🚘

مفاهيم القرآن

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤١٢
🚘 نسخة غير مصححة

والثاني صراط الكافر ، والأوّل بما أنّه يوافق الفطرة صراط مستقيم ، والثاني بما انّه يخالفها صراط معوج ، فيثبت قدم المؤمن في الأوّل لاستقامته ، ويزل قدم الكافر لإعوجاجه.

هذا هو الذي استظهره المفيد من الروايات وهو أمر لا بأس به وإن اعترض عليه المجلسي ، بما هذا مثاله : لا ضرورة تلجئنا إلى تأويل الظواهر الشرعية الدالة على أنّ للصراط واقعية يوم القيامة وانّها حقيقة أدق من الشعرة وأحد من السيف مالم تكن هناك ضرورة في التأويل. (١)

ونحن نوافق المجلسي في أنّه ليس لنا تأويل الظواهر ما لم يكن هناك قرينة على التأويل ولكن ما ذكره المفيد ليس تأويلاً بلا قرينة ، والشاهد عليه أنّ هذه الجملة : « أدق من الشعرة وأحد من السيف » مثل يضرب للأُمور المستصعبة ، كما أنّه ورد في الروايات انّ الصراط على المؤمنين عريض وعلى المذنبين دقيق وانّه سبحانه يجعله كذا وكذا. (٢)

مع أنّ ظاهر الروايات الأُخرى انّ الصراط واحد وانّ الجميع يؤمرون بالاجتياز دون اختلاف في العرض والطول.

والذي يؤيد ما ذكره الشيخ المفيد هو أنّ بعض الآيات تدّل علىٰ أنّ الحياة الأُخروية حقيقة للحياة الدنيوية وواقعها ، وانّ الحياة الدنيوية لها ظاهر وباطن ، تتجلّىٰ في الآخرة بباطنها وفي هذه الدنيا بظاهرها ، يقول سبحانه : ( يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٣) والآية ظاهرة في أنّه ليس للنور منشأ سوى وجودهم فكأنّهم بأيمانهم تشع نوراً ويمشون علىٰ ضوء

__________________

١. بحار الأنوار : ٨ / ٧١ ، باب ٢٢ من كتاب العدل والمعاد.

٢. بحار الأنوار : ٨ / ٦٧ ، الحديث ٨.

٣. الحديد : ١٢.

٢٨١

هذا النور ، وليس ذلك النور إلاّ انعكاساً لإيمانهم وتقواهم.

فقد روى القمي في تفسيره عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام يقسّم النور بين الناس يوم القيامة علىٰ قدر إيمانهم.

ويؤيده أيضاً انّ المنافقين والمنافقات يطلبون الاقتباس من نور المؤمنين ويقولون : ( انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ) حتى نمشي على ضوء نوركم ، فيُجابون بقولهم : ( ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ) يعني انّ هذا النور هو تجسيد للأعمال الصالحة التي قاموا بها في الحياة الدنيا ، وانّكم لو كنتم تبتغون نوراً فيجب أن تلتمسوه في الحياة الدنيوية ، وهيهات.

الولاية ، رخصة لعبور الصراط

يستفاد من الروايات أنّ لموالي أهل البيت عليهم‌السلام امتيازاً خاصاً في اجتياز الصراط ، وقد رويت عدة أحاديث في هذا الصدد.

١. روى الصدوق في فضائل الشيعة باسناده ، عن السكوني ، عن الصادق ، عن آبائه عليهم‌السلام قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أثبتكم قدماً على الصراط أشدكم حباً لأهل بيتي ». (١)

٢. روى الصدوق في معاني الأخبار ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا علي ! إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط فلم يجز أحد إلاّ من كان معه كتاب فيه براءة ». (٢)

٣. روى الصدوق في علل الشرائع باسناده ، عن محمد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : « لفاطمة وقفة على باب جهنم ، فإذا كان يوم القيامة

__________________

١. بحار الأنوار : ٨ / ٦٩ ، باب ٢٢ من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ١٦.

٢. المصدر السابق ، الحديث ٤.

٢٨٢

كتب بين عيني كلّ رجل مؤمن أو كافر ، فيؤمر بمحبّ قد كثرت ذنوبه إلى النار فيقرأ بين عينيه محباً ، فتقول : إلهي وسيدي سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولاّني وتولّىٰ ذريتي من النار ووعدك الحقّ وأنت لا تخلف الميعاد ، فيقول الله عزّوجلّ : صدقت يا فاطمة ، إنّي سمّيتك فاطمة وفطمت بك من أحبّك وتولاّك وأحبّ ذريتك وتولاّهم من النار ، ووعدي الحقّ وأنا لا أُخلف الميعاد ، وإنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأُشفّعك ، ليتبيّن لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك مني ومكانتك عندي ، فمن قرأت بين عينيه مؤمناً فجذبت بيده وأدخلته الجنّة ». (١)

فيستفاد من هذه الروايات أنّ أعداء أهل البيت عليهم‌السلام يمنعون عن اجتياز الصراط ، كما أنّ مودتهم تسهل العبور وتغفر الذنوب.

وأمّا تأثير المودة على غفران الذنوب بأسرها أو طائفة منها فهو أمر موكول إلى البحث في الشفاعة.

__________________

١. المصدر السابق ، باب الشفاعة من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ٥٨.

٢٨٣

الفصل الثاني والعشرون :

أصحاب الأعراف وسيماهم

قد وردت كلمة الأعراف في القرآن مرّتين ، تارة بلفظ : ( عَلَى الأَعْرَافِ ) ، وأُخرى بلفظ : ( أَصْحَابُ الأَعْرَافِ ) ، وكلتا الآيتين لهما ارتباط بالقيامة.

أمّا الأعراف ، فهو جمع العرف ، ويطلق على النقطة المرتفعة. (١)

فيكون الأعرافي هو المنتسب لهذه النقطة الرفيعة ، يقول الصدوق : اعتقادنا في الأعراف انّه سور بين الجنة والنار ، ( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) والرجال هم النبي وأوصياؤه عليهم‌السلام لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه ، وعند الأعراف ، المرجون لأمر الله إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم. (٢)

وقال المفيد : قد قيل انّ الأعراف جبل بين الجنة والنار ، وقيل أيضاً انّه سور بين الجنة والنار ، وجملة الأمر في ذلك انّه مكان ليس من الجنّة ولا من النار ، وقد جاء الخبر بما ذكرناه وانّه إذا كان يوم القيامة كان به رسول الله وأمير المؤمنين والأئمّة من ذريته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم الذين عنى الله سبحانه ، بقوله : ( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ

__________________

١. أقرب الموارد : مادة عرف.

٢. بحار الأنوار : ٨ / ٣٤٠ ، باب ذبح الموت من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ٢٣.

٢٨٤

يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ). (١)

وذلك انّ الله تعالى يُعلِّمُهم أصحابَ الجنة وأصحابَ النار بسيماهم يجعلها عليهم وهي العلامات ، وقد بيّن ذلك في قوله تعالى : ( يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) ( يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) (٢) وقد قال تعالى : ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ) (٣) فأخبر انّ في خلقه طائفة يتوسمون الخلق فيعرفونهم بسيماهم ». (٤)

إنّ الأعراف كما تقدم ورد في القرآن الكريم على النحو التالي حتى سمّيت السورة بذلك الاسم لما ورد فيها آياته :

١. ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ). (٥)

٢. ( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ). (٦)

٣. ( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ). (٧)

٤. ( أَهَٰؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ

__________________

١. الأعراف : ٤٦.

٢. الرحمن : ٤١.

٣. الحجر : ٧٥ ـ ٧٦.

٤. تصحيح الاعتقاد : ٤٨ و ٤٩.

٥. الأعراف : ٤٦.

٦. الأعراف : ٤٧.

٧. الأعراف : ٤٨.

٢٨٥

عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ). (١)

دلّت الآية الأُولىٰ على أنّ الواقفين على الأعراف يعرفون أهل الجنّة وأهل النار ، فإذا بأصحاب الجنة ينادونهم بالتسليم عليهم ، وهم بعدُ لم يدخلوا الجنة ولكن ينتظرون الدخول ، كما يقول سبحانه : ( وَنَادَوْا أَصْحَابَ الجَنَّةِ ) أي نادىٰ أصحاب الأعراف أصحاب الجنّة ان ( سَلامٌ عَلَيْكُم ) تحية منهم إليهم وهم بعد لم يدخلوها ولكن ينتظرون أن يأذن لهم بالدخول وكأنّهم مصطفون علىٰ أبواب الجنّة ينتظرون فتح أبوابها.

ثمّ إنّ أصحاب الأعراف ينظرون إلىٰ أصحاب النار نظر عداء ، فلا ينظرون إليهم إلاّ إذا صرفت وجوههم إليهم ولأجل التبرّي من أعمالهم يقولون : ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) كما يقول سبحانه : ( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ).

وبما انّ أصحاب الأعراف نادوا أصحاب الجنة ـ فبطبع الحال ـ ينادون أصحاب النار الذين تبرّأوا منهم فنادوهم بما يحكي عنهم سبحانه ، ويقول : ( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ).

ولما كان أصحاب النار يستهزئون بالمؤمنين ويصفونهم بأنّهم لا يصيبهم الله برحمة وخير ولا يدخلون الجنّة ، حاول أهل الأعراف تقريعهم وتكذيبهم وقالوا : أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة.

فانظروا كيف نالتهم رحمة الله وهم مصطفون على أبواب الجنة ينتظرون الدخول فإذا بأصحاب الأعراف يجيزون لهم بالدخول أمام أعين أصحاب النار ويخاطبونهم ( ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) ، وعلى ما ذكرنا ،

__________________

١. الأعراف : ٤٩.

٢٨٦

فقوله : ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) في الآية الأُولى راجع إلى المؤمنين المصطفين على أبواب الجنة.

كما أنّ قوله في الآية الرابعة : ( ادْخُلُوا الجَنَّةَ ) راجع إلى هؤلاء الذين كانوا من أصحاب الجنّة وهم بعد لم يدخلوها.

هذا ما وصلنا إليه بعد التدبّر في أطراف الآية ، وبذلك يظهر أنّ ما ذكره المفسرون أو بعضهم في تفسير الآيات ليس بتام.

هذا ولنرجع إلى الآيات وإلى ما يستفاد منها :

١. انّ الأعراف مقام شامخ رفيع عليه رجال مشرفون على الجنة والنار وأهلهما.

٢. الأعراف مكان خاص وراء الجنة والنار ، وهو مشرف عليهما.

٣. انّ أصحاب الأعراف يتمتعون بمعرفة خاصة يعرفون على ضوئها أصحاب الجنّة والنار.

هذا ما يستفاد من الآيات ، ولكن من هم أصحاب الأعراف ؟ فقد اختلفت فيهم كلمة المفسرين إلى أقوال :

أ. فئة من الناس لهم مكانة خاصّة ، وقد شملتهم عناية الله.

ب. هم الذين تستوي حسناتهم وسيئاتهم ، ولأجل ذلك لا يدخلون الجنة والنار بل يمكثون بينهما ، وإن كانت عاقبتهم الجنة لشمول رحمة الله سبحانه لهم.

ج. الملائكة المتمثلون بصورة الرجال يعرفون الجميع.

د. الفئة العادلة من كلّ أُمّة الذين يشهدون على أُمّتهم.

ه‍. فئة صالحة من حيث العلم والعمل.

هذه هي الأقوال المذكورة في المقام ، لكن القول الثاني مردود ، لأنّ

٢٨٧

المتوسطين في العلم والعمل ليس لهم أي امتياز حتى يهنئّوا يسلّموا على أصحاب الجنّة وينددوا ويوبخوا أصحاب النار.

كما انّ القول الثالث لا يدعمه الدليل.

وأمّا القول الرابع والخامس فقريبان من القول الأوّل ، ويمكن إرجاع الجميع إلىٰ قول واحد.

والحاصل انّ أصحاب الأعراف هم الرجال المثاليّون الذين بلغوا في العلم والعمل درجة ممتازة ويُشكِّل الأنبياء والأولياء معظمهم ، ثمّ الصالحون والصادقون.

٤. ما تضمنته هذه الآيات إنّما هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس ، ويحكي لنا حقيقة رائعة لا تدرك إلاّ بهذا النحو الوارد في الآيات ، وكأنّ الحكومة المطلقة لله سبحانه تتجلّى يوم القيامة بالشكل التالي :

ـ طائفة متنعمة ( أصحاب الجنة ) جزاء لأعمالهم الحسنة.

ـ طائفة معذبة ( أصحاب النار ) جزاء لأعمالهم السيئة.

ـ طائفة تنفِّذ أوامره سبحانه بإدخال أهل الجنّة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار.

هذا ما يستفاد من الآيات ، وإليك ما ورد في الروايات :

الأعراف في الروايات

وقد ركزت الروايات علىٰ أمرين :

أ. ما هي الأعراف ؟

ب. من هم أصحابها ؟

٢٨٨

أمّا الأوّل : فقد روى القمي في تفسيره ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، أنّه قال : « إنّ الأعراف كثبان بين الجنة والنار ، أي طريق بينهما ». (١)

وفي رواية أُخرى ، عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، قال : « الأعراف صراط بين الجنّة والنار ». (٢)

وليعلم انّه لو ثبت أنّ الأعراف بمعنى الصراط ، فهو غير الصراط الذي تكفَّلت ببيانه الآيات الأُخرى ، لأنّ الصراط المتقدم ذكره ، طريق عام يجتازه كلّ من المؤمن والكافر مع أنّ الأعراف مقام خاص لعدَّة من الناس.

وأمّا تسمية الأعراف بالصراط فلأجل أنّ لفيفاً من المؤمنين العصاة يحتفُّون حوله وينتظرون مصيرهم بشفاعة النبي وآله ، وهؤلاء غير الذين يقفون على الأعراف.

وأمّا الثاني : أي من هم أصحاب الأعراف ؟ فقد اختلفت فيهم الروايات :

١. الأئمّة المعصومون

وهذا القول ورد فيه روايات تربو على ١٤ حديثاً. (٣)

ولنقتصر علىٰ رواية واحدة.

قال أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : « هم آل محمد لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه ». (٤)

٢. المؤمنون العصاة

وهذا ما يستفاد مما رواه القمي في تفسيره ، وقال : الأئمّة عليهم‌السلام يقفون على

__________________

١ و ٢. بحار الأنوار : ٨ / ٣٣٥ ، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ٢ و ٣.

٣. انظر بحار الأنوار : ٨ / ٣٢٩ ـ ٣٤١.

٤. بحار الأنوار : ٨ / ٣٣١ ، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد.

٢٨٩

الأعراف مع شيعتهم وقد سبق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب.

فيقول الأئمّة لشيعتهم من أصحاب الذنوب : انظروا إلى إخوانكم في الجنة قد سبقوا إليها بلا حساب ، وهو قول الله تبارك وتعالى : ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ).

ثمّ يقال لهم : انظروا إلى أعدائكم في النار ، وهو قوله : ( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ).

( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ ـ فِي النّار ـ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ـ فِي الدنيا ـ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ).

ثمّ يقول لمن في النار من أعدائهم هؤلاء شيعتي وإخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في الدنيا أن لا ينالهم الله برحمة.

ثمّ يقول الأئمّة لشيعتهم : ( ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) ثمّ نادى أصحاب النار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله. (١)

ولا يخفى انّ هذا التفسير لا يلائم ظاهر الآية ، لما سبق منّا انّ قوله : ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) راجع إلى أصحاب الجنّة ، لا العصاة الموجودين حول الأعراف الذين ينتظرون مصيرهم.

كما أنّ قوله : ( ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ) راجع إلى هؤلاء المنتظرين.

٣. الذين تتساوى سيئاتهم مع حسناتهم

يظهر ممّا رواه العياشي أنّ أصحاب الأعراف هم الذين تتساوى حسناتهم مع سيئاتهم.

__________________

١. بحار الأنوار : ٨ / ٣٣٥ ، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ٢.

٢٩٠

سأل رجل أبا عبد الله عليه‌السلام وقال : قلت له : أي شيء أصحاب الأعراف ؟ قال : « استوت الحسنات والسيئات ، فإن أدخلهم الله الجنّة برحمته وإن عذبهم لم يظلمهم ». (١)

وهذا القول لا يلائم ظاهر الآيات لما عرفت من أنّ أصحاب الأعراف هم الذين يهنّئون أصحاب الجنة ويباركون لهم دخولها ، كما ينددون بأصحاب النار ولا تصدر مثل هذا الكلمات إلاّ ممّن حاز على منزلة كبيرة لا ممّن تساوت حسناته وسيئاته.

فما ذكره الشيخ الصدوق هو الأقوى حيث قال : والرجال هم النبي وأوصياؤه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه. (٢)

__________________

١. بحار الأنوار : ٨ / ٣٣٧ ، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ١١.

٢. بحار الأنوار : ٨ / ٣٤٠ ، باب ذبح الموت ، من كتاب العدل والمعاد ، الحديث ٢٣.

٢٩١

الفصل الثالث والعشرون

خلق الجنة والنار

اختلفت أقوال المتكلمين والمفسرين في أنّ الجنة والنار هل هما مخلوقتان بالفعل ، أو ستخلقان في المستقبل ؟ واختار كلٌ منهما طائفة.

فأكثر المتكلّمين والمحدثين على الرأي الأوّل.

قال الصدوق : اعتقادنا في الجنة والنار انّهما مخلوقتان وانّ النبي قد دخل الجنة ورأى النار حين عرج به. (١)

قال المفيد : إنّ الجنة والنار في هذا الوقت مخلوقتان ، وبذلك جاءت الأخبار وعليه إجماع أهل الشرع والآثار ، وقد خالف في هذا القول المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية ، فزعم أكثر من سميناه انّ ما ذكرناه من خلقهما من قسم الجائز دون الواجب. (٢)

ووقفوا في الوارد به من الآثار ، وقال من بقي منهم بإحالة خلقهما ، واختلفوا في الاعتلال ، فقال أبو هاشم بن الجبائي : إنّ ذلك محال لأنّه لابدّ من فناء العالم قبل نشره وفناء بعض الأجسام فناء لسائرها ، وقد انعقد الإجماع على أنّ الله تعالى لا

__________________

١. اعتقادات الصدوق : ٨٩.

٢. لعلّ المراد من الجائز هو الممكن ومن الواجب المتحقق.

٢٩٢

يفني الجنة والنار. وقال الآخرون وهم المتقدمون كأبي هاشم : خلقهما في هذا الوقت عبث ، لا معنى له والله تعالى لا يعبث في فعله ولا يقع منه الفساد. (١)

وقال العلاّمة الحلّي في كشف المراد : اختلف الناس في أنّ الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا ؟ فذهب جماعة إلى الأوّل ، وهو قول أبي علي ، وذهب أبو هاشم والقاضي ( عبد الجبار ) إلىٰ أنّهما غير مخلوقتين ، ثمّ نقل احتجاج كلّ علىٰ رأيه. (٢)

وقال التفتازاني : جمهور المسلمين على أنّ الجنة والنار مخلوقتان الآن ، خلافاً لأبي هاشم والقاضي عبد الجبار ومن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا انّهما يخلقان يوم الجزاء. (٣)

وربّما نسب القول بعدم الخلقة إلى زرارة بن أعين. (٤)

ويظهر من السيد الشريف الرضي اختيار القول بعدم كونهما مخلوقتين ، وقد طرح الموضوع في تفسيره وبحث في أدلّة الطرفين وذهب إلى القول بعدم الخلقة. (٥)

وقد تحصل ممّا ذكرنا أنّ الأقوال ثلاثة :

أ. القول بأنّهما مخلوقتان وهو المشهور.

ب. القول بعدم خلقهما ولكن الخلقة ليست أمراً محالاً ، وهو للمعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية.

ج. القول باستحالة خلقتهما ، وهو لأبي هاشم والقاضي عبد الجبار من المعتزلة.

__________________

١. أوائل المقالات : ١٠٢.

٢. كشف المراد : ٢٩٨ ، ط مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام.

٣. شرح المقاصد : ٢ / ٢١٨ ، ط آستانة.

٤. أوائل المقالات : قسم التعليقات ، بقلم فضل الله الزنجاني : ١٠٣.

٥. حقائق التأويل : ٣٦٥.

٢٩٣

أدلّة القول بالخلق

واعلم أنّه سبحانه استعمل الجنة والنار في غير الجنة التي وعد بها المتقون ، أو النار التي أوعد بها المجرمون ، ويظهر ذلك من الإمعان في المراد منهما في غير واحد من الآيات ، وإليك بعض تلك الموارد :

أ. يذكر سبحانه محادثة رجلين جعل لأحدهما جنتين من أعناب وحفّهما بنخل وجعل بينهما زرعاً ، يقول : ( وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا ). (١)

ومن الواضح انّ المراد من الجنة هي جنة الدنيا وما أكثرها.

ب. يحكي سبحانه عن وجود جنتي سبأ ، ويقول : ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) (٢) ولا يحتمل أحد من المفسرين انّ المراد هو جنة الآخرة والجميع يفسرونه بجنان الدنيا.

ج. يحكي سبحانه عن خلقة آدم في الجنة ، وقال : ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ). (٣)

وقد استدل غير واحد من المتكلّمين والمفسرين بهذه الآية ونظيرتها ، على أنّهما مخلوقتان.

قال التفتازاني : لنا وجهان :

__________________

١. الكهف : ٣٩.

٢. سبأ : ١٥.

٣. البقرة : ٣٥.

٢٩٤

الأوّل : قصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة ثمّ إخراجهما عنها بأكل الشجرة وكونهما يخصفان عليهما من ورق الجنة على ما نطق به الكتاب والسنّة وانعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالفين ، وحملها على بستان من بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين. (١)

ولكن هذا الاستدلال لا يصمد أمام النقاش لاحتمال أن يكون المراد من الجنة هي الدنيا لأنّ جنة الآخرة مكتوب عليها الخلود ، يقول سبحانه : ( قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ). (٢)

كما أنّ القرآن الكريم يصف الواردين عليها بأنّهم خالدون ، يقول سبحانه : ( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ). (٣)

وعلى ضوء ذلك فلا عتب علىٰ من يحملها على جنة الدنيا.

نعم ثمة احتمال آخر ربما يؤيد انّ المراد هو جنة الآخرة ، وذلك بنقد ما قيل من أنّه لو كان المراد هو جنة الآخرة لما خرج عنها وذلك بتخصيص الخلود بمن يدخل فيها لأجل عقيدته الصحيحة وأعماله الصالحة فهؤلاء هم الذين كتب عليهم الخلود ، وجزاؤهم غير مقطوع ، قال سبحانه : ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ). (٤)

وأمّا الذي أو التي ولد أو ولدت فيها فلا دليل على خلودهم ، فلا يكون خروج آدم ولا زوجه عنها منافياً لآيات الخلود.

__________________

١. شرح المقاصد : ٢١٨ ، ط آستانة.

٢. الفرقان : ١٥.

٣. البقرة : ٢٥.

٤. هود : ١٠٨.

٢٩٥

وعلىٰ كلّ حال فالآية صالحة للاستدلال لا على وجه يفيد القطع واليقين.

وثمّة نكتة أُخرىٰ وهي انّه ربما تطلق الجنة والنار ويراد منهما الجنة والنار البرزخيتان لا الجنة والنار الأُخرويتان ، فلا يصحّ الاستدلال بخلقة الأُولى علىٰ خلقة الثانية ، وإليك نماذج من تلك الآيات :

أ. يحكي سبحانه عمّن جاء من أقصى المدينة مؤيداً لرسل عيسى عليه‌السلام ، وقال : ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ ). (١)

وحاول القوم الكافرون المنكرون لرسالة المسيح ضربه وقتله إلى أن وصلوا إلى أمنيتهم فقتلوه ، وعندئذٍ أُمر بالدخول في الجنة ، وقد حكاه سبحانه بقوله : ( قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ). (٢)

ودراسة سياق الآيات يثبت بأنّ المراد من الجنة هي الجنة البرزخية ، والتي منها بلّغ هتافه لقومه وقال ما قال.

ب. ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ). (٣)

والمراد من النار هي النار البرزخية لقوله في ذيل الآية : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) وعلى ضوء ذلك فلا يصحّ لنا الاستدلال بلفظ الجنة والنار على الإطلاق بل لابدّ من إمعان النظر ليعلم ما هو المراد منها.

__________________

١. يس : ٢٠.

٢. يس : ٢٦ ـ ٢٩.

٣. غافر : ٤٦.

٢٩٦

نعم يمكن الاستدلال علىٰ خلقة الجنة والنار الأُخرويين بالآيات التالية :

١. انّه سبحانه يصف معراج النبي وعروجه إلى السماء ورؤيته أمين الوحي عند سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوىٰ ، ويقول : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَىٰ ). (١)

بيان الاستدلال هو أنّ المراد من جنة المأوى هي الجنة الموعودة للمؤمنين التي يعبَّر عنها في بعض الآيات بجنات عدن ، والآية تحكي عن أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى أمين الوحي عند سدرة المنتهى التي تقع جنة المأوىٰ في جنبها. فلو لم تكن الجنة مخلوقة لما صحّ الإخبار عنها بقوله : ( عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَىٰ ).

٢. انّه سبحانه يصف الجنة والنار بالاعداد ، وانّ الجنة أُعدّت للمتقين والنار للكافرين ، ولفظ الاعداد حاك عن وجودهما في ظرف الحكاية ، ولنذكر بعض الآيات :

ـ ( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ). (٢)

ـ ( أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ). (٣)

ـ ( وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ). (٤)

ـ ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ). (٥)

ـ ( وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ). (٦)

__________________

١. النجم : ١٣ ـ ١٥.

٢. آل عمران : ١٣٣.

٣. الحديد : ٢١.

٤. آل عمران : ١٣١.

٥. التوبة : ١٠٠.

٦. الأحزاب : ٥٧.

٢٩٧

وحملها على التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي مبالغة في تحقّقه مثل : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) و ( نَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الجَنَّةِ ) خلاف الظاهر فلا يعدل إليه بدون قرينة. (١)

والحقّ انّ هذه الآيات صالحة للاستدلال إذا لم يكن هناك دليل قاطع للتأويل.

وأمّا الروايات فهي دالة على كون الجنّة مخلوقة بالفعل :

١. روى الصدوق في توحيده ، عن الهروي ، قال : قلت للرضا عليه‌السلام : يابن رسول الله أخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان ؟ فقال : « نعم ، وانّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد دخل الجنّة ورأى النّار لمّا عرج به إلى السماء » قال: فقلت له : فانّ قوماً يقولون إنّهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين.

فقال عليه‌السلام : « ما أُولئك منّا ولا نحن منهم ، من أنكر خلق الجنّة والنار فقد كذّب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكذبنا وليس من ولايتنا على شيء وخلد في نار جهنم ». (٢)

٢. روى ابن عمارة ، عن أبيه ، قال : قال الصادق عليه‌السلام : « ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء : المعراج ، والمساءلة في القبر ، وخلق الجنة والنار ، والشفاعة ». (٣)

٣. وروى الفضل عن الرضا عليه‌السلام ، قال : « من أقر بتوحيد الله ـ وساق الحديث ، إلى أن قال : وأقر بالرجعة ، والمتعتين ، وآمن بالمعراج والمساءلة في القبر ، والحوض ، والشفاعة ، وخلق الجنّة والنار ، والصراط والميزان والبعث والنشور ، والجزاء والحساب ، فهو مؤمن حقاً ، وهو من شيعتنا أهل البيت ». (٤)

__________________

١. شرح المقاصد : ٢ / ٢١٨ ـ ٢١٩ ، ط آستانة.

٢. بحار الأنوار : ٨ / ١١٩ ، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد ، حديث ٦.

٣ و ٤. بحار الأنوار : ٨ / ١٩٧ ، باب الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد ، حديث ١٨٦ ـ ١٨٧.

٢٩٨

هذه دلائل القائلين بخلق الجنة والنار فها نحن نتناول بالبحث دلائل المنكرين.

أدلّة المنكرين للخلق

استدل القائلون بعدم الخلق بالنقل والعقل.

أمّا النقل : فبالآيات التالية :

انّه سبحانه يصف الجنّة بالأوصاف التالية :

( جَنَّةُ الخُلْدِ ) ، ويقول : ( قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ). (١)

ويصف نعيمها : بأنّ أكلها وظلها دائمان ، يقول سبحانه : ( مَّثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ). (٢)

هذا من جانب ، ومن جانب آخر يحكي بأنّ كلّ شيء هالك يوم القيامة إلاّ وجهه وذاته ، يقول : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ). (٣)

فلو كانت الجنة والنار مخلوقتين فعلاً يلزم تدميرهما وإهلاكهما يوم قيام الساعة وهو يناف الطائفة الأُولى من الآيات الواصفة لها ولنعيمها بالخلود.

والجواب : انّ قوله سبحانه : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) ناظر إلى النظام السائد في الدنيا ، وأمّا الموجودات الأُخروية فلا تشملها الآية ، والشاهد على ذلك انّه سبحانه يصف وراء الجنة والنار بالبقاء وعدم النفاد ، ويقول : ( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ

__________________

١. الفرقان : ١٥.

٢. الرعد : ٣٥.

٣. القصص : ٨٨.

٢٩٩

وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ ) (١) فما عند الله خالد لا يشمله الهلاك ونظيره ، قوله سبحانه : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) (٢) فالكتاب الحفيظ مكتوب عليه بالبقاء وعدم النقص مع أنّه سبحانه ، يقول : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) وهذا يدل على أنّ دائرة الهلاك لا تتجاوز العالم المادي الذي فيه الإنسان دون التجاوز إلى عالم البرزخ والنشأة الأُخروية ، يقول سبحانه : ( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ). (٣)

والآية الثانية بصدد الرد على منكر المعاد القائل بأنّ الموت ضلال الإنسان في الأرض وانعدام لشخصيته ، فلو جيئ به ثانياً فلا يكون عين الأوّل ، فيجيب سبحانه بأنّ ما يتشخّص به الإنسان هو روحه وهو ما يأخذه ملك الموت ، وهو محفوظ عندنا لا يطرأ عليه التبدل والتغيّر.

وفي ضوء هذه الآيات يمكن أن يقال بأنّ ما دلّ على هلاك كلّ شيء إلاّ وجهه ، راجع إلى الأُمور الدنيوية والنظامات السائدة فيها ، من دون نظر إلى الأُمور الأُخروية.

وأمّا العقل : فقد استدلوا على عدم الخلق بأنّ خلقها قبل يوم الجزاء عبث لا يليق بالحكيم. (٤)

والجواب : انّ المستدل خلط عدم العلم بالمصلحة بالعلم بعدمها ، فوضع الأوّل مكان الثاني ، فمن أين علم بأنّ خلقهما عبث ولعل هناك مصالح لا نحيط بها.

على أنّ لخلقهما قبل الجزاء تأثيراً هامّاً في الوعد والوعيد.

__________________

١. النحل : ٩٦.

٢. ق : ٤.

٣. السجدة : ١٠ ـ ١١.

٤. شرح المقاصد : ٢ / ٢١٩ ، ط آستانة.

٣٠٠