخر هذا وأوله ، فآخره يقنع العوام بل العجائز ، وأوله يفيد البرهان الحقيقى لكل محقق آنس بعلوم الشرع ؛ وناهيك بكلام ينتفع به كافة الخلق على اختلاف طبقاتهم فى العلم والجهل.

٦٧

الفصل الثانى

فى استدلالهم بالأعداد والحروف

هذا فن من الجهالة اختصت به هذه الفرقة من بين الفرق فإن طوائف الضلال مع انشعاب كلامهم وانتشار طرقهم فى نظم الشبهات لم تتطلخ طائفة منهم بهذا الجنس واستركوها (١) وعلم عوامهم وجهالهم بالضرورة بطلانها فاجتووها (٢) وتشبث بها هؤلاء ، ولا غرو فالغريق بكل شيء يتمسك ، والغبى بكل إيهام يتزلزل ويتشكك ونحن نذكر شيئا يسيرا منه ، ليشكر الناظر فيه ربه على سلامة العقل واعتدال المزاج وصحة الفطرة ، فإن الانخداع بمثل ذلك لا ينبعث إلّا من العته والخبل فى العقل.

فقد قالوا إن الثقب على رأس الآدمى سبعة ، والسموات سبعة. والأرضون سبع ، والنجوم سبعة ، أعنى السيارة ، وأيام الأسبوع سبعة. فهذا يدل على أن دور الأئمة يتم بسبعة.

وزعموا أن الطبائع أربع ، وأن فصول السنة أربعة ، فهذا يدل على الأصول الأربعة ، وهى : السابق والتالى الإلاهان ، والناطق والأساس الإمامان.

وزعموا أن البروج اثنا عشر ، فتدل على الحجج الاثنى عشر كما نقلناه فى مذهبهم. وربما استثاروا من شكل الحيوانات دلالات فقالوا : الآدمى على شكل حروف محمد ، فإن رأسه مثل «ميم» ، ويداه مبسوطتان «كالحاء» وعجزه «كالميم» ورجلاه «كالدال» ، وبهذا الجنس يتكلمون على شكل الطيور والبهائم ، وربما تأولوا من الحروف وأعدادها ، فقالوا : قد قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها.

__________________

(١) استركوها : استضعفوها ؛ وجدوها ركيكة.

(٢) اجتووها : كرهوها.

٦٨

قيل : وما حقها؟ قال : معرفة حدودها» (١) وزعموا أن حدودها معرفة أسرار حروفها وهى أن : «لا إله إلا الله» ـ أربع كلمات وسبعة فصول ، وهى : قطع لا إله إلا الله ، وثلاثة جواهر ، فإن «لا» حرف ، يبقى إله وإلا والله ـ فهى ثلاثة جواهر ، والجملة اثنا عشر حرفا.

وزعموا أن الكلمات الأربع دالة على المدبرين العلويين : السابق والتالى ، والمدبرين السفليين : الناطق والأساس ، هذه دلالته على الروحانيات ، فأما على الجسمانيات فإنها الطبائع الأربع ، وأما الجواهر الثلاثة فدالة على جبريل وميكائيل وإسرافيل من الروحانيات ؛ ومن الجسمانيات على : الطول والعرض والعمق ، إذ بها ترى الأجسام ؛ والفصول السبعة تدل من الروحانيات على الأنبياء السبعة ، ومن الجسمانيات على الكواكب السبعة ، لأنه لو لا الأنبياء السبعة لما اختلفت الشرائع ، كما أنه لو لا الكواكب السبعة لما اختلفت الأزمنة ، والحروف الاثنا عشر تدل على الحجج الاثنى عشر ؛ وفى الجسمانيات على البروج الاثنى عشر ؛ وهكذا تصرفوا فى قول محمد رسول الله وفى الحروف وفى أوائل السور ، وأبرزوا ضروبا من الحماقات تضحك المجانين فضلا عن العقلاء. وناهيك خزيا بطائفة هذا منهج استدلالهم! ولسنا نكثر حكاية هذا الجنس عنهم ، اكتفاء بهذا القدر فى تعريف مخازيهم. وهذا فن يعرف بضرورة العقل بطلانه ، فلا يحتاج إلى إبطاله ، إلا أنا نعلمك فى إفحام الغبى والمعاند منهم مسلكين : مطالبة ، ومعارضة.

أما المطالبة فهو أن يقال : ومن أين عرفتم هذه الدلالات؟ ولو حكم الإنسان بها لحكم على نفسه بأنه من سوء مزاجه : أثار عليه الأخلاط فأورث أضغاث الأحلام ، وقد أضلكم الله إلى هذا الحد ـ حتى لم يستحيوا منها ـ أعرفتم صحتها بضرورة

__________________

(١) حديث متواتر وأصل من أصول الإسلام وقاعدة ؛ رواه أبو هريرة ؛ ورد فى صحيحى البخارى ومسلم كما رواه أبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه فى سننهم. والرواية المشهورة هى : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ؛ فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».

٦٩

العقل أو نظر أو سماع من إمامكم المعصوم؟ فإن ادعيتم الضرورة باهتم (١) عقولكم واخترعتم ثم لم تسلموا من معارض يدعى أنه عرف بالضرورة بطلانه ، ثم يكون مقامه من تعارض الحق بالفاسد مقام من يعارض الفاسد بالفاسد ، وإن عرفتم بنظر العقل فنظر العقل عندكم باطل لاختلاف العقلاء فى نظرهم. وإن صدقتم به فأفيدونا وجه النظر وسياقه وما به الاستدلال على هذه الحماقات. وإن عرفتم ذلك من قول الإمام المعصوم فبينوا أن الناقل عنه معصوم ، أو بلغ الناقلون عنه حد التواتر ، ثم صححوا أن الإمام المعصوم لا يخطئ ؛ ثم بينوا أنه يستحيل أن يفهم ما يعرف بطلانه ، فلعله خدعكم بهذه الحماقات وهو يعلم بطلانها كما زعمتم أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم خدع الخلق بصفة الجنة والنار ، وبما يحكى عن الأنبياء من إحياء الموتى وقلب العصا ثعبانا ، وقد كذب فى جميعها وذكرها مع علمه بأنها لم يكن منها شيء ، وأن الناس يفهمون منها على القطع ظواهرها ، وأنه كان يقصد تفهيم الظواهر ويعلم أنهم يفهمون ما يفهمهم من الظواهر ، وهو خلاف الحق ، ولكن رأى فيه مصلحة ؛ فلعل إمامكم المعصوم رأى من المصلحة أن يستهزئ بعقولكم ويضحك من أذقانكم ، فألقى إليكم هذه الترهات إظهارا لغاية الاستيلاء عليكم والاستعباد لكم ، وافتخارا بغاية الدهاء والكياسة فى التلبيس عليكم. فليت شعرى بما ذا أمنتم الكذب عليه لمصلحة رآها وقد صرحتم بذلك عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهل بينهما فرق؟ إلا أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مؤيد بالمعجزة الدالة على صدقه ، والّذي إليه استروا حكم لا معجزة له سوى حماقتكم؟ هذا سبيل المطالبة.

وأما المعارضة فلسنا نقصد لتعيين الصور ، ولكن نعلمك طريقا يعم كلّ ما فى العالم من الأشكال والحروف. فإن كل موجود فهو من الواحد إلى العشرة فما

__________________

(١) باهتم : بهته : أخذه بغتة ، وبابه قطع ؛ ومنه قوله تعالى : (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ) ، وبهته أيضا : قال عليه ما لم يفعله ، فهو (مبهوت) وبابه قطع ، و(بهتا) أيضا بفتح (الهاء) و(بهتانا) فهو (بهّات) بالتشديد والآخر (مبهوت). و(بهت) بوزن علم أى دهش وتحير و(بهت) بوزن ظرف مثله. وأفصح منهما (بهت) كما قال الله تعالى : (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (مختار الصحاح).

٧٠

فوقها لا محالة. فمهما رأيت شيئا واحدا. فاستدل به على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وإذا رأيت اثنين فقل هو دلالة على الشيخين : أبى بكر وعمر ؛ وإن كان ثلاثة فمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر وعمر ؛ وإن كان أربعة فالخلفاء الأربعة ، وإن كان خمسة فعلى محمد مع الخلفاء الأربعة. وقل : أما تعرفون السر أن الثقب على رأس الآدمى خمس. ما هو؟ الواحد وهو الفم يدل على النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه واحد ؛ والعينان والمنخران على الخلفاء الأربعة. ونقول : أما تعرفون السر فى اسم محمد وأنه أربعة حروف ما هو؟ فإذا قالوا : لا! فنقول : هو السر الّذي لا يطلع عليه إلا ملك مقرب ، فإنه يبنيه على أن اسم خليفته أربعة حروف وهو : عتيق (١) ، دون عليّ الّذي اسمه ثلاثة أحرف ، فإذا وجبت سبعة فاستدل به على سبعة من خلفاء بنى أمية مبالغة فى إرغامهم وإجلالا لبنى العباس عن المعارضة بهم ؛ وقل : عدد السموات السبع والنجوم والأسبوع دال على معاوية ويزيد ثم مروان ثم عبد الملك ثم الوليد ثم عمر ابن عبد العزيز ثم هشام ثم السابع المنتظر وهو الّذي يقال له السفيانى وهو قول الأموية من الإمامية ؛ أو قابلهم بمذهب الراوندية (٢) وقل إنه يدل على العباس ثم عبد الله ابن العباس ، ثم على بن عبد الله ، ثم محمد بن على ، ثم إبراهيم (٣) ، ثم أبو العباس السفاح ثم المنصور. وكذلك ما تجده من عشرة أو اثنى عشر فعد من خلفاء بنى العباس بعددهم ثم انظر هل تجد بين الكلامين فصلا؟ وبه يتبين فساد كلامهم وافتضاحهم وإلزامهم باستدلالهم. وهذا الجنس من الكلام لا يليق بالمحصل فيه الإكثار منه فلنعدل عنه إلى غيره (٤).

__________________

(١) عتيق : لقب أبى بكر رضى الله عنه وليس اسمه ، وقيل : اسمه ؛ وقيل اسمه : عبد الكعبة ـ أيضا ـ ؛ وهذا قبل الإسلام. ولقد سماه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم باسم عبد الله ؛ ولكن غلبت عليه الكنية.

(٢) الراوندية : نسبة إلى أحمد بن يحيى بن إسحاق ، أبو الحسين الراوندى ؛ ونسبته إلى راوند من قرى أصبهان كان مجاهرا بالإلحاد ، وأحد مشاهير الزنادقة. تكلم فيه العسقلانى وابن الجوزى وابن خلكان وأبو العلاء المعرى. صلب ببغداد سنة ٢٩٨ ه‍.

(٣) إبراهيم بن محمد بن على.

(٤) هذه المجاراة لهم فى اعتدادهم بالأعداد لم يقصد بها الإمام الغزالى الحقيقة ، بل استخفافا منه بهم ، وهزءا لهم.

٧١
٧٢

الباب السادس

فى الكشف عن تلبيساتهم التى زوقوها بزعمهم فى

معرض البرهان على إبطال النظر العقلى وإثبات

وجوب التعلم من الإمام المعصوم

وطريقنا أن نرتب شبههم على أقصى الإمكان ثم نكشف عن مكمن التلبيس فيها ، وآخر دعواهم أن العارف بحقائق الأشياء هو المتصدى للإمامة بمصر (١) ، وأنه يجب على كافة الخلق طاعته والتعلم منه لينالوا به سعادة الدنيا والآخرة. ودليلهم عليه قولهم : إن كل ما يتصور الخبر عنه بنفى وإثبات ففيه حق وباطل ؛ والحق واحد ، والباطل ما يقابله ، إذ ليس الكل حقا ، ولا الكل باطلا. فهذه مقدمة ، ثم تمييز الحق عن الباطل لا بدّ منه فهو أمر واجب لا يستغنى عنه أحد فى صلاح دينه ودنياه. فهذه مقدمة ثانية ، ثم درك الحق لا يخلو إما أن يعرفه الإنسان بنفسه من عقله بنظره دون تعلم ، أو يعرفه من غيره بتعلم. فهذه مقدمة ثالثة ، وإذا بطلت معرفته بطريق الاستقلال بالنظر وتحكيم العقول فيه وجب التعلم من الغير ضرورة ، ثم المعلم إما أن يشترط كونه معصوما من الخطأ والزلل مخصوصا بهذه الخاصية ، وإما أن يجوز التعلم من كل أحد. وإذا بطل التعلم من كل أحد ـ أى واحد كان ـ لكثرة القائلين المعلمين وتعارض أقوالهم ؛ ثبت وجوب التعلم من شخص مخصوص بالعصمة من سائر الناس ، ـ فهذه مقدمة رابعة. ـ ثم العالم لا يخلو : إما أن يجوز خلوه من ذلك المعصوم ، أو يستحيل خلوه ، وباطل تجويز خلوه من ذلك المعصوم ، أو يستحيل خلوه ، وباطل تجويز خلوه ، لأنه إذا ثبت أنه مدرك الحق ففى إخلاء العالم عنه تغطية الحق وحسم السبيل عن إدراكه ، وفيه فساد أمور الخلق فى الدين والدنيا ، وهو عين الظلم المناقض للحكمة ، فلا يجوز ذلك من الله

__________________

(١) يقصد الإمامة الفاطمية ؛ وأشهرهم على الإطلاق الحاكم بأمر الله ؛ وهو الّذي عناه الإمام الغزالى.

٧٣

سبحانه ، وهو الحكيم المقدس عن الظلم والقبائح ، فهذه مقدمة خامسة. ـ ثم ذلك المعصوم الّذي لا بدّ من وجوده فى العالم لا يخلو : إما أن يحل له أن يخفى نفسه فلا يظهر ولا يدعو الخلق إلى الحق ، أو يجب عليه التصريح. وباطل أن يحلّ له الإخفاء ، فإنه كتمان للحق ، وهو ظلم يناقض العصمة ، فهذه مقدمة سادسة. ـ وقد ثبت أن فى العالم معصوما مصرحا بهذه الدعوى ، وبقى النظر فى تعيينه. فإن كان فى العالم مدعيان التبس علينا تمييز المحق عن المبطل ؛ وإن لم يكن إلا مدع واحد فى محل الالتباس كان ذلك هو المعصوم قطعيا ولم يفتقر إلى دليل ومعجزة. ويكون مثاله : ما إذا علم أن فى بيت فى الدار رجلا هو عالم ثم رأينا فى بيت رجلا ، فإن كان فى الدار بيت آخر بقى لنا شك فى الّذي رأيناه أنه ذلك العالم أو غيره ، فإن عرفنا أنه لا بيت فى الدار سوى هذا البيت علمنا ضرورة أنه العالم. فكذلك القول فى الإمام المعصوم ، فهذه مقدمة سابعة. ـ وقد علم قطعا أنه لا أحد فى عالم الله يدعى أنه الإمام الحق والعارف بأسرار الله فى جميع المشكلات ، النائب عن رسول الله فى جميع المعقولات والمشروعات ، العالم بالتنزيل والتأويل علما قطعيا لا ظنيا ، إلا المتصدى للأمر بمصر. فهذه مقدمة ثامنة.

فإذا هو الإمام المعصوم الّذي يجب على كافة الخلق تعلم حقائق الحق وتعرف معانى الشرع منه ، وهى النتيجة التى كنا نطلبها.

وعند هذا يقولون : إن من لطف الله وصنعه مع الخلق ألا يترك أحدا فى الخلق يدعى العصمة سوى الإمام الحق ؛ إذ لو ظهر مدّع آخر لعسر تمييز المحق عن المبطل وضل الخلق فيه. فمن هذا لا نرى قطّ للإمام خصما ، بل نرى له منكرا ؛ كما أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن له خصم قط ، والخصم هو الّذي يقول : لست أنت نبيا وإنما أنا النبي ، والمنكر هو الّذي لا يدعى لنفسه ، وإنما ينكر نبوته ، فهكذا يكون أمر الإمام.

قالوا : وأما بنو العباس ـ وإن لم ينفك الزمان عن معارضتهم ـ فلم يكن فيهم من يدعى لنفسه العصمة والاطلاع من جهة الله تعالى على حقائق الأمور وأسرار الشرع

٧٤

والاستغناء عن النظر والاجتهاد بالظن ، فهذه الخاصية هى المطلوبة ، وقد تفرد بهذه الدعوى عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وذريته ؛ وصرف الله دواعى الخلق عن معارضتهم فى الدعوى لمثلها ليستقر الحق فى نصابه وينجلى الشك عن قلوب المؤمنين رحمة من الله ولطفا ، حتى إن فرض شخص يدعى لنفسه ذلك فلا يذكره إلا فى معرض هزل أو مجادلة. فأما أن يستمر عليه معتقدا أو يعمل بموجبه ، فلا.

وهذه مقدمات واضحة ، لم نهمل من جملتها إلا الدليل على إبطال نظر العقل ، حيث قلنا : الحق إما أن يعرفه الإنسان بنفسه من عقله ، أو يتعلمه من غيره. ونحن الآن ندل على بطلان العقل بأدلة عقلية وشرعية وهى خمسة :

أما (الأول) وهى دلالة عقلية : أن من يتبع موجب العقل ويصدقه ففى تصديقه تكذيبه وهو غافل عنه ، لأنه ما من مسئلة نظرية يعتقدها بنظره العقلى إلا وله فيها خصم اعتقد بنظر العقل نقيضها. فإن كان العقل حاكما صادقا ، فقد صدق عقل خصمك أيضا. فإن قلت : لم يصدق خصمى ؛ فقد تناقض كلامك ، إذ صدقت عقلا وكذبت مثله. فإن قلت : صدق خصمى فخصمك يقول : أنت كاذب مبطل. وإن زعمت أنه لا عقل لخصمى وإنما العقل لى ـ فهذه أيضا دعوى خصمك. فبما ذا تتميز عنه : أبطول اللحية ، أم ببياض الوجه ، أم بكثرة السعل (١) ، أو الحدة فى الدعاء!؟ وعند هذا يطلقون لسان الاستهزاء والاستخفاف ، معتقدين أن لهم بكلامهم اليد البيضاء التى لا جواب عنها.

(الدلالة الثانية): قولهم إذا حاكم مسترشد تشكك فى مسألة شرعية أو عقلية ؛ وزعم أنه عاجز عن معرفة دليلها ـ فما ذا تقولون له : أفتحيلونه على عقله ـ ولعله العامىّ الجلف الّذي لا يعرف أدلّة العقول؟ أو هو الذكى الّذي ضرب سهام الرأى على حسب إمكانه فلم تنكشف له المسألة وبقى متشككا؟ أفتردونه إلى عقله الّذي هو معترف بقصوره؟ وهذا محال أو تقولون له تعلم طريق النظر ودليل المسألة

__________________

(١) السّعل : السّعال ، بحركة مصطنعة.

٧٥

منى ، فإن قلتم ذلك فقد ناقضتم قولكم بإبطال التعليم ، إذ أمرتم بالتعليم وجعلتم التعليم طريقا ، وهو مذهبنا ؛ إلا أنكم أبيتم لأنفسكم منصب التعليم ، ولم تستحيوا من خصمكم المعارض لكم المماثل فى عقله لعقلكم ، إن هذا المتعلم يقول : قد دعانى إلى التعلم منه خصمك ، وقد تحيرت فى تعيين المعلم أيضا ، وليس يدعى واحد منكم العصمة لنفسه ، ولا له معجزة تميزه ، ولا هو منفرد بأمر يفارق به غيره ؛ فلا أدرى : أتبع الفلسفى ، أو الأشعرى أو المعتزلى؟ وأقاويلهم متعارضة ، وعقولهم متماثلة ؛ ولست أجد فى نفسى الترجيح بطول اللحية وببياض الوجوه ؛ ولا أرى افتراقا إلا فيه إن اتفق ، فأما العقل والدعوى واغترار كل بنفسه فى أنه المحق وصاحبه المبطل كاغترار صاحبه ؛ فما أشد تناقض هذا الكلام عند من يعرفه!

(الدلالة الثالثة) قولهم : الوحدة دليل الحق ، والكثرة دليل الباطل. فإنا إذا قلنا : كم الخمسة مع الخمسة؟ فالحق واحد وهو أن يقال : عشرة ، والباطل كثير لا حصر له وهو كل ما سوى العشرة مما فوقها أو تحتها. والوحدة لازمة مذهب التعليم ، فإنه اجتمع ألف ألف على هذا الاعتقاد ، واتحدت كلمتهم ولم يتصور بينهم اختلاف. وأهل الرأى لا يزال الاختلاف والكثرة تلازمهم. فدل أن الحق فى الفرقة التى تلازم الوحدة كلمتها ؛ وعليه دل قوله تعالى : (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء : ٨٢].

(الدلالة الرابعة) : قولهم : الناظر إن كان لا يدرك المماثلة بين نفسه وبين خصمه فيحسن الظن بنفسه ويسىء بخصمه ، فلا غرو فإن هذا الغرور مما يستولى على الخلق ، وهو شغفهم بآرائهم وجودة عقولهم ، وإن كان ذلك من أدلة الحماقة. وإنما العجب أنه لا يدرك المماثلة بين حالتيه ، وكم رأى نفسه فى حالة واحدة وقد تحولت حالته فاعتقد الشيء مدة وحكم بأنه الحق الّذي يوجبه العقل الصادق ، ثم يخطر له خاطر فيعتقد نقيضه ويزعم أنه الآن تنبه للحق ، وما كان يعتقد من قبل فخيال انخدع به ويرى نفسه على اعتقاد قاطع فى الحالة الثانية تساوى اعتقاده

٧٦

السابق فإنه كان قاطعا بمثل قطعة الآن! فليت شعرى من أين يأمن الانخداع وأنه سيتنبه لأمر يتبين به أن ما يعتقده الآن باطل ، وما من ناظر إلا ويعتقد مثله مرارا ، ثم لا يزال يعتز آخرا بمعتقده الّذي يماثل سائر معتقداته التى تركها وعرف بطلانها بعد التصميم عليها والقطع بها.

(الدلالة الخامسة) وهى شرعية ، قولهم : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «ستفترق أمّتى نيفا وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ، فقيل : ومن هم؟ فقال؟ أهل السنّة والجماعة.

فقيل : وما السنة والجماعة؟ قال : ما أنا الآن عليه وأصحابى» (١). قالوا : وما كانوا إلا على الاتباع والتعليم فى كل ما شجر بينهم ، وتحكيم الرسول ـ عليه‌السلام ـ فيه لا على اتباع رأيهم وعقولهم. فدل أن الحق فى الاتباع ، لا فى نظر العقول.

وهذا تحرير أدلتهم على أقوى وجه فى الإيراد. وربما يعجز معظمهم عن الإتقان فى تحقيقه إلى هذا الحد.

فنقول وبالله التوفيق : الكلام عليه منهجان : جملى ، وتفصيلى.

المنهج الأول وهو الجملى

أنا نقول : هذه العقيدة التى استنتجتموها من ترتيب هذه المقدمات ، ونظمها بطريق النظر والتأمل ، فإن ادعيتم معرفتها ضرورة كنتم معاندين ، ولم يعجز خصومكم عن دعوى الضرورة فى معرفتهم بطلان مذهبكم. وإن ادعوا ذلك كانوا أقوم قيلا عند المنصف ، وإن ادعيتم إدراكها بالنظر فى ترتيب هذه المقدمات ونظمها على شكل المقاييس المنتجة فقد اعترفتم بصحة النظر العقلى ويدعى بطلانه ، فهذا الكلام مفحم له ، وكاشف عن خزايته. أو يقال له : عرفت بطلان النظر ضرورة أو نظرا؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، فإن الضرورى ما يشترك فى معرفته ذوو العقول السليمة ، كقولنا : الكل أعظم من الجزء ، والاثنان أكبر من

__________________

(١) متفق عليه.

٧٧

الواحد ، والشيء الواحد لا يكون قديما محدثا ، والشيء الواحد لا يكون فى مكانين.

وإن زعم أنه أدرك بطلان النظر بالنظر فقد تناقض كلامه ، وهذا لا مخرج منه أبد الدهر ، وهو وارد على كل باطنى يدعى معرفة شيء يختص به ، فإنه إما أن يدّعى الضرورة أو النظر أو السماع من معصوم صادق يدّعى معرفة صدقه وعصمته أيضا إما ضرورة أو نظرا ، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، وفى دعوى النظر إبطال عين المذهب ، فلتتعجب من هذا التناقض البيّن وغفلة هؤلاء المغرورين عنه.

فإن قال قائل من منكرى النظر : هذا ينقلب عليكم ، إذ يقال لكم : وبم عرفتم صحة النظر؟ إن ادعيتم الضرورة اقتحمتم ما استبعدتموه ، وتورطتم فى عين ما أنكرتموه ، وإن زعمتم : أنا أدركناه نظرا ، فالنظر الّذي به الإدراك بم عرفتم صحته ، والخلاف قائم فيه؟ فإن ادعيتم معرفة ذلك بنظر ثالث لزم ذلك فى الرابع والخامس إلى غير نهاية. ـ قلنا : نعم كان هذا الكلام ينقلب إن كانت المعقولات بالموازنات اللفظية ، وليس الأمر كذلك ، فلتتأمل دقيقة الفرق ، فإنا نقول : عرفنا كون النظر العقلى دليلا إلى العلم بالمنظور فيه بسلوك طريق النظر والوصول إليه. فمن سلكه وصل ، ومن وصل عرف أن ما سلكه هو الطريق ، ومن استراب قبل السلوك فيقال : طريق رفع هذه الاسترابة السلوك.

ومثاله ما إذا سئلنا عن طريق الكعبة فدللنا على طريق معين ، فقيل لنا : من أين عرفتم كونه طريقا؟ قلنا : عرفناه بالسلوك ، بأنا سلكناه فوصلنا إلى الكعبة ، فعرفنا كونه طريقا. ومثاله الثانى : أنا إذا قيل لنا : بم عرفتم أن النظر فى الأمور الحسابية من الهندسة والمساحة وغيرها طريق إلى معرفة ما لا يعرف اضطرارا؟ ـ قلنا : سلوك طريق الحساب ، إذ سلكناه فأفادنا علما بالمنظور فيه ، فعلمنا أن نظر العقل دليل فى الحساب ، وكذلك فى العقليات : سلكنا الطريق النظرية فوصلنا إلى العلم بالمعقولات ، فعرفنا أن النظر طريق ، فهذا لا تناقض فيه. فإن قيل : وبم عرفتم أن

٧٨

ما وصلتم إليه علم متعلق بالمعلوم على ما هو به ، بل هو جهل ظننتموه علما؟ قلنا : ولو أنكر العلوم الحسابية منكر فما ذا يقال له؟ أو ليس يسفه فى عقله ويقال له : هذا يدل على قلة بصيرتك بالحسابيات. فإن الناظر فى الهندسة إذا حصر المقدمات ورتبها على الشكل الواجب يحصل العلم بالنتيجة ضرورة على وجه لا يتمارى فيه ، فهكذا جوابنا فى المعقولات ، فإن المقدمات النظرية ، إذا رتبت على شروطها أفادت العلم بالنتيجة على وجه لا يتمارى فيه ، ويكون العلم المستفاد من المقدمات بعد حصولها ضروريا كالعلم بالمقدمات الضرورية المنتجة له. وإن أردنا أن نكشف ذلك لمن قلت بضاعته فى العلوم فنضرب له مثالا هندسيا ، ثم نضرب له مثالا عقليا لينكشف له الغطاء وينجلى عن عقيدته الخفاء.

أما المثال الهندسى فهو أن أقليدس (١) رسم فى مصنفه فى الشكل الأول من المقالة الأولى مثلثا ، وادّعى أنه متساوى الأضلاع ؛ ولا يعرف ذلك ببديهة العقل ، ولكنه ادعى أنه يعرف بالبرهان نظرا ، وبرهانه بمقدمات :

(الأولى) أن الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى المحيط متساوية من كل جانب ، وهذه المقدمة ضرورية ، إذ الدائرة ترسم بالبركار (٢) على فتح واحد ، وإنما الخط المستقيم من المركز إلى الدائرة هو فتح البركار ، وهو واحد فى الجوانب.

(المقدمة الثانية) إذا تساوت دائرتان بالخطوط المستقيمة من مركزهما إلى محيطهما فالخطوط أيضا متساوية ، ـ ضرورية.

(المقدمة الثالثة) أن المساوى للمساوى مساو ، وهذه أيضا ضرورية. ثم الآن نشتغل بالمثلث ونشير إلى خطين منه ونقول : إنهما متساويان لأنها خطان مستقيمان خرجا من مركز دائرة إلى محيطها ، والخط الثالث مثل لأحدهما لأنه خرج أيضا من

__________________

(١) أقليدس : عالم الحسابيات والهندسة.

(٢) البركار : آلة هندسية ذات ساقين لرسم الدائرة ، (البيكار) أو (البرجل).

٧٩

مركز الدائرة إلى محيطها مع ذلك الخط. وإذا ساوى أحد الخطين فقد ساوى الآخر ، فإن المساوى للمساوى مساو. ـ فبعد هذا النظر نعلم قطعا تساوى أضلاع المثلث المفروض كما عرف سائر المقدمات مثل قولنا : الخطوط المستقيمة من مركز الدائرة إلى المحيط مماثلة ، وغيرها من المقدمات.

المثال العقلى الإلهي : وهو أنا إذا أردنا أن ندلّ على واجب الوجود القائم بنفسه ، المستغنى عن غيره الّذي منه يستفيد كل موجود وجوده ، لم ندرك ثبوت موجود واجب الوجود مستغنيا عن غيره بالضرورة ، بل بالنظر.

ومعنى النظر هو أنا نقول : لا شك فى أصل الوجود وأنه ثابت فإن من قال لا موجود أصلا فى العالم فقد باهت (١) الضرورة والحسّ. فقولنا : لا شك فى أصل الوجود ، مقدمة ضرورية ، ثم نقول : والوجود المعترف به من الكل إما واجب ، وإمّا جائز ، فهذه المقدمة أيضا ضرورية ، فإنها حاصرة بين النفى والإثبات ، مثل قولنا : الموجود إما أن يكون قديما أو حادثا ، فيكون صدقه ضروريا ، وهكذا كل تقسيم دائر بين النفى والإثبات ، ومعناه أن الموجودات إما أن تكون استغنت ، أو لم تستغن ، والاستغناء عن السبب هو المراد بالوجوب ، وعدم الاستغناء هو المراد بالجواز ، فهذه مقدمة ثالثة.

ثم نقول : إن كان هذا الموجود المعترف به واجبا ، فقد ثبت واجب الوجود ؛ وإن كان جائزا مفتقر إلى واجب الوجود ، ومعنى جوازه أنه أمكن عدمه ووجوده على حد واحد. وما هذا وصفه لا يتميز وجوده عن عدمه إلا بمخصص ، وهذا أيضا ضرورى ، فقد ثبت بهذه المقدمات الضرورية واجب الوجود ، وصار العلم بعد حصوله ضروريا لا يتمارى فيه.

فإن قيل : فيه موضع شك ، إذ يقول المعترف به جائز ويقول : قولكم إنه يفتقر إلى واجب كل جائز وجوده ، غير مسلم ، بل يفترق إلى سبب ، ثم ذلك السبب

__________________

(١) باهت : قال غير الحقيقة.

٨٠