فضائح الباطنية

أبو حامد الغزالي

فضائح الباطنية

المؤلف:

أبو حامد الغزالي


المحقق: محمد علي القطب
الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٥

فلينظر الناظر إلى مرتبة الفريقين إذا نسبت الباطنية أنفسها إلى أن نصب الإمام عندهم من الله تعالى ، وعند خصومهم من العباد ، ثم لم يقدروا على بيان وجه نسبة ذلك إلى الله تعالى إلا بدعوى الاختراع على رسوله فى النص على عليّ ، ودعوى بقاء ذلك فى ذرّيته بقاء كل خلف لكل واحد ، ودعوى تنصيصه على أحد أولاده بعد موته ، إلى ضروب من الدعاوى الباطلة ، ولما نسبونا إلى أنّا ننصب الإمام بشهوتنا واختيارنا ، ونقموا ذلك منّا ، كشفنا لهم بالآخرة أنّا لسنا نقدم إلا من قدمه الله ، فإن الإمامة عندنا تنعقد بالشوكة ، والشوكة تقوم بالمبايعة ، والمبايعة لا تحصل إلا بصرف الله تعالى القلوب قهرا إلى الطاعة والموالاة ، وهذا لا يقدر عليه البشر ، ويدلك عليه أنه لو أجمع خلق كثير لا يحصى عددهم على أن يصرفوا وجوه الخلق وعقائدهم عن الموالاة للإمامة العباسية عموما ، وعن المشايعة للدولة المستظهرية ـ أيدها الله بالدوام! ـ خصوصا ، لأفنوا أعمارهم فى الحيل والوسائل وتهيئة الأسباب والوصائل ولم يحصلوا فى آخر الأمور إلّا على الخيبة والحرمان.

فهذا طريق إقامة البرهان على أن الإمام الحق هو أبو العباس أحمد المستظهر بالله ـ حرس الله ظلاله فى هذا العصر ـ ولم يبق إلا حسم مطاعن المنكرين فى دعواهم اختلال شرائط الإمامة وفوات صفات الأئمة ، وها نحن نبين وجه الحق فيه فى معرض سؤال وجواب.

فإن قال قائل : ما ذكرتموه من الترجيح وتعيين هذه الجهة الكريمة لمن يستحق الإمامة إنما يستتب إذا أظهرتم وجود شرائط الإمامة وصفات الأئمة ؛ ولها شروط كثيرة لا تنعقد دون شروطها ، بل لو تطرق الخلل إلى شرط من شرائطها امتنع انعقادها ، ففصّلوا الشروط وبينوا تحقّقها حتى نسلّم لكم ثبوت الإمامة ونبطل مذهب القائلين بأن هذا العصر والأعصار الخالية القريبة كانت خالية عن الإمام لفقد شروط الإمامة فى المترشحين لها.

الجواب : إن الّذي عدّ علماء الإسلام من صفات الأئمة وشروط الإمامة تحصرها عشر صفات : ست منها خلقية لا تكتسب ، وأربع منها تكتسب أو يفيد

١٦١

الاكتساب فيها مزيدا ، فأما الست الخلقية فلا شك فى حضورها ، ولا تتصور المجاحدة فى وجودها : الأولى : البلوغ ـ فلا تنعقد الإمامة لصبى لم يبلغ ؛ الثانية : العقل ـ فلا تنعقد لمجنون ، فإن التكليف ملاك الأمر وعصامه ، ولا تكليف على صبىّ ومجنون ؛ الثالثة : الحرية ـ فلا تنعقد الإمامة لرقيق ، فإن منصب الإمامة يستدعى استغراق الأوقات فى مهمات الخلق ، فكيف ينتدب لها من هو كالمفقود فى حق نفسه الموجود لمالك يتصرف تحت تدبيره وتسخيره! كيف وفى اشتراط نسب قريش ما يتضمن هذا الشرط ، إذ ليس يتصور الرق فى نسب قريش بحال من الأحوال. الرابعة : الذكورية ـ فلا تنعقد الإمامة لامرأة وإن اتصفت بجميع خلال الكمال وصفات الاستقلال. وكيف تترشّح امرأة لمنصب الإمامة ، وليس لها منصب القضاء ، ولا منصب الشهادة فى أكثر الحكومات! الخامسة : نسب قريش لا بد منه لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : الأئمة من قريش ، واعتبار هذا مأخوذ من التوقيف ومن إجماع أهل الأعصار الخالية على أن الإمامة ليست إلا فى هذا النسب ، ولذلك لم يتصدّ لطلب الإمامة غير قرشى فى عصر من الأعصار مع شغف الناس بالاستيلاء والاستعلاء وبذلهم غاية الجهد والطاقة فى الترقى إلى منصب العلى ، ولذلك لما هم المخالفون بمصر (١) لطلب هذا الأمر ادّعوا أولا لأنفسهم الاعتزاء إلى هذا النسب ، علما منهم بأن الخلق متطابقون على اعتقادهم لانحصار الإمامة فيهم. السادسة : سلامة حاسّة السمع والبصر ـ إذ لا يتمكن الأعمى والأصمّ من تدبير نفسه ، فكيف يتقلد عهدة العالم! ولذلك لم يستصلحا لمنصب القضاء ، وأضاف مصنّفون إلى

__________________

(١) المخالفون بمصر : أى الفاطميون ؛ إذ ادعى مؤسس دولتهم «أبو محمد عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون» أنه من نسل الإمام على. قال أبو الفداء فى تاريخه : «وقد اختلف العلماء فى صحة نسبة فقال القائلون بإمامته إن نسبه صحيح ولم يرتابوا فيه ، وذهب كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى موافقتهم أيضا .. وذهب آخرون إلى أن نسبهم مدخول ليس بصحيح. وبالغت طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبهم فى اليهود فقالوا : لم يكن اسم المهدى : عبيد الله ، بل كان اسمه سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان ..» (تاريخ أبى الفداء ج ٢ ص ٦٧ ـ ٦٨. طبعة استانبول سنة ١٢٨٦ ه‍) ، ولقد شغل هذا النزاع حيزا كبيرا فى التاريخ ، وطائفة كبيرة من النسابين ، ويذكر أن المعز لدين الله عند دخوله مصر سئل عن نسبه وحسبه ، فحسب سيفه من غمده إلا قليلا وقال : هذا حسبنا ، ثم نثر دنانير الذهب على الناس وقال : وهذا نسبنا.

١٦٢

هذا اشتراط السلامة من البرص والجذام والزمانة وقطع الأطراف وسائر العيوب الفاحشة المنفّرة ، وأنكره منكرون وقالوا لا حاجة إلى وجود السلامة من هذه الأمراض ؛ فإن التكفّل بأمور الخلق والقيام بمصالحهم لا تستدعيها ، ولم يرد من الشارع توقيف وتعبد فيها ، وليس من غرضنا بيان الصحيح من المذهبين ، وإنما المقصود أن هذه الصفات الست غريزية لا يمكن اكتسابها ، وهى بجملتها حاضرة حاصلة فلا تثور منها شبهة المعاندة.

أما الصفات الأربع المكتسبة ، وهى النجدة والكفاية والعلم والورع ، فقد اتفقوا على اعتبارها. ونحن نبين وجود القدر المشروط لصحّة الإمامة فى الإمام المستظهر بالله أمير المؤمنين ثبت الله دولته ، وأن إمامته على وفق الشرع ، وأنه يجب على كل مفت من علماء الدهر أن يفتى على القطع بوجوب طاعته على الخلق ونفوذ أقضيته بالحق ، وبصحة توليته للولاة ، وتقليده للقضاة ، وصرف حقوق الله إليه ليصرفها إلى مصارفها ويوجّهها إلى مظانها ومواقعها. ونتكلم فى هذه الصفات الأربع على الترتيب :

القول فى الصفة الأولى

وهى النجدة

فنقول : مراد الأئمة بالنجدة ظهور الشوكة ، وموفور العدة ، والاستظهار بالجنود ، وعقد الألوية والبنود ، والاستمكان ـ بتضافر الأشياع والأتباع ـ من قمع البغاة والطغاة ومجاهدة الكفرة والعتاة وتطفئة نائرة (١) الفتن وحسم مواد المحن قبل أن يستظهر شررها وينتشر ضررها ، هذا هو المراد بالنجدة ، وهى حاصلة لهذه الجهة المقدسة ، فالشوكة فى عصرنا هذا من أصناف الخلائق للترك (٢) ، وقد أسعدهم الله تعالى بموالاته ومحبته حتى إنهم يتقربون إلى الله بنصرته وقمع أعداء

__________________

(١) نائرة : ثائرة.

(٢) الترك : العناصر والأجناس ـ غير الفارسية ـ التى دخلت الإسلام ، من بلاد المشرق.

١٦٣

دولته ، ويتدينون باعتقاد خلافته وإمامته ووجوب طاعته ، كما يتدينون بوجوب أوامر الله وبتصديق رسله فى رسالته ، فهذه نجدة لم يثبت مثلها لغيره ، فكيف يتمارى فى نجدته؟

فإن قيل : كيف تحصل نجدته بهم وإنا نراهم يتهجمون على مخالفة أوامره ونواهيه ، ويتعدون الحدود المرسومة لهم فيه ، وإنما تحصل الشوكة بمن يتردد تحت الطاعة على حسب الاستطاعة ؛ وهؤلاء فى حركاتهم لا يترددون إلا خلف شهواتهم ؛ وإذا هاج لهم غضب أو حركتهم شهوة أو أوغر صدورهم ضغينة لم يبالوا بالاتّباع ولم يعرفوا إلا الرجوع إلى ما جبلوا عليه من طباع السباع ، فكيف تقوم الشوكة بهم؟

قلنا : هذا سؤال فى غاية الركاكة ، فإن الطاعة المشروطة فى حق الخلق لقيام شوكة الإمام لا تزيد على الطاعة المشروطة على الأرقاء والعبيد فى حق ساداتهم ، ولا على الطاعة المفروضة على المكلّفين لله ورسوله ، وأحوال العبيد فى طاعة سيدهم وأحوال العباد فى طاعة ربهم لا تنفكّ عن الانقسام إلى موافقة ومخالفة. فلما انقسم المكلّفون إلى المطيعين والعصاة ، ولم ينسلخوا به عن إهاب الإسلام ، ولا انسلّوا به عن ربقته ما داموا معتقدين أن الطاعة لله مفروضة وأن المخالفة محرّمة ومكروهة ، فهذا حال الجدّ فى الطاعة لصاحب الأمر ، فإنهم وإن خالفوا أمرا من الأوامر الواجبة الطاعة اعتقدوا المخالفة إساءة والموافقة حسنة ، ولذلك تراهم لا يغيرون العقيدة عن الموالاة ولو قطعوا إربا ، وما من شخص يقدر مخالفته فى أمر من الأمور إلا وهو بعينه إذا انتهى إلى العتبة الشريفة صفع على الأرض خاضعا وعفّر خده فى التراب متواضعا ، ووقف وقوف أذلّ العبيد على بابه ، وانتهض ماثلا على رجليه عند سماع خطابه ، ولو نبغت نابغة فى طرف من أطراف الأرض على معاداة هذه الدولة الزاهرة لم يكن فيهم أحد إلا ويرى النضال دون حوزتها جهادا فى سبيل الله نازلا منزلة جهاد الكفار ، فأية طاعة فى عالم الله تزيد على هذه الطاعة! وأية شوكة فى الدنيا تقابل هذه الشوكة! وليت شعرى لم لا يتذكر

١٦٤

الباطنية عند إيراد هذا السؤال ما جرى لعلىّ ـ رضى الله عنه! ـ من اضطراب الأحوال وتخلف أشياعه عنه فى القتال ومخالفتهم لاستصوابه فى أكثر الأقوال والأفعال ، حتى كان لا تنفك خطبة من خطبه عن شكايتهم فى الإعراض عنه والاستبداد برأيهم ، حتى كان يقول (١) : «لا رأى لمن لا يطاع»؟ فإذا كانت تقوم شوكته باتباع الأكثر من أتباعه من انتصاب من انتصب لمخالفته ، فكيف لا تقوم الشوكة فى زماننا هذا ، والحال على ما ذكرنا؟! فإن قيل : كان عليّ ـ رضى الله عنه! ـ يتولى الأمر بنفسه ويباشر الحروب ويتبرج (٢) للخلق ولا يحتجب عنهم ، قلنا : ومن الّذي شرط فى الإمامة مباشرة الأمور وتعاطيها بنفسه؟! نعم ، لا حرج عليه لو باشر بنفسه ، فإذا استغنى بجنوده وأتباعه عن المقاساة للحرب بنفسه جاز له الاقتصار على مجرد الرأى والتدبير إذا روجع فى الأمور القريبة منه ومن قطره والتفويض إلى ذوى الرأى الموثوق ببصيرتهم فى الأمور البعيدة عنه ، وهذا الآن فى عصرنا مستغنى عنه ، فقد سخر الله رجال العالم وأبطالهم لموالاة هذه الحضرة وطاعتها حتى تبدّدوا فى أقطار الدنيا ، كما نشاهد ونرى. فليس وراء هذه الشوكة أمر يشترط وجوده لصحّة الإمامة.

فإن قيل : وما بالكم تنظرون إلى هؤلاء ولا تنظرون إلى جنود المخالفين ، وهم أيضا مستظهرون بشوكة على مخالفة هذه الشوكة؟ ـ قلنا : مهما كانت الكثرة من هذا الجانب لم تقدح مخالفة المخالفين ، أفترى لم لم ينظر الباطنى إلى شوكة معاوية وعدّته ومقاومته لعلى بجنوده وأنصاره ؛ فكيف لم يشترط فى صحة الإمامة أن تصفو له جوانب الدنيا عن قذى المخالفة؟ ولو شرط هذا فى الإمامة لم تنعقد الإمامة لأحد قط من مبدأ الأمر إلى زماننا هذا؟ فقد اتضح أن المشروط من هذه الصفة موجود وزيادة.

__________________

(١) راجع «نهج البلاغة» طبعة الحلبى بالقاهرة ، المنسوب للإمام على رضى الله عنه شرح ابن أبى الحديد.

(٢) يتبرج : يبدو ويظهر.

١٦٥

القول فى الصفة الثانية

وهى الكفاية

ومعناها التهدّى لحق المصالح فى معضلات الأمور ، والاطلاع على المسلك المقتصد عند تعارض الشرور ، كالعقل الّذي يميز الخير عن الشر وينصف به الجمهور ، وإنما العزيز المعون عقلا يعرف خير الخيرين وشر الشرين ، وذلك أيضا فى الأمور العاجلة وهى هينة قريبة ؛ وإنما الملتبس عواقب الأمور المخطرة ولن يستقل بها إلا مسدد للتوفيق من جهة الله تعالى.

ونحن نقول : إن هذه الصفة حاصلة ، فإن أسبابها متوافرة ، فإنها مهما حصل من غريزة العقل وانفك عن العته والخبل كان الوصول إلى درك عواقب الأمور بطريق الظنّ والحدس مبنيا على ركنين : أحدهما الفكر والتدبير ، وشرطه الفطنة والذكاء ، وهذه خصلة تميز فيها المنصور إمامته والمفروض طاعته عن النظراء بمزيد النفاذ والمضاء حتى صار أكابر العقلاء يتعجبون فى معضلات الوقائع من رأيه الصائب ، وعقله الثاقب وتفطنه للدقائق يشذ عن درك المحنكين من ذوى التجارب ، وهذه صفة غريزية ، وهى من الله تحفة وهدية.

والركن الثانى : الاستضاءة بخاطر ذوى البصائر واستطلاع رأى أولى التجارب على طريق المشاورة ، وهى الخصلة التى أمر الله بها نبيه إذ قال : (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران : ١٥٩] ثم شرطه أن يكون المستشار مميزا بين المراتب عارفا للمناصب معولا على رأى من يوثق بدهائه وكفايته ومضائه وصرامته وشفقته وديانته ، وهذا هو الركن الأعظم فى تدبير الأمور ، فإن الاستبداد بالرأى ، وإن كان من ذوى البصائر ، مذموم ومحذور ، وقد وفق الله الإمام بتفويض مقاليد أمره إلى وزيره الّذي لم يقطع ثوب الوزارة إلا على قدّه حتى استظهر بآرائه السديدة فى نوائب الزمان ومعضلات الحدثان ومراعاة مصالح الخلق فى حفظ نظام الدين والملك ، وهو الجامع للصفات التى شرطها الشرع والعقل فى المدبر والمشير ، من

١٦٦

متانة الدين ونقاية الرأى وممارسة الخطوب ومقاساة الشدائد فى طوارق الأيام ، ورزانة العقل والعطف على الخلق والتلطف بالرعية ، وبمجموع هذين الأمرين يفهم مطلوب الكفاية ، فإن مقصودها إقامة تناظم الأمور الدينية والدنيوية ، وهذه قضية يستدل على وجودها بمشاهدة الأحوال والأفعال ، فلينظر المنصف كيف عالج معضلات الزمان بحسن رأيه ، لما استأثر الله بروح الإمام المقتدى وأمتع كافة الخلق بالإمامة الزاهرة المستظهرية ، وقد وافق وفاته إحداق العساكر بمدينة السلام وازدحام أصناف الجند على حافتها ، والزمان زمان الفترة ، والدنيا طافحة بالمحن متموّجة بالفتن ، والسيوف مسلولة فى أقطار الأرض ، والاضطراب عامّ فى سائر البلاد لا يسكن فيها أوار الحرب ، ولا تنفكّ عن الطعن والضرب ؛ وامتدت أطماع الجند إلى الذخائر ففغروا أفواههم نحو الخزائن ، وكان يتداعى إلى تغيير الضمائر وثور الأحقاد والضغائن ، فلم يزل بدهائه وذكائه وحسن نظره ورأيه مراعيا لنظام الأمر ، مترددا بين اللطف والعنف حتى انعقدت البيعة وانتشرت الطاعة ، وأذعنت الرقاب واتسقت الأسباب وانطفأت الفتن الثائرة وظلّ ظلّ الخلافة بحسن تدبيره وبرأى وزيره ممدودا ، وأصبح لواء النصر بحسن مساعية معقودا ، وطريق الفساد بهيبته مسدودا ، وأضحت الرعايا فى رعايته وادعة ، وصارت عين الحوادث بحسن كلاءته عن مدينة السلام هاجعة ، فليت شعرى هل تكسب مثل هذه العظائم إلا بكمال الكفاية ونباهة الحزم والهداية! وهل يستدل على كفاية الملوك بشيء سوى انتظام التدبير وحسن الرأى فى اختيار المشير والوزير؟! فليس يعتبر فى صحّة الإمامة من صفة الكفاية إلا ما يسر الله سبحانه له أضعاف ذلك ، فليقطع بوجود هذه الشريطة أيضا مضمومة إلى سائر الشرائط.

القول فى الصفة الثالثة

وهى : الورع

وهذه هى أعزّ الصفات وأجلّها وأولاها بالرعايات ، وأجدرها وهو وصف ذاتى لا يمكن استعارته ولا والوصل إلى تحصيله من جهة الغير ؛ أما النجدة فتحصيلها

١٦٧

من الغير لا محالة ، والهداية وإن اعتمدت على غزارة العقل ففوائدها يمكن فيها الاستعارة بطريق المراجعة والاستشارة ، والعلم أيضا يمكنه تحصيله بالاستفتاء واستطلاع رأى العلماء ؛ والورع هو الأساس والأصل ، وعليه يدور الأمر كله. ولا يغنى فيه ورع الغير ، وهو رأس المال ومصدر جملة الخصال ، ولو اختل هذا ـ والعياذ بالله! ـ لم يبق معتصم فى تحقيق الإمامة ، فالحمد لله الّذي زين أحوال الإمام الحق المنصور إمامته ، بالورع والتقوى حتى أو فى فيه على الغاية القصوى فتميز بمتانة الدين وصفاء العقل واليقين فى جماهير الخلفاء ، حتى ظهر من أحواله ، منذ تجمل صدر الخلافة بجماله ، من إفاضة الخيرات والعطف على الرعايا وذوى الحاجات وقطع العمارات التى كانت العادة جارية بالمواظبة عليها ، كل ذلك إضرابا عن عمارة الدنيا وإكبابا على ما ظهر من عمارة الدين ؛ هذا مع ما ظهر من سيرته فى خاصّة حالته ، من لبس الثياب الخشنة واجتناب الترفه والدعة ، والمواظبة على العبادات ، ومهاجرة الشهوات واللذات ، استحقارا لزخارف الدنيا ، وتوقيا من ورطات الهوى ، والتفاتا إلى حسن المآب فى العقبى ، فهو على التحقيق الشابّ الّذي نشأ فى عبادة الله ، هذا كله فى عنفوان السن وغرة من الشباب وبداية الأمر ، ينبّه العقلاء لما سينتهى إليه الحال إذا قارب سن الكمال :

إن الهلال إذا رأيت نموّه

أيقنت أن سيصير بدرا كاملا

والله تعالى يمده بأطول الأعمار وينشر أعلامه فى أقاصى الديار.

فإن قال قائل : كيف تجاسرتم على دعوى التقوى والورع ، ومن شرطه التجرد عن الأموال حتى لا يأخذ قيراطا إلا من حلّه ، ولا يدعه إلا فى مظنّة استحقاقه ، وقد قال : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (١). وليس يتم الورع بالمواظبة على الفرائض واجتناب الموبقات والكبائر ، بل عماد هذا الأمر العدل واجتناب

__________________

(١) رواه البخارى ومسلم وأحمد من أبو داود.

١٦٨

الظلم فى طرفى الإعطاء والأخذ ، فإن ادعيتم حصول هذا الشرط نفرت القلوب عن التصديق ؛ وإن اعترفتم باختلال الأمر فيه انخرم ما ادعيتموه من حصول الورع والتقوى.

قلنا : هذا السؤال نكسر أولا سورته ، ثم ننبه على سر هو منتهى الإنصاف فنقول : إن صدر الاعتراض عن باطنى فلعله لو راجع صاحبه الّذي يواليه واستقرى ما شاهده من هذه الأحوال فيه ، افتضح فى دعاويه ، وكان الحياء خيرا له مما يورده ويبديه ، وإن صدر السؤال عن أحد علماء العصر الذين يعتقدون خلو الزمان عن الإمام لفقد شرطه ، فيقال له : هون على نفسك ، فإن دعوى وجود هذا الشرط غير مستبعدة ؛ فإن الأموال المنصوبة إلى الخزائن المعمورة أربعة أصناف : الصنف الأول ارتفاع المستغلات ، وهى مأخوذة من أموال موروثة له ، والصنف الثانى أموال الجزية ، وهى من أطيب ما يؤخذ. والصنف الثالث : أموال التركات ، ولم يعهد منه قط إلى الآن الطمع فى تركة يتعين لاستحقاقها وارث ، ومن لا وارث له فمنصبّه بيت المال ؛ الصنف الرابع : أموال الخراج المأخوذة من أرض العراق ، ومذهب الشافعى وطوائف من العلماء أن أرض العراق وقف ـ وهى من عبّادان إلى الموصل طولا ، ومن القادسية إلى حلوان عرضا (١) ، إنه وقفها عمر رضى الله عنه على المسلمين ليكون جميع خراجها منصبا إلى بيت المال ومصالح المسلمين ، فهذه هى الأموال المأخوذة ، وأخذها جائز ، ويبقى النظر فى مصارفها ، وهى مع اختلاف جهاتها تحويها أربع جهات ، وفيها تنحصر مصالح الإسلام والمسلمين :

الجهة الأولى : المرتزقة من جند الإسلام ، إذ لا بدّ من كفايتهم ، وأكثرهم فى هذا العصر مكفيون بثروتهم واستظهارهم ، ومقتدرون على كفاية غيرهم ؛ ومع ذلك فقد أمدّهم الرأى الشريف النبوى فى هذه الأيام مدة مقام العسكر بمدينة

__________________

(١) حلوان : العراقية.

١٦٩

السلام بأموال استفرغ فيها الخزائن ، وأفاض عليهم من ضروب التشريفات والإنعام ما يخلد ذكره على مكرّ الأيام والأعوام.

الجهة الثانية : علماء الدين وفقهاء المسلمين القائمون بعلوم الشريعة ، فإنهم حرّاس الدين بالدليل والبرهان ، كما أن الجنود حرّاسه بالسيف والسنان ، وما من واحد منهم إلا وهو مكفى من جهته برسم وإدرار ، ومخصوص بإنعام وإيثار ، والمستحق لهم أيضا على بيت المال قدر الكفاية ، وهو مبذول لكل من يتشبّه بأهل العلم ، فضلا عمّن يتحلى بتحقيقه.

الجهة الثالثة : محاويج الخلق الذين قصرت بهم ضرورة الحال وطوارق الزمان عن اكتساب قدر الكفاية. وليس ينتهى إليه الخبر فى حاجة إلّا سدّها ، ولا يرتفع إليه قصد ذى فاقة إلّا تداركها ، ومواظبته على الصدقات فى نوب متواليات فى السر والعلانية كافية جميع الحاجات.

الجهة الرابعة : المصالح العامة من عمارة الرباطات والقناطر والمساجد والمدارس ، فيصرف لا محالة إلى هذه الجهة عند الحاجة قدر من بيت مال المسلمين ، فلا ترى هذه المواضع فى أيامه إلا معمورة وملحوظة بالتعاهد من القوام بها والمتكفلين لها ، وهذا وجه الدخل والخرج.

ونختم الكلام بما يقطع مادّة الخصام وتبين فيه غاية الإنصاف فنقول : لا يظنن ظان أنا نشترط فى الإمامة العصمة ، فإن العلماء اختلفوا فى حصولها للأنبياء ، والأكثرون على أنهم لم يعصموا من الصغائر ، ولو اعتبرت العصمة من كل زلة لتعذرت الولايات وانعزلت القضاة ، وبطلت الإمامة ، وكيف يحكم باشتراط التنقى من كل معصية والاستمرار على سمت التقوى من غير عدول ، ومعلوم أن الجبلات متقاضية للّذات ، والطباع محرضة على نيل الشهوات ، والتكاليف يتضمنها من العناء ما يتقاعد عن احتمالها الأقوياء ، ووساوس الشيطان وهواجس النفس مستحثة على حب العاجلة واستحقار الآجلة ، والجبلة الإنسانية بالسوء أمارة ،

١٧٠

والتقىّ فى أرجوحة الهوى يغلب تارة ويعجز تارة ، والشيطان ليس يفتر عن الوساوس ، والزلات تجرى على الأنفاس ؛ فكيف يتخلص البشر عن اقتحام محظور والتورط فى محظور!؟ ولذلك قال الشافعى ـ رضى الله عنه ـ فى شرط عدالة الشهادة : لا يعرف أحد بمحض الطاعة حتى لا يتضمخ (١) بمعصية ؛ ولا أحد بمحض المعصية حتى لا يقدم على طاعة ، ولا ينفك أحد عن تخليط ؛ ولكن من غلبت الطاعات فى حقه المعاصى ، وكانت تسوؤه سيئته وتسره حسنته فهو مقبول الشهادة ؛ ولسنا نشترط فى عدالة القضاء إلا ما نشترطه فى الشهادة ، ولا نشترط فى الإمامة إلا ما نشترطه فى القضاء ، وهذا ذكرناه إذا لج ملاح أو ألح ملحّ ولازم اللدد فى تصوير أمر من الأمور لا يوافق ظاهر الشرع ، وإرادته الطعن فى الإمامة والقدح فيها ، عرف أن ذلك غير قادح فى أصل الإمامة بحال من الأحوال.

القول فى الصفة الرابعة

وهى العلم

فإن قال قائل : اتفق رأى العلماء على أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى فى علوم الشرع ، ولا يمكنكم دعوى وجود هذه الشريطة ، ولو ادعيتم أن ذلك لا يشترط كان انسلالا عن وفاق العلماء قاطبة ، فما رأيكم فى هذه الصفة؟

قلنا : لو ذهب ذاهب إلى أن بلوغ درجة الاجتهاد لا يشترط فى الإمامة لم يكن فى كلامه إلا الإعزاب (٢) عن العلماء الماضين ، وإلا فليس فيه ما يخالف مقتضى الدليل وسياق النظر ، فإن الشروط التى تدعى للإمامة شرعا لا بدّ من دليل يدلّ

__________________

(١) يتضمخ : يتلطّخ.

(٢) الإعزاب : الاعتزال والابتعاد.

١٧١

عليها ، والدليل إما نص من صاحب الشرع ، وإما النظر فى المصلحة التى طلبت الإمامة لها ولم يرد النص من شرائط الإمامة فى شيء إلا فى النسب إذ قال : «إن الأئمة من قريش»! (١) ، فأما ما عداه فإنما أخذ من الضرورة والحاجة الماسة فى مقصود الإمامة إليها ، فهذا كما شرطنا : العقل ، والحرية ، وسلامة الحواس ، والهداية ، والنجدة ، والورع ، فإن هذه الأمور لو قدر عدمها لم ينتظم أمر الإمامة بحال من الأحوال. وليست رتبة الاجتهاد مما لا بدّ منه فى الإمامة ضرورة ، بل الورع الداعى إلى مراجعة أهل العلم فيه كاف ، فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأىّ فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره ، أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه؟! وإذا جاز للمجتهد أن يعوّل على قول واحد ، ويروى له حديثا فيحكم به ، إماما كان أو قاضيا ، فما المانع من أن يحكم بما يتفق عليه العلماء فى كل واقعة؟ وإن اختلف فيتبع فيه قول الأفضل الأعلم ، ولم لا يكون مكملا بأفضل أهل الزمان مقصود العلم ، كما كمّل بأقوى أهل الزمان مقصود الشوكة ، وبأدهى أهل الزمان وأكفاهم رأيا ونظرا مقصود الكفاية ، فلا تزال دولته محفوفة بملك من الملوك قوىّ يمدّه بشوكته ، وكاف من كفاة الزمان يتصدى لوزارته فيمده برأيه وهدايته ، وعالم مقدم فى العلوم يفيض ما يلوح من قضايا الشرع فى كل واقعة إلى حضرته ، هذا لو قال به قائل لكان مستمدا من قواطع الأدلة والبراهين التى يجوز استعمالها فى مظانّ القطع واليقين ، فكيف فى مواقع الظن والتخمين!

وأكثر مسائل الإمامة وأحكامها مسائل فقهية ظنية يحكم فيها بموجب الرأى الأغلب. وما ذكرته مسلك واضح فيه ، ولكنى لا أوثر الإعزاب عن الماضين ولا الانحراف عن جادة الأئمة المنقرضين ، فإن الانفراد بالرأى والانسلال عن موافقة الجماهير لا ينفك عن إثارة نفرة القلوب ، لكنى أستميح مسلكا مقتبسا من كلام الأئمة المذكورين وأقول :

__________________

(١) متفق عليه.

١٧٢

اختلف الناس فى أن أهل الاختيار لو عقدوا عقد البيعة للمفضول وأعرضوا عن الأفضل هل تنعقد الإمامة مع الاتفاق على أن تقديم الأفضل عند القدرة واجب متعين؟ ثم ذهب الأكثرون إلى أنها إذا عقدت للمفضول مع حضور الأفضل انعقدت ولم يجز خلعه لسبب الأفضل ، وأنا من هذا أنشئ وأقول : إن رددناها فى مبدأ التولية بين مجتهد فى علوم الشرع وبين متقاصر عنها فيتعين تقديم المجتهد لأن اتباع الناظر علم نفسه له مزيّة رتبة على اتباع علم غيره بالتقليد. والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع القدرة على مراعاتها ، أمّا إذا انعقدت الإمامة بالبيعة أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد ، وقامت له شوكة وأذعنت له الرقاب ، ومالت إليه القلوب ، فإن خلا الزمان عن قرشى مجتهد يستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة ، وهذا حكم زماننا ، وإن قدر ضربا للمثل حضور قرشى مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون فى خلع الأول إلى تعرض لإثارة فتن واضطراب أمور لم يجز لهم خلعه والاستبدال به ، بل تجب عليهم الطاعة والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته ، لأنّا نعلم بأن العلم مزية روعيت فى الإمامة تحسينا للأمر وتحصيلا لمزيد المصلحة فى الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد ، وإن الثمرة المطلوبة من الإمامة تطفئة الفتن الثائرة فى تفرق الآراء المتنافرة ، فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة وتشويش نظام الأمور وتفويت أصل المصلحة فى الحال تشوّفا إلى مزيد دقيقة فى الفرق بين النظر والتقليد! وعند هذا ينبغى أن يقيس الإنسان ما ينال الخلق بسبب عدول الإمام عن النظر إلى تقليد الأئمة بما ينالهم لو تعرضوا لخلعه واستبداله أو حكموا إمامته غير منعقدة ، وإذا أحسن إيراد هذه المقالة علم أن التفاوت بين اتّباع الشرع نظرا واتّباعه تقليدا قريب هين ، وأنه لا يجوز أن تخرم بسببه قواعد الإمامة. وهذا تقدير تسامحنا به من وجهين :

أحدهما : تقدير قرشى مجتهد مستجمع الصفات متصد لطلب الإمامة ، وهذا لا وجود له فى عصرنا.

١٧٣

والثانى : تقدير اقتدار الخلق على الاستبدال بالإمام والتصرف فيه بالخلع والانتقال ؛ وهذا محال فى زماننا ، إذ لو أجمع أهل الدهر وتألبوا على أن يصرفوا الوجوه والقلوب عن الحضرة المقدسة المستظهرية لم يجدوا إليها سبيلا ، فيتعين على كافة علماء العصر الفتوى بصحة هذه الإمامة وانعقادها بالشرع.

ولكن بعد هذا شرطان : أحدهما أن لا يمضى كل قضية مشكلة إلا بعد استنتاج قرائح العلماء والاستظهار بهم ، وأن يختار لتقليده عن التباس الأمر واختلاف الكلمة أفضل أهل الزمان وأغزرهم علما ، وقلما تنفك مدينة السلام عن شخص يعترف له بالتقدم فى علم الشرع ، فلا بدّ من تعرف الشرع فى الوقائع منه لينوب ذلك عن الاجتهاد ، والثانى أن يسعى لتحصيل العلم وحيازة رتبة الاستقلال بعلوم الشرع ، فإن الإمامة وإن كانت صحيحة منعقدة فى الحال فخطاب الله تعالى قائم بإيجاب العلم وافتراض تحصيله ، إذا ساعدت القدرة عليه لم يكن للتوانى فيه عذر ، لا سيما والسن سنّ التحصيل ، وريعان الشباب معين على الغرض ، والقدر الواجب تحصيله شرعا إذا صرف إليه الهمة الشريفة حصل فى قدر يسير من الزمان ، ولا يليق تطلب غايات الكمال إلا بالحضرة المقدسة الشريفة النبوية المحفوفة بالعزّ والجلال.

وإذا اتضح ، فى هذا الباب ، بهذه البراهين اللائحة أن مقتضى أمر الله أن الإمام الحق المستظهر بالله هو المتعين لخلافة الله فما أجدر هذه النعمة أن تقابل بالشكر! وإنما الشكر بالعلم وبالعمل وبالمواظبة على ما أودعته فى الباب الآخر من الكتاب ، وعلى الجملة فشكر هذه النعمة ألا يرضى أمير المؤمنين أن يكون لله على وجه الأرض عبد أعبد وأشكر منه ؛ كما أن الله تعالى لم يرض أن يكون له على وجه الأرض عبد أعزّ وأكرم من أمير المؤمنين ، فهذا هو الشكر الموازى لهذه النعمة.

والله ولى التوفيق ، بمنّه ولطفه.

١٧٤

الباب العاشر

الوظائف الدينية التى بالمواظبة عليها

يدوم استحقاق الإمامة

ومن فرائض الدين على أمير المؤمنين زاده الله توفيقا المداومة على مطالعة هذا الباب والاستقصاء على تأمله وتصفحه ومطالبة النفس الكريمة حتى تستمر عليه ، فإن ساعد التوفيق للمجاهدة فى الاقتدار على وظيفة من هذه الوظائف ولو فى سنة فهى السعادة القصوى ، وهذه الوظائف بعضها علمية ، وبعضها عملية ، فتقدم العلمية ، فإن العلم هو الأصل ، والعمل فرع له ، إذ العلوم لا حصر لها ؛ ولكنا نذكر أربعة أمور هن أمهات وأصول :

الأول : أن يعرف أن الإنسان فى هذا العالم لم خلق ، وإلى أى مقصد وجّه ولأى مطلب رشّح؟ وليس يخفى على ذى بصيرة أن هذه الدار ليست دار مقرّ ، وإنما هى دار ممر ؛ والناس فيها على صورة المسافرين ، ومبدأ سفرهم بطون أمهاتهم ، والدار الآخرة مقصد سفرهم ، وزمان الحياة مقدار المسافة ، وسنوه (١) منازله ، وشهوره فراسخه وأيامه أمياله ، وأنفاسه خطاه ، ويصار بهم عبر السفينة براكبها ، ولكل شخص عند الله عمر مقدر لا يزيد ولا ينقص ، ولهذا قال عيسى صلوات الله عليه وسلامه : «الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها» وقد دعى الخلق إلى لقاء الله فى دار السلام وسعادة الأبد ، فقال الله تعالى : (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ) [يونس : ٢٥] ، وهذا السفر لا يفضى إلى المقصد إلا بزاد وهو التقوى ؛ ولذلك قال الله تعالى : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) [البقرة : ١٩٧] ، فمن لم يتزود فى دنياه لآخرته بالمواظبة على العبادة فسيرجع منه عند الموت ما اغتر من جسده وماله فيتحسر حيث لا يغنيه التحسر ويقول : (يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ

__________________

(١) سنوه : سنيه وأعوامه.

١٧٥

الْمُؤْمِنِينَ) [الأنعام : ٢٧] ، ويقول : (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) [الأعراف : ٥٣] ، فحينئذ (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) [الأنعام : ٦]. وهذا الإنسان من وجه آخر فى دنياه حارث ، وعمله حرثه ودنياه محترثه ، ووقت الموت وقت حصاده ، ولذلك قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الدنيا مزرعة الآخرة ، وإنما البذر هو العمر» فمن انقضى عليه نفس من أنفاسه ولم يعبد الله فيه بطاعة فهو مغبون لضياع ذلك النفس ، فإنه لا يعود قط ، ومثال الإنسان فى عمره مثال رجل كان يبيع الثلج وقت الصيف ولم تكن له بضاعة سواه ، فكان ينادى ويقول : ارحموا من رأس ماله يذوب ، فرأس مال الإنسان عمره الّذي هو وقت طاعته ، وإنه ليذوب على الدوام ، فكلما زاد سنّه نقص بقية عمره ، فزيادته نقصانه على التحقيق ، ومن لم ينتهز فى أنفاسه حتى يقتنص بها الطاعات كلها كان مغبونا ، ولذلك قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه شرّا من أمسه فهو ملعون». فكل من صرف عمره إلى دنياه فقد خاب سعيه وضاع عمله كما قال الله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ) [هود : ١٥] الآية ؛ ومن عمل لآخرته فهو الّذي أنجح سعيه كما قال تعالى : (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) [الإسراء : ١٩].

الوظيفة الثانية : أنه مهما عرف أن زاد السفر إلى الآخرة التقوى فليعلم أن التقوى محلها ومنبعها القلب لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «التقوى هاهنا» (١) ، وأشار إلى صدره ، وينبغى أن يكون الاجتهاد فى إصلاح القلب أولا ، إذ صلاح الجوارح تابع له ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن فى بدن ابن آدم لبضعة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهى القلب» (٢) ، وإصلاح القلب شرطه تقدّم تطهيره عليه ،

__________________

(١) متفق عليه.

(٢) رواه مسلم وأبو داود.

١٧٦

وطهارته فى أن يطهر عن حب الدنيا لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «حب الدنيا رأس كل خطيئة» (١) ، وهذا هو الداء الّذي أعجز الخلق.

ومن ظنّ أنه يقدر على الجمع بين التنعم فى الدنيا والحرص على ترتيب أسبابها ، وبين سعادة الآخرة فهو مغرور ؛ كمن يطمع فى الجمع بين الماء والنار ، لقول أمير المؤمنين رضى الله عنه : الدنيا والآخرة ضرّتان : مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى. نعم! لو كان الإنسان يشتغل بالدنيا لأجل الدين ، لا لأجل شهوته ، كمن يصرف عمره إلى تدبير مصالح الخلق شفقة عليهم ، أو يصرف بعض أوقاته إلى كسب القوت ، ونيّته فى كسب القوت إلى أن يتقوى بتناوله على الطاعة والتقوى فهذا من عين الدين ، وعلى هذا المنهاج جرى حرص الأنبياء والخلفاء الراشدين فى أمور الدنيا.

ومهما ثبت أن الزاد هو التقوى ، وأن التقوى شرطها خلو القلب عن حبّ الدنيا ، فليكن الجهد فى تخليته عن حبّها ، وطريقه أن يعرف الإنسان عيب الدنيا وآفتها ، ويعرف شرف السعادة فى الدار الآخرة وزينتها ، ويعلم أن فى مراعاة الدنيا الحقيرة فوت الآخرة الخطيرة ، وأقلّ آفات الدنيا ، وهى مستيقنة لكل عاقل وجاهل ، أنها منقضية على القرب ، وسعادة الآخرة لا آخر لها ، هذا إذا سلمت الدنيا صافية عن الشوائب والأقذاء (٢) خالية من المؤذيات والمكدّرات ، وهيهات هيهات! فلم يسلم أحد فى الدنيا من طول الأذى ومقاساة الشدائد ، ومهما عرف تصرم الدنيا وتأبّد السعادة فى العقبى فليتأمل أنه لو شغف إنسان بشخص واستهتر (٣) به وصار لا يطيق فراقه ، وخيّر بين أن يعجل لقاءه ليلة واحدة وبين أن يصبر عنه تلك الليلة مجاهدا نفسه ثم يخلى بينه وبينه ألف ليلة ـ فكيف لا يسهل عليه الصبر ليلة واحدة لتوقع التلذذ بمشاهدته ألف ليلة! ولو استعجل تلك الليلة وعرض نفسه لعناء المفارقة

__________________

(١) رواه أحمد.

(٢) الأقذاء : الأوساخ ، مفرده : قذى.

(٣) استهتر به : تولع وتعلق.

١٧٧

ألف ليلة لعدّ سفيها خارجا عن حزب العقلاء. فالدنيا معشوقة كلّفنا الصبر عنها مدة يسيرة ، ووعدنا أضعاف هذه اللذات مدة لا آخر لها ، وترك الألف بالواحد ليس من العقل ، واختيار الألف على الواحد المعجّل ليس بمتعذر على العاقل ، وعند هذا ينبغى أن يقيس الإنسان أقصى مدة مقامه فى الدنيا وهى مائة سنة مثلا ، ومدة مقامه فى الآخرة ولا آخر لها ، بل لو طلبنا مثالا لطول مدة الأبد لعجزنا عنه. إلا أن نقول : لو قدرنا الدنيا كلها إلى منتهى السموات ممتلئة بالذرة ، وقدرنا طائرا يأخذ بمنقاره فى كل ألف سنة حبة واحدة فلا يزال يعود حتى لا يبقى من الذرة حبة واحدة فتنقضى هذه المدة وقد بقى من الذرة أضعافها ، فكيف لا يقدر العاقل إذا حقق على نفسه هذا الأمر على أن يستحقر الدنيا ويتجرد لله تعالى! هذا لو قد قدّر بقاء العمر مائة سنة ، وقدرت الدنيا صافية عن الأقذاء ؛ فكيف والموت بالمرصاد فى كل لحظة ، والدنيا غير صافية من ضروب التعب والعناء! وهذا أمر ينبغى أن يطول التأمل فيه حتى يترسخ فى القلب ، ومنه تنبعث التقوى. وما لم يظهر للإنسان حقارة الدنيا لا يتصور منه أن يسعى للدار الأخرى ، وينبغى أن يستعان على معرفة ذلك بالاعتبار بمن سلف من أبناء الدنيا كيف تعبوا فيها ثم ارتحلوا عنها بغير طائل ؛ ولم تصحبهم إلا الحسرة والندامة. ولقد صدق من قال من الشعراء حيث قال :

أشد الغمّ عندى فى سرور

تيقن عنه صاحبه انتقالا

وهذه حال لذات الدنيا.

الوظيفة الثالثة : أن معنى خلافة الله على الخلق إصلاح الخلق. ولن يقدر على إصلاح أهل الدنيا من لا يقدر على إصلاح أهل بلده ؛ ولن يقدر على إصلاح أهل البلد من لا يقدر على إصلاح أهل منزله ؛ ولا يقدر على إصلاح أهل منزله من لا يقدر على إصلاح نفسه ؛ ومن لا يقدر على إصلاح نفسه فينبغى أن تقع البداية بإصلاح القلب وسياسة النفس ؛ ومن لم يصلح نفسه وطمع فى إصلاح غيره كان مغرورا كما قال الله تعالى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) [البقرة : ٤٤].

١٧٨

وفى الحديث أن الله تعالى قال لعبسى بن مريم : «عظ نفسك ، فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحى منى» (١). ومثال من عجز عن إصلاح نفسه وطمع فى إصلاح غيره مثال الأعمى إذا أراد أن يهدى العميان ، وذلك لا يستتب له قطّ ، وإنما يقدر على إصلاح النفس بمعرفة النفس ؛ ومثل معرفة الإنسان فى بدنه كمثل وال فى بلده ، وجوارحه وحواسه وأطرافه بمنزلة صنّاع وعملة ، والشرع له كمشير ناصح ووزير مدبر ؛ والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة والطعام ، والعصب له كصاحب شرطة ، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للإنسان بصورة الناصح ، وفى نصحه دبيب العقرب ، فهو يعارض الوزير فى تدبيره ، ولا يغفل ساعة من منازعته ومعارضته ؛ فكان الوالى فى مملكته متى استشار فى تدبيراته وزيره دون هذا العبد السوء الخبيث وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرا لوزيره وسلطه على هذا العبد الخبيث وأتباعه حتى يكون هذا العبد مسوسا لا سائسا ، ومدبّرا لا مدبّرا استقام أمر بلده. وكذا النفس ، متى استعانت فى تدبيراتها بالشرع والعقل ، وأدّبت الحمية والغضب حتى لا يهتاج إلا بإشارة الشرع والعقل ، وسلطته على الشهوة ، واستتب أمرها ؛ وإلا فسدت واتبعت الهوى ولذات الدنيا ، كما قال الله تعالى : (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) [ص : ٢٦] الآية ؛ وقال تعالى : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) [الجاثية : ٢٣] الآية ، وقال (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) [الأعراف : ١٧٦] ، وقال تعالى فى مدح من عصاها : (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى) [النازعات : ٤٠] الآية ، وعلى الجملة فينبغى أن يكون العبد طول عمره فى مجاهدة غضبه وشهوته ، ومتشمرا لمخالفتها كما يتشمر لمخالفة أعدائه فإنهما عدوان كما قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أعدى عدو نفسك التى بين جنبيك» (٢) ، ومثال من اشتغل بالتلذذ عند الشهوات ، والانتقام عند الغضب مثل رجل فارس صيّاد له فرس وكلب غفل عن صيده ، واشتغل بتعهد فرسه وطعمة كلبه وضيع فيه جميع وقته ؛ فإن شهوة

__________________

(١) رواه مسلم.

(٢) رواه مسلم.

١٧٩

الإنسان كفرسه ، وغضبه ككلبه ، فإن كان الفارس حاذقا والفرس مروضا والكلب مؤدّبا ومعلما فهو قمين بإدراك حاجته من الصيد ، ومتى كان الفارس أخرق وفرسه جموحا أو حرونا وكلبه عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ، ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا ، فهو قمين أن يعطب ، فضلا أن يدرك ما طلب.

ومهما جاهد الإنسان فيها هواه ، فله ثلاثة أحوال : الأول : أن يغلبه الهوى فيتبعه ويعرض عن الشرع كما قال الله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) [الجاثية : ٢٣] ؛ الثانى : أن يغالبه فيقهره مرة ويقهره الهوى أخرى ، فله أجر المجاهدين ، وهو المراد بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «جاهدوا هواكم كما تجاهدوا أعداءكم» (١) ؛ الثالث : أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وصفوة الأولياء ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما من أحد إلا وله شيطان ، وإن الله قد أعاننى على شيطانى حتى ملكته» (٢). وعلى الجملة فالشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه ، وإنما مثلت الشهوة بالفرس والغضب بالكلب لأنه لولاهما لما تصورت العبادة المؤدية إلى سعادة الآخرة ، فإن الإنسان يحتاج فى عبادته إلى بدنه ولا قيام إلا بالقوت ، ولا يقدر على الاقتيات إلا بشهوة ، وهو محتاج إلى أن يحرس نفسه عن الهلكات بدفعها ؛ ولا يدفع المؤذى إلا بداعية الغضب ، فكأنهما خادمان لبقاء البدن ؛ والبدن مركب النفس ، وبواستطهما يصل إلى العبادة ، والعبادة طريقه إلى النجاة.

الوظيفة الرابعة : أن يعرف أن الإنسان مركّب من صفات ملكية وصفات بهيمية ، فهو حيران بين الملك والبهيمة ، فمشابهته للملك بالعلم والعبادة والعفة والعدالة والصفات المحمودة ؛ ومشابهته للبهائم بالشهوة والغضب والحقد والصفات المذمومة. فمن صرف همته إلى العلم والعمل والعبادة فخليق أن يلحق بالملائكة فيسمى ملكا وربانيا كما قال تعالى : (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف : ٣١]. ومن صرف همته إلى اتباع الشهوات واللذات البدنية يأكل كما تأكل البهائم فخليق أن

__________________

(١) رواه ابن ماجة والبيهقى.

(٢) رواه البخارى ومسلم.

١٨٠