فضائح الباطنية

أبو حامد الغزالي

فضائح الباطنية

المؤلف:

أبو حامد الغزالي


المحقق: محمد علي القطب
الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٠٥

الفصل الثانى

فى أحكام من قضى بكفره منهم

والقول الوجيز فيه أن يسلك بهم مسلك المرتدين فى النظر فى الدم والمال والنكاح والذبيحة ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات ، أما الأرواح فلا يسلك بهم مسلك الكافر الأصلي ، إذ يتخير الإمام فى الكافر الأصلي بين أربع خصال : بين المن والفداء والاسترقاق والقتل. ولا يتخير فى حق المرتد ، بل لا سبيل إلى استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء ، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم ، هذا حكم الذين يحكم بكفرهم من الباطنية ، وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم ، بل نغتالهم ونسفك دماءهم فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم ، وإن كانوا من الفرقة الأولى التى لم يحكم فيهم بالكفر وهو أنهم عند القتال يلتحقون بأهل البغى ، والباغي يقتل ما دام مقبلا على القتال وإن كان مسلما ؛ إلا أنه إذا أدبر وولى لم يتبع مدبرهم ولم يوقف على جريحهم ، أمّا من حكمنا بكفرهم فلا يتوقف فى قتلهم إلى تظاهرهم بالقتال وتظاهرهم على النضال.

فإن قيل : هل يقتل صبيانهم ونساؤهم؟ قلنا : أما الصبيان فلا ، فإنه لا يؤاخذ الصبى ، وسيأتى حكمهم ، وأما النسوان فإنا نقتلهم مهما صرحن بالاعتقاد الّذي هو كفر على مقتضى ما قررناه ، فإن المرتدة مقتولة عندنا بعموم قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من بدل دينه فاقتلوه» (١). نعم ، للإمام أن يتبع فيه موجب اجتهاده ، فإن رأى أن يسلك فيهم مسلك أبى حنيفة ويكف عن قتل النساء فالمسألة فى محل الاجتهاد ، ومهما بلغ صبيانهم عرضنا الإسلام عليهم ، فإن قبلوا قبل إسلامهم وردت السيوف عن رقابهم إلى قربها (٢). وإن أصروا على كفرهم متبعين فيه آباءهم مددنا سيوف الحق إلى

__________________

(١) متفق عليه.

(٢) قربها : أغمادها.

١٤١

رقابهم وسلكنا بهم مسلك المرتدين ، وأما الأموال فحكمها حكم أموال المرتدين ، فما وقع الظفر به من غير إيجاف الخيل والركاب فهو فىء ، كمال المرتد ، فيصرفه إمام الحق على مصارف الفيء على التفصيل الّذي اشتمل عليه قوله تعالى : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) [الحشر : ٧]. وما استولينا عليه بإيجاف خيل وركاب فلا يبعد أن يسلك به مسلك الغنائم حتى يصرف إلى مصارفها ، كما اشتمل عليه قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال : ٤١] الآية. وهذا أحد مسالك الفقهاء فى المرتدين ، وهو أولى ما يقضى به فى حق هؤلاء ، وإن كانت الأقاويل مضطربة فيه.

ومما يتعلق بالمال أنهم إذا ماتوا لا يتوارثون فلا يرث بعضهم بعضا ، ولا يرثون من المحقين ، ولا يرث المحق ما لهم إذا كان بينهم قرابة. بل ولاية الوراثة منقطعة بين الكفار والمسلمين.

وأما أبضاع (١) نسائهم فإنها محرمة ، فكما لا يحل نكاح مرتدة لا يحل نكاح باطنية معتقدة لما حكمنا بالتكفير بسببه من المقالات الشنيعة التى فصلناها. ولو كانت متدينة ثم تلقفت مذهبهم انفسخ النكاح فى الحال إن كان قبل المسيس ، ويوقف على انقضاء العدة بعد المسيس. فإن عادت إلى الدين الحق وانسلخت عن المعتقد الباطل قبل انصرام العدة بقضاء مدتها استمر النكاح على وجهه ، وإن أصرت واستمرت حتى انقضت المدة وتصرمت العدة تبين انفساخ النكاح من وقت الردة. ومهما تزوج الباطنى المحكوم بكفره بامرأة من أهل الحق أو من أهل دينه فالنكاح باطل غير منعقد ، بل تصرفه فى ماله بالبيع وسائر العقود مردود فإن الّذي اخترناه فى الفتوى الحكم بزوال ملك المرتدين بالردة.

ويتصل بتحريم المناكحة تحريم الذبائح فلا تحل ذبيحة واحد منهم ، كما لا تحل ذبيحة المجوسى والزنديق ، فإن الذبيحة والمناكحة تتحاذيان ، فهما محرمتان

__________________

(١) أبضاع نسائهم : تزوجهن.

١٤٢

فى سائر أصناف الكفار إلا اليهود والنصارى لأن ذلك تخفيف فى حقهم لأنهم أهل كتاب أنزله الله تعالى على نبى صادق ظاهر الصدق مشهور الكتاب ، وأما أقضية حكامهم فباطلة غير نافذة ، وشهادتهم مردودة ، فإن هذه أمور يشترط الإسلام فى جميعها ، فمن حكم بكفره من جملتهم لم تصح منه هذه الأمور ، بل لا تصح عبادتهم ولا ينعقد صيامهم وصلاتهم ولا يتأدى حجهم وزكاتهم ؛ ومهما تابوا وتبرءوا عن معتقداتهم وحكمنا بصحة توبتهم وجب عليهم قضاء جميع العبادات التى فاتت والتى أديت فى حالة الكفر ، كما يجب ذلك على المرتد.

فهذا هو القدر الّذي أردنا أن ننبه عليه من جملة أحكامهم. فإن قيل : ولما ذا حكمتم بإلحاقهم بالمرتدين ، والمرتد من التزم بالدين الحق وتطوقه ثم نزع عنه مرتدا ومنكرا له ، وهؤلاء لم يلزموا الحق قط ، بل وقع نشوؤهم على هذا المعتقد فهلا ألحقتموهم بالكافر الأصلي؟ قلنا : ما ذكرناه واضح فى الذين انتحلوا وتحولوا إليها معتقدين لها بعد اعتقاد نقيضها أو بعد الانفكاك عنها ، وأما الذين نشئوا على هذا المعتقد سماعا من آبائهم فهم أولاد المرتدين ، لأن آباءهم وآباء آبائهم لا بدّ أن يفرض فى حقهم تنحل هذا الدين بعد الانفكاك عنه ، فإنه ليس معتقدا يستند إلى نبى وكتاب منزل كاعتقاد اليهود والنصارى ، بل هى البدع المحدثة من جهة طوائف من الملاحدة والزنادقة فى هذه الأعصار القريبة المتراخية.

وحكم الزنديق أيضا حكم المرتد لا يفارقه فى شيء أصلا ، وإنما يبقى النظر فى أولاد المرتدين ، وقد قيل فيهم إنهم أتباع فى الردة كأولاد الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة ، وعلى هذا فإن بلغ طولب بالإسلام ، وإلا قتل ولم يرض منه بالجزية ولا الرق ، وقيل إنهم كالكفار الأصليين إذا ولدوا على الكفر ، فإذا بلغوا وآثروا الاستمرار على كفر آبائهم جاز تقريرهم بالجزية وضرب الرق عليهم ، وقيل إنه يحكم بإسلامهم لأن المرتد مؤاخذ بعلائق الإسلام فإذا بلغ ساكتا فحكم الإسلام يستمر إلى أن يعرض عليه الإسلام ، فإن نطق به فذاك ، وإن أظهر كفر أبويه ، عند ذلك حكمنا بردته فى الحال ، وهذا هو المختار عندنا فى

١٤٣

صبيان الباطنية ، فإن علقة من علائق الإسلام كافية للحكم بإسلام الصبيان ، وعلقة الإسلام باقية على كل مرتد فإنه مؤاخذ بأحكام الإسلام فى حال ردّته. وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم (١) : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» فيحكم بإسلام هؤلاء. ثم إذا بلغوا كشف لهم عن وجه الحق ونهوا عن فضائح مذهب الباطنية ، وذلك يكشف للمصغى إليه فى أوحى ما يقدر ، وأسرع ما ينتظر ، فإن أبى إلا دين آبائه فعند ذلك يحكم بردته من وقته ، ويسلك به مسلك المرتدين.

__________________

(١) ذكره أبو يعلى فى «مسنده» والطبرانى فى «الكبير» والبيهقى فى «السنن الكبرى» عن الأسود بن سريع ، والحديث صحيح ؛ ويرد أحيانا فى هذه الصيغة : «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».

١٤٤

الفصل الثالث

فى قبول توبتهم وردها

وقد ألحقنا هؤلاء بالمرتدين فى سائر الأحكام ، وقبول التوبة من المرتد لا بدّ منه ، بل الأولى ألا يبادر إلى قتله إلا بعد استتابته وعرض الإسلام عليه وترغيبه فيه. وأما نوبة الباطنية وكل زنديق مستتر بالكفر يرى التقية دينا ويعتقد النفاق وإظهار خلاف المعتقد عنه استشعار الخوف حقا ؛ ففى هذا خلاف بين العلماء : ذهب ذاهبون إلى قبولها ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (١) ؛ ولأن الشرع إنما بنى الدين على الظاهر فنحن لا نحكم إلا بالظاهر والله يتولى السرائر. والدليل عليه أن المكره إذا أسلم تحت ظلال السيوف وهو خائف على روحه نعلم بقرينة حاله أنه مضمر غير ما يظهره ، فنحكم بإسلامه ولا نلتفت إلى المعلوم بالقرائن من سريرته. ويدل عليه أيضا ما روى أن أسامة قتل كافرا فسل عليه السيف بعد أن تلفظ بكلمة الإسلام. فاشتد ذلك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال أسامة : «إنما فعل ذلك فرقا (٢) من السيف». فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هلا شققت عن قلبه!؟» (٣) ـ منبها به على أن البواطن لا تطلع عليها الخلائق وإنما مناط التكليف الأمور الظاهرة .. ويدل عليه أيضا أن هذا صنف من أصناف الكفار ، وسائر أصناف الكفار لا يسد عليهم طريق التوبة والرجوع إلى الحق ؛ فكذلك هاهنا.

وذهب ذاهبون إلى أنه لا تقبل توبته ؛ وزعموا أن هذا الباب لو فتح لم يمكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم ، فإنّ من سر عقيدتهم التدين بالتقية والاستسرار بالكفر عند استشعار الخوف ، فلو سلكنا هذا المسلك لم يعجزوا عن النطق بكلمة الحق

__________________

(١) ذكره الشيخان البخارى ومسلم فى الصحيحين وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه فى السنن عن أبى هريرة ؛ وهو متواتر ، ومن صيغه : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ؛ فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله». ـ وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده.

(٢) فرقا : خوفا.

(٣) متفق عليه.

١٤٥

وإظهار التوبة عند الظفر بهم ، فيلهجون بذلك مظهرين ويستهزءون بأهل الحق مضمرين ، وأما الخبر (١) فإنما ورد فى أصناف من الكفار دينهم أنه لا يجوز التصريح بما يخالفه ، وأن من التزم الإسلام ظاهرا صار تاركا للتهود والتنصر ـ هذا معتقدهم ، ولذلك تراهم يقطعون إربا إربا بالسيوف وهم مصرون على كفرهم ولا يسمحون فى موافقة المسلمين بكلمة ، فأمّا من كان دينه أن النطق بكلمة الإسلام غير ترك لدينه ، بل دينه أن ذلك عين دينه ، فكيف نعتقد بتوبته مما هو عين دينه والتصريح به وفاء لشرط دينه كيف يكون تركا للدين!؟

هذا ما ذكر من الخلاف فى قبول توبتهم. وقد استقصينا ذلك فى كتاب «شفاء العليل» فى أصول الفقه ، ونحن الآن نقتصر على ذكر ما نختاره فى هذه الفرقة التى فيهم الكلام ، فنقول : للتائب من هذه الضلالة أحوال : الحالة الأولى : أن يتسارع إلى إظهار التوبة واحد منهم من غير قتال ولا إرهاق واضطرار ، ولكن على سبيل الإيثار والاختيار متبرعا به ابتداء من غير خوف ، واستشعار هذا ينبغى أن يقطع بقبول توبته ، فإنا إن نظرنا إلى ظاهر كلمته صدّقناها موافقة لعين الإسلام. وإن نظرنا إلى سريرته كان الغالب أنها على مطابقة اللسان وموافقته ، فإنا لم نعرف الآن له باعثا على التقيّة ، وإنما المباح عندهم إظهار نقيض المعتقد تقية عند تحقيق الخوف ، فأمّا فى حالة الاختيار فهو من أفحش الكبائر ويعضد ذلك بأمر كلى وهو أنه لا سبيل إلى حسم باب الرشد عليهم ، فكم من عامى ينخدع بتخيل باطل ويغتر برأى قائل ثم ينتبه من نفسه أو ينبهه منبه لما هو الحق فيؤثر الرجوع إليه والشروع فيه بعد النزوع عنه ، فلا سبيل إلى حسم مسلك الرشاد على ذوى الضلال والعناد.

الحالة الثانية : الّذي يسلم تحت ظلال السيوف ، ولكنه من جملة عوامهم وجهّالهم لا من جملة دعاتهم وضلالهم ، فهذا أيضا تقبل توبته ، فمن لم يكن مترشحا للدعوة فضرر كفره مقصور عليه فى نفسه ، ومهما أظهر الدين احتمل كونه صادقا فى إسراره وإظهاره ، والعامى الجاهل يظن أن التلبيس بالأديان والعقائد مثل المواصلات والمعاقدات الاختيارية فيصلها مدة بحكم المصلحة ويقطعها أخرى ،

__________________

(١) الخبر : يعنى به ما ورد من فعل أسامة بن زيد رضى الله عنهما وما قاله له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

١٤٦

وباطنه يوافق الظاهر فيما يتعاطاه من التزام وإعراض ، ولذلك ترى من يسبى من العبيد والإماء من بلاد الكفر إلى دار الإسلام يدينون بدينهم معتقدين وشاكرين لله على ما أتاح لهم من الرشد ورحض (١) عنهم من وضر (٢) الكفر والغىّ ، ولو سئلوا عن السبب فى تبديل الدين وإيثار الحق المبين على الباطل لم يعرفوا سببا إلا موافقة السادة على وفق مصلحة الحال ، ثم ذلك يؤثر فى باطن عقائدهم كما نرى ونشاهد ، فإذا عرف أن العامى سريع التقلب فنصدقه فى انقلابه إلى الحق كما نصدقه فى إضرابه عنه إذا ظهر من معتقده خلاف الحق ، فإنا بين أن نغضى عن كافر مستسر ولا نقتله بل نتعامى عنه ، أو نهجم على قتل مسلم ظاهرا أو باطنا إن كان مضمرا لما يظهر ، وليس فى التغاضى عن كفر كافر ليست له دعوة تنتشر وليس فيه شرّ يتعدى كبير محظور. فكم مننّا على الكفار وأغضينا عنهم ببذل الدينار! فليس ذلك ممتنعا ، أما اقتحام الخطر فى قتل من هو مسلم ظاهرا ويحتمل أن يكون مسلما باطنا احتمالا قويا ؛ فمحظور.

الحالة الثالثة : أن نظفر بواحد من دعاتهم ممن يعرف منه أنه يعتقد بطلان مذهبه ، ولكنه ينتحله غير معتقد له ليتوصل إلى استمالة الخلق وصرف وجوههم إلى نفسه طلبا للرئاسة وطمعا فى حطام الدنيا ؛ هذا هو الّذي يتقى شرّه.

والأمر فيه منوط برأى الإمام ليلاحظ قرائن أحواله ويتفرس من ظاهره فى باطنه ، ويستبين أن ما ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا به بعد التحقق والكشف ، أو هو نفاق وتقية ، وفى قرائن الأحوال ما يدل عليه ، والأولى ألا يوجب على الإمام قتله لا محالة ولا أن يحرم قتله ، بل يفوض إلى اجتهاده ، فإن غلب على ظنه أنه سالك منهج التقية فيما أداه قتله ؛ وإن غلب على ظنه أن تنبه للحق وظهر له فساد الأقاويل المزخرفة التى كان يدعو إليها ، قبل توبته وأغضى عنه فى الحال ، وإن بقيت به ريبة وكل به من يراقب أحواله ويفتقده فى بواطن أمره ويحكم فيه بموجب ما يتضح له منه ، فهذا هو المسلك القصد القريب من الإنصاف والبعيد من التعصب والاعتساف.

__________________

(١) رحض : غسل.

(٢) وضر : وسخ وقذر.

١٤٧

الفصل الرابع

فى حيلة الخروج عن أيمانهم وعهودهم

إذا عقدوها على المستجيب

فإن قال لنا قائل : ما قولكم فى عهودهم ومواثيقهم وأيمانهم المعقودة على المستجيبين ؛ هل تنعقد؟ وهل يجوز الحنث فيها؟ أم يجب الحنث أن يتم؟ وإن حنث الحالف يلزمه بسببه معصية وكفارة ، أم لا يلزم؟ وكم من شخص عقد عليه العهد وأكدت عليه اليمين فتطوقه اغترارا بتخيلهم ، ثم لما انكشف له ضلالهم تمنى افتضاحهم والكشف عن عوراتهم ولكن منعته الأيمان المغلظة المؤكدة عليه ، فالحاجة ماسّة إلى تعليم الحيلة فى الخروج عن تلك الأيمان ـ فنقول : الخلاص من تلك الأيمان ممكن ، ولها طرق تختلف باختلاف الأحوال والألفاظ :

الأول : أن يكون الحالف قد تنبه لخطر اليمين وإمكان اشتماله على تلبيس وخداع فذكر فى نفسه عقيب ذلك الاستثناء وهو قوله : «إن شاء الله» ـ فلا ينعقد يمينه ولا يمتنع عليه الحنث. وإذا حنث لم يلزمه بالحنث حكم أصلا ، وهذا حكم كل يمين أردف بكلمة الاستثناء كقوله : «والله لأفعلن كذا إن شاء الله» وكقوله : «إن فعلت كذا فزوجتى طالق إن شاء الله» وما جرى مجراه.

الثانى : أن يؤدى فى يمينه أمرا وينوى خلاف ما يلتمس منه ويضمر خلاف ما يظهر ويكون الإضمار على وجه يحتمله اللفظ فيدبر بينه وبين الله عزوجل ؛ فله أن يخالف ظاهر كلامه ويتبع فيه موجب ضميره ونيته ، فإن قيل : الاعتماد فى اليمين على نية المستحلف إذ لو عول على نية الحالف واستثنائه لبطلت الأيمان فى مجالس القضاة ولم يعجز المحلف بين أيديهم عن إضمار نيّة وإسرار استثناء ، وذلك يؤدى إلى إبطال الحقوق ، قلنا : القياس أن يكون التعويل على نيّة الحالف واستثنائه فإنه الحالف ، والمحلّف عارض عليه اليمين ولكنه حكم باتباع نيّة

١٤٨

المستحلف مراعاة للحقوق وصيانة لها بحكم الضرورة الداعية إليه وذلك فى المحق فى التحليف الموافق للشرع وموارد التوقيف فيه ، فأمّا المكره ظلما والمخادع عدوانا وغشما ، فلا. ويعتبر أمر الحالف معه فى القانون القياسى فى الاعتبار بجانب الحالف لأن سبب العدول إلى اعتبار جانب المستحلف شدة الحاجة ، وأى حاجة بنا إلى تسليط الظلمة على تأكيد اليمين على ضعفاء المسلمين بأنواع الخداع والتلبيس! فيجب الرجوع فيه إلى القانون.

الثالث : أن ينظر إلى لفظ الحلف ، فإن قال : عليك عهد الله وميثاقه وما أخذ على النبيين والصديقين من العهود ، وإن أظهرت السر فأنت بريء من الإسلام والمسلمين ، أو كافر بالله رب العالمين أو جميع أموالك صدقة ، لا ينعقد بهذه الألفاظ يمين أصلا. فإنه إن قال : إن فعلت كذا فأنا بريء من الإسلام ومن الله ورسوله لم تكن هذه يمينا لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من حلف فليحلف بالله أو فليصمت» (١). والحلف بالله أن يقول : تالله وو الله وما يجرى مجراه. وقد استقصينا صريح الأيمان فى فن الفقه ، وهذه الألفاظ ليست من جملتها. وكذا قوله : «عليّ عهد الله وميثاقه وما أخذه الله على النبيين» ، فإنه إذا لم يأخذ الله ميثاقهم وعهده لا ينعقد ذلك بقول غيره ، والله تعالى لم يأخذ ميثاقهم على كتمان سر الكفار والضلال ، ولا هذا العهد مماثل عهد الله فلا يلزم به شيء ، وكذلك لو قال الإنسان : «إن فعلت كذا فأموالى صدقة» ـ لا يلزمه شيء إلا أن يقول : «فلله عليّ أن أتصدق بمالى» وهو يمين الغضب واللّجاج ؛ ويخلصه على الرأى المختار كفّارة يمين.

الرابع : أن ينظر إلى المحلوف عليه ، فإن كان لفظ المحلف فيه ما حكيناه فى نسخة عهودهم وهو قولهم : «تكتم سر ولى الله وتنصره ولا تخالفه» ـ فليظهر السر مهما أراد ولا يكون حانثا لأنه حلف على كتمان سر ولى الله تعالى وقد كتمه ،

__________________

(١) الحديث رواه مسلم فى كتاب الأيمان والنذور ، (صحيح مسلم ج ٤ ص ١٠).

١٤٩

وإنما الّذي أفشاه سر عدو الله ؛ وكذا قولهم : تنصر أقاربه وأتباعه. فكل ذلك يرجع إلى ولىّ الله ولا يرجع إلى من قصده المحلف لأنه عدو الله لا وليه ، فأمّا إذا عين شخصا بالإشارة أو عرّفه باسمه الّذي يعرف به وقال : «تكتم سرى» أو قال «تكتم سر فلان ولى الله» أو «سر هذا الشخص الّذي هو ولى الله» ـ فقد قال قائل : لا يحنث عند إفشاء السر نظرا إلى الصفة وإعراضا عن الإشارة ، وقالوا هو كما لو قال : بعت منك هذه النعجة ـ والمشار إليه رمكة (١) فإنه لا يصح ، والمختار عندنا أن الحنث يحصل والإشارة المعرفة المعينة التى لا يتطرق إليها الكذب بحال أعلى وأغلب من الوصف المذكور كذبا على وجه الفضول مع الاستغناء. وليس هذا كما لو قال : والله لأشربن ماء هذه الإداوة (٢) ، ولا ماء فيها ؛ إن اليمين لا تنعقد لأنه لا وجود لمتعلق اليمين. وكذلك لو ترك الإضافة إلى الإداوة وذكر قوله : هذا الماء ، وأشار باليد ، لم ينعقد لفقد المتعلق هاهنا ، ولو اقتصر على قوله : «لا يفشى سرّ هذا الشخص أوسر زيد» ـ انعقد وإن سكت عن قوله إنه ولى الله.

ومهما انعقدت اليمين على هذا الوجه فيباح إفشاء السر ، بل يجب إفشاء السر ثم تلزم الكفارة كفارة يمين ، ويكفيه أن يطعم عشرة مساكين كل مسكين مدا من الطعام. فإن عجز عن هذا : صام ثلاثة أيام (٣). وما أهون الخطب فى ذلك! ولا حاجة إلى التأنق فى طلب الحيلة للخلاص من هذا القدر فإنه قريب محتمل ، ثم لا يعصى بالحنث لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الّذي هو خير وليكفر عن يمينه» (٤) ؛ ومن حلف على أن يزنى ولا يصلى وجب عليه الحنث ولزمته الكفّارة ؛ فهذا جار مجرى ذلك.

__________________

(١) الرمكة : الفرس والبرذونة تتخذ للنسل ، والجمع رمك ورماك.

(٢) الإداوة : إناء صغير يحمل فيه الماء ؛ والجمع : أداوى.

(٣) كفارة اليمين : إطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة أيام.

(٤) رواه أحمد بن حنبل فى «مسنده» ومسلم فى «صحيحه» والترمذي فى «السنن» عن أبى هريرة.

١٥٠

الخامس : إذا ترك الحالف النيّة والاستثناء وترك المحلف لفظ العهد والميثاق ولفظ ولىّ الله وأتى بأيمان صريحة بالله وبتعليق الطلاق والعتاق فى مماليكه الموجودين وزوجاته وفيما سيملك من بعد إلى آخر عمره وعلق بالحنث لزوم مائة حجة وصيام مائة سنة وصلاة ألف ألف ركعة والتصدق بألف دينار وما جرى هذا المجرى فطريقه فى اليمين بالله أن يطعم عشرة مساكين أو يصوم عند العجز كما سبق. وهذا أيضا يخلصه عن تعليق الصدقة والحج والصيام والصلاة بالحنث لأن ذلك يمين غضب ولجاج لا يلزم الوفاء بموجبه. وأما تعليق الطلاق والعتق فيما سيملك من النساء والعبيد والإماء ـ فباطل غير منعقد ، فليحنث ولينكح من شاء متى شاء إذ لا طلاق قبل نكاح ، ولا عتاق قبل ملك. وإن كان فى ملكه رقيق وخاف من عتقه فطريقه أن يبيعه من أهله أو من ولده أو من صديقه ، ثم يفشى السر ثم يستعيده إلى ملكه بالشراء أو الاستيهاب أو بما شاء ، ولا يعجز أحد عن صديق يثق بصداقته وأمانته فيبيعه منه ثم يرده عليه مهما أراد. وأما زوجته إن حلف بطلاقها فيخالعها بدرهم معها ، أو مع أجنبى ، ويفشى السرّ ، ثم يجدد نكاحها فيأمن لحوق الطلاق بعده.

فإن قيل : إن كان قد طلق قبل ذلك تطليقتين ولم تبق له إلا طلقه واحدة ، وفى الخلع ما يحرمها عليه إلى أن تنكح زوجا غيره ـ فما سبيله؟ ـ قلنا : سبيله أن يقول : مهما وقع عليك طلاقى فأنت طالق قبله ثلاثا ، فمهما حنث لا يقع طلاقه ، وهذه هى اليمين الدائرة التى تخلص من الحنث وتمنع وقوع الطلاق ، فإن قيل : فقد اختلف العلماء فى ذلك وربما لا يرتضى المتورع اقتحام شبهة الطلاق! قلنا : السائل إن كان مقلدا فعليه تقليد المفتى ومتابعته ، وعهدة الطلاق يختص بتطوقها المفتى دون المقلد ، وإن كان المفتى مجتهدا فعليه موجب اجتهاده ، فإن أدى اجتهاده إلى ذلك لم يمنع وقوع الطلاق ، فهو مخير بين أن يستبدل بها غيرها أو يسكت عن إفشاء سرهم فيترك معتقدهم. وليس فى السكوت عن إفشاء ما قالوا موافقة لهم فى الدين ، بل الموافقة فى أن يعتقد ما اعتقدوه وأن يعرب عن اعتقاده

١٥١

ويدعو إليه ، فإن صرف ضلالهم ظاهرا وباطنا فليس يلزمه أن ينطق بما سمعه منهم ، إذ ليس يتعين حكاية الكفر عن كل كافر.

فهذه طرق الحيل فى الخروج عن اليمين. وذهب بعض الخائضين فى هذا الفن إلى أن الأيمان الصادرة منهم لا تنعقد بحال ، وهو كلام يصدر عن قلة البصيرة بالأحكام الفقهية ، وإنما الموافق لتصرف الفقه وأحكام الشرع الّذي ذكرناه ؛ والسلام!

١٥٢

الباب التاسع

فى إقامة البراهين الشرعية على أن الإمام القائم

بالحق الواجب على الخلق طاعته فى عصرنا هذا هو

الإمام المستظهر بالله (١) ، حرس الله ظلاله

والمقصود من هذا الباب : بيان إمامته على وفق الشرع ، وأنه يجب على كافة علماء الدهر الفتوى ، على البتّ ، والقطع ، بوجوب طاعته على الخلق ونفوذ أقضيته بمنهج الحق ، وصحة توليته للولاة وتقليده للقضاة ، وبراءة ذمة المكلّفين عند صرف حقوق الله تعالى إليه ، وأنه خليفة الله على الخلق ، وأن طاعته على كافة الخلق فرض.

فهذا باب يتعين ـ من حيث الدين ـ صرف العناية إلى تحقيقه وإقامة البرهان على منهج الحق وطريقه ، فإن الّذي يسير إليه كلام أكثر المصنفين فى الإمامة يقتضي ألا نعتقد فى عصرنا هذا وفى أعصار منقضية خليفة غير مستجمع لشرائط الإمامة ، متصف بصفاتهم ، فتبقى الإمامة معطّلة لا قائم بها ، ويبقى المتصدى لها متعديا عن شروط الإمامة غير مستحق لها ولا متصف بها وهذا هجوم عظيم على الأحكام الشرعية وتصريح بتعطيلها وإهمالها ، ويتداعى إلى التصريح بفساد جميع الولايات وبطلان قضاء القضاة وضياع حقوق الله تعالى وحدوده وإهدار الدماء والفروج والأموال ، والحكم ببطلان الأنكحة الصادرة من القضاة فى أقطار الأرض ، وبقاء حقوق الله تعالى فى ذمم الخلق ؛ فإن جميع ذلك لا يتأدى على وفق الشرع إلا إذا صدر استيفاؤها من القضاة ، ومصدر القضاة تولية الإمام ، فإن بطلت الإمامة بطلت التولية ، وانحلت ولاية القضاة والتحقوا بآحاد الخلق وامتنعت التصرفات فى

__________________

(١) راجع ص (٣).

١٥٣

النفوس والدماء والفروج والأموال ، وانطوى بساط الشرع بالكلية فى هذه المهمات العظيمة.

فالكشف عن فساد كل مذهب يتداعى إلى هذه العظائم من مهمات الدين وفرائضه ؛ إلا أن تقرير ذلك متوعر ، وترتيبه مع الاحتراز عن التهدف للإشكالات والاعتراضات متعسر ، ونحن بتوفيق الله نكشف الغطاء عنه فنقول :

ندعى أن الإمام المستظهر بالله ـ حرس الله أيامه ـ هو الإمام الحق الواجب الطاعة ، فإن طولنا بإقامة البرهان عليه تدرجنا فى تحقيقه وتلطفنا فى تفهيمه ، إلى أن يعترف المستريب فيه بالحق ، ويلوح له وجه الصواب والصدق ، ونقول : لا بدّ من إمام فى كل عصر ، ولا مترشح للإمامة سواه فهو الإمام الحق إذا ، فهذه نتيجة بنيناها على مقدمتين : إحداهما قولنا لا بدّ من الإمام ، والأخرى قولنا : لا يترشح للإمامة سواه. ففى أيهما النزاع؟ فإن قيل : بم تنكرون على من لا يسلم أنه لا بدّ من إمام ، بل يقول : لنا غنية عنه؟ ـ قلنا : هذا سؤال اتفقنا نحن والباطنية وسائر أصناف المسلمين على بطلانه ، فإنهم أجمعوا وتطابقوا على أنه لا بدّ من إمام ؛ وإنما نزاعهم فى التعيين لا فى الأصل. ولم يذهب أحد إلى أن الإمام لا يجب نصبه وأنه يستغنى عنه إلّا رجل يعرف بعبد الرحمن بن كيسان (١). ولا يستريب محصل فى بطلان مذهبه وفساد معتقده ، وكأننا ننبه المسترشد عليه بمسلكين : الأول هو أن ابن كيسان مسوق فيما يدعيه بإجماع الأمة قاطبة ، ولقد هجم بما انتحل من المذهب على خرق الإجماع وتضمخ برذيلة العدول عن سنن الاتباع ، فليلاحظ العصر الأول كيف تسارع الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى نصب الإمام وعقد البيعة ، وكيف اعتقدوا ذلك فرضا محتوما وحقا واجبا على الفور والبدار وكيف اجتنبوا فيه التوانى والاستئخار حتى تركوا ـ بسبب الاشتغال به ـ تجهيز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلموا

__________________

(١) هو أبو بكر الأصم الّذي كان «يزعم أن القرآن جسم مخلوق ، وأنكر الأعراض أصلا ، وأنكر صفات البارى تعالى» (الشهرستانى : «الملل والنحل» بهامش «الفصل» لابن حزم ، ج ٢ ص ٨١ ؛ القاهرة سنة ١٣٤٧ ه‍) ويعرف مذهبه وأتباعه بالكيسانية.

١٥٤

أنه لو تصرم عليهم لحظة لا إمام لهم فربما هجم عليهم حادثة ملمّة وارتبكوا فى حادثة عظيمة تتشتت فيها الآراء ، وتختلف فيها الأهواء ، ولا يصادفون فيها متبوعا مطاعا يجمع شتات الآراء لانخرم النظام وبطل العصام وتداعت بالانفصام عرى الأحكام. فلأجل ذلك آثروا البدار إليه ، ولم يعرجوا فى الحال إلا عليه. وهذا قاطع فى أن نصب الإمام أمر ضرورى فى حفظ الإسلام.

المسلك الثانى : هو أن نقول : لا يتمارى متدين فى أن الذب عن حوزة الدين والنضال دون بيضته والانتداب لنصرته وحراسته بالمحافظة على نظام أمور جند الإسلام وعدته أمر ضرورى واجب لا بدّ منه ، وأن النظام لا يستمر على الدوام إلا بمترصد يكلأ الخلق بالعين الساهرة ، فمهما اشرأبت فئة للثوران وكشّرت عن نابها وأشرفت على الاستحكام بادر إلى تطفئتها وحسم غائلها ، فإنها لو تركت حتى إذا ثارت اشتغل بتطفئتها العوام والطغام والأفراد والآحاد ، لأفضى ذلك إلى التعادى والتضادّ ، وصارت الأمور شورى ، وبقى الناس فوضى مهملين سدى متهافتين على ورطات الردى ، مقتحمين فيه مسالك الهوى ومناهج المنى ، وعند ذلك تتناقض الإرادات ، وتتنازع الشهوات ، وتفضى بالآخرة إلى استيلاء الرذائل على الفضائل وتوثب الطغام على علماء الإسلام والأماثل ، وتمتد الأيدى إلى الأموال والفروج ، وأصبحت الأيدى السافلة عالية. وليس يخفى ما فى ذلك من حلّ عصام الأمور الدينية والدنيوية ، فيتبين بهذا للناظر البصير أن الإمام ضرورة الخلق لا غنية لهم عنه فى دفع الباطل وتقرير الحق. فقد ثبتت هذه المقدمة وهى أن الإمام لا بدّ منه ، فإن قيل : وبم تنكرون على من ينازع فى المقدمة الثانية ـ وهى قولكم : لا يترشح للإمامة سواه؟ فإن الباطنية يدعون الخلق إلى مترشح لها غير ما إليه دعوتكم ، فكيف تستتب لكم هذه الدعوى؟

قلنا : لا ننكر دعوى بعض المدّعين للإمامة بغير استحقاق ، ولكنّا نقول : إذا بطل ما تدعيه الباطنية تعيّنت الإمامة لمن يدعيها ، وحصل ما نرومه ونبتغيه. فإنه إذا لم يكن بدّ من إمام وفاقا ، وثبت أن الإمامة لا تعدو شخصين ، وثبت بطلان الإمامة

١٥٥

فى حق واحد لم تبق ريبة فى ثبوتها للثانى ، والمسالك الدالة على إبطال الإمامة التى تدعيها الباطنية وترجيح الإمامة التى ندّعيها أكثر من أن تدخل تحت الحصر ، فلسنا نسلك فيه مسلك الاستقصاء ، ولكنا نقتصر على دليلين واقعين قاطعين تقر بهما كل عين ، ويشترك فى دركهما الفطن والغبى والمحنك والصبىّ ، والمعاند المنصف ، والمقتصد والمتعسف.

الأول : هو أن عصام شرائط الإمامة صحّة العقيدة وسلامة الدين ، ولقد حكينا عن مذهب الباطنية وصاحبهم ما اقتضى أدنى درجاته التبديع والتضليل ، وأعلاه التكفير والتبرى ، وذلك فى إثباتهم إلهين قديمين ، على ما أطبق عليه جميع فرقهم.

والثانى : فى إنكارهم الحشر والنشر والجنة والنار وجملة ما اشتمل عليه وعد القرآن ووعيده بفنون من التأويلات باطلة ، وذلك مما نعلم أنه لو ذكر شيء منه فى زمان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعصر الصحابة بعده لبادروا إلى حزّ الرقبة ولم يتماروا أنه صريح التكذيب لله ولرسوله ، فمن كذّب الله فى وحدانيته ولم يصدّق بالآيات الواردة فى التوحيد ولم يصدّق بالقيامة والبعث والنشور كيف يصلح أن ينتصب منصب الإمامة وأن يناط به عرى الإسلام؟! وهذا المسلك يتحققه الناظر إذا تصفح ثم رجع إلى مذاهبهم التى ذكرناها فى إبطاله ، فصحّ له بمجموع النظرين ما ذكرناه من اختلال الدين وفساد العقيدة. وأنّى يصح للإمامة من فيه مثل هذه الرذيلة!

المسلك الثانى : أنّا نسلّم جدلا ـ على سبيل التبرع والتقرير لمورد هذا السؤال ـ أن صاحب الباطنية صالح للإمامة بصفاء الاعتقاد وصحّة الدين وحصول سائر الشروط ، فمسلك الترجيح غير منحسم ، فإن الإمامة التى ندّعيها أجمع عليها أئمة العصر وعلماء الدهر ، بل جماهير الخلق وأقاليم الأرض فى أقصى المشرق وفى أقصى المغرب حتى تطوّق الطاعة له والانقياد لأمره كلّ من على بسيط الأرض إلّا شرذمة الباطنية ، ولو جمع قضّهم وقضيضهم وصغيرهم وكبيرهم لم يبلغ عددهم

١٥٦

عدد من أهل بلدة واحدة من متّبعى الإمامة العبّاسية ، فكيف إذا قيسوا بأهل ناحية أو بأهل إقليم أو بكافة من على وجه الأرض من منتحلى الإمام! أفيتمارى المنصف فى أن الغلاة من الباطنية على أهل الحق لو جمع منهم الصغير والكبير لم يبلغ عشر العشير من ناصرى هذه الدولة القاهرة ومتّبعى هذه العصابة المحقة؟! وإذا كانت الإمامة تقوم بالشوكة ، وإنما تقوى الشوكة بالمظاهرة والمناصرة والكثرة فى الاتباع والأشياع وتناصر أهل الاتفاق والاجتماع فهذا أقوى مسلك من مسالك الترجيح. وهذا بعد أن أعطيناهم بطريق المسامحة والتبرع صحّة دينهم ووجود شروط الإمامة فى صاحبهم.

فإن قيل : ليس ينكر منكر كثرة هذه العصابة بالإضافة إليهم ، ولكن الحق لا يتّبع الكثرة ، فإن الحقّ خفىّ لا يستقل بدركه إلّا الأقلّون ، والباطل جليّ يبادر إلى الانقياد له الأكثرون. وأنتم فقد بنيتم الترجيح على قيام الشوكة بكثرة الأنصار والأشياع ، وهذا إنما يستقيم لو كانت الإمامة فى أصلها تنعقد باجتماع الخلق على الطاعة ، فإن ذلك لا يرجّح عند التجويز والاختلاف بالكثرة ، وليس الأمر كذلك ، بل الإمامة إنما تنعقد عند التجويز والاختلاف بالكثرة ، وليس الأمر كذلك ، بل الإمامة إنما تنعقد عند الباطنية بالنص ، والمنصوص عليه محق بويع أو لم يبايع ، قلّ مبايعوه أو كثروا ؛ والمخالف له مبطل ساعدته دولته فكثر بسببها أتباعه أو لم تساعده ، فمن أى وجه يصح الاستدلال بكثرة الأتباع؟ ـ قلنا : إنما يستبين وجه دلالة الكثرة من فهم مأخذ الإمامة ، وقد بان أنها ليست مأخوذة من النص كما قدرناه فى الباب السابع ونبهنا على حماقة من يدّعى تواتر النص من كل واحد منهم على ولده ، بل بينّا جهل من يدعى ذلك فى عليّ رضى الله عنه. فإن ذلك لو كان لاستدل به على ولم يعجز عن إظهاره ولا رضى به ؛ فهو الّذي جرّ العساكر والجنود فى زمان معاوية حتى قتل من أبطال الإسلام فى تلك المعارك ألوف ولم يكترث بقتلهم ، فما الّذي كان نزعه وأشياعه عن الاستدلال بنصّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد بينّا أن ذلك يقابله دعوى البكرية فى النص على أبى بكر ـ رضى الله عنه! ـ ودعوى

١٥٧

الروندية (١). فى النص على العباس رضى الله عنه! ، فإذا بطل تلقى الإمامة من النص لم يبق إلا الاختيار من أهل الإسلام والاتفاق على التقديم والانقياد ، وعند ذلك يبين أنه مهما وقع الاتفاق على نصب واحد كما اتفقوا فى بداية إمامة العباسية فمن طمح إلى طلبها لنفسه كان باغيا ، فإنهم لو اختلفوا فى مبدأ الأمر وجب الترجيح بالكثرة فى ذلك عند تقابل العدد وتقاربهم ، فكيف إذا أطبق كل من شرقت عليهم الشمس شارقة وغاربة ، لم يخالفهم إلا فئة معدودة وشرذمة يسيرة لا يؤبه ولا يعبأ بهم لشذوذهم بالإضافة إلى الخلق الكثير والجم الغفير الذين هم فى مقابلتهم ولا عشر العشر من أعشارهم وما هم إلا كالحسوة (٢) فى البحر الزاخر والموج المتلاطم.

فإن قيل : وبم تنكرون على من يقول : لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار ، فإذا بطل الاختيار ثبت النص؟ ويدل على بطلان الاختيار أنه لا يخلو إمّا أن يعتبر فيه إجماع كافة الخلق ، أو إجماع كافة أهل الحلّ والعقد من جملة الخلق فى جميع أقطار الأرض ، أو يعتبر إجماع أهل البلد الّذي يسكنه الإمام ويقدّر بإجماع عشرة أو خمسة أو عدد مخصوص ، أو يكتفى بمبايعة شخص واحد ، وباطل أن يعتبر فيه إجماع كافة الخلق فى جميع أقطار الأرض ، فإن ذلك غير ممكن ولا مقدور لأحد من الأئمة ، ولا فرض ذلك أيضا فى الأعصار الخالية للأئمة الماضين ، وباطل أن يعتبر إجماع جميع أهل الحل والعقد فى جميع أقطار الأرض ، لأن ذلك مما يمتنع أو يتعذّر تعذّرا يفتقر فيه إلى انتظار مدة عساها تزيد على عمر الإمام ، فتبقى الأمور فى مدة الانتظار مهملة ؛ ولأنه لمّا عقدت البيعة لأبى بكر ـ رضى الله عنه! ـ لم ينتظر انتشار الأخبار إلى سائر الأمصار ، ولا تواتر كتب البيعة من أقاصى الأقطار ، بل

__________________

(١) الروندية (أو الريوندية كما فى «شذرات الذهب») جماعة ظهرت فى سنة ١٤١ ه‍ ، «وهم قوم خراسانيون على رأى أبى مسلم «الخراسانى» صاحب الدعوة «العباسية» يقولون بتناسخ الأرواح ، وأن ربهم الّذي يطعمهم ويسقيهم : المنصور ، وأن الهيثم بن معاوية : جبريل ؛ فأتوا قصر المنصور وطافوا فيه ..» («شذرات الذهب» ج ١ ص ٢٠٩).

(٢) الحسوة : قدر ما يحسى مرة واحدة.

١٥٨

اشتغل بالإمامة وخاض فى القيام بموجب الزعامة محتكما فى أوامره ونواهيه على الخاصة والعامة ، إذا بطل اشتراط إجماع كافة الخلق وكافة أهل الحلّ والعقد فالتخصيص بعد ذلك تحكّم ، إذ ليس من يشترط باتفاق أهل بلدة بأولى ممن يكتفى بأهل محلة أو قرية أو لم يشترط اتفاق أهل ناحية أو إقليم ، ومن لا يشترط إجماع أربعين أو خمسة أو أربعة أو اثنين بأولى من غيره من الأعداد ، وهذه المقدّرات قد ذهب إلى التحكم بها ذاهبون بمجرد التشهّى من غير مستند ، فلا يبقى إلا الاكتفاء ببيعة شخص واحد وفى الأشخاص كثرة ، وأحوالهم متعارضة ، ولا يترجّح شخص على شخص إلا بالعصمة ، فيجب أن يكون إذا مولى العهد واحدا ، وليكن ذلك الشخص معصوما وهو معتقدنا ، وعند هذا لا تنفع الكثرة فى المخالفين لذلك الواحد المتميز عن غيره ، فإذا لا معتصم فى الكثرة التى تعلقتم بها.

قلنا : نعم! لا مأخذ للإمامة إلا النصّ ، أو الاختيار ، ونحن نقول : مهما بطل النص ثبت الاختيار ، وقولهم إن الاختيار باطل لأنه لا يمكن اعتبار كافة الخلق ولا الاكتفاء بواحد ، ولا التحكم بتقدير عدد معين بين الواحد والكل ، فهذا جهل بمذهبنا الّذي نختاره ونقيم البرهان على صحته ، والّذي نختاره أنه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام مهما كان ذلك الواحد مطاعا ذا شوكة لا تطال ومهما كان مال إلى جانب مال بسببه الجماهير ولم يخالفه إلّا من لا يكترث بمخالفته ، فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذه الصفة إذا بايع كفى ، إذ فى موافقته موافقة الجماهير ، فإن لم يحصل هذا الغرض إلّا لشخصين أو ثلاثة فلا بد من اتفاقهم ، وليس المقصود أعيان المبايعين ، وإنما الغرض قيام شوكة الإمام بالأتباع والأشياع ، وذلك يحصل بكل مستول مطاع. ونحن نقول : لما بايع عمر أبا بكر ـ رضى الله عنهما! ـ انعقدت الإمامة له بمجرد بيعته ؛ ولكن لتتابع الأيدى إلى البيعة بسبب مبادرته ، ولو لم يبايعه غير عمر وبقى كافّة الخلق مخالفين ، أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب لما انعقدت الإمامة ، فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن

١٥٩

والظواهر على المبايعة ، فإن المقصود الّذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء فى مصطدم تعارض الأهواء ، ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأى واحد إلّا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسّخت فى النفوس رهبته ومهابته ، ومدار جميع ذلك على الشوكة ، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبرى كل زمان.

فإذا بان أن هذا مأخذ الإمامة ، فليس يتمارى فى أن الجهة الشريفة التى ننصرها قد صرف الله وجوه كافة الخلق إليها وجبل قلوبهم على حبّها ، ولذلك قامت الشوكة له فى أقطار الأرض ، حتى لو ظهر باغ يظهر خلافا فى هذا الجناب الكريم ، ولو بأقصى الصين أو المغرب ، لبادروا إلى اختطافه وتطهير وجه الأرض منه ، متقربين إلى الله تعالى.

وقد لاح لك الآن كيف ترقينا من هذه المغاصة المظلمة ، وكيف دفعنا ما أشكل على جميع جماهير النظار من تعيين المقدار فى عدد أهل الاختيار ، إذ لم نعين له عددا ، بل اكتفينا بشخص واحد يبايع ، وحكمنا بانعقاد الإمامة عند بيعته ، لا لتفرده فى عينه ، ولكن لكون النفوس محمولة على متابعته ومبايعة من أذعن هو لطاعته ، وكان فى متابعته قيام قوة الإمام وشوكته ، وانصراف قلوب الخلائق إلى شخص واحد أو شخصين أو ثلاثة على ما تقتضيه الحال فى كل عصر ، ليس أمرا اختياريا يتوصّل إليه بالحيلة البشرية ، بل هو رزق إلهى يؤتيه الله من يشاء ، فكأنا فى الظاهر رددنا تعيين الإمامة إلى اختيار الله تعالى ونصبه ؛ إلا أنه قد يظهر اختيار الله عقيب متابعة شخص واحد أو أشخاص. وإنما المصحح لعقد الإمامة انصراف قلوب الخلق لطاعته والانقياد له فى أمره ونهيه ، وهذه نعمة وهدية من الله تعالى. فإذا أتاحها لعبد من عباده وصرف إلى محبته وجوه أكثر خلقه ، كان ذلك من الله تعالى لطفا فى اختياره لخلافته وتعيينه للاقتداء بأوامره فى تفقد عباده ، وذلك أمر لا يقدر كل البشر على الاحتيال لتحصيله.

١٦٠