🚘

مفاهيم القرآن

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤١٢
🚘 نسخة غير مصححة

الحوادث التي تقع في السماء

القرآن الكريم يحكي مشاهد الساعة في الآيات التالية ، ويستخدم فيها الألفاظ التالية : الانشقاق ، الانفطار ، الانفتاح ، الانفراج ، الانطواء ، التبدل ، المور ، المهل ، وردةً كالدهان ، التكوير ، خسف القمر ، واجتماع الشمس والقمر ، إلى غير ذلك من التعابير الواردة في الآيات ، وكلّ تعبير يشير إلىٰ جانب من تلك الحوادث ، يقول سبحانه :

١. ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ). (١)

٢. ( إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ). (٢)

٣. ( وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ). (٣)

٤. ( وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ). (٤)

٥. ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ). (٥)

٦. ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ). (٦)

٧. ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ). (٧)

٨. ( يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالمُهْلِ ). (٨)

__________________

١. الانشقاق : ١.

٢. الانفطار : ١.

٣. النبأ : ١٩.

٤. المرسلات : ٩.

٥. الأنبياء : ١٠٤.

٦. إبراهيم : ٤٨.

٧. الطور : ٩.

٨. المعارج : ٨.

٢٠١

٩. ( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ ). (١)

١٠. ( فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ). (٢)

١١. ( وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ). (٣)

إلى غير ذلك من الآيات التي ترسم لنا مشاهد الساعة بما فيها من الحوادث المرعبة التي تقضي علىٰ حياة الكون ونظامه ، فالسماء التي كانت تتراءىٰ كأنّها سقف محفوظ ، تنشق وتنفطر وتنفرج وتنطوي كطي السجل للكتب ، وتمور وتضطرب وتتموج وتأتي كالصفر المذاب وتأتي بصورة دخان كأنّها وردة كالدهان ، وكأنّ السماء كشطت وأزيلت وتمددت ، إلىٰ غير ذلك من الأحوال المتعاقبة التي تطرأ على السماء.

وثمّة نكتة جديرة بالإشارة وهي انّ القرآن الكريم ينص علىٰ أنّ السماء في بدء الخلقة كانت من دخان وسيؤول إليه عند الانقضاء ، حيث يشير إلىٰ بدء الخلقة ، بقوله : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ). (٤) كما يشير إلى زوالها وصيرورتها دخاناً بقوله : ( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ). (٥)

النجوم والشمس والقمر في مشاهد القيامة

إنّ النجوم التي كانت تزّين السماء وتهدي الإنسان ، تنطمس وتنكدر وتندثر يوم القيامة ، قال سبحانه :

__________________

١. الدخان : ١٠.

٢. الرحمن : ٣٧.

٣. التكوير : ١١.

٤. فصلت : ١١.

٥. الدخان : ١٠.

٢٠٢

١. ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ). (١)

٢. ( وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ). (٢)

٣. ( وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ ). (٣)

٤. ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ). (٤)

٥. ( وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ). (٥)

والمراد من جمع الشمس والقمر هو زوال النظام السائد عليهما ، فالفاصل الموجود بينهما سيزول يوم القيامة ويكونان مقترنين.

فالنظام السائد ينهار ويزول لانتهاء أجله ، ويحلّ محله نظام آخر أكمل منه ، فيكون الزوال مقدمة لنظام آخر.

الأرض في مشاهد القيامة

إنّ الأرض سيارة كسائر السيارات لم يكتب لها البقاء ، وكلّما تقدم بها الزمان تتقدم في العمر وتصل إلى أجلها المحتوم ، وعند ذلك تقوم الساعة ، والذكر الحكيم يصف مشاهد الساعة في الأرض ويقول :

١. ( إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا ). (٦)

٢. ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً ). (٧)

__________________

١. المرسلات : ٨.

٢. التكوير : ٢.

٣. الانفطار : ٢.

٤. التكوير : ١.

٥. القيامة : ٨ ـ ٩.

٦. الزلزلة : ١ ـ ٢.

٧. الكهف : ٤٧.

٢٠٣

٣. ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ). (١)

٤. ( يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ). (٢)

٥. ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ). (٣)

٦. ( إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا ). (٤)

٧. ( وَإِذَا الأَرْضُ ). (٥)

إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن وضع الأرض عند قيام الساعة ، والقرآن الكريم يستخدم في تبيينه مشاهد الساعة في الأرض كلمة الزلزال وتسيير الجبال وبروز الأرض وتبدّلها وتشقّقها ودكّها ورجّها ومدّها.

فهذه الطائفة من الآيات تحكي حال الأرض عند قيام الساعة ، وبعد ما يحلَّ النظام الجديد تكون الأرض مشرقة بنور ربّها ، كما يقول سبحانه : ( وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ). (٦)

فأين الأرض المضطربة التي صادفت تلك الحوادث الصعبة من الأرض المشرقة بنور ربها ؟!

البحار والجبال في مشاهد القيامة

إنّ البحار والجبال من الظواهر الأرضية ، ولكلّ دور في ظهور الحياة على

__________________

١. إبراهيم : ٤٨.

٢. ق : ٤٤.

٣. الفجر : ٢١.

٤. الواقعة : ٤.

٥. الانشقاق : ٣.

٦. الزمر : ٦٩.

٢٠٤

الأرض فالجبال أوتاد عائقة عن تفكك الأرض إلى قطعات مختلفة كما أنّ البحار لها هذا الدور أيضاً ، والله سبحانه يصف وضعهما عند قيام الساعة فيقول :

١. ( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ). (١)

٢. ( وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ ). (٢)

٣. ( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ). (٣)

وهذه الآيات تصوّر لنا حال البحار يوم القيامة ، والمراد من تسجير البحار هو اختلاط عذب مائها بمالحها ، ومالحها بعذبها ، كما أنّه المراد من تفجيرها هو كذلك ، فيصير الجميع بحراً واحداً على خلاف ما في هذه الدنيا فانّ الماء العذب ينفصل عن الملح الأُجاج ، قال سبحانه : ( هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ). (٤) وقال سبحانه : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ). (٥)

هذا حال البحار في الدنيا ، ولكن يتغير وضع البحار في يوم القيامة ويكون الجميع شيئاً واحداً مختلطاً كأنّها فحم ملتهب.

وأمّا الجبال في يوم القيامة فيرسمها الذكر الحكيم ، بالشكل التالي :

١. ( وَإِذَا الجِبَالُ سُيِّرَتْ ). (٦)

٢. ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ ). (٧)

__________________

١. التكوير : ٦.

٢. الطور : ٦.

٣. الانفطار : ٣.

٤. الفرقان : ٥٣.

٥. الرحمن : ١٩.

٦. التكوير : ٣.

٧. الكهف : ٤٧.

٢٠٥

٣. ( وَتَسِيرُ الجِبَالُ سَيْرًا ). (١)

٤. ( وَسُيِّرَتِ الجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ). (٢)

٥. ( وَتَكُونُ الجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنفُوشِ ). (٣)

٦. ( وَإِذَا الجِبَالُ نُسِفَتْ ). (٤)

٧. ( يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالجِبَالُ وَكَانَتِ الجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلاً ). (٥)

٨. ( وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا ). (٦)

٩. ( وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ). (٧)

وهذه الآيات تحكي عن طروء تحولات وتغيرات على الجبال ، منها :

١. الحركة والسير والرجف وهي الحركة الشديدة والاضطراب. تسفر عن نسف الجبال من أصلها.

٢. وتعود في المرحلة الثانية كأنّها غبار منبث في الفضاء.

٣. وأخيراً تؤول نهايتها إلى أطلال من تراب.

وهذه التحولات التي يمرّ بها النظام الكوني السابق ، توحي إلى صورة كئيبة ومرعبة عن وضع العالم ولكنّها تبشر ـ في الوقت نفسه ـ بظهور نظام أكمل من ذي قبل.

__________________

١. الطور : ١٠.

٢. النبأ : ٢٠.

٣. القارعة : ٥.

٤. المرسلات : ١١.

٥. المزمل : ١٤.

٦. الواقعة : ٥ ـ ٦.

٧. الحاقة : ١٤.

٢٠٦

الفصل السادس عشر :

النفخ في الصور

أو بداية حياة جديدة

قد مرّ في الفصل السابق مشاهد القيامة والحوادث التي ترافقها ، وها نحن نبحث الآن موضوع النفخ في الصور الذي هو بداية لحياة جديدة وقد عقدنا الفصل لأجله.

وفي الواقع أنّ النفخ في الصور بتفاصيله مازال مجهولاً لنا ، وهو من الأُمور الغيبيّة التي يجب الإيمان بها ، وقد عبر عنها القرآن بأمر محسوس من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ، وعلىٰ كلّ حال فالنفخ له مرحلتان :

المرحلة الأُولى : مرحلة الإماتة ، وهي قُبيل يوم القيامة يسفر عن هذا النفخ الصعقُ والفزع اللّذان كُنّيَا بهما عن الموت.

المرحلة الثانية : مرحلة الإحياء وإحضار الناس إلى المحشر.

وقد ذكرت النفختان في الآية التالية : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ). (١)

__________________

١. الزمر : ٦٨.

٢٠٧

فقوله : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ ... ) إشارة إلى النفخة الأُولى التي تميت من في السماء والأرض إلاّ من شاء الله.

وقوله : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ ) إشارة إلى النفخة الثانية التي يقوم فيها الناس من الأجداث منتظرين لمصيرهم.

وهناك آية أُخرىٰ صرّحت بالنفخة الأُولىٰ وأشارت إلى نتيجة النفخة الثانية ، من دون أن تصرّح بالنفخة الثانية ، قال : ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ). (١)

فقوله : ( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ) إلى قوله : ( إِلاَّ مَن شَاءَ اللهُ ) تتحد مع ما جاء في الآية الأُولى.

وأمّا قوله : ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) معناه يأتونه في المحشر إذلاّء صاغرين ، وهذه نتيجة النفخة الثانية غير المذكورة ، وكأنّه قال : « ثمّ نفخ فيه أُخرى وكلّ أتوه داخرين ».

وعلى كلّ حال فقد وردت النفخة الثانية في القرآن الكريم في سبع آيات ، وهي :

١. ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ). (٢)

٢. ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ... ). (٣)

٣. ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ). (٤)

__________________

١. النمل : ٨٧.

٢. الكهف : ٩٩.

٣. المؤمنون : ١٠١.

٤. ق : ٢٠.

٢٠٨

٤. ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ... ). (١)

٥. ( وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ). (٢)

٦. ( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ). (٣)

٧. ( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ). (٤)

تعابير أُخرى عن النفخة في الصور

وقد عبر القرآن الكريم عن تلك الواقعة المفزعة ، ثمّ المحيية بتعابير أُخرى ، وهي كالتالي :

١. الصيحة :

وهي الصوت العالي ، والقرآن يحكي عن تعدّدها كالنفخ ، وهي صيحة الإماتة ، وصيحة الإحياء ، ويذكر الأُولىٰ بقوله : ( مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ). (٥)

فهذه الصيحة عبارة عن النفخة الأُولى أو نتيجتها ، والناس حينها أحياء يتخاصمون بعضهم مع بعض ولكنّها لا تمهل الناس أن يوصوا بشيء أو يرجعوا إلىٰ أهلهم فيوافيهم الموت.

وأمّا الصيحة الثانية القائمة مكان النفخة الثانية ، فقد أُشير إليها بقوله سبحانه : ( إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ). (٦)

__________________

١. الحاقة : ١٣.

٢. الأنعام : ٧٣.

٣. طه : ١٠٢.

٤. النبأ : ١٨.

٥. يس : ٤٩ ـ ٥٠.

٦. يس : ٥٣.

٢٠٩

فقوله سبحانه : ( فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) ، نظير قوله في النفخة الثانية : ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) أو قوله : ( كُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ).

يقول سبحانه : ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ). (١)

والظاهر انّ الآية تشير إلى النفخة الثانية لقوله بعد سماع الصيحة : ( ذَٰلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ) وقد كانت الصيحة الأُولىٰ ، صيحة الإماتة لا الخروج من الأجداث وإنّما كانت الصيحة الثانية ملاك الخروج والمثول أمام الله سبحانه.

٢. الصاخّة :

وهناك تعابير في القرآن الكريم تنطبق مع النفخة الثانية ، وهي الصاخّة والنقر والزجرة ، يقول سبحانه : ( فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ). (٢)

والصاخّة : هي الصيحة والصوت العالي التي تكاد تصُم الآذان ، والمراد منها هي النفخة الثانية بشهادة أمرين :

الأوّل : انّه جاء بعده فرار المرء من أعزّائه ، وهي من خصائص يوم القيامة لا قبلها.

الثاني : انّ الآيات التالية تصنّف الناس إلىٰ قسمين كما في قوله تعالى :

( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ). (٣)

__________________

١. ق : ٤١ ـ ٤٢.

٢. عبس : ٣٣ ـ ٣٧.

٣. عبس : ٣٨ ـ ٤١.

٢١٠

ومن الواضح انّ هذا التقسيم من خصائص يوم القيامة.

٣. الزجرة

( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ). (١)

ومعنى قوله : ( زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ) أي صيحة واحدة ، ( فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ) أي فإذا هم ملقون علىٰ وجه الأرض ، وسميت الأرض بالساهرة لأنّها لا تنام بشهادة أنّها تنبت النبت ليلاً ونهاراً عملاً دؤوباً دون انقطاع. وبما انّها تحكي عن ظهور الناس على الأرض فهي بالنفخ الثاني الذي يحيا فيه الناس أوفق.

٤. النقر

( فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ). (٢)

والمراد من النقر : هو النفخة الثانية ، بشهادة ما جاء بعده من إحياء الكافرين وانّه يوم عسير عليهم ، وهذا بخلاف النفخة الأُولى فانّ أهوالها تعمّ المؤمن والكافر، ولذلك قال سبحانه : ( فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ ). (٣)

٥. الراجفة والرادفة

يقول سبحانه : ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) (٤) و « الراجفة » : صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمخض ، وهي تنطبق على النفخة الأُولى ، و « الرادفة » : كلّ شيء تبع شيئاً آخر فقد ردفه ، ولعلّ المراد النفخة الثانية التي تعقب النفخة الأُولى ، وهي التي يبعث معها الخلق ، والشاهد على أنّ الرادفة

__________________

١. النازعات : ١٣ ـ ١٤.

٢. المدثر : ٨ ـ ١٠.

٣. الزمر : ٦٨.

٤. النازعات : ٦ ـ ٧.

٢١١

هي النفخة الثانية ، قوله سبحانه : ( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ) (١) أي : قلوب مضطربة شديدة وأبصار خاشعة ذليلة من هول ذلك اليوم.

ما هي حقيقة النفخ في الصور ؟

إنّ الآيات السالفة الذكر تؤكِّد علىٰ أنّه ينفخ في الصور مرتين ، ولكلّ نفخ أثره الخاص ، إنّما الكلام في حقيقة هذا النفخ.

أمّا كلمة « نفخ » فمعلوم ، يقال : نفخ نفخاً بفمه أي أخرج منه الريح ، وأمّا الصور فهو القرن الذي ينفخ فيه (٢) ، ولعلّ الوسيلة الوحيدة للنفخ في ذلك الزمان كان هو القرن ، فكان ينفخون فيه للإيقاظ ، وقد تطورت الكلمة من حيث المصداق وأصبحت تطلق اليوم علىٰ كلّ وسيلة ينفخ فيها بغية إيجاد الصوت لغايات شتىٰ.

وعلى أيّة حال فظاهر الآيات يوحي إلى وجود النفخ في الصور قبل يوم القيامة وحينه. لكن هل ثمة صور ونفخ حقيقيان ، أو هما كناية عن إيجاد الصوت المهيب للإماتة والإحياء ؟

والذي يمكن أن يقال إنّ هناك صوتين أحدهما قبل قيام الساعة والآخر بعده ، فالصوت المرعب الأوّل لغاية إماتة الإنسان وإزالة النظام الكوني ، وأمّا الصوت المرعب الثاني فهو لغاية إحياء الإنسان وحشره للحساب.

أمّا ما هو حقيقة هذا النفخ والصور ؟ فهما من المسائل الغيبية التي يجب الإيمان بها ، وإن لم نقف على حقيقتها وواقعها ، وللعلامة الطباطبائي كلام في هذا الموضع نأتي بنصه :

__________________

١. النازعات : ٨ ـ ٩.

٢. مجمع البيان : ٣ / ٤٩٦ ، تفسير الآية ٩٩ من سورة الكهف.

٢١٢

ولا يبعد أن يكون المراد بالنفخ في الصور يومئذٍ مطلق النفخ أعمّ ممّا يميت أو يحيي ، فانّ النفخ كيفما كان من مختصات الساعة ويكون ما ذكر من فزع بعضهم وأمن بعضهم من الفزع وسير الجبال من خواص النفخة الأُولى ، وما ذكر من إتيانهم داخرين من خواص النفخة الثانية. (١)

سؤال وإجابة

ربما يطرح هنا سؤال وهو : ما هو مقدار الفاصل الزماني بين النفختين الذي يحكي عنه تخلّل لفظة « ثمّ » بين النفختين ، يقول سبحانه : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) ؟. (٢)

والجواب : انّه غير معلوم لنا مقدار الفاصل الزماني بينهما ، ولعلّه من الأُمور التي استأثر الله بعلمها لنفسه ، يقول سبحانه : ( وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ). (٣)

والعلم بالفاصل الزمني يستلزم العلم بزمن وقوع القيامة ، فمثلاً الذي يعلم جميع أشراط الساعة إذا وقف على الفاصل الزمني بين النفختين لعلم بالضرورة زمن وقوع يوم القيامة مع أنّه سبحانه يقول : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ). (٤)

عن ثوير بن أبي فاختة ، عن علي بن الحسين قال : سئل عن النفختين كم بينهما ؟ قال : « ما شاء الله ». (٥)

__________________

١. الميزان : ١٥ / ٤٠٠ ، ط بيروت.

٢. الزمر : ٦٨.

٣. لقمان : ٣٤.

٤. الأعراف : ١٨٧.

٥. بحار الأنوار : ٦ / ٣٢٤.

٢١٣

سؤال آخر وإجابة

انّه سبحانه يستثني طائفة خاصة من الناس من الصعق عند النفخة الأُولىٰ ، ويقول : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ). (١)

وعندئذٍ يطرح السؤال التالي وهو من هم الذين شاء الله أن لا يصعقهم عند النفخة ؟

ويمكن الإجابة من خلال التدبّر في الآيات التالية :

١. ( مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ). (٢)

إنّ قوله سبحانه : ( فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) دليل على أنّ المراد من اليوم في قوله : ( وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) هو يوم القيامة وانّ من جاء بالحسنة يكون آمناً في ذلك اليوم.

٢. ( لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ). (٣)

وهذه الآية تشهد على أنّ هناك طائفة لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم القيامة فتتحد الآيتان من حيث المدلول.

لكن الكلام في تحديد من جاء بالحسنة ، فهل المراد مطلق من جاء بالحسنة ، وإن كانت حسنة تكتنفها الذنوب ؟ فيلزم أن يكون كلّ من أتىٰ بحسنة مأموناً من الفزع ، وهذا مالا يمكن الإذعان به.

__________________

١. الزمر : ٦٨.

٢. النمل : ٨٩ ـ ٩٠.

٣. الأنبياء : ١٠٣.

٢١٤

أو المراد من جاء بالحسنة المطلقة ؟ أي لا يوجد في كتابه إلاّ الحسنة ، مقابل من لا يوجد في كتابه إلاّ السيّئة.

ولذلك يكون مصير الطائفة الثانية هو الانكباب في النار على وجوههم كما يكون مصير الطائفة الأُولىٰ هو الأمن من الفزع ، ومن الواضح انّ هذه الطائفة نادرة.

وعلى هذا فالطائفة المستثناة طائفة خاصّة تتميز بعمق الإيمان والاستقامة على الدين حتى صاروا ذوي نفوس مطمئنة لا تزعزعهم الحوادث المرعبة كما كانوا كذلك في الحياة الدنيا ، وليس هؤلاء إلاّ الأنبياء والأوصياء.

ويمكن تحديد المستثنىٰ بوجه آخر وهو انّه سبحانه يذكر انّ كلّ من شمله الصعق والفزع في النفخة الأُولى ، يقوم عند النفخة الثانية وينتظر حساب عمله ، قال : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) (١) وقال في آية أُخرى : ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ). (٢)

هذا من جانب ، ومن جانب آخر تستثني بعض الآيات المخلصين من الحضور للحساب ، وتقول : ( فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) (٣) وفي آية : ( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ). (٤)

فالمخلصون من عباده سبحانه لا يحضرون إلى الحساب كما لا يحزنهم الفزع الأكبر ولا تصعقهم وتفزعهم النفخة الأُولى.

وأمّا المراد من المخلصين الذين لا يعمهم الفزع الأكبر فتوضحه الآيات

__________________

١. الزمر : ٦٨.

٢. النمل : ٨٧.

٣. يس : ٥٣.

٤. الصافات : ١٢٧ ـ ١٢٨.

٢١٥

التالية :

١. يحكي سبحانه كلام إبليس ويقول : ( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). (١)

إلاّ أنّ الشيطان يعود ويستثني تسلّطه على المخلصين وإغواءهم ويقول : ( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ ). (٢)

وقال : ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ ) (٣) ، ومن خلال ضمّ هذه الآيات بعضها إلى بعض ، يعلم انّ الآمنين من الصعق هم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ، ولا يحضرون إلى الحساب ، وهم المخلصون الذين لا يتعرض لهم إبليس بالإغواء وليس هؤلاء إلاّ المعصومون من عباد الله ، أعني : من الأنبياء والرسل والأئمّة.

سؤال ثالث وإجابة

دلّت الآيات على أنّه لم يكتب لأحد البقاء في هذه النشأة ، وانّ الناس يموتون حتى الأنبياء والرسل ، قال سبحانه : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ). (٤)

وعندئذٍ فكيف يصحّ استثناء المخلصين ، إذ يكون معنى الآية انّ كلّ من في

__________________

١. إبراهيم : ٢٢.

٢. الحجر : ٣٩ ـ ٤٠.

٣. ص : ٨٢ ـ ٨٣.

٤. الزمر : ٣٠.

٢١٦

السماوات والأرض لميتون عند النفخة الأُولى إلاّ المخلصين ، مع أنّ أخلص المخلصين هو نبيّنا الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد خوطب بقوله : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ ) ؟

والجواب : انّ الصعقة لو كانت بمعنى الفزع والخوف فالاستثناء يرجع إلى ذلك لا إلى الإماتة.

نعم لو كان الصعق والفزع في الآيتين بمعنى الموت فلا محيص من القول بأنّ المخلصين لا يموتون لأجل النفخ بل يموتون لأجل عامل آخر.

٢١٧

الفصل السابع عشر :

القيامة ومحاسبة الأعمال

إنّ من أسماء القيامة ، يوم الحساب (١) أي اليوم الذي يحاسب سبحانه فيه العباد علىٰ أعمالهم ، وهذا الأمر بمكان من الوضوح ممّا حدا بالإمام علي عليه‌السلام إلى بيان الفرق بين الدارين بتسمية الدار الأُولى ، دار العمل ، والدار الثانية دار الحساب ، وقال : « واليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل ». (٢)

وقد وردت حول الحساب آيات وروايات ، يجب على المفسّر دراستها بدقّة وإمعان لما فيها من الحقائق الشامخة ، وفيها إجابة عن بعض الأسئلة المطروحة في هذا المضمار ، وإليك عناوين المسائل :

١. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال ؟

٢. من المحاسِب ؟

٣. ما هي الأعمال التي يُحاسَب عليها ؟

٤. هل الحساب يعمُّ الجميع ؟

٥. ما معنى كونه سبحانه سريع الحساب ؟

__________________

١. انظر : سورة إبراهيم : ٤١ ; ص : ١٦ ، ٢٦ ، ٥٣ ; غافر : ٢٧.

٢. نهج البلاغة : الخطبة ٤٢.

٢١٨

٦. ما هو المقصود من سوء الحساب ؟

٧. من هم الذين يحاسبون حساباً يسيراً ؟

٨. اختلاف العباد عند الحساب.

٩. إتمام الحجة على العباد عند الحساب.

١٠. الاعتراف بالذنوب ورجاء العفو والمغفرة.

هذه هي العناوين الرئيسية التي سنتناولها في هذا الفصل واحدة تلو الأُخرىٰ.

١. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال ؟

لقد اعتاد الإنسان في حياته العملية أن يجري الموازنة بين الدخل والصرف يبغي من وراء ذلك تنظيم حياته علىٰ وفقها.

والله سبحانه عالم بكلّ شيء فلا حاجة له إلىٰ محاسبة الأعمال حتى يقف على خير الأعمال وشرها ونسبة أحدهما إلى الآخر ، يقول سبحانه حاكياً عن لسان لقمان : ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (١).

فلا محيص عن كون الداعي إلى المحاسبة شيئاً آخر ، وهو إراءة عدله وجوده وحكمته عند المحاسبة ، فلو عفا فلجوده وكرمه ، وإن عذّب فلعدله وحكمته.

فمحاسبته تبارك وتعالىٰ كابتلاء عباده ، فانّ الهدف من الابتلاء ليس هو الوقوف على ما يَكْمُن في نفوس العباد من الخير والشر ، بل الغاية إكمال العباد وتبديل طاقات الخير إلى فعليته ، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « لا يقولنَّ

__________________

١. لقمان : ١٦.

٢١٩

أحدكم : « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة » لأنّه ليس أحد إلاّ وهو مبتل بفتنة ، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن ، فانّ الله سبحانه يقول : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) ومعنى ذلك انّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه ، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ، ولكن لتَظْهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب ، لأنّ بعضهم يحبُّ الذكور ويكره الإناث ، وبعضهم يحب تثمير المال ، ويكره انثلام الحال ». (١)

٢. من المحاسِب ؟

دلّت الأُصول التوحيدية على أنّ في صحيفة الوجود مدبراً واحداً وهو الله سبحانه ، والمحاسبة نوع تدبير لهم فلابدّ من صلتها به إمّا مباشرة أو مع الواسطة بإذنه سبحانه. غير أنّ ظاهر كثير من الآيات علىٰ أنّ المحاسب هو الله سبحانه.

قال تعالى : ( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ). (٢)

وقال تعالى : ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الحِسَابُ ). (٣)

وقال عزّ من قائل : ( إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ). (٤)

وقال تعالى : ( وَكَفَىٰ بِاللهِ حَسِيبًا ). (٥)

وهذه الآيات صريحة في أنّه تعالىٰ هو المحاسب.

__________________

١. نهج البلاغة : من كلماته القصار ، برقم ٩٣.

٢. الغاشية : ٢٥ ـ ٢٦.

٣. الرعد : ٤٠.

٤. الشعراء : ١١٣.

٥. النساء : ٦ والأحزاب : ٣٨.

٢٢٠