🚘

مفاهيم القرآن

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤١٢
🚘 نسخة غير مصححة

الفصل السابع :

القرآن والمعاد الجسماني والروحاني

لقد تعرفنا على الملاكين اللّذين يناط بهما وصف المعاد بالجسمانية والروحانية ، وإليك دراسة الآيات القرآنية حتى نستنتج منها ما هو موقف القرآن من جسمانية المعاد وروحانيته حيال كلا الملاكين.

المعاد الجسماني بالملاك الأوّل

قد عرفت أنّ الملاك الأوّل لكون المعاد جسمانياً هو حشر الأبدان لتعلّق النفوس بها.

فلو كان هذا هو المعيار ، فقد تضافرت الآيات عليه وهي علىٰ طوائف.

الطائفة الأُولى : الآيات التي دلّت على إحياء الموتىٰ في هذه النشأة من باب الإعجاز والكرامة ، وفي جميع تلك الآيات كان الحشر بعود البدن الدنيوي لا البرزخي ، بل العنصري.

هذا من جانب ، ومن جانب آخر ترى أنّ القرآن الكريم يصف الدار الآخرة بأنّها الحياة الواقعية ، يقول سبحانه : ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (١) فلابدّ من التوفيق بين هذين الأمرين.

__________________

١. العنكبوت : ٦٤.

٨١

وبعبارة أُخرىٰ : يبدو لأوّل وهلة أنّ ثمة تهافتاً وتناقضاً ، فمن جانب يكون المحشور في الآخرة هو البدن الدنيوي ، والحياة الدنيوية حياة غير كاملة ، ومن جانب آخر تكون الحياة الأُخروية هي الحيوان ، فكيف يمكن الجمع بين كون المحشور هو البدن الدنيوي العنصري وبين كون الحياة الأُخروية كاملة ، فلا محيص من القول إنّ البدن المحشور مع أنّه عين البدن الدنيوي لكن يتمتع بكمال خاص.

ونحن مع الاعتراف بأنّ المحشور هو البدن الدنيوي ، لا البدن البرزخي ، ولا الصور المجردة عن المادة ، إلاّ أنّنا نعتقد بكمال هذا البدن.

وربما تتوهم وحدة الحياتين لأنّ نقص الحياة الأُولىٰ لتوقيتها بأمد محدود ، وتمامية الحياة الأُخرى لدوامها.

يلاحظ عليه بأنّه لا يضفي على الحياة الأُخروية الكمال إذا كانتا متساويتين في الكمال ; مع انّا نرىٰ أنّ القرآن يصف الحياة الدنيوية بالمجازية ، والحياة الأُخروية بالحقيقية ، وهذا لا يتماشىٰ إلاّ إذا كانت الحياة الدنيوية حياة كاملة عالية.

وبعبارة أوضح لو كانت الحياة في النشأتين حقيقة واحدة وكان الاختلاف مختصاً بالتوقيت والدوام ، لما كان هناك أيّ حاجة إلىٰ زوال السماوات والأرض وإيجاد نظام آخر ، ولأجل ذلك نأخذ بكلا الأمرين :

أ. أنّ المحشور هو البدن الدنيوي العنصري لا البرزخي.

ب. أنّ المحشور يحظىٰ بدرجة عالية من الحياة.

نعم الوقوف علىٰ حقيقة الحياة الأُخروية وكمالها أمر مستور علينا.

الطائفة الثانية : الآيات التي تبيّن بدء الخلقة ، وانّ الإنسان خلق من تراب ويعاد إليها ، ثمّ يخرج منها :

٨٢

يقول سبحانه : ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ). (١)

ويقول سبحانه : ( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ). (٢)

الطائفة الثالثة : الآيات التي تشرح كيفية الحشر وانّ الناس يبعثون من القبور :

قال سبحانه : ( فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ). (٣)

وقال سبحانه : ( يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ). (٤)

الطائفة الرابعة : الآيات التي تدل على أنّ الأعضاء والجوارح تشهد على الإنسان :

يقول سبحانه : ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). (٥)

وقال سبحانه : ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ). (٦)

الطائفة الخامسة : الآيات التي تدل علىٰ طروء التبدل والتغير على البدن الأُخروي الملازم لكون المحشور بدناً مادياً عنصرياً لا صورياً مجرداً عن المادة.

قال سبحانه : ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ). (٧)

ويقول أيضاً : ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ). (٨)

__________________

١. طه : ٥٥.

٢. نوح : ١٨.

٣. يس : ٥١.

٤. القمر : ٧.

٥. النور : ٢٤.

٦. يس : ٦٥.

٧. النساء : ٥٦.

٨. محمد : ١٥.

٨٣

الطائفة السادسة : الآيات التي تبيّن شبهة المنكرين للمعاد من امتناع إحياء العظام البالية ، وهي تدل على أنّ المدّعى كان هو إحياء البدن الدنيوي حسب ما كان.

قال سبحانه : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ). (١)

وقال سبحانه : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ). (٢)

إنّ هذه الطوائف من الآيات تعرب عن موقف القرآن حيال المعاد الجسماني بالملاك الأوّل وانّ المعاد هو البدن الدنيوي حقيقة.

المعاد الروحاني بالملاك الأوّل

قد تعرفت على المعاد الجسماني بالملاك الأوّل ، وإليك الكلام في المعاد الروحاني بنفس ذلك الملاك وهو حشر الإنسان مع روحه ونفسه ، وثمة كلام وهو انّه إن أُريد من المعاد الروحاني هو حشر البدن الدنيوي مع روحه ونفسه فليس ذلك معاداً روحانياً في الاصطلاح بل هو معاد جسماني ، لأنّ من يصف المعاد بالجسماني لا يريد منه البدن المماثل للجماد بل البدن الذي نفخ فيه روحه وصار ذا حس وحركة وعقل وإدراك.

وإن أُريد منه حشر النفوس والأرواح مجردة عن البدن فيصحّ وصفه بالروحاني لكنّه يخالف صريح القرآن لما عرفت من تأكيده علىٰ حشر الأبدان الدنيوية بنحو يكون مناسباً للحشر الأُخروي.

__________________

١. يس : ٧٨.

٢. سبأ : ٧.

٨٤

المعاد الجسماني بالملاك الثاني

وثمة ملاك ثان في وصف المعاد بالجسمانية أو الروحانية وهو الثواب والعقاب الذي يواجههما الإنسان.

فقسم لا يدرك إلاّ بالحواس الظاهرية كأكثر ما وعد في سورتي الواقعة والرحمن.

وهناك ثواب وعقاب يدركهما الإنسان بعقله لا بحواسه ولا بقواه الجسمانية.

وبذلك يتضح انّ جزاء الإنسان بما يدركه بالحواس الظاهرية تعبير عن كون المعاد جسمانياً كما أنّ جزاءه بما يدركه العقل والنفس في مقام التجرد تعبير عن كون المعاد روحانياً ، وبما انّ الآيات الواردة في أكثر السور الّتي ترجع إلى الجزاء بالأُمور الحسية ، معلومة لدى القرّاء الأعزاء ، فنعطف عنان القلم إلى المثوبات والعقوبات التي تدرك بالعقل والنفس.

١. رضوان الله

إنّه سبحانه بعد ما يذكر المثوبات المدركة بالحواس يعقبها بذكر جزاء عظيم لا يدرك إلاّ بالعقل ، قال سبحانه : ( وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). (١)

تجد انّه سبحانه بعد ما يذكر الجنات والأنهار والمساكن الطيبة التي هي ملاكات لجسمانية المعاد يذكر رضوان الله تبارك وتعالى الذي هو جزاء روحاني

__________________

١. التوبة : ٧٢.

٨٥

عقلاني لا صلة له بالأدوات الحسية.

قال الإمام السجاد عليه‌السلام في تفسير الآية :

« إذا صار أهل الجنّة في الجنة ودخل وليّ الله إلىٰ جنانه ومساكنه واتكأ كلّ مؤمن منهم على أريكته حفّته خدّامه. وتهدّلت عليه الثمار ، وتفجّرت حوله العيون ، وجرت من تحته الأنهار وبسطت له الزرابيّ ، وصفّفت له النمارق ، وأتته الخدّام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك ، قال : ويخرج عليهم الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ما شاء الله.

ثمّ إنّ الجبّار يشرف عليهم فيقول لهم : أوليائي وأهل طاعتي وسكّان جنتي في جواري ألا هل أُنبّئكم بخير ممّا أنتم فيه ؟ فيقولون : ربّنا وأيّ شيء خير ممّا نحن فيه ؟! نحن فيما اشتهت أنفسنا ، ولذّت أعيننا من النّعم في جوار الكريم ، قال : فيعود عليهم بالقول ، فيقولون : ربّنا نعم فأتنا بخير ممّا نحن فيه ، فيقول لهم تبارك وتعالى : رضاي عنكم ومحبّتي لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه ، قال : فيقولون : نعم يا ربّنا رضاك عنّا ومحبّتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا ». ثمّ قرأ عليّ بن الحسين عليهما‌السلام هذه الآية : ( وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). (١)

٢. البعد عن رحمته

إذا كان نيل رضوانه سبحانه سبباً للّذة والثواب ، يكون البعد عن رحمته سبباً للعذاب ، يقول سبحانه : ( وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ). (٢)

__________________

١. البحار : ٨ / ١٤٠ ـ ١٤١.

٢. التوبة : ٦٨.

٨٦

إنّ هذه الآية ندُّ الآية السابقة ، غير انّ الأُولىٰ تعد المؤمنين والمؤمنات بالنعم الحسية ثمّ الروحية كما عرفت ، وهذه الآية تعد المنافقين والمنافقات بالعذاب الحسي أعني قوله : ( نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ ) والعذاب الروحي الذي يشير إليه بقوله : ( وَلَعَنَهُمُ اللهُ ) واللعن عبارة عن البعد عن رحمة الله تبارك وتعالى. ويعقبه قوله : ( وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) فيمكن أن يكون مشيراً إلىٰ خلودهم في النار أو مشيراً إلىٰ بعدهم الدائم عن رحمة الله ، والمقايسة بين الآيتين وتطبيق كلّ على الأُخرى توقف الإنسان على اللّف والنشر اللافت.

٣. الحزن والحسرة

إذا كان البعد عن رحمته سبحانه عذاباً روحياً ، فالحزن والحسرة على ما مضىٰ من العمر الذي أتلفه الإنسان مع ماله من القابليات يُعد عذاباً روحياً ، وقد أشار إليه سبحانه في بعض الآيات بلفظ : ( يَوْمَ الحَسْرَةِ ) و ( حَسَرَاتٍ ) ، قال سبحانه : ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ). (١)

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا دخل أهل الجنّة الجنة وأهل النار النار ، قيل : يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون ، وقيل : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون فيجاء بالموت كأنّه كبش أملح ، فيقال لهم تعرفون الموت ، فيقولون : هذا وهذا وكلّ قد عرفه.

قال : فيقدم فيذبح ، ثمّ يقال : يا أهل الجنّة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، قال : وذلك قوله : ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ ) الآية.

ورواه أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام ثمّ جاء في آخره فيفرح أهل

__________________

١. مريم : ٣٩.

٨٧

الجنّة فرحاً لو كان أحد يومئذٍ ميتاً لماتوا فرحاً ، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتاً لماتوا. (١)

وقال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ). (٢)

وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليه‌السلام في تفسير قوله : ( كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ) بقوله : « هو الرجل يكتسب المال ولا يعمل فيه خيراً فيرثه من يعمل فيه عملاً صالحاً فيرى الأوّل ما كسبه حسرة في ميزان غيره ». (٣)

٤. لقاء المحبوب

من المعارف القرآنية هي مسألة لقاء الله ولقاء الرب الذي جاء في غير واحد من السور بتعابير مختلفة :

فتارة يعبر عنه ، ( بِلِقَاءِ اللهِ ) ، قال سبحانه : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ). (٤)

وأُخرى ب‍ : ( لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ) ، يقول سبحانه : ( أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ). (٥)

وثالثة : ( بِلقاءِ رَبِّكُمْ ) ، قال سبحانه : ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ... يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ). (٦)

__________________

١. مجمع البيان : ٣ / ٥١٥.

٢. البقرة : ١٦٧.

٣. مجمع البيان : ١ / ٢٥١.

٤. الأنعام : ٣١.

٥. فصلت : ٥٤.

٦. الرعد : ٢.

٨٨

ورابعة ب‍ : ( لِقَاءَنَا ) قال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ ). (١)

وخامسة : ( مُّلاقُو رَبِّهِمْ ) قال سبحانه : ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُو رَبِّهِمْ ). (٢)

وهذه الآيات التي وردت في الذكر الحكيم يربو عددها علىٰ ١٨ آية ، وقد اختلف المفسرون في تفسير لقاء الله.

فقد فسر بلقاء يوم القيامة تارة بشهادة قوله سبحانه : ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ). (٣)

وأُخرى بلقاء الآخرة ، قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ). (٤)

وأُخرى : بنيل الثواب والعقاب ، قال سبحانه : ( أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (٥) ، غير أنّ العرفاء الشامخين أخذوا بحرفية تلك الكلمة وقالوا بلقاء الإنسان ربّه لقاءً قلبياً شهودياً لا لقاءً حسياً بل لقاء يدرك ولا يوصف ولا يمكن التعبير عنه باللفظ والكلمة ، وقد تبنىٰ ذلك المعنى العارف الحكيم الشيخ جواد الملكي التبريزي ( المتوفّى ١٣٤٣ ه‍ ) فقال في كتابه « لقاء الله » ما هذا مثاله :

ثمّ إنّ المفسّرين أمام تلك الآيات على أحد رأيين :

الرأي الأوّل : الأخذ بما دلّ علىٰ تنزيه الربّ من كلّ جسم وجسمانية ،

__________________

١. يونس : ٧.

٢. البقرة : ٤٦.

٣. السجدة : ١٤.

٤. الأعراف : ١٤٧.

٥. القصص : ٦١.

٨٩

وبالتالي تأويل ما دلّ من الآيات والروايات على اللقاء بوجه ، وهو انّ المراد هو الموت ولقاء الثواب والعقاب.

الرأي الثاني : حمل ما دلّ على التنزيه بالمعرفة الحسية أو المعرفة بالكنه ، وحمل ما دلّ على اللقاء أو التشبيه على المعرفة الإجمالية ، ومعرفة أسمائه وصفاته التي هي مجلىٰ ذاته سبحانه.

ولا يخفىٰ انّ كلا التفسيرين تفسير مجازي فانّ حمل اللقاء بلقاء الثواب والعقاب مجاز لا دليل عليه ، كما أنّ تفسيره بالمعرفة الإجمالية كمعرفة أسمائه وصفاته مجاز مثله ، فأين معرفة أسمائه كالعالم والقادر على وجه يليق بالحكيم من لقائه سبحانه.

وهناك مسلك ثالث أدق من المسلكين تبنّاه بعض العارفين وهو انّ للّقاء مراتب بين الإمكان والاستحالة ، فيجوز للممكن في سيره وسلوكه لقاء واقعي ، وإن كان بالنسبة إلى الدرجات المستحيلة لقاءً غير واقعي.

ثمّ أيّد ذلك بما ورد في القرآن والأدعية ، فقد ورد فيهما كلمات تعرب عن تحقّق اللقاء حقيقة ، نظير قول الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام : « ولا يحرمني من النظر إلىٰ وجهك » وقوله : « ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان ». وقول الإمام الحسين عليه‌السلام في المناجاة الشعبانية : « وألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفاً ».

وقوله عليه‌السلام : « وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعزّ قدسك » ، وفي الدعاء الذي علمه الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لكميل :

« فهبني صبرت علىٰ عذابك فكيف أصبر علىٰ فراقك ».

إلى غير ذلك من الألفاظ الدالة على اللقاء الحقيقي علىٰ وجه يلازم التنزيه

٩٠

ويفارق التشبيه ، ومع ذلك يكون هناك لقاءٌ حسب ما يمكن تحقّقه للموجود الإمكاني. (١)

ومن أراد الوقوف على التفصيل فعليه الرجوع إلىٰ كتابه.

٥. عذاب فراق المحبوب

كما أنّ قرب المحبوب يلازم السرور والفرح ، فهكذا فراقه يثير ألماً روحيّاً ، وقد أشار إليه الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في دعائه الذي علّمه لكميل بن زياد النخعي التابعي حيث يقول عليه‌السلام مخاطباً الله سبحانه : « فهبني صبرت على عذابك ، فكيف أصبر علىٰ فراقك ».

__________________

١. رسالة لقاء الله ، المقدمة.

٩١

الفصل الثامن :

المعاد الجسماني وآراء الحكماء والمتكلّمين

قد تعرّفت علىٰ تضافر الآيات علىٰ أنّ الحشر يتعلّق ببدن جسماني مرافق للروح والنفس ، وأنّ ما خلق أوّلاً هو المعاد في الآخرة ، غير أنّه اختلفت كلماتهم في واقع هذا البدن الجسماني الذي يتعلق به الروح ، فها نحن نذكر بعض الآراء.

الأوّل : المعاد الجسماني ورأي المعلم الثاني الفارابي ( المتوفّى ٣٣٩ ه‍ )

وحاصل كلامه : أنّ الناس علىٰ صنفين ، فصنف بلغ من الكمال درجة استغنى بها عن البدن ، ولا همّ لهم سوى الرغبة في إدراك حقائق العالم العلوي ، وصنف يسمّيهم الفارابي « بالبدنيين » على عكس الصنف الأوّل ، لا همّ لهم سوى إدراك البدن وما يترتبط بالعالم السفلي.

ويفسره صدر المتألّهين بقوله : إنّ هؤلاء إذا فارقوا الأبدان وهم بدنيُّون وليس لهم تعلّق بما هو أعلىٰ من الأبدان ، فيشغلَهم التزامَ النظر إليها والتعلّق بها عن الأشياء البدنية ، وإنّما لأنفسهم إنها زينة لأبدانهم فقط ولا يعرف غير الأبدان والبدنيات ، أمكن أن يعلقهم نوع تشوقهم إلى التعلّق ببعض الأبدان التي من شأنها أن تتعلق بها الأنفس لأنّها طالبة بالطبع ـ إلى أن قال : ـ ويجوز أنْ يكون هذا

٩٢

الجرم متولداً من الهواء والأدخنة ويكون مقارناً لمزاج الجوهر المسمّىٰ روحاً الذي لا يشك الطبيعيون أنّ تعلّق النفس به لا بالبدن. وانّه لو جاز أن لا يتحلل ذلك الروح مفارقاً للبدن والاخلاط ويقوم ، لكانت النفس تلازمه الملازمة النفسانية. (١)

ثمّ إنّ الشيخ الرئيس استحسنه وقال في حقّه : ويشبه أيضاً أن يكون ما قاله بعض العلماء حقّاً ، وهو : انّ هذه الأنفس إن كانت زكية وفارقت البدن وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون لأمثالهم علىٰ مثل ما يمكن أن يخاطب به العامة وتصور في أنفسهم عن ذلك ، فانّهم إذا فارقوا الأبدان ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم ، لا كمال فيسعدوا تلك السعادة ، ولا شوق كمال فيشقوا تلك الشقاوة ، بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل منجذبة إلى الأجسام ، ولا منع من المواد السماوية عن أن تكون موضوعة لفعل نفس فيها. (٢)

إنّ من عجيب القول تفسير البدن بالبدن الناشئ من الهواء والأدخنة ، مع أنّه يشترط أن يكون بين النفس والبدن نوع انسجام وإمكان تعلّق ، فكيف يجوّز المعلم الثاني تعلّق النفس بهذا النوع من البدن ؟

وقد نقده صدر المتألّهين بقوله : إنّ القول بتجويز أن يكون موضوع تصور النفس وتخيلها بعد التجرّد عن هذا البدن متولداً من الهواء والدخان ، كيف يصحّ من رجل ذي بضاعة من الفلسفة الطبيعية ، فكيف من الفلسفة الإلهية ، أليس مثل هذا الجسم الدخاني المتولّد من بعض المواد العنصرية ، يتفرق ويتحلل بأدنى سبب إذا لم يكن له طبيعة حافظة إياه عن التبدد وعن التحلل شيئاً فشيئاً بإيراد

__________________

١. الأسفار : ٩ / ١٤٨ ـ ١٤٩.

٢. الإلهيات من الشفاء : ٤٧٢ ـ ٤٧٣ ، المقالة التاسعة ، الفصل الثامن ، منشورات مكتب الاعلام الإسلامي.

٩٣

البدل كما في الروح الطبي حتى يبقىٰ تهيئه لتصرف النفس فيكون هو في ذاته نوعاً نباتاً بل حيواناً لكونه موضوع الإدراك التخيلي فإذاً أليس هذا عين التناسخ ؟! وأليس صار هذا الجرم الدخاني حيواناً غير إنسان تعلّقت به نفس الإنسانية فصار هذا الإنسان منسلخاً عن إنسانيته إلى حيوان آخر ؟! (١)

وأظن ـ وظن الألمعي صواب ـ انّ الذي دعا المعلم الثاني والشيخ الرئيس إلى القول بتعلّق الروح بالبدن المتولّد من الهواء والدخان ، أمران :

الأوّل : تصوّر انّ تعلّق النفس بالبدن الدنيوي العنصري تناسخ وهو باطل.

الثاني : انّ الصور الحسية التي بها تلتذ النفس أو تتألم أُمور حسية ، والنفس في إدراك هذا النوع من الأُمور رهن أدوات مادية أعني البدن ، فلا مناص من تصوير بدن يكون أداة لتصور النفس تلك الصور الحسية الملذة أو المؤلمة ، وحيث إنّ تعلّق النفس بالبدن الدنيوي تناسخ ممّا حدا إلى القول بخلق هذا البدن من الدخان والهواء.

الثاني : المعاد الجسماني ورأي صدر المتألّهين ( ٩٧٩ ـ ١٠٥٠ ه‍ )

ذهب صدر المتألّهين إلى المعاد الجسماني ، وانّ البدن المحشور في الآخرة هو البدن الدنيوي ، ويصرُّ علىٰ هذا القول في أوائل البحث علىٰ نحو يذعن الإنسان بأنّه بصدد إثبات ما عليه المتشرعة من المعاد الدنيوي العنصري ، هذا بالنظر البدوي ، وأمّا حينما ينتقل إلى أواخر البحث فيذهب إلى تعلّق النفس ببدن مثالي برزخي ، مطابق لما عليه الإشراقيون من الفلاسفة ، بيد انّهم عجزوا عن إثبات عينية البدن المثالي للبدن الدنيوي ، ولكن صدر المتألّهين قام بهذا العمل الجبار ورفض التعددية بين البدنين وأرجع الاختلاف بينهما إلى الاختلاف في الكمال والنقص.

__________________

١. الأسفار : ٩ / ١٤٩ ـ ١٥٠.

٩٤

توضيح النظريتين : انّ الإشراقيين قالوا بوجود بدن مثالي للإنسان في عالم المثال ، كما أنّ له بدناً طبيعياً مادياً في هذه النشأة ، والنفس بعد مفارقتها البدن الدنيوي تتعلّق ببدن مثالي مستقل نشأ من ذي قبل.

ثمّ إنّ الدافع من وراء طرح هذه النظرية تصوّر أنّ تعلّق النفس بالبدن الدنيوي يعد تناسخاً وهو أمر باطل لا محالة ، مضافاً إلىٰ أنّ النفس إنّما تلتذ أو تتألم بالصور الحسية ، والنفس في إدراكها للصور الحسية بحاجة إلىٰ بدن ، فمسّت الحاجة إلىٰ تصوير بدن للنفس حتى يتحقق به إدراك الصور الحسية جميلها وقبيحها ، لذيذها ومؤلمها.

إلاّ أنّ هذه النظرية لا تصمد أمام النقاش.

أمّا أوّلاً : إذا كان البدن المثالي مغايراً للبدن الدنيوي ومخلوقاً من ذي قبل ، فكيف ينطبق على هذا النوع من الحشر ، قوله سبحانه : ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) ؟ (١)

وثانياً : أنّ البدن المثالي المخلوق من ذي قبل له استعداد لتعلّق النفس به ، حينها يتهيأ لقبول الفيض الإلهي ، من قبل الله سبحانه ، فتتعلّق النفس بالبدن في ظرفها ، فلو تعلّقت به نفس أُخرى بعد الموت يلزم اجتماع نفسين في بدن واحد ، وهو عين التناسخ.

ولما أثارت هذه النظرية إشكالاً واضحاً عدل عنها صدر المتألّهين وذهب إلى الوحدة بين البدنين المادي والمثالي ، وأنّ التفاوت بينهما بالكمال والنقص وانّ البدن المثالي هو عين البدن المادي لكن بنحو أكمل ، وبذلك استطاع التخلّص من الإشكال الأوّل من لزوم كون المعاد في الآخرة هو البدن الدنيوي.

كما أنّه تخلّص من الإشكال الثاني بأنّ البدن المثالي لم يخلق من ذي قبل بل

__________________

١. يس : ٧٩.

٩٥

خلق مع البدن الدنيوي ويتكامل في ظل تكامله.

وقد استدل على وجود ذلك البدن بأُمور منها :

انّ النفس تفعل وتنفعل بهذا البدن المثالي في عالم النوم ، واستقرب وجود ذلك البدن المثالي بوجهين : ذكرهما تلميذه عبد الرزاق اللاهيجي في كتابه :

١. انّ الإنسان في هذه النشأة يتصوّر جميع أجزاء بدنه وأعضائه ظاهرة وباطنة ، والمتصوّر بالذات غير هذا البدن الدنيوي وليس إلاّ البدن المثالي.

٢. انّ الإنسان يفعل ويتفاعل في النوم ببدن غير مادي ، فهو يتكلّم ويذهب ويقعد ويضرب ، كلّ ذلك ببدن غير مادي ، وليس هو إلاّ البدن المثالي.

وعلى ذلك فالبدن المثالي ليس مخلوقاً من ذي قبل ، وإنّما يخلق بالتكامل الذي يناله الإنسان. (١)

ثمّ إنّ صدر المتألّهين بنىٰ ما اختاره من المعاد على مقدمات كثيرة ، ربت علىٰ إحدى عشرة مقدمة غير انّ المهم منها لا يتجاوز عن ثلاث مقدمات ، وإليك نقلها :

الأصل الأوّل : التشكيك في الوجود

إنّ الوجود حقيقة واحدة ولها مراتب ومظاهر ، وليس التفاوت بينها إلاّ بالشدّة والضعف ، والكمال والنقص.

وبتعبير آخر : ليس في لوح الواقع إلاّ شيءٌ واحدٌ وهو الوجود ، فإذاً يرجع التفاوت بين الوجودات إلى الشدّة والضعف والنقص والكمال ، وليست الشدة والضعف إلاّ نفس الوجود ، فلا الوجود الشديد مركب من وجود وشدة ، ولا

__________________

١. گوهر مراد : ٣٧١.

٩٦

الوجود الضعيف مركب من وجود وعدم ، بل كلّها وجود لكن بمراتب ودرجات متعددة.

الأصل الثاني : انّ هوية الإنسان بنفسه

إنّ هوية البدن وتشخصه إنّما يكون بنفسه لا بجرمه ، فزيد مثلاً زيد بنفسه لا بجسده ، ولأجل ذلك يستمر وجوده وتشخّصه مادامت النفس باقية فيه ، وإن تبدّلت أجزاؤه وتحولت لوازمه ، من أينه وكَمّه وكيفه ووضعه ومتاه ، كما في طول عمره ; وكذا القياس لو تبدلت صورته الطبيعية بصورة مثالية ، كما في المنام ، وفي عالم القبر والبرزخ إلى يوم البعث ، أو بصورة أُخروية كما في الآخرة ، فانّ الهوية الإنسانية في جميع هذه التحوّلات والتقلّبات واحدة هي هي بعينها ، لأنّها واقعة على سبيل الاتصال الوحداني التدريجي ، ولا عبرة بخصوصيات جوهرية وحدود وجودية واقعة في طريق هذه الحركة الجوهرية ، وإنّما العبرة بما يستمرّ ويبقىٰ وهي النفس لأنّها الصورة التمامية في الإنسان التي هي أصل هويته وذاته ، ومجمع ماهيته وحقيقته. (١)

وعلى هذا فالإنسان في حركته الجوهرية من الجماد إلى النبات ، ومنه إلى الحيوان ، ثمّ الإنسان ، وإن مرّت به تلك المراحل ، لكنّها ـ في الواقع ـ علل إعدادية لحصول النفس الإنسانية ، وعليه تكون واقعية نفسها وحقيقتها الكمال الذي وصلت إليه في نهاية الحركة ، فالإنسان هو الإنسان وإن تجرّد عن الجرم والجسم والجسد والبدن ، بشهادة أنّه قد مرّ عليه أبدان وأجساد وهو بعدُ شخص واحد ووحدته محفوظة ، ولذا لو جنىٰ في شبابه ولاقىٰ جزاءه العادل في هرمه لا يكون ظلماً في حقّه.

__________________

١. الأسفار : ٩ / ١٩٠.

٩٧

الأصل الثالث : العوالم الثلاثة

إنّ أجناس العوالم والنشآت مع كثرتها منحصرة في ثلاثة ، وإن كانت دار الوجود واحدة لارتباط بعضها مع بعض :

أدناها عالم الصور الطبيعية الكائنة الفاسدة.

وأوسطها عالم الصور الإدراكية الحسيّة المجرّدة عن المادة.

وأعلاها ، عالم الصور العقلية والمثل الإلهية.

فاعلم أنّ النفس الإنسانية مختصة من بين الموجودات بأنّ لها هذه الأكوان الثلاثة مع بقائها بشخصها ، فللإنسان كون طبيعي وهو بحسبه إنسان بشري. ثمّ يتدرج في هذا الوجود ويتكامل ويتلطف شيئاً فشيئاً في تجوهره إلىٰ أن يحصل له كون آخر مثالي ، وهو بحسبه إنسان مثالي ، وله أعضاء مثالية وهو الإنسان الثاني.

ثمّ قد ينتقل من هذا الكون أيضاً نتيجة تكامله فيحصل له كون عقلي ، وهو بحسبه إنسان عقلي ، وله أعضاء عقلية وهو الإنسان الثالث.

وهذه المراحل التي يمرّ بها الإنسان مختصة بنوعه. فإنّ الأشياء وإن كانت برُمَّتها سائرة إلى الحضرة الإلهية ، لكن الذي يمرّ على الصراط المستقيم منتهياً إلىٰ غاية الغايات ليس هو إلاّ النوع الإنساني.

فالإنسان بحسب فطرته الأصلية يتحرك نحو الآخرة بالتدريج ويرجع إلىٰ غاية مقصودة ، فيبتدئ بوجوده الدنيوي المادي إلىٰ وجوده الأُخروي الصوري إذ نسبة الدنيا إلى الآخرة نسبة النقص إلى الكمال ، ونسبة الطفل إلى البالغ ، فإذا بلغ الوجود أشده الجوهري يخرج من هذا الوجود الدنيوي إلىٰ وجود أُخروي ويستعد للخروج من هذه الدار إلىٰ دار القرار.

ثمّ إنّه قدس‌سره استنتج من هذه الأُصول ، وقال : من تدبّر في هذه الأُصول لم

٩٨

يبق له شكّ وريب في مسألة المعاد وحشر النفوس والأجساد ، ويعلم يقيناً ويحكم بأنّ هذا البدن بعينه سيحشر يوم القيامة بصورة الأجساد ، وينكشف له أنّ المعاد في المعاد مجموع النفس والبدن بعينهما وشخصهما وانّ المبعوث في القيامة هذا البدن بعينه لا بدن آخر مبائن له عنصرياً ـ كان كما ذهب إليه جمع من الإسلاميين ـ أو مثالياً ـ كما ذهب إليه الإشراقيون ـ فهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للشريعة والملة الموافق للبرهان والحكمة. (١)

وإيضاحاً لمختاره نقول : إنّ مقتضى الأصل الأوّل انّ الإنسان في حركته الجوهرية ينتقل من كمال إلى كمال ، ومقتضى الأصل الثالث انّ له نشاءات ثلاث :

طبيعية ، ومثالية ، وعقلية ، وبحكم الأصل الثالث انّ فعلية شيء بصورته لا بمادته ، فالإنسان في النشأة المثالية هو الإنسان في النشأة الطبيعية ، لأنّ الصورة محفوظة بكمالها لا بحدودها ، ففعلية البدن هو صورته وهي محفوظة في عالم المثال ، كما أنّ فعلية الإنسان نفسه وهي أيضاً محفوظة ، فإذا حشر الإنسان بالبدن المثالي الذي كانت النفس تلازمه في عالم الطبيعة ، يكون حشره حشر البدن العنصري لكن لا بحدوده.

هذه عصارة ما ذكره صدر المتألّهين في تفسير المعاد الجسماني وهو يختلف عن مسلك الإشراقيين في واقع البدن المثالي ، فانّه على مسلكهم يكون بدناً مخلوقاً من ذي قبل تتعلّق به النفس بعد فراقه عن البدن ، وعلى مسلكه يكون البدن المثالي مخلوقاً مع البدن العنصري وفي داخله وحالّة فيه ويتكامل مع تكامله على نحو لو تركت النفس تعلّقها بالبدن الدنيوي لبقيت متعلّقة بالبدن المثالي ، وتمكث في عالم البرزخ إلىٰ يوم القيامة ثمّ تحشر معه متعلّقة به.

فهنا سؤال وهو انّ حاجة النفس إلى البدن المثالي يدور حول أحد أمرين :

__________________

١. الأسفار : ٩ / ١٩٤ ـ ١٩٨.

٩٩

الأوّل : انّ تكامل النفس بعد تركها البدن الدنيوي رهن تعلّقها بذلك البدن حتى تتكامل تحت ظل ذلك التعلّق.

الثاني : انّ النفس بحاجة إلى ذلك البدن لأجل نيل الثواب والعقاب ولولاه لما تيسر لها نيلهما.

أما الثاني فهو مخالف لمختاره في القوة الخيالية للنفس ، فانّها قوة جوهرية معلولة للنفس قائمة بها قيام المعلول بالعلة ، وليست حالَّة في البدن ولا في أعضائه ، وعلىٰ هذا تكون الصور المخلوقة بتلك القوة مخلوقة للقوة قائمة بها ، قيام المعلول بالعلة من دون أن تكون حالّة في الأعضاء.

فإذا كانت القوّة والصور القائمة بها ، أُموراً جوهرية قائمة بالنفس فلا حاجة لها بالبدن المثالي.

نعم القوة الخيالية في النشأة الأُولىٰ لا تستطيع خلق الصور إلاّ عن طريق إعمال القوى الحسية الموجودة في الأعضاء ، فلا يُبصر إلاّ بالعين ، ولا يُسمع إلاّ بالسمع ، وحيث إنّ الصور في هذه النشأة تأتي إلى النفس والقوة من خارج ذاتهما فلا محيص من الاستعانة بالبدن العنصري ، وهذا بخلاف الصور الجميلة أو المؤلمة في النشأة الأُخرىٰ فانّ الصور تبرز من داخل النفس والقوة إلىٰ خارجهما حسب الملكات التي يكتسبها الإنسان طيلة عمره ، فالنفس ذي الملكة الحسنة تخلق صوراً جميلة يلتذ بها على خلاف الملكة السيئة ، وعلىٰ ذلك فلا حاجة للنفس ولا للقوّة الخيالية في إيجاد الصور للبدن المثالي.

فتعين الوجه الأوّل ، وهو انّ النفس في تكاملها رهن البدن المثالي فعندئذٍ نطرح هنا أمرين :

الأوّل : انّ كثيراً من الناس يعوزهم الاستعداد اللازم للانتقال إلى عالم العقول ، بل يبقوا في عالم المثال أبد الدهر ، وعندئذٍ يكون استخدام البدن المثالي

١٠٠