🚘

مفاهيم القرآن

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: الإعتماد
الطبعة: ٢
ISBN: 964-357-148-3
الصفحات: ٤١٢
🚘 نسخة غير مصححة

أمراً زائداً طفيلياً لا ينفع.

وأمّا الأنبياء والأولياء فلهم استعداد الانتقال إلى عالم العقول فيتركون البدن المثالي لغاية الوصول إلى عالم العقل ، فيكون حشرهم الجسماني أمراً مؤقتاً لا أمراً دائمياً وهو علىٰ خلاف القرآن.

الثاني : المختار عند صدر المتألّهين في العوالم الثلاثة انّها عوالم غير منفصلة فمع انّ كلاً في طول الآخر ، لكن عالم العقل باطن عالم المثال ، وعالم المثال باطن عالم الطبيعة.

فالنفس في عالم الطبيعة واجدة للمراتب الثلاثة دفعة واحدة فهي بما انّها مبدأ للحياة الحيوانية مظهر لعالم الطبيعة وبما انّها تدرك الصور الحسية مظهر لعالم المثال ، وبما انّها تدرك المفاهيم الكلية والحقائق المرسلة مظهر عالم العقل ، ولأجل ذلك اشتهر قولهم : « النفس في وحدتها كل القوى » فهي بوجودها الجمعي جامعة لتلك المراتب دفعة واحدة وإن كانت كلّ مرتبة في طول الأُخرى.

فإذا كانت هذه حالة النفس ، فلماذا لا تحافظ على تلك الحالة في عالم الحشر أيضاً ، بأن يكون لها حشر طبيعي ومثالي وعقلاني ، فهي بوجودها الطبيعي تثاب وتعاقب بما يناسب عالم الطبيعة كما أنّها بوجودها المثالي تثاب بالصور وتعاقب بها ، كما أنّها بمرتبتها العقلية تصل إلىٰ ما هو الغاية القصوىٰ ، وحيث إنّه لا تزاحم بين المراتب في وجود النفس فلا مانع من أن يكون حشر واحد للنفس في جميع مراتبها لا بحدودها ؟

وخلاصة القول : إنّ عالم الطبيعة تدبر بالعوالم الثلاثة ، فعالم الطبيعة تحت ظل عالم المثال ، كما أنّ كليهما تحت ظل عالم العقل ، فلا تزاحم بين العوالم الثلاثة خارج النفس ، كذلك لا تزاحم بين تلك العوالم في وجود النفس في الحشر الأُخروي.

١٠١

وفي الختام نعطف نظر القارئ العزيز إلى أنّ لو كان القول بتعلّق النفس بالبدن المثالي لأجل الجمع بين الشريعة والبرهان ، فهذا الجمع بعيد عن الصواب لا سيما وإنّ أكثر الآيات الواردة في المعاد الجسماني صريحة في المعاد العنصري لا في المعاد المثالي.

الثالث : المعاد الجسماني والرأي السائد بين المتكلّمين

الرأي السائد بين المتكلّمين هو انّه سبحانه يخلق من الأجزاء المتفرقة للبدن بدناً ، فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد بلاء البدن ، ولا يضر انّه غير البدن الأوّل بحسب الشخص ، ولا يبعد أن يكون قوله تعالى : ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ) (١) إشارة إلى هذا.

فإن قيل : على هذا يكون المثاب والمعاقب باللّذات والآلام الجسمانية ، غير من عمل الطاعة وارتكب المعصية.

قلنا : العبرة في ذلك بالإدراك وإنّما هو للروح ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه ، وكذا الأجزاء الأصلية من البدن ، ولهذا يقال للشخص من الحداثة إلى الشيخوخة انّه هو بعينه وإن تبدلّت الصور والهيئات ، بل كثير من الآلات والأعضاء ، ولا يقال لمن جنىٰ في الشباب فعوقب في المشيب إنّها عقوبة لغير الجاني.

ويدل عليه من الآيات :

قوله سبحانه : ( قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ). (٢)

__________________

١. يس : ٨١.

٢. يس : ٧٨ ـ ٧٩.

١٠٢

وقوله تعالى : ( فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ). (١)

( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ). (٢)

( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ). (٣)

( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ). (٤)

( يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ). (٥)

( أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ) (٦). إلى غير ذلك من الآيات.

وبالجملة فإثبات الحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر.

فإن قيل : الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه والجبر والقدر ونحو ذلك وقد وجب تأويلها قطعاً ، فلنصرف هذه أيضاً إلىٰ بيان المعاد الروحاني ، وأحوال سعادة النفوس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام ، فانّ الأنبياء مبعوثون إلى كافة الخلائق لإرشادهم إلى سبيل الحقّ ، وتكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية والعملية وتبقية النظام المفضي إلىٰ صلاح الكلّ وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالاً ، والإنذار عمّا يعتقدونه ألماً ونقصاناً ، وأكثرهم عوام تقصر

__________________

١. يس : ٥١.

٢. القيامة : ٣ ـ ٤.

٣. فصلت : ٢١.

٤. النساء : ٥٦.

٥. ق : ٤٤.

٦. العاديات : ٩.

١٠٣

عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية واللذات العقلية وتقتصر على ما ألّفوه من اللذات والآلام الحسية وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية ، فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيباً وترهيباً للعوام وتتميماً لأمر النظام ، وهذا ما قاله أبو نصر الفارابي إنّ الكلام مثل.

قلنا : إنّما يجب التأويل عند تعذر الظاهر ، ولا تعذر هاهنا سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأوّل لا عينه. وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلىٰ مثال معاد النفس والرعاية للمصلحة العامة ، نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلّق بالتبليغ والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحقّ لأنّهم لا يفهمون إلاّ هذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم.

نعم لو قيل : إنّ هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الأمر ، مثل للمعاد الروحاني واللذات والآلام العقلية ، وكذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحقّقون من علماء الإسلام ، لكان حقاً لا ريب فيه ولا اعتداد بمن ينفيه. (١)

إنّ ما ذكره سعد الدين التفتازاني كلام حقّ لا سترة عليه ، وهو الموافق للقرآن الكريم.

ونضيف إلىٰ كلامه أمرين :

الأوّل : انّ القرآن يطرح إمكان المعاد من خلال بيان قصص تتضمن عود الموتى إلى الحياة ، كقصة إبراهيم ، وعزير ، وأُمّة من بني إسرائيل ، وقصة البقرة ، وغيرها ، فلا يمكن أن تفسر تلك البراهين بالمثَل.

__________________

١. شرح المقاصد : ٢ / ٢١٢ ـ ٢١٣ ، ط الآستانة.

١٠٤

الثاني : انّ ثمة فرقاً بين ما دلّ على الجبر ، وبين ما دلّ على المعاد الجسماني ، فما يدل على الأوّل يخالف العقل الصريح ، ولفيف من الآيات ، كما يضاد الغاية من وراء بعث الأنبياء ، فلا محيص عن التأويل.

وأمّا المعاد الجسماني فليس هناك أيّ داع إلى التأويل ، سوى الشبهات التي نطرحها على طاولة البحث ، وسنحللها بفضل من الله سبحانه حينها حتىٰ تنجلي الحقيقة ناصعة لا يشوبها لبس ولا غموض.

الرابع : المعاد الجسماني ورأي بعض المتكلمين

ذهب لفيف من المتكلّمين إلى أنّ للإنسان أجزاءً أصلية صلبة لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان ولا التغيّر والتبدّل ، وإنّما تطرأ إلى ما يضيف إليها. (١)

وبعبارة أُخرى : المعاد عبارة عن جمع متفرقات أجزاء مادية لأعضاء أصلية باقية عندهم ، وتصويرها مرّة أُخرى بصورة مثل الصورة السابقة ليتعلّق النفس بها مرّة أُخرى.

يقول الإمام الرازي : إنّ قوله تعالى في سورة الواقعة من الآيات إشارة إلىٰ جواب شبهة المنكرين الذين هم من أصحاب الشمال المجادلين ، فانّهم قالوا : ( أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ) (٢) وأشير إلى إمكانها هذا بوجوه أربعة :

أوّلها ، قوله تعالى : ( أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ ). (٣)

__________________

١. كشف المراد : ٢٥٩ ، المسألة الرابعة في وجوب المعاد الجسماني.

٢. الصافات : ١٦ ـ ١٧ والواقعة : ٤٧ ـ ٤٨.

٣. الواقعة : ٥٨ ـ ٥٩.

١٠٥

وجه الاستدلال بهذا انّ المني إنّما يحصل من فضلة الهضم الرابع ، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء ولهذا يشترك كلّ الأعضاء ويجب غسلها بالالتذاذ الواقع لحصول الانحلال عنها كلّها ، ثمّ إنّ الله تعالى سلّط قوّة الشهوة على البنية حتّى إنّها تجمع تلك الأجزاء الطلية ، فالحاصل انّ تلك الأجزاء كانت متفرقة جداً أوّلاً في أطراف العالم.

ثمّ إنّ الله جمعها في بدن ذلك الحيوان وجمعها الله في أوعية المني ثمّ إنّه أخرجها ماءً دافقاً إلىٰ قرار الرّحم ، فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكوَّن منها هذا الشخص فإذا افترقت بالموت مرة أُخرى ، فكيف يمتنع عليه جمعها مرّة أُخرى ؟! (١)

انّ ما ذكره المتكلّمون إنّما هو لإثبات انّ المعاد عنصري لا مثالي ، وهذا حقّ في الجملة ، لكن القول بأنّ لكلّ إنسان أجزاء صلبة لا تتبدل ولا تتغير إلىٰ شيء فهو أمر لم يثبته العلم ولا التجربة ولا البرهان العقلي.

نعم لو تضافرت عليه الأخبار نأخذ به تعبداً. (٢)

__________________

١. الأسفار : ٩ / ١٥٣ ـ ١٥٤.

٢. الأسفار : ٩ / ١٥٣ ـ ١٥٤.

١٠٦

الفصل التاسع :

المعاد الجسماني والشبهات المطروحة

قد نسب إلى الشيخ الرئيس أنّه لا يمكن إثبات إمكان المعاد الجسماني إلاّ عن طريق الشرع ، وحيث إنّه أخبر عن وقوعه نستكشف إمكانه.

ولكن عبارته في الشفاء تنادي بخلاف ذلك ، فهو لا يدّعي أنّ إمكانه رهن خبر الشارع وإنّما يدّعي انّ وقوعه رهن خبر الشارع.

وبعبارة أُخرى : إمكان المعاد الجسماني أمر مسلم ، وإنّما الكلام في لزوم وقوعه ، والعقل يدل على لزوم المعاد الروحاني ، ولم يدل دليل عقلي على لزوم المعاد الجسماني ، وإليك عبارته :

يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو منقول من الشرع ولا سبيل إلىٰ إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وهو الذي للبدن عند البعث. (١)

تجد انّه يقول : « لا سبيل إلىٰ إثباته » أي لزوم وقوعه لا إمكانه ، ولولا الشرع لم يكن دليل على لزوم وقوعه.

يقول صدر المتألّهين : يستفسر عن هؤلاء المنكرين للمعاد الجاحدين لأحكام الشريعة بناء على قصور مداركهم عن دركها إنّهم هل يدّعون الامتناع

__________________

١. الشفاء : الإلهيات ، الفصل الثاني من المقالة التاسعة.

١٠٧

أو يمنعون الإمكان والجواز ؟ فعلى الأوّل ، يقال لهم : إنّ عليكم البيّنة وإثبات ما ادّعيتم وما لكم فيما قلتم به من هذا عين ولا أثر. وعلى الثاني كلّ ما أُزيل ظاهره عن الإحالة والامتناع قام التنزيل الإلهي والأخبار النبوية الصادرة عن قائل مقدس عن شوب الغلط والكذب مقام البراهين الهندسية في المسائل التعليمية والدعاوي الحسابية. (١)

والمهم تحليل الشبهات المطروحة حول المعاد الجسماني.

الشبهة الأُولى : المعاد إعادة للمعدوم

لقد ذكر سعد الدين التفتازاني بعض الشبهات في مقاصده وشرحه ، أحدها : بأنّ المعاد إعادة للمعدوم وهو أمر محال.

ثمّ نقل عن الشيخ الرئيس ، القول التالي : إنّ كلّ من رجع إلىٰ فطرته السليمة ، ورفض عن نفسه الميل والعصبية ، شهد عقله الصريح بأنّ إعادة المعدوم ممتنع.

وقد أجاب المحقّق التفتازاني عن الإشكال بقوله :

أوّلاً : منع امتناع الإعادة ، وقد تكلّمنا عن أدلّته.

وثانياً : أنّ المراد إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك ولا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ لا عينه. (٢)

أقول : أمّا الجواب الأوّل فليس بشيء ، فانّ إعادة المعدوم بعينه أمر ممتنع بالذات ، لأنّ المقصود من الإعادة هو تعلّق القدرة ثانياً ، بإيجاده في الزمان الثاني ، ومثل ذلك لا يكون إعادة للمعدوم بعينه بل إعادة له بمثله.

__________________

١. الأسفار : ٩ / ١٦٧ ـ ١٦٨.

٢. شرح المقاصد : ٢ / ٢١٣.

١٠٨

فلو كان المراد من إعادة المعدوم هو خرق الحجب والموانع والرجوع إلى الزمن الماضي ورؤية كلّ شيء في محلّه ، فهذا ليس إعادة للمعدوم بل مشاهدة لوجود شيء في ظرفه.

وإن شئت قلت : إنّ الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه ، وكلّ شيء إذا حدث فهو محفوظ في ظرفه ، وإن كان غير محفوظ في الظروف التي تعقبه.

فمثلاً الحوادث التي وقعت في عهد نوح منذ دعوته ومكابرة قومه ، واستيلاء الغرق عليهم ، وركوب السفينة وسيرها على الماء ونزولها على الجودي ، أمر غابر لكنه موجود في ظرفه ، لا يمكن قلبه عمّا هو عليه وإن كان غير موجود في الأزمنة التي تعقبه.

فإن أُريد من إعادة المعدوم هو خرق الحجب ورؤية كلّ شيء في ظرفه ، فهو ليس إعادة للمعدوم ولا خلقاً له ، ومن الواضح أنّ المعاد ليس من هذا القبيل ، ولا يراد منه خرق الحجب لرؤية المؤمنين والكافرين في ظروفهم الزمنية.

وإن أُريد تعلّق الخلق وقدرته سبحانه على إيجادهم بعد انعدامهم ، فهذا ليس إعادة للمعدوم بل إيجاداً لمثله ، ضرورة تعدد الفعل والخلق.

وبذلك ظهر أنّ الجواب الثاني الذي أشار إليه التفتازاني هو المهم في الباب.

توضيحه : أنّ المعاد ليس من قبيل إعادة المعدوم ، بل إيجاد للمعدوم ثانياً ، على نحو يطلق على الثاني انّه عين الأوّل عرفاً وإن كان مثله عقلاً ، وذلك لأنّ الإنسان بموته يترك أمرين.

الأوّل : العظام والعروق واللحوم التي تتحول إلىٰ رميم وتتبدل إلىٰ ثرىٰ.

الثاني : الروح والنفس التي يتوفّاها ملك الموت.

١٠٩

وعلى ذلك ليس كلّ ممّا ترك أمراً معدوماً ، بل أمر موجود ، غاية الأمر إنّما فقد الاتصال والتماسك بين الأجزاء التي هي مبدأ للروح الحيوانية ، فلو أعيد الاجتماع والانضمام إلى الأجزاء وتعلّق بها الروح المحفوظة ، يكون المعاد نفس الإنسان السابق.

وممّا يؤكد ذلك ما أثبته العالم الفرنسي لافوازيه عام ١٧٧٥م فقد أثبت بأنّ المادة لا تعدم ولا تستحدث بل تتحول من شكل إلى آخر ، وانّ التفاعلات الكيمياوية أو الفيزياوية لا تعدم فيها المادة بل المادة باقية بحالها ، غاية الأمر تتحول من شكل إلى شكل آخر.

الشبهة الثانية : شبهة الآكل والمأكول

هذه الشبهة من أقدم الشبهات التي طرحت في المعاد الجسماني ، وقد جاء ذكرها في أكثر الكتب الكلامية.

وقد قررت بوجوه ، أوضحها ما ذكره العلاّمة الحلّي في كشف المراد ، حيث قال :

إنّ إنساناً لو أكل آخر أو اغتذىٰ بأجزائه فإن أعيدت أجزاء الغذاء إلى الأوّل عدم الثاني ، وإن أُعيدت إلى الثاني عدم الأوّل.

وأيضاً إمّا أن يعيد الله تعالى جميع الأجزاء البدنية الحاصلة من أوّل العمر إلىٰ آخره أو القدر الحاصل له عند موته ، والقسمان باطلان :

أمّا الأوّل : فلأنّ البدن دائماً في التحلّل والاستخلاف ، فلو أُعيد البدن مع جميع الأجزاء منه لزم عظمه في الغاية ، ولأنّه قد يتحلّل منه أجزاء تصير أجساماً غذائية ثمّ يأكلها ذلك الإنسان بعينه حتى تصير أجزاء من عضو آخر غير العضو الذي كانت أجزاء له أوّلاً ، فإذا أُعيدت أجزاء كلّ عضو إلى عضوه لزم جعل ذلك

١١٠

الجزء جزءاً من العضوين ، وهو محال.

وأما الثاني : فلأنّه قد يطيع العبد حال تركبه من أجزاء بعينها ثمّ تتحلّل تلك الأجزاء ، ويعصي في أجزاء أُخرى ، فإذا أُعيد في تلك الأجزاء بعينها وأثابها على الطاعة لزم إيصال الحقّ إلىٰ غير مستحقه. (١)

وقد لخصها سعد الدين التفتازاني ، وقال : لو أكل إنسان إنساناً وصار غذاء له جزءاً من بدنه فالأجزاء المأكولة إمّا أن تعاد في بدن الآكل ، أو في بدن المأكول ، وأيّاً ما كان لا يكون أحدهما بعينه معاداً بتمامه ، على أنّه لا أولوية لجعلها جزءاً من بدن أحدهما دون الآخر ، ولا سبيل لجعلها جزءاً من كلّ منهما ، وأيضاً إذا كان الآكل كافراً والمأكول مؤمناً يلزم تنعيم الأجزاء العاصية أو تعذيب الأجزاء المطيعة. (٢)

إجابة المتكلّمين عن الشبهة

وقد أجاب المتكلّمون عن الشبهة بالأصل الذي اختاروه في تفسير المعاد الجسماني ، وهو :

انّ لكلّ مكلّف أجزاء أصيلة لا يمكن أن تصير جزءاً من غيرها ، بل تكون فواضل من غيره لو اغتذى بها ، فإذا أُعيدت جعلت أجزاءً أصلية لما كانت أصلية له أوّلاً ، وتلك الأجزاء هي التي تعاد ، وهي باقية من أوّل العمر إلىٰ آخره. (٣)

واختاره التفتازاني أيضاً حيث قال :

انّا نعني بالحشر إعادة الأجزاء الأصلية الباقية من أوّل العمر إلىٰ آخره ، لا

__________________

١. كشف المراد : ٢٦٠ ، ط مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام.

٢. شرح المقاصد : ٢ / ٢١٣ ، ط الآستانة.

٣. كشف المراد : ٢٦٠.

١١١

الحاصلة بالتغذية ، فالمعاد من كلّ من الآكل والمأكول الأجزاء الأصلية الحاصلة في أوّل الفطرة من غير لزوم فساد. (١)

وقد عرفت عدم ثبوت أصل النظرية من أنّ لكلّ إنسان أجزاء صلبة أصلية لا تكون جزءاً للغير ، فيسقط الجواب مادام لم يثبت الأصل.

إجابة صدر المتألّهين عن الشبهة

أجاب الحكماء عن الشبهة بمسألة انّ تشخّص كلّ إنسان إنّما يكون بنفسه لا ببدنه ، وأنّ البدن المعتبر فيه أمر مبهم لا تحصُّل له إلاّ بنفسه ، وليس له من هذه الحيثية تعيّن ولا ذات ثابتة ، ولا يلزم من كون بدن زيد محشوراً أن يكون الجسم الذي منه صار مأكولاً لسبع أو إنسان آخر ، محشوراً ، بل كلّما يتعلّق به نفسه هو بعينه بدنه الذي كان ، فالاعتقاد بحشر الأبدان يوم القيامة هو أن يبعث أبدان من القبور إذا رأى أحد كلّ واحد واحد منها يقول هذا فلان بعينه ، أو هذا بدن فلان ، ولا يلزم من ذلك أن يكون غير مبدَّل الوجود والهوية ، كما لا يلزم أن يكون مشوّه الخلق ، والأقطع والأعمىٰ والهرم محشوراً علىٰ ما كان من نقصان الخلقة وتشويه البنية كما ورد في الأحاديث. (٢)

وما ذكره من الجواب هو اللائح من قوله سبحانه : ( قَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ). (٣)

فانّ الشبهة جاءت في صدر الآية تحت عنوان الضلال في الأرض ، أعني

__________________

١. شرح المقاصد : ٢ / ٢١٣ ، ط الآستانة.

٢. الأسفار : ٩ / ١٩٩ ـ ٢٠٠.

٣. السجدة : ١٠ ـ ١١.

١١٢

قولهم : ( أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ ) وجاء الجواب في قوله : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ ) ، ولا تحسم مادة الإشكال إلاّ بالتفسير التالي ، وهو :

إنّ ضلال أجزاء البدن في الأرض وتبعثرها لا يخل بالمعاد الجسماني ، ولا يكون دليلاً على محو الشخصية ، لأنّ الأصل في الإنسان هو الروح فالشخصية تدور مدار بقاء الروح ، فعندئذٍ لو حشر مع بدن عنصري حينها ستحفظ شخصيته ووحدته سواء أكان البدن الذي عاشت معه النفس في الدنيا أم الآخرة ، لأنّ البدن آلة لإدراك الألم ، والمؤلم حقيقة هي النفس والبدن أداة لإيلامها ، فلا فرق بين كون البدن نفس البدن الدنيوي أو غيرها.

ويتضح ذلك من خلال القول انّ النفس ربما لا تتألم بالآلام الجسمانية إلاّ عن طريق البدن ، فالضرب على البدن لأجل إيلام الروح دون البدن فلا يكون الضرب على غير البدن الذي عاشت معه ظلماً وخارجاً عن الحدّ.

هذا ما يمكن به توجيه كلام الحكماء.

أقول : ولنا تقرير آخر في دفع هذه الشبهة ، وقبل الخوض ننبّه على أنّ الشبهة يمكن أن تقرر بوجهين :

الوجه الأوّل : انّه إذا صار جزء من بدن الإنسان ، عضواً لبدن إنسان آخر ، فحشر كلا الإنسانين ، يستلزم وجود النقص في واحد منهما.

الوجه الثاني : انّ حشرهما بأيّ صورة كانت مخالف للعدل الإلهي ، حيث يمكن أن يكون الإنسان الأوّل مطيعاً والثاني عاصياً ، فيلزم أن يعذب جزء من بدن الإنسان المؤمن في نار جهنم إذا صار عضواً لبدن الكافر.

وهانحن نصب البحث على الإشكال الأوّل ثمّ نرجع إلى الاشكال الثاني ، فنقول :

١١٣

إنّ تحوّل جزء من بدن إنسان إلى بدن إنسان آخر بالمباشرة نادراً ما يتفق ، وإنّما الشائع هو التحول من خلال تحول البدن الإنساني إلىٰ تراب ومن ثمّ انتقاله إلىٰ نبات وحيوان ثمّ يتغذىٰ بها الإنسان ، وبناء عليه فانّ الصور المفروضة أربع :

أ. أن يحشر كلّ واحد من الآكل والمأكول بنفس الجزء المستهلك.

ب. أن يحشر آكله به دون المأكول.

ج. على العكس.

د. أن يحشر كلّ واحد من الآكل والمأكول دون الجزء المستهلك.

أمّا الصورة الأُولى فهي افتراض محال ، لاستلزامه كون شيء واحد في زمان واحد في محلين. وكلّ من الصورة الثانية والثالثة تستلزم نقصاً في المحشور امّا في الآكل أو في المأكول.

وفي الصورة الرابعة يستلزم النقص في كلا المحشورين.

وربّما يتصور أن لازم الصورتين الثانية والثالثة أن يكون المحشور أحد البدنين فقط ، لافتراض انّ بدن أحدهما صار جزءاً لبدن الآخر فلم يبق للإنسان الأوّل بدن يحشر به.

ولكن هذا التصور من الوهن بمكان ، لأنّه قلّما يتّفق أن يكون بدن الإنسان بتمام أجزائه بدناً لإنسان آخر ، إذ الغالب تحوّل جزء ضئيل من بدن المأكول إلىٰ بدن الآكل ، لا كلّ الأجزاء.

هذه هي صور الشبهة وإليك الجواب عنها :

لا شكّ انّ الصورة الأُولىٰ والرابعة خارجة عن نطاق البحث ، فالأُولىٰ تستلزم المحال ، والرابعة مجرّد افتراض لم يتفوّه بها أحد ، فتنحصر الشبهة في الصورتين الثانية والثالثة ، فعندئذٍ نقول :

١١٤

إنّ للصورتين الثانية والثالثة فروضاً مختلفة :

١. أثبت العلم الحديث انّ بدن الإنسان في تحوّل وتغيّر مستمر ، فهو في ظل هذا التحوّل ذو أبدان كثيرة ، وقيل انّ خلايا البدن الإنساني تتغير برمتها كلّ ثمان سنين.

٢. إذا افترضنا انّ البدن الأخير وماتقدمه من الأبدان صادف المانع وأصبح جزءاً لإنسان آخر ، ولو من خلال تحول البدن إلى تراب ونبات وحيوان ، ولكن ليس عامّة الأجزاء من كلّ بدن مأكولاً لفرد آخر ، وإنّما يتحول جزء من كل بدن ، فعند ذلك يحشر بأي بدن شاء الله وإن كان بدناً نحيلاً ، لأنّه يكفي في المعاد انّ البدن الأُخروي نفس البدن الدنيوي ولم يدل دليل على العينية من حيث السمن والضعف.

٣. لو افترضنا ـ وإن كان الفرض من النُدرة بمكان ـ أن تتحول أغلب الأجزاء من كلّ بدن إلى بدن إنسان آخر بحيث لا يكون الباقي كافياً في تشكيل بدن الآكل ، وعندئذ لا مانع من إكمال البدن بالاستعانة بأجزاء ترابية وهوائية أُخرىٰ ، ولا يعدّ ذلك نقضاً في الحشر ، لما عرفت من أنّ الملاك هو صدق العينية عرفاً لا عقلاً ، ولذلك يعبر سبحانه عن ذلك بقوله : ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ) (١) بناء على أنّ الضمير في « مثلهم » يرجع إلى الإنسان ، وقال عزّ من قائل : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا ). (٢)

وقال الإمام الصادق عليه‌السلام : « وإذا قبضه ( أي روح المؤمن ) الله إليه سيّر تلك

__________________

١. يس : ٨١.

٢. الإسراء : ٩٩.

١١٥

الروح إلى الجنة في صورة كصورته ، فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت عليها في الدنيا ». (١)

وإلى هذا الجواب يشير صدر المتألّهين بقوله : لا عبرة بخصوصية البدن وانّ تشخصه والمعتبر في الشخص المحشور جسمية ما أية جسمية كانت ، وانّ البدن الأُخروي ينشأ من النفس بحسب صفاتها لا أنّ النفس يحدث من المادة بحسب هيئاتها واستعداداتها كما في الدنيا. (٢)

وما ذكره ينطبق على ما ذكرنا إذا أراد من البدن ، البدن العنصري ، لكنّه قدس‌سره كما عرفت يصرح بالبدن البرزخي ويقول : وانّ البدن الأُخروي ينشأ من النفس بحسب صفاتها.

هذا كلّه حول الشبهة من المنظار الأوّل ، وإليك دراسة الشبهة من منظار العدل الإلهي.

شبهة الآكل والمأكول من منظار العدل الإلهي

كان التقرير السابق للشبهة من منظار عدم وفاء المادة لحشر كلّ إنسان على النحو الأكمل.

ولكن البحث في المقام يركز على أنّه إذا كان المؤمن مأكولاً للكافر ، يلزم تعذيب المؤمن بتعذيب الكافر ، أو بالعكس. ونجيب عن هذا التقرير بوجهين :

الوجه الأوّل : انّه إذا صار عضو من بدن المؤمن جزءاً لبدن الكافر يكون تعذيبه تعذيباً للكافر لا للمؤمن ، لأنّ الجزء في ظل الحركة الجوهرية انقطعت صلته بالمأكول واندكّ في الآكل على نحو صار جزءاً منه ، فتعذيبه أو تنعيمه يرجع

__________________

١. البحار : ٦ / ٢٢٩ ، الحديث ٣٢ ، من أحاديث باب أحوال البرزخ.

٢. الأسفار : ٩ / ٢٠٠.

١١٦

إلى الآكل لا إلى المأكول ، ونظيره زرع الأعضاء الرائج في الطب الحديث فانّ الكلية مثلاً إذا أخذت من بدن شخص وزرعت في بدن شخص آخر على نحو التحمت مع سائر الأعضاء ، فتعذيبه وتنعيمه يرجع إلى المأكول لا إلى الآكل.

الوجه الثاني : انّ الشبهة نابعة من التفكير المادي ، حيث يحصر واقع الإنسان في اللحم والجلد والعظام ، مع أنّ واقع الإنسان شيء أعمق من ذلك ، وهو روحه ونفسه ، فإذا صار عضو من الإنسان جزءاً من إنسان آخر انقطعت صلة الروح عن الجزء المقطوع فلا يكون مدبَّراً للنفس ، فتكون الآلام واللّذات منصبَّة على الآكل لا على المأكول ، ولعل هذا البحث المبسوط ، فيه الكفاية لذوي الألباب.

وأنا بدوري أعتذر للقرّاء الكرام من إطالة الكلام في هذا المقام.

الشبهة الثالثة : ما هو الهدف من الجزاء ؟

إذا كان الهدف من إعادة الإنسان ليجزىٰ بما عمل من خير أو شر ، فما هو السر وراء تعذيب المجرم ؟ فانّ هناك احتمالات عدّة :

الأوّل : التشفّي وتسكين الآلام.

الثاني : تأديب المجرم.

الثالث : أن يكون التعذيب عبرة وعظة للآخرين.

وهذه الفروض إنّما تصحّ في التعذيب الدنيوي ، فولي الدم يقتص من القاتل للتشفي وتسكين آلامه ، كما أنّ تأديب المجرم غاية تختص بالدنيا ، فانّ القاضي والحاكم يؤدّب المجرم بالضرب والسجن أو غيرها ليصلح حاله ، في مستقبل حياته.

كما أنّ أخذ العبرة من تعذيب الغير أمر يختص بالدنيا لئلاّ يقترف الآخرون

١١٧

الجرائم ، كما هو الحال في قوله : ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ ). (١)

فإذا كانت الغايات الثلاث ممّا تتحقق في الحياة الدنيا ، فيكون التعذيب في الآخرة أمراً عبثاً لا غاية له.

ثمّ إنّ المستشكل عطف الثواب الأُخروي على العذاب الدنيوي فزعم انّه أيضاً بلا غاية ، وقال :

وأمّا الالتذاذ فهو أيضاً باطل ، لأنّ اللذة الجسمانية لا حقيقة لها ، وإنّما هو دفع الألم بالاستقراء وانّه لو ترك على حاله ولم يعد لم يكن له ألم فهذا الغرض حاصل بدون الإعادة فلا فائدة فيها. (٢)

والجواب : انّ المستشكل زعم أنّ المعاد أمر ممكن فسأل عن غايته وأغراضه ، فإذا انتفى الغرض فيه حكم ببطلانه ، وهذا أمر بعيد عن الصواب ، فالمعاد أمر ضروري حسب الأدلة الستة ، وفيه العلّة الفاعلية والغائية ، ومعها كيف يكون أمراً عبثاً ؟! وكفىٰ في العلّة الغائية انّها مظهر لعدله سبحانه ، ومجلىٰ لقسطه على وجه يكون تركه أمراً قبيحاً ، بل هو مجلىٰ لوعده ووعيده.

وأمّا ما ذكره أخيراً من عدم أصالة اللذة الجسمانية ، وإنّما هو دافع للألم كالأكل الذي هو دافع لألم الجوع ، فلا أساس له من الصحة ، فهل يتصور انّ الالتذاذ من خلال النظر إلى المناظر الجميلة والحدائق المكتظة بالأشجار أمر لا حقيقة له ، بل هو رافع للألم فحسب ؟!

وثمّة جواب آخر وهو : انّ ما ذكره من الإشكال إنّما يتم في الجزاء الجعلي ، فيسأل عن حكمتها وغاياتها بأحد الوجوه ، وأمّا إذا كان الجزاء خارجاً عن هذا الإطار وكان من لوازم وجود الملكات التي اكتسبها الإنسان طيلة حياته علىٰ نحو

__________________

١. النور : ٢.

٢. شرح المواقف : ٨ / ٢٩٦ ; شرح المقاصد : ٢ / ٢١٤ ، ط آستانه.

١١٨

تكون الصور الجميلة الملِذَّة أو الصور القبيحة المؤلمة من لوازم الملكات المكتسبة التي تعد جزءاً لبدن الإنسان ، فالسؤال عندئذ ساقط من أصله لأنّها من لوازم الوجود ، واللازم لا يُعلَّل ، كما أنّ الزوجية من لوازم الأربعة فإيجاد الأربعة إيجاد للزوجية ، كما أنّ إعادة الإنسان بماله من الملكات إعادة للوازمه بلا حاجة إلىٰ جعل آخر.

وهناك جواب ثالث وهو : انّ الجزاء خيره وشره صور برزخية للأعمال الدنيوية التي يكتسبها الإنسان طيلة حياته ، وكأنّ للعمل كالصلاة والصوم وجودين ، وجوداً دنيويّاً ووجوداً أُخرويّاً ، فالصلاة في هذه النشأة أذكار وحركات ، وفي النشأة الأُخرى نور وقربة ، كما أنّ الصوم في هذه النشأة إمساك ، وفي النشأة الأُخرىٰ جُنّة من النار.

فليس الجزاء خيره وشره أمراً مخلوقاً ، بل إعادة لنفس الأعمال لكن بوجودها البرزخي ، ولا مانع من أن يكون لشيء واقعية واحدة وتجليات مختلفة ، فالذهب والفضة المكنزان يتجلّيان في هذه النشأة بصورة برّاقة تسرّ الناظرين ، وفي النشأة الأُخرىٰ بصورة نار تكوى بها جلودهم وظهورهم ، فالنار الأُخروية التي تكوىٰ بها هي نفس الكنز المحتكر ولكن لها تجليات حسب اختلاف النظر ، وإليه يشير سبحانه ويقول : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ). (١)

فقوله سبحانه : ( هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ ) إشارة إلى النار التي تكوىٰ بها الجباه والجنوب ، فالنار حسب الرؤية القرآنية هي نفس الذهب أو الفضة ولكن تجلّت بوجود برزخي.

__________________

١. التوبة : ٣٤ ـ ٣٥.

١١٩

وهناك احتجاج للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام علىٰ من أنكر عذاب القبر في هذه الدنيا.

أخرج العاصمي في كتابه « زين الفتىٰ في شرح سورة ( هَلْ أَتَىٰ ) » من طريق شيخه أبي بكر محمد بن إسحاق بن مهشاد يرفعه ، أنّ رجلاً أتىٰ عثمان بن عفان وهو أمير المؤمنين وبيده جمجمة إنسان ميت ، فقال : إنّكم تزعمون النار يعرض على هذا وانّه يعذب في القبر وأنا قد وضعت عليها يدي فلا أحسَّ منها حرارة النار ؟ فسكت عنه عثمان وأرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضىٰ يستحضره ، فلمّا أتاه وهو في ملأ من أصحابه ، قال للرجل : أعد المسألة. فأعادها ، ثمّ قال عثمان بن عفان : أجب الرجل عنها يا أبا الحسن ، فقال علي عليه‌السلام : ائتوني بزند وحجر ، والرجل السائل والناس ينظرون إليه فأتي بهما فأخذهما وقدَّح منهما النار ، ثمّ قال للرجل : ضع يدك على الحجر. فوضعها عليه ، ثمّ قال : ضع يدك على الزند ، فوضعها عليه ، فقال : هل أحسست منهما حرارة النار ؟ فبهت الرجل ، فقال عثمان : لولا علي لهلك عثمان. (١)

ثمّ إنّ مسألة تجسم الأعمال بمعانيها المختلفة بحث قرآني سنمر عليه في الفصول اللاحقة.

الشبهة الرابعة : المعاد العنصري عود إلى الدنيا

إنّ الذكر الحكيم يصف المعاد بالنشأة الأُخرى أو دار العقبى وما شابههما ، يقول سبحانه : ( ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) (٢) وقال سبحانه : ( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَىٰ ) (٣) ويقول سبحانه : ( وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى

__________________

١. الغدير : ٨ / ٢١٤.

٢. العنكبوت : ٢٠.

٣. النجم : ٤٧.

١٢٠