🚘

مفاهيم القرآن

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤١٢
🚘 نسخة غير مصححة

مكان الجنة والنار

إذا ثبت انّ الجنة والنار مخلوقتان ، يقع البحث في مكانهما ، وقد يستفاد من الذكر الحكيم انّ مكانهما قريب من سدرة المنتهىٰ ، يقول سبحانه : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَىٰ ). (١)

يقول التفتازاني : لم يرد نص صريح في تعيين مكان الجنة والنار ، والأكثرون على أنّ الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش ، تشبثاً بقوله تعالى : ( عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَىٰ ) وقوله : « سقف الجنة عرش الرحمن والنار تحت الأرضين السبع ».

والحقّ تفويض ذلك إلى علم العليم. (٢)

انّ ما نقله التفتازاني هو رواية عكرمة ، عن ابن عباس ، انّه قال : قدم يهوديان فسألا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقالا : أين تكون الجنة ؟ وأين تكون النّار ؟ قال : أمّا الجنّة ففي السماء ، وأمّا النار ففي الأرض ، قالا : فما السبعة ؟ قال : سبعة أبواب النّار متطابقات ، قال : فما الثمانية ؟ قال : ثمانية أبواب الجنة. (٣)

ولكن عكرمة أباضي لا يعتمد عليه. (٤)

والمستفاد من ظواهر الآيات أنّ الجنّة والنار خارجتان عن نطاق السماوات والأرض ، والشاهد عليه انّه سبحانه يصف سعة الجنة بسعة السماوات والأرض ،

__________________

١. النجم : ١٣ ـ ١٥.

٢. شرح المقاصد : ٢ / ٢٢٠ ، ط آستانة.

٣. بحار الأنوار : ٨ / ١٢٨ ، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ٢٨.

٤. هو أبو عبد الله القرشي ، مولاهم المدني ، البربري الأصل ، كان لحصين بن أبي الحر العنبري فوهبه لابن عباس ، وذكر انّه كان يرى رأي الخوارج وكان يكذب على ابن عباس ، قال ابن حنبل : مضطرب الحديث يختلف عنه وما أدري وروي عن الشافعي ، قال : لا أرى لأحد أن يقبل حديثه ، توفي سنة أربع ومائة.

٣٠١

يقول : ( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) (١) فالآية شاهدة على أنّها خارجة عنهما غير انّ سعتها كسعتهما ، ولا محيص عن القول بأنّ مكان الجنة والنار من الأُمور الغيبية التي نفوّض علم مكانهما إلى الله سبحانه.

نعم ذكر العلاّمة المجلسي في مكان الجنة والنار ، قوله : وأمّا مكانهما فقد عرفت أنّ الأخبار تدل على أنّ الجنة فوق السماوات السبع ، والنار في الأرض السابعة وعليه أكثر المسلمين. (٢)

الجنّة والنار خارجتان عن هذا العالم

إنّما يحسن السؤال عن مكان الجنة والنار إذا كانتا جزءاً من هذا العالم ، فيسأل عن كونهما فوقاً أو تحتاً ، وأمّا إذا كانتا عالمين مستقلين منفكين عن السماوات والأرض فلا مجال للسؤال عن مكانهما.

وبعبارة أُخرىٰ : إنّما يتصوّر المكان ، لشيء يكون جزءاً من هذا العالم ، وأمّا مجموع العالم بما هو مجموع فليس له مكان خاص ، لأنّه بتحقّقه يصنع لنفسه المكان لا أنّه كان هناك مكان خال فوجد العالم فيه وملأ فراغه ، ولذلك لما أعلن العالم الفيزيائي أنشتاين بأنّ العالم لم يزل في سعة سئل عن مكانه ، فأجاب بأنّه بسعته يوجد مكانه ولا يحتاج إلى مكان فارغ قبل السعة حتى يتحقّق فيه. (٣)

وهكذا نقول في الجنة والنار المخلوقتين ، فلو كانتا عالماً مستقلاً خارجاً عن هذا العالم فهما بوجودهما يوجدان مكانهما ، والسؤال عن مكانهما غير صحيح بالمرّة.

__________________

١. آل عمران : ١٣٣.

٢. بحار الأنوار : ٨ / ٢٠٥ ، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد.

٣. وإليه تشير الآية الكريمة : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) ( الذاريات : ٤٧ ).

٣٠٢

الفصل الرابع والعشرون

الخالدون في النار

الجذور التاريخية لهذه المسألة

إنّ من أوائل المسائل الكلامية التي طرحت علىٰ صعيد البحث بين المسلمين ـ بعد مسألة القضاء والقدر ـ هي مسألة حكم مرتكب الكبيرة.

فذهب المتطرفون من المسلمين الذين عابوا على عثمان وعمّاله ما اقترفوه من الاحداث إلى أنّ مرتكب الكبيرة كافر كفر ملّة.

وذهب آخرون منهم إلىٰ أنّه كفر نعمة.

ولما وصلت النوبة إلى المعتزلة قالت بمنزلة بين منزلتين ، لا هو كافر ولا مؤمن.

وذهبت الإمامية والأشاعرة إلى أنّه مؤمن فاسق عن طاعة الله تبارك وتعالى ، وعلى ضوء ذلك ذهب المتطرّفون والمعتزلة إلىٰ خلوده في النار ، خلافاً للآخرين ، حيث خصّوا الخلود بالكفار دون المسلمين وإن كانوا مرتكبين للكبائر.

قال الشيخ المفيد : اتّفقت الإمامية علىٰ أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة ، ووافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب

٣٠٣

وأصحاب الحديث قاطبة ، وأجمعت المعتزلة علىٰ خلاف ذلك وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عام في الكفار وجميع فساق أهل الصلاة.

واتّفقت الإمامية علىٰ أنّ من عُذِّب بذنبه من أهل الإقرار والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأخرج من النار إلى الجنة فينعم فيها على الدوام ، ووافقهم على ذلك من عددناه ، وأجمعت المعتزلة علىٰ خلاف ذلك وزعموا انّه لا يخرج من النار أحد دخلها للعذاب. (١)

وقال التفتازاني : أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة ، وخلود الكفار في النار ، واختلف أهل الإسلام فيمن ارتكب الكبيرة من المؤمنين ومات قبل التوبة فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو ولا بالعقاب ، بل كلاهما في مشية الله لكن على تقدير التعذيب نقطع بأنّه لا يخلد في النار بل يخرج البتة لا بطريق الوجوب على الله تعالى ، بل بمقتضى ما سبق من الوعد وثبت بالدليل كتخليد أهل الجنة.

وعند المعتزلة القطع بالعذاب الدائم من غير عفو ولا إخراج من النار ، ويعبّر عن هذا بمسألة وعيد الفساق ، وعقوبة العصاة ، وانقطاع عذاب أهل الكبائر ، ونحو ذلك.

وذهب مقاتل بن سليمان وبعض المرجئة إلىٰ أنّ عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلاً وإنّما النار للكفّار. (٢)

قال السيد الشريف في شرح المواقف : غير الكفار من العصاة ومرتكبي الكبائر لا يخلد في النار ، لقوله تعالى : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) ولا شكّ أنّ مرتكب الكبيرة قد عمل خيراً هو إيمانه ، فإمّا أن تكون رؤيته للخير قبل دخول

__________________

١. أوائل المقالات : ١٤.

٢. شرح المقاصد : ٢ / ٢٢٨ ـ ٢٢٩ ، ط آستانة.

٣٠٤

النار وهو باطل بالإجماع ، أو بعد خروجه عنها فهو المطلوب. (١)

إلى هنا وقفت على جذور المسألة وأقوال المتكلّمين فيها ، فحان البحث لدراسة أدلة القائلين بعدم الخلود.

فقد استدلوا على عدم الخلود بأدلة نقلية وعقلية.

الدلائل النقلية

احتجوا بآيات علىٰ عدم الخلود ونحن نذكرها تباعاً.

أ. ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) (٢) وقد وقفت علىٰ كيفية الاستدلال في كلام السيد الشريف.

ونزيد بياناً على أنّ رؤية هؤلاء ثواب إيمانهم إمّا تتقدم على الورود في الجحيم أو يكون معه ، أو تتأخر عنه.

فالأوّل خلاف الإجماع ، فانّ معنىٰ رؤية ثواب إيمانه هو دخوله الجنة ولازم ذلك الخروج منها ، وهو على خلاف المجمع عليه.

والثاني أمر محال كما هو واضح ، فتعيّن الثالث.

لكن الاستدلال بالآية مبني على أن لا يكون مرتكب الكبيرة ممن تحبط أعماله الصالحة ، وإلاّ فعلى القول بالإحباط نستكشف انّه لم يكن هناك أيّ ثواب له ، لأنّ الثواب كان مشروطاً بالموافاة ـ أي أن لا يرتكب الكبيرة طيلة عمره ـ و ارتكابه كاشف عن فقدان الشرط ، وفقدانه كاشف عن فقدان المشروط.

وبعبارة أُخرى : أنّ دلالة الآية متوقفة علىٰ عدم الدليل على خلود مرتكب

__________________

١. شرح المواقف : ٨ / ٢٠٩.

٢. الزلزلة : ٧.

٣٠٥

الكبيرة في النار ، وإلاّ فخلوده يكشف عن حبط عمله ، لا بمعنى إبطال الثواب بعد تحقّقه ، بل بمعنى كشف عدم الثواب له من أوّل الأمر ، لاشتراطه بعدم ارتكاب الكبيرة.

ب. ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ). (١)

وقد قرر غير واحد من علمائنا دلالة الآية على عدم القطع بخلود مرتكبي الكبيرة في النار.

قال المرتضىٰ : هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة ، لأنّه سبحانه دلّنا علىٰ أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين لأنّ قوله : ( عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ) إشارة إلى الحال التي يكونون عليها ظالمين ويجري ذلك مجرى قول القائل : أنا أودّ فلاناً على غدره وأصله على هجره. (٢)

وبعبارة أُخرى : أنّ الآية تخبر عن حكمين :

١. انّ هؤلاء تشملهم مغفرته سبحانه.

٢. كما يمكن أن يشملهم عقابه سبحانه.

ويشير إلى الأوّل بقوله : ( لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ) ، وإلى الثاني بقوله : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ).

وأمّا تعيّن أحدهما فلا يعلمه إلاّ الله سبحانه ، فلو كان مرتكب الكبيرة خالداً في النار لما صحّ إلاّ الخبر الثاني وهو قوله : ( إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ).

نعم انّ هذه الآية ونظائرها لا ترخص لمرتكبي الكبائر أن يقترفوا المعاصي

__________________

١. الرعد : ٦.

٢. مجمع البيان : ٣ / ٢٧٨ ، تفسير سورة الرعد.

٣٠٦

اتكالاً علىٰ هذه الآية ونظائرها ، وإنّما هو بصيص أمل ورجاء لهؤلاء وليس حكماً قطعياً في حقّهم.

والاستدلال بالآية يستند على جعل قوله سبحانه : ( عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ) حالاً ، أي انّه سبحانه لذو مغفرة للناس في الحالة التي هم عليها من الظلم والعصيان.

ج. ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ). (١)

إنّ قوله سبحانه : ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) ناظر إلى الذنوب التي مات صاحبها بلا توبة ، ففي هذا النوع من الذنوب يفرق سبحانه بين الشرك وغيره وانّه لا يغفر الشرك ، ويغفر ما دون ذلك ، وأمّا الذنوب التي مات مقترفها مع التوبة ، فلا فرق فيها بين الشرك وغيره ، فانّ التائب من ذنبه مطلقاً كمن لا ذنب له.

وعلىٰ ضوء ذلك ، فلا يمكن القطع بخلود مرتكب الكبيرة في النار لاحتمال شمول غفرانه سبحانه له ، ودخوله تحت مشيئته.

نعم الآية ليست دليلاً قاطعاً على فلاح مرتكب الكبيرة وإنّما هي بصيص أمل لمقترفي الكبائر. ومعه لا يصحّ قول المعتزلة ولا الخوارج بخلودهم في النار وعدم خروجهم عنها على وجه القطع.

هذه هي الآيات التي تصلح للاستدلال على عدم خلودهم في النار.

وثمة روايات تؤيد تلك النظرية ، وها نحن نذكر بعضها :

١. روى الصدوق في توحيده بسنده عن ابن أبي عمير ، قال : سمعت موسى بن جعفر عليهما‌السلام يقول : « لا يخلّد الله في النار إلاّ أهل الكفر والجحود ، وأهل

__________________

١. النساء : ٤٨ و ١١٦.

٣٠٧

الضلال والشرك ». (١)

٢. روى الحسين بن سعيد الأهوازي ، عن عمر بن أبان ، قال : سمعت عبداً صالحاً يقول في الجهنميين : « إنّهم يدخلون النار بذنوبهم ويخرجون بعفو الله ». (٢)

٣. وكتب الإمام الرضا عليه‌السلام للمأمون في رسالته : « انّ الله لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنة ، ولا يخرج من النار كافراً وقد أوعده النار والخلود فيها ، ومذنبو أهل التوحيد يدخلون النار ويخرجون منها ، والشفاعة جائزة لهم ». (٣)

٤. وقد روى الفريقان انّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : « ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي ». (٤)

وقد حقّق في محله انّ معنى الشفاعة هو حط الذنوب ولا تختص بترفيع الدرجة ، والآيات النازلة حول الشفاعة ناظرة إلى ما هو الدارج بين أهل الكتاب من اليهود والنصارىٰ والشفاعة عندهم كانت بمعنى غفران الذنوب والخروج من النار ، والذكر الحكيم يُدعم الشفاعة بهذا المعنى ، ولكن بشروط وحدود يخرجها عن جعلها ذريعة إلىٰ ترك العمل من خلال وضع شروط في المشفوع له وفي الذنب الذي يكون محطاً للشفاعة ، وبذلك ظهر انّ الروايات أيضاً تؤيد مفاد الآيات.

الدلائل العقلية

استدل على عدم الخلود بوجهين عقليين :

__________________

١ و٢ و٣. بحار الأنوار : ٨ / ٣٥١ و٣٦١ و٣٦٢ ، باب من يخلد في النار ومن يخرج منها من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ١ ، ٣٢ ، ٣٦.

٤. بحار الأنوار : ٨ / ٣٤ ، باب الشفاعة من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ١ ; مسند أحمد : ١ / ٢٨١ ; موطأ مالك : ١ / ١٦٦.

٣٠٨

الأوّل : انّه يستحق الثواب بإيمانه ، لقوله تعالى : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) والإيمان أعظم أفعال الخير ، فإذا استحق العقاب بالمعصية ، فإمّا أن يقدم الثواب على العقاب وهو باطل بالإجماع ، لأنّ الثواب المستحق بالإيمان دائم على ما تقدم ، أو بالعكس وهو المراد ، والجمع محال.

الثاني : يلزم أن يكون من عبد الله تعالى مدة عمره بأنواع القربات إليه ثمّ عصى في آخر عمره معصية واحدة مع بقاء إيمانه ، مخلداً في النار كمن أشرك بالله تعالىٰ مدة عمره ، وذلك محال لقبحه عند العقلاء. (١)

وذكر التفتازاني وجوهاً أُخرى نذكر منها ما يلي :

الثالث : انّ من واظب على الإيمان والعمل الصالح مائة سنة وصدر عنه في أثناء ذلك أو بعده جريمة واحدة كشرب جرعة من الخمر فلا يحسن من الحكيم أن يعذبه على ذلك أبد الآباد ولولم يكن هذا ظلماً فلا ظلم ، أو لم يستحق بهذا ذماً فلا ذم. (٢)

وحاصل هذه الأدلة : انّ النظر إلى المؤمن المقترف للكبيرة والكافر المشرك علىٰ حد سواء يخالف العدالة ، بل يجب أن يكون هناك فرق بينهما ، إمّا في مدّة العذاب ، أو في كيفيته ، فجعلهما على حد سواء يرده العقل السليم ، يقول سبحانه : ( أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ). (٣)

نعم غاية ما تُثبت بعض الأدلة العقلية وجود الفروق بين المؤمن والكافر ، أمّا في الكمية كما هو المطلوب ، أو في الكيفية وهذا المقدار يكفي في رفع الظلم.

نعم مقتضى الدليل العقلي الأوّل هو وجود الفرق من حيث الكمية ،

__________________

١. كشف المراد : ٢٧٦.

٢. شرح المقاصد : ٢ / ٢٢٩.

٣. القلم : ٣٥ ـ ٣٦.

٣٠٩

فلاحظ.

إلى هنا تمّت دراسة أدلّة القائلين بعدم الخلود ، وإليك ما استدل به القائلون بالخلود من الآيات.

أدلة القائلين بالخلود

استدلت المعتزلة وغيرهم من القائلين بخلود مرتكبي الكبيرة في النار ، بآيات وردت في حقّ طوائف مختلفة كلّهم محكومون بالخلود ويجمعهم اشتراكهم في اقتراف المعاصي الكبيرة ، وتلك الطوائف يربو عددها علىٰ ١٦ طائفة نسرد أسماءها والآيات الواردة في حقّها على وجه موجز ثمّ يتبعه التفصيل ، وهؤلاء هم :

١. الكفار.

٢. المشركون ( النحل/ ٢٩، الأحزاب/ ٦٤ ـ ٦٥ ، الزمر/ ٧١ ـ ٧٢ ، غافر/ ٧٦ ، التغابن / ١٠ ، البينة / ٦ وآيات أُخرى ).

٣. المنافقون ( التوبة / ٦٨ ، المجادلة / ١٧ ).

٤. المرتدون ( آل عمران / ٨٦ ـ ٨٨ ).

٥. المكذبون بآيات الله ( الأعراف / ٣٦ ).

٦. أعداء الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( التوبة / ٦٣ ).

٧. العصاة والمتمردون على أمر الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( الجن / ٢٢ ـ ٢٣ ).

٨. الظالمون ( يونس / ٥٢ ، الأنعام / ١٢٨ ـ ١٢٩ ).

٩. الأشقياء ( هود / ١٠٦ ـ ١٠٧ ).

١٠. المجرمون ( الزخرف / ٧٤ ـ ٧٥ ، السجدة / ١٢ ـ ١٤ ).

١١. المتوغلون في الخطايا ( البقرة / ٨١ ).

٣١٠

١٢. المرتكبون للقبائح ( الفرقان / ٦٨ ـ ٦٩ ).

١٣. المعرضون عن القرآن ( طه / ١٠٠ ـ ١٠١ ).

١٤. المطففون في الميزان ( المؤمنون / ١٠٣ ـ ١٠٤ ).

١٥. الآكلون للربا ( البقرة / ٢٧٥ ).

١٦. قاتلو المؤمنين ( النساء / ٩٣ ، الفرقان / ٦٨ ).

هذه هي العناوين التي حكم الذكر الحكيم بخلود أصحابها في النار ، ولكن عند إمعان الدقة والنظر في الآيات والقرائن المحفوفة بها ، نقف على أنّ المخلّدين في النار هم الذين ينطبق عليهم أحد العناوين الأربعة الأُولىٰ ، أعني : الكافرين والمشركين والمنافقين والمرتدين ، وأمّا أصحاب سائر العناوين فلا يخرجون عن هذا الإطار.

وقبل دراسة الآيات الواردة حول هذه الطوائف الست عشرة نلفت نظر القارئ الكريم إلىٰ أمرين مهمين :

الأمر الأوّل : انّ الأُسلوب الصحيح في تفسير الآيات لا سيما فيما يرجع إلى هذه الطوائف هو تفسير الآيات على وفق ما يتبادر منها في عصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانّ لغة العرب قد تطورت طيلة ١٤ قرناً فربما يكون المتبادر منه في زماننا هذا غير ما يتبادر في عصر الرسول ، وإن كان بينهما قدر مشترك ، فلا محيص للمفسر عن تفسير الآيات حسب استعمال مفرداتها وجملها في عصر الرسول ، وهذا أمر له بالغ الأهمية في تفسير القرآن وإن كان تحصيل اليقين بذلك أمراً عسيراً ، فانّ الوقوف علىٰ جذور المعاني والمصطلحات القرآنية التي كانت هي الرائجة في عصر الرسول بحاجة إلىٰ عناية ودقة كافية ، ولعلّ كتاب المقاييس لابن فارس يعين المفسر في هذا الطريق ، لأنّه بصدد بيان أُصول المعاني وجذورها ، لا المعاني المتطورة.

الأمر الثاني : دراسة القرائن الحافة بالآيات فانّ بعضها وإن كانت في بادئ

٣١١

الأمر تعم مرتكب الكبيرة وإن كان مؤمناً ولكن بعد الدقة فيها يعلم أنّ المراد هو غير المؤمن فتنحصر في الكافر.

وفي ظل رعاية هذين الأمرين ، نطرح الآيات الواردة حول هذه الطوائف المحكومة بالخلود.

وبما انّ هذه العناوين الأربعة المتقدمة غنية عن البحث والدراسة حيث اتفق الجميع على خلودهم في النار ، فلنقتصر على دراسة بقية الطوائف.

٥. المكذبون بآيات الله

ورد في أوّل الخليقة خطابات إلهية تخاطب فيها أبناء آدم ، منها قوله : ( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ). (١)

فالآية أوعدت المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها بالخلود في النار ، وهؤلاء هم الكافرون ، فليست هذه الطائفة إلاّ قسماً من الكافرين ، فخلودهم في النار لا يعني إلاّ خلود الكافر في النار.

٦. أعداءُ الله ورسوله

إنّ الذكر الحكيم يصف من يحادد الله ورسوله انّه من أصحاب النار الخالدين ، يقول : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَٰلِكَ الخِزْيُ الْعَظِيمُ ) (٢) وليس المراد في الآية مطلق العداء بل من بلغ غاية

__________________

١. الأعراف : ٣٥ ـ ٣٦.

٢. التوبة : ٦٣.

٣١٢

العداء ، بشهادة انّه سبحانه يقول : ( مَن يُحَادِدِ ) وهو من الحد ، والمراد مَنْ وصل إلى النهاية ، قال الطبرسي : المحادة مجاوزة الحد بالمشاقة (١). ومن الواضح أنّ هذه الطائفة هم المكذبون لأنبياء الله ورسله وهو يلازم الكفر ، فليس خلودهم في النار إلاّ رمزاً لخلود الكافر.

على أنّ سياق الآيات يدل على أنّها نزلت في حقّ المنافقين وهم الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان.

٧. العصاة والمتمردون على أمر الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أوعد الله سبحانه العصاة بالخلود في نار جهنم قال سبحانه : ( إِلاَّ بَلاغًا مِّنَ اللهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ). (٢)

انّ قوله : ( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) يشمل مطلق العاصي وإن كان مؤمناً مقترفاً للكبيرة ، ولكن القرائن الحافة بهذه الآية تثبت بأنّ المراد هم منكرو الرسالة الذين كانوا يحقّرون المؤمنين ، وهذه القرائن عبارة عن سياق الآيات المتقدمة عليها أو المتأخرة عنها.

إنّ الموضوع في الآيات ١٨ إلى ٢٨ هم المشركون والكافرون ، الذي جاء في ثنايا تلك الآيات بشهادة انّه يقول : ( وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا ).

ويقول أيضاً : ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ). (٣)

فهاتان الآيتان راجعتان إلى المشركين الذين كانوا يدعون مع الله الأصنام

__________________

١. مجمع البيان : ٣ / ٤٣.

٢. الجن : ٢٣ ـ ٢٤.

٣. الجن : ٢٠.

٣١٣

والأوثان ويعبدونهم مع الله سبحانه فتكون هاتان الآيتان دليلاً على أنّ المراد من العصاة هم المشركون.

ويؤيده قوله في الآية ٢٤ : ( حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ) فكأنّهم كانوا يحقّرون الأنبياء لقلة الناصر ، فإذا رأوا ما يوعدون من نار جهنم فسيقفون على خطئهم وانّهم كانوا أقلّ ناصراً وأقل عدداً.

والحاصل انّ القرائن الحافة بالآيات تُحقِّق بأنّ المراد من العصيان هو الكفر ، ومن العصاة هم الكافرون.

٨. الظالمون

هدّد سبحانه الظالمين بعذاب الخلد ، قال سبحانه : ( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ). (١)

وظاهر الآية وإن كان يشمل كلّ ظالم وإن كان مؤمناً مسلماً لكن كان مقترفاً للظلم ، ولكن سياق الآيات يدل على أنّ المراد ليس مطلق من ظلم ، بل الظالمون المنكرون ليوم الوعد ، وإليك الآيات الواردة قبلها :

يقول سبحانه في نفس السورة : ( وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ). (٢)

وقال سبحانه : ( أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ). (٣)

ففي حقّ هؤلاء الذين كانوا يستبعدون النشأة الأُخرى وكانوا يستعجلون بها يقول سبحانه : ( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ ).

__________________

١. يونس : ٥٢.

٢. يونس : ٤٨.

٣. يونس : ٥١.

٣١٤

ومن هنا يعلم أنّ حال الآيات الأُخرى التي تحكم على الظالمين بالخلود ، ويقول : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ). (١)

وهاتان الآيتان وإن كانتا ظاهرتين في مطلق الظالمين لكن سياق الآيات يدل على أنّ المراد هم المكذبون لأنبياء الله ورسله من الأُمم السالفة ولو عمَّت بعض الأُمّة الإسلامية فإنّما عمتهم بهذا الملاك.

وإليك ما يخصّص الظالمين بالمكذبين.

يقول سبحانه قبل هاتين الآيتين : ( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ ). (٢)

ويقول بعد هذه الآية : ( يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ). (٣)

فبملاحظة الآيات التي وقعت قبل الآيتين أو التي أعقبتهما يتضح بأنّ المراد هم الكافرون المنكرون للتوحيد والرسالة لا سيما رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

٩. الأشقياء

إنّ مصير الأشقياء حسب الذكر الحكيم هو الدخول في النار التي لهم فيها

__________________

١. الأنعام : ١٢٨ ـ ١٢٩.

٢. الأنعام : ١٢٤.

٣. الأنعام : ١٣٠.

٣١٥

زفير وشهيق ، يقول سبحانه : ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ). (١)

ففي هاتين الآيتين حكم عليهم بالخلود في النار ، وللمفسرين حول هذه الآية كلمات لا سيما في الاستثناء الوارد في قوله : ( إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ) فمن أراد فليرجع إلى التفاسير ، ولكن الأمر المهم هو انّ من عصى الله سبحانه ولو في معصية صغيرة فقد شقي ، فللشقاء درجات كما أنّ الأشقياء أصناف ، ولكن المراد في الآية ليس كلّ من شقي ولو بغير الكفر ، وإنّما المراد من شقي لأجل كفره وعدم إيمانه ، ويؤيده سياق الآيات ، فقد جاء بعد هاتين الآيتين ، قوله سبحانه : ( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ). (٢) فهذه الآية قرينة علىٰ أنّ المراد من الذين شقوا هم المشركون الذين يعبدون الأصنام دون الله سبحانه.

ويؤيد ذلك التفسير : انّه سبحانه فسر الأشقىٰ في بعض الآيات بمن كذب وتولىٰ ، وقال : ( فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لا يَصْلَاهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ). (٣)

١٠. المجرمون

إنّ المجرمين حسب الذكر الحكيم مخلّدون في النار ، قال سبحانه : ( إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ). (٤)

__________________

١. هود : ١٠٦ ـ ١٠٧.

٢. هود : ١٠٩.

٣. الليل : ١٤ ـ ١٦.

٤. الزخرف : ٧٤ ـ ٧٥.

٣١٦

غير انّ اللازم هو دراسة سياق الآيات ليتضح من خلالها المراد من المجرمين ، لأنّ سياقها يشهد على أنّ المراد ليس كلّ من ارتكب معصية ، بل المراد غير هذه الفئة ، وإليك الآيات :

إنّ الآيات المتقدمة تصنّف الناس إلى صنفين :

أ. مؤمن بآيات الله فيُجزىٰ بالجنة.

ب. مجرم يجزىٰ بالخلود في الجحيم.

فالتقابل السائد بين الآية الثانية والآية الأُولىٰ يمكن أن يفسر علىٰ ضوئها لفظ « المجرم » وانّ المراد منه غير المؤمن بآيات الله سبحانه والذي يساوق المشرك ، يقول سبحانه في حقّ الطائفة الأُولى :

( يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ). (١)

ويصف الطائفة الثانية ، بقوله : ( إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ). (٢)

وبملاحظة الآيات وتقابل الموضوعين يتضح المراد من « المجرم » فالموضوع في الطائفة الأُولى : ( الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ).

كما أنّ الموضوع في الطائفة الثانية : ( إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ ).

فبالتقابل يتبين انّ جرم هؤلاء هو كفرهم وعدم إيمانهم بآيات الله سبحانه ، ومن الواضح بمكان أنّ الكفار والمشركين خالدون في النار ، ويؤكد ذلك أنّ

__________________

١. الزخرف : ٦٨ ـ ٧٠.

٢. الزخرف : ٧٤ ـ ٧٦.

٣١٧

السورة من السور المكية التي تدور بحوثها حول المشرك والكافر ولا تجنح إلى المؤمنين المسلمين الذين ربما يقترفون المعاصي تلبية لأهوائهم لا كفراً بربوبية الله سبحانه.

وليست تلك الآيات فريدة في إيضاح المقصود من المجرمين ، بل هناك آيات أُخرى تفسر المجرمين بغير المؤمنين بيوم اللقاء ، قال سبحانه :

( وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ... فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ). (١)

تجد أنّه سبحانه يصف المجرمين بأنّهم يوم القيامة يرغبون في الرجوع إلى الدنيا ، ويقولون : ( ارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) وهذا يعرب عن أنّهم لم يكونوا مؤمنين بيوم الجزاء واللقاء وإنّما أيقنوا لما شاهدوا النار.

ويؤيّدُ ذلك انّه سبحانه يصف المؤمنين ـ في نفس تلك السورة ـ في مقابل المجرمين ، بقوله :

( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ). (٢) فالمجرمون هم الذين لا يؤمنون بآيات الله ، ومن الواضح انّ من لا يؤمن لا يخرج عن إطار الشرك.

١١. المتوغلون في الخطايا

يحكم القرآن المجيد علىٰ من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ، انّه من أصحاب النار ، يقول سبحانه : ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ

__________________

١. السجدة : ١٢ ـ ١٤.

٢. السجدة : ١٥.

٣١٨

أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ). (١)

فالمخلدون في النار في هذه الآية ذو سمتين :

السمة الأُولى : اقتراف السيئات.

السمة الثانية : الإصرار على ارتكابها علىٰ نحو تحيط بقلوبهم وأرواحهم ونفوسهم.

ومن الجدير بالذكر أنّ إحاطة الخطايا بالروح والنفس تُسفر عن انسداد طرق الهداية أمام القلوب والأرواح والأنفس ، فلا يستجيب لنداء الأنبياء والرسل ومثل هذا يساوق الشرك والكفر.

والدليل على أنّ المراد ليس مطلق من اقترف الخطيئة ، انّه سبحانه يعطف على قوله : ( كَسَبَ سَيِّئَةً ) قوله : ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) وبيّن بذلك أنّ هذا الإنسان صار لكثرة الذنوب والخطايا غاصّاً فيها لا يتأثر بهداية الهادين ، ونصح الناصحين.

وبعبارة أُخرى : انّ الإنسان الغارق في الآثام والمعاصي ينزلق ـ رويداً رويداً ـ إلى هاوية الكفر والجحود بآيات الله ورسله ، يقول سبحانه : ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ ). (٢)

فالآية إنذار لمن يقترف المعاصي ويظن انّه لا يضر الإيمان ، فانّ اقتراف المعاصي شيئاً فشيئاً بلا توبة وندم بينها ربما يؤول مصيره إلى الكفر وتكذيب آيات الله.

وممّا يؤكد ورود الآية ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ ) في حقّ الكافرين ، الآية المتقدمة

__________________

١. البقرة : ٨١.

٢. الروم : ١٠.

٣١٩

عليها ، يقول سبحانه :

( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ). (١)

فالآية تفسر أنّ المراد ( مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) ، هم أحبار بني إسرائيل الذين يكتبون الكتاب بأيديهم لبيعه بثمن بخس ، ( فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ).

كما أنّ الآية المتأخرة واردة في حقّ المؤمنين ، يقول سبحانه : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ). (٢)

فبالمقابلة بين قوله : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) في هذه الآية وقوله : ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ) في الآية المتقدمة يتضح انّ المراد هو الكافر والمؤمن ، فالأوّل مخلّد في النار ، والمؤمن مخلّد في الجنة.

١٢. المرتكبون للقبائح

يوعد الذكر الحكيم الذين أشركوا وقتلوا النفس المحرّمة وزنوا بالخلود في العذاب ، يقول سبحانه : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ). (٣)

والكلام في تعيين المشار إليه في قوله : ( وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ) ، ففيه احتمالات ثلاثة :

__________________

١. البقرة : ٧٩.

٢. البقرة : ٨٢.

٣. الفرقان : ٦٨ ـ ٦٩.

٣٢٠