🚘

نظريّة المعرفة

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

نظريّة المعرفة

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: مطبعة القدس
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
🚘 نسخة غير مصححة

والمكانة العلمية المرموقة ، تأثيراً في انبهار العيون وانجذاب النفوس إليها ، قهراً بلا اختيار. ومن الناس من يجعل المنزلة مقياساً للحق والباطل ، فإذا سمع كلاماً من شخصية بارزة يتلقّاه حقّاً بحجة أنّ قائله ذو مكانة اجتماعية أو مرتبة عالية. كما أنّه إذا تلقى كلاماً أو رأياً من فاقد تلك المنزلة ، لا يعطيه بالاً أو يجعله في خانة الشك والترديد ، وهذا من موانع نيل الواقع ومعرفة الحق والباطل.

فالواجب على كل متحرٍّ للحقيقة اجتناب هذه العادة الجارية بين السذج من الناس ، فإنّ الشخصيات الاجتماعية والعلمية ، مهما بلغت في درجات السلطة والوقار أو العلم والكمال ، ليست بمعصومة ، وإنّما العصمة تختص بالأنبياء وأوصيائهم (١) ، وأمّا غيرهم فيجوز عليهم الخطأ والاشتباه. فعليه أن ينظر إليهم بعين الاحترام والتوقير ، لا متابعتهم في المسائل العقلية والعلمية بلا دليل وبرهان ، فإنّ التبعية في هذه المجالات ، تُعْقِم العقول عن الإبداع ، وتُحَجِّر الطاقات الباطنية عن التفتح والازدهار. وإنّما ينظر إلى نفس الكلام ، بغض النظر عمّن صدر منه.

وفي التعاليم الإسلامية إيعاز إلى ذلك ، نذكر منه :

ـ ما روي عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أنّه قال : «أُنظر إلى ما قال ، ولا تنظر إلى من قال».

وما روي عنه عليه‌السلام عند ما سئل عن محاربته طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ، وهم أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيمكن أن يجتمعوا على باطل؟ فقال : «إنّك لملبوس عليك ، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال ، اعرف الحق تعرف أهله ، واعرف الباطل تعرف أهله» (٢).

وقد كان لانبهار عيون الشرقيين بإنجازات الغرب الصناعية ، تأثيرٌ كبيرٌ

__________________

(١) لأدلة تأتي في بحث النبوة العامة.

(٢) «علي وبنوه» ، للدكتور طه حسين ، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته ، المجلد الرابع : ٤٦٨ ، ط دار الكتاب اللبناني ، ١٩٣٩ م بيروت.

ويعلّق طه حسين على هذا الحديث بعد نقله بقوله : «وما أعرف جواباً أروع من هذا الكتاب ...».

٣٢١

في جمود قرائحهم ، وخمود طاقاتهم ، لما وقعوا فيه من إسارة التبعية والتقليد ، حتّى أنَّك ترى الشاب الشرقي يستدلّ على كل شيء بأقوال الغربيين ، ولا يُفْسح المجال لعقله ليتفحص عن صدقه أو كذبه.

و ـ المادية في الأخلاق : إنّ من المستحيل الفصل والتفكيك بين طريقة سلوك الفرد في حياته ، وطريقة تفكيره ، لأنّ بين العمل والفكر رابطة وثيقة ، فما يفكر به المرء ينعكس على عمله ، وما يعمله ويصرّ عليه يؤثّر في تفكيره أيضاً.

صحيح أنّ من الأفكار ما لا تأثير له على السلوك ، كالعلوم الرياضية والجغرافية مثلاً ، بيد أنّ هناك من الأفكار ما يستحوذ على وجود الإنسان بأسره. ويَصْبَغ سلوكه ، ويحدد مسيرته في الحياة. وذلك مثل معرفة الله والإيمان بوجوده ، فإنّ هذه المعرفة ليست مجرّد أفكار خاوية معزولة عن واقع الحياة ، لا شأن لها في السلوك ولا تأثير لها في الأخلاق والعمل ، بل هي معرفة تجرُّ وراءها أفكاراً ومعارف أُخرى تؤدّي بالإنسان إلى اتّخاذ مواقف معينة في الحياة.

فمن يعتقد بوجود الله تعالى ، ويؤمن بذلك يقيناً ، يجرّه هذا الاعتقاد حتماً إلى الاعتقاد بأنّه سبحانه خالق حكيم ، وقادر عليم ، خلق الحياة والكون لغرض وهدف ، وأوجد الإنسان لغاية وحكمة ، فلم يتركه سدى ، بل ألزمه بفرائض ، ونهاه عن أُمور. وهكذا ، في ضوء هذه الأفكار المتلاحقة المترابطة ، ينتهي المرء إلى أنّ يغيّر أسلوبه في الحياة ، وينحو منحًى يناسب تلك المعارف ، وتمليه عليه تلك الأفكار.

وهكذا العمل ، فإنّه يعمّق هذا الاعتقاد ويزيد من قوته في النفس ، ويعمّق آفاق المرء وإدراكاته في ذلك البُعد. فإذا تَرَكَ العمل بمقتضى اعتقاده ، ضَمُرَ ذلك الاعتقاد في وجوده ، وضاقت آفاقه ، واختفى من قلبه شيئاً فشيئاً.

إن وزان العقيدة والعمل الصالح ، وزان الجذور والسيقان والأغصان في الشجر. فكما أنّ تقوية الجذور مؤثرة في قوة الساق والأغصان ، وكمال الشجرة ، وجَوْدة ثمارها ، فكذلك تهذيب الساق والأغصان ورعايتها ، بقطع الزوائد عنها ، وتعريضها لنور الشمس ، مؤثّر في قوة الجذور.

إنّ الّذي ينطلق في ميادين الشهوات بلا قيود ، ويمضي في إشباع غرائزه إلى

٣٢٢

أبعد الحدود ، يستحيل عليه أن يبقى محافظاً على أفكاره واعتقاداته الدينية وقيمه الروحية.

إنّه كلّما ازداد توغلاً في المفاسد ، ازداد بعداً عن الاعتقاد بالعوالم الغيبية ، لأنّ ذلك الاعتقاد يمنعه عمّا يطلبه من الفساد والتمادي في العصيان (١) ، وهكذا يتحرّر عن تلك المعتقدات شيئاً فشيئاً ، حتّى يَنسَلِخَ منها ، وينبذها وراءه ظِهْريّاً.

وإلى هذه الظاهرة تشير الآية الكريمة بقولها : (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ) (٢) ، فجرّهم اقتراف المساوئ ، وركوب المفاسد ، إلى تكذيب آيات الله وشرائعه وأنبيائه.

وكما تؤثّر المادية الأخلاقية في ذوبان عقيدة المرء شيئاً فشيئاً ، وانحلاله من الاعتقاد بالرسالات السماوية ، ليصبح في المآل ماديّاً في تفكيره ، كذلك تكون صادّة عن حصول الاعتقاد من بَدْء الأمر ، وتكون مانعة عن نفوذ نور البرهان والدليل إلى القلب ، لما يدركه ذاك الإنسان ـ في صميم ذاته ـ من أنّ الخضوع لمفاهيم البراهين والأدلة ، لا ينسجم مع ما يطلبه من الانغماس في الشهوات ، وما هو واقع فيه من الفساد والانحراف. ولعلّه إلى هذا يشير قوله سبحانه : (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ* يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) (٣).

وبذلك تصبح المادية الأخلاقية رافعة للعقيدة تارة ، وصادّة عنها أُخرى ، فالأول في المعتنقين للأُصول الغيبية إذا جنحوا إلى المعاصي ، والثاني في الناشئين في أحضان المجتمعات الغارقة في الفساد إذا فوجئوا بمعلّمٍ مُصلحٍ يريد أن يهديهم ويقنعهم ، بالبرهان والدليل ، فيرفضون البراهين ومنطق العقل ، ويُوصدون بذلك باب المعرفة أمامهم.

* * *

__________________

(١) وتلقي المعاصي حُجُباً على قلوبهم تعميها عن معرفة الحق ، يقول تعالى : (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين : ١٤.

(٢) الروم : ١٠.

(٣) القيامة : ٤ و ٥. والمراد من فجوره أمامَه ، فجوره فيما يستقبل من أيام عمره.

٣٢٣

٢ ـ الموانع الداخلية للمعرفة

المراد من الموانع الداخلية ما قد يحتف ببعض موارد الاستدلال ، ويمنع من حصول العلم بالواقع وإدراك الحق كما هو ، ممّا لا ارتباط له بالعوامل النفسية.

والمانع الداخلي على قسمين :

أ. مانع عن معرفة الحق في مطلق العلوم.

ب. مانع عن معرفة الحق في المعارف العقلية بالخصوص.

أ ـ المانع في مطلق المعارف

إنّ ما يكون ساداً لباب المعرفة في مطلق العلوم ، حسيّها وعقليّها ، هو وجود الشبهة في الذهن ، خصوصاً إذا طرأت عن غير طريق الاستدلال. ولذا نرى أنّ السوفسطائيين قد حُبِسوا عن معرفة الواقعيات بأسرها ، لرسوخ الشبهة ـ الّتي قد عرفت ـ في أذهانهم ، فرفعوا عقريتهم بالإنكار والشك في أوضح البديهيات.

وقد يُظَنّ أنّ المغالطة أحد الموانع الداخلية لحصول المعرفة ، ولكنه غير تام ، لأنّ المغالطة صناعة يقوم بها أهل الصناعة للامتحان أو الإضلال ، وهذا لا يمت إلى الباحث المتحري للحقيقة ، بصلة ، حتّى يكون مانعاً عن المعرفة. هذا.

مع أنّ مرجع المغالطة إلى فقدان شروط الاستدلال ، فإرجاعها إلى فقدان الشرط أوْلى من إرجاعها إلى وجود المانع.

ب ـ المانع في المعارف العقلية

المانع عن معرفة الحق في المعارف العقلية ، هو سيطرة الوهم (١) على

__________________

(١) القضية الوهمية هي ما يحكم فيها على الموضوع العقلي بأحكام حسيّة. يقول الحكيم السَّبْزَوَاري :

مِنْ تِلكَ ما يُدعى بِوَهمياتِ

حُكْمٌ على العقليِّ بحسيّاتِ ـ

٣٢٤

العقل. فإنّ القوة الواهمة تسعى لصياغة كلّ أفكار الإنسان في قالب المحسوسات ، ومن المعلوم أنّ المعارف العقلية فوق الحسّ ، فمن غلبت عليه الواهمة ، ضعفت عقليته ، ولا تحصل له معرفة الحق في العقليات.

يقول الشيخ الرئيس (٣٧٠ ـ ٤٢٨ ه‍) : «اعلم أنّه قد يغلب على أوهام الناس أنّ الموجود هو المحسوس ، وأنّ ما لا يناله الحسّ بجوهره ، فغرض وجوده محال ، وأَنّ ما لا يتمحّض بمكان أو وضع بذاته ـ كالجسم ـ أو بسبب ما هو فيه ـ كأحوال الجسم ـ فلا حظّ له من الوجود».

ثمّ أخذ بالردّ عليه ، وقال : «وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس فتعلم منه بطلان قول هؤلاء ، لأنّك ومن يستحق أن يخاطَب ، تعلمان أنّ هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد لا على سبيل الاشتراك الصرف ، بل بحسب معنى واحد مثل اسم الإنسان. فإنّكما لا تشكان في أنّ وقوعه على زيد وعمروٍ بمعنى واحد موجود. فذلك المعنى الموجود لا يخلو : إمّا أن يكون بحيث يناله الحسّ ، أو لا يكون. فإن كان بعيداً من أن يناله الحسّ ، فقد أخرج التفتيش ، من المحسوسات ، ما ليس بمحسوسٍ ، وبهذا أعجب. وإن كان محسوساً ، فله لا محالة وضعٌ ، وأينٌ ، ومقدارٌ معين ، وكيفٌ معيّن ، لا يتأتى أن يحسّ ، بل ولا أن يتخيّل إلّا كذلك. فإنّ كل محسوس وكل متخيّل فإنّه يتخصص لا محالة بشيء من هذا الأحوال. وإذا كان كذلك ، لم يكن ملائماً لما ليس بتلك الحال ، فلم يكن مقولاً على كثيرين مختلفين في تلك الحال. فإذن الإنسان من حيث هو واحد الحقيقة ، بل من حيث حقيقته الأصلية الّتي لا تختلف فيها الكثرة ، غير محسوس ، بل معقول صرف ، وكذلك الحال في كل كلّي».

ويقول المحقّق الطوسي (٥٩٧ ـ ٦٧٢ ه‍) في شرحه : «يريد التنبيه على فساد قول من زعم أنّ الموجود هو المحسوس وما في حكمه (١). وهم المشبّهة ومن يجري مجراهم ، ممن يذعن لقوته الوهمية الحاكمة على ما ليس من شأنه أن يكون

__________________

 ـ كالقَبْلِ في المجرّدِ زماني

والفَوْقُ وَضْعيٌ كذا مكاني

فإذا قيل : المجرّدات قبل الماديات وفوقها ، يَتَصوَّرُ أنّه قَبْلٌ زمانيٌّ ، وفوقٌ مكاني.

(١) يعني الجواهر.

٣٢٥

محسوساً ، حكمها على المحسوسات ... ثمّ قال : إنّ المحسوس هو ما له مكان أو وضع بذاته ، وهم إمّا جسم أو جسماني ، هم ينكرون وجود ما لا يكون جسماً أو جسمانياً. والشيخ نبّه على فاسد قولهم بوجود الطبائع المعقولة من المحسوسات ، لا من حيث هي عامة أو خاصة ، بل من حيث هي مجرّدة عن الغواشي الغريبة من الأين والوضع والكم والكيف. مثلاً كالإنسان من حيث هو إنسان ، الّذي هو جزء من زيد ، أو من هذا الإنسان. بل كل إنسان محسوس ، وهو الإنسان المحمول على الأشخاص ، فإنّه من حيث هو هكذا موجود في الخارج ، وإلّا فلا تكون هذه الأشخاص أُناساً. ثمّ إن كان محسوساً ، وجب أن يكون الإحساس به من لواحق معينة ، كأينٍ ما ، ووضعٍ ما ، متعينين ، وحينئذٍ يمتنع أن يكون مقولاً على إنسان لا يكون في ذلك الأين وعلى ذلك الوضع ، فلا يكون المشترك فيه مشتركاً ، هذا خلف. وإن لم يكن محسوساً ، فها هنا موجود غير محسوس ، وهو الموجود المعقول» (١).

ولأجل ذلك نرى أنّ الممارسين للعلوم الطبيعية قلّما يتأمّلون في الأُمور العقلية ، فإنّ تلك الممارسة توجد فيهم ملكة لزوم صبِّ كل موجود في قالب المحسوس ، فإذا سمعوا بوجود عوالم غيبية ، أو معجزات خارجة عن قوانين الطبّ والفيزياء ، تلقوه بغرابة ، وأَحاطوه بالشك والاستفهام ، إن لم يكن بالخرافة والجنون. ولكنهم لو أمعنوا في نفس العلوم الطبيعية الّتي يمارسونها ، لوجدوها عملة ذات وجهين : الأوّل هو ما يمارسونه من النظم والعلاقات المادية ، والثاني هو ما يدعو إليه رجال الدين والمعرفة العقلية من عالم الغيب.

يقول الحكيم السبزواري في معرض تبيينه لشدّة تأثير القوة الواهمة في حياة الإنسان وأفكاره :

فالوهم تابعٌ ذَوي الأوْضاع

يَحْسَبُ نورَ القاهِرِ الشعاعِ

يريد أَنّ الوهم يتعلّق بالحواس والمحسوسات إلى حدٍّ يحسب معه الإنسان أنّ

__________________

(١) لاحظ ما ذكرناه من كلام الرئيس والمحقق في شرح الإشارات : ٣ / ٢ ـ ٦.

٣٢٦

نور القاهِر ـ أي نور العقل المفارق (١) ـ هو أيضاً نور حسيّ. وإذا أُطلق عنده نور الأنوار(٢) ، فهو يتصور أنّه نور حسيّ ، قال سبحانه : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٣).

بل قلّما تجد إنساناً لا يخاف من ميّت مع علمه بأنّه جماد ، أو يخاف من الظلمة مع أنّها عدم محض لا تأثير له ، يقول الحكيم السبزواري :

يخاف من ميِّتٍ جمادٌ عادَلَه (٤)

وَغَسَقٍ ، والسَّلْبُ لا تأثير له (٥)

فإذا كان هذا دور القوة الواهمة في الحياة ، فكيف بها إذا وردت مجال العقليات. ولذا يلزم كل متحرٍ للحقيقة أن يفك عقله من إسارة الوهم ، ويعطي للوهم مجاله الخاص به ، وللعقل مجاله كذلك ، ولا يرخِّص للوهم أن يدخل في مجال العقل ومحيط العقليات.

__________________

(١) أي المجرّد.

(٢) أي الخالق تعالى.

(٣) النور : ٣٥.

(٤) أي والحال أنّ الميت يعادل الجماد

(٥) المنظومة قسم المنطق : ١٠٢. قال الشيخ الأستاذ دام ظله : «وقد كان سيدنا الأستاذ الإمام الخميني رحمه‌الله ، يمثّل لتمييز العلم عن الإيمان ، بهذا المثال ويقول بأنّ الخائف عالمٌ بأنّ الميت لا يضرّ ولكنه غير مؤمن بذلك ، ولو آمن لبات عنده بلا خوف. وهذا بخلاف الغسّال ، فإنّه ـ لكثرة ممارسته ـ عالم ومؤمن بأنّ الميت لا يضرّ شيئاً ، ولأجل ذلك يغسّله وحده ويبيت معه وحده».

٣٢٧
٣٢٨

الفصل الثاني عشر

الرابطة بين الحكمة النظرية

والحكمة العقلية

٣٢٩
٣٣٠

الفصل الثاني عشر

ما هي الصلة بين الحكمة النظرية والحكمة العملية؟

قد وقفت في الفصل الثاني على أنّ المعرفة تنقسم إلى معرفة نظرية (علمية) ومعرفة عملية ، وأنّ ما يدركه الإنسان يدور بين معلومات وأفكار ليس لها شأن سوى أن تُدرك ، ومعلومات وأفكار أُخرى من شأنها أن يعمل بها وتُجرى في حياة الإنسان.

والأوّل يشمل مسائل الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضية كلِّها ، فإنّ المُدْرَكات فيها من شأنها النظر فيها والاعتقاد بها فحسب ، ولا تتطلب عملاً بها وإتياناً لها.

والثاني يعمّ الأخلاق ، وما يرجع إلى المجتمع الصغير والكبير ، أعني تدبير المنزل وسياسة المدن ، فإن هذه المُدْرَكات من شأنها أن يعمل بها ، وتتطلب تطبيقها في الحياة.

وعلى ضوء ذلك ، فإدراك ما في الوجود من موجودات ـ ماديّة كانت أم مجرّدة ـ وما تتصف به ، وما تنقسم إليه ، وما يسودها من نُظُمٍ وعلاقات ، كلُّه من الحكمة النظرية ، ويقف عليه الإنسان بسبر الوجود والكون ، كلٌّ بما يوحيه إليه عقله ، وتناله قدراته الذهنية.

كما أنّ إدراك ما يرجع إلى عمل الإنسان وسلوكه في حياته الفردية والاجتماعية ، والحكم عليه بالوجوب أو التحريم ، يُعَدُّ حِكْمَة عملية. فما نقوله

٣٣١

من أَنَّ العدلَ حَسَن ، والظلمَ قبيح ، وعَوْنَ الضعيفِ حَسَن ، والركونَ إلى الظالم قبيح ، مُدْركاتٌ من شأنها تطبيقها في الحياة (١).

إذا وقفت على الفرق بين الإدراكيين (٢) يقع الكلام أولاً في أنّه هل هناك صلة وعلاقة بينهما ، أو لا؟ وعلى فرض وجودها ، فهل الإدراكات النظرية علّة تامّة لاستخراج الحِكَم العملية ، أو أَنّها ليست كذلك؟ هاهنا نظريات ثلاث :

١. وجود رابطة وثيقة بينهما ، وأنّ مَثَل الإدراكات العلمية بالنسبة إلى العملية ، مثل العلل التامّة إلى معاليلها.

٢. إنّ بينهما ارتباطاً بنحو المقتضي. فالحِكَم النظرية ليست علّة تامّة للعملية بل يتوسط بين الإدراكين أُمور أُخرى ربما تفرض على الإنسان تطبيق حياته وفق ما يدركه من السنن السائدة على الكون ، وربما تصدُّه عن اقتفائها وتطبيق عمله عليها.

٣. لا ارتباط أصلاً بين الحكمتين.

وإليك بيان هذه النظريات ومناقشتها.

* * *

النظرية الأُولى : الحكمة العملية تنطلق من الحكمة النظرية

يقول أصحاب هذه النظرية : إنّ ما يدركه الإنسان من عالم الوجود

__________________

(١) ويرجع لُبُّ الحكم بالحُسْن أو القُبْح إلى الحكم بلزوم الإتيان ، أو لزوم عدمه. فهنا إدراك باللزوم فعلاً وتركاً.

(٢) نضيف هنا بأنّ كلَّ ما يعتقده الإنسان من مبادئ وعقائد حول الوجود والكون ، وما يعتقده المسلم حول الصانع تعالى ، وصفاته ، وأفعاله ، الّتي يطلق عليها أُصول الدين ومبادئُهُ ، هي من الحكمة النظرية.

وما يلتزم به السياسيون والحزبيون من أُصول خاصة يطبّقونها على أحزابهم وبلدانهم ، أو ما فرض على الموحدين من شرائع ، كلُّها من الحكمة العملية. نعم ، تختص «الحكمة العملية» بما يدركه العقل ـ باستقلاله ـ في مجالات الحياة ، ولكنها تُطلق ـ توسعاً ـ على ما نزل به الوحي السماوي من إلزامات وتحريمات ومستحبات ومكروهات ومباحات.

٣٣٢

والكون ، وما يقف عليه من قوانين وسنن سائدة فيه ، هي القدوة والأُسوة لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية ، ومنها يجب أن تنطلق جميع آرائه فيما ينبغي عليه تطبيقه في شئونه العملية المختلفة. وما هذا إلّا لأنّ الإنسان جزء من الطبيعة ، ليس أجنبياً عنها ، فيجب أن يسود حياته ما يسود الطبيعة بأسرها من سنن ونواميس.

وقد تبنّى هذه النظرية كارل ماركس (١) (١٨١٧ ـ ١٨٨٣ م) ورفيقه فردريك إنجلز(٢) (١٨٢٠ ـ ١٨٩٥ م) متأثرَيْن من الأُصول الّتي أَسسها فردريك هيجل (٣) (١٧٧٠ ـ ١٨٣١ م) فيما يعرف ب «المفهوم الفلسفي للعالم» وهذه الأُصول (٤) هي :

١. حركة التطور : ويراد به أنّ المادة وكلَّ ما في الكون ، من أصغر أجزائه إلى أعظمها ، في حالة تبدّل وتغيّر مستمرّين.

٢. تناقضات التطوّر : ويراد به أنّ جميع ما يحصل في الكون من تبدّل وتغيّر وتكامل ، ينشأ نتيجة لصراع داخلي في جوهر الأشياء بين جانب السلب (٥) وجانب الإثبات (٦) ، ثمّ يتولد من هذا الصراع شيء ثالث (٧) ، هو الصورة المتكاملة للشيء (٨).

__________________

(١) xraM lraK. آلماني.

(٢)slegnE hcirdeirF. آلماني.

(٣)legeH hcirdeirF. آلماني.

(٤) وتعرف بمبادئ الجدل أو الديالكتيك تزcitcelaid.

(٥)eseht :.

(٦)es\'ehtitna : أنتي تِز.

(٧)esehtnys : سينتِز.

(٨) وقد مثّلوا لذلك بأمثلة متعددة : منها أنّ حبة الحنطة إذا وُضعت تحت التراب ، وسقيت بالماء ، ينشأ في صميم ذاتها صراع بين ما يريد نفي وجودها ، وما يريد ثباتها وبقاءها ، فيتولد من هذا الصراع تفتّح الحبة. ثمّ نموها واخضرارها ولا تزال تتطور في ظل هذا الصراع حتّى تصير نبتةً متكاملة وتنتج حاصلها.

وهكذا البيضة ، فإنّها تحمل في صميمها ما يضادها ، وبعد صراع بين الإثبات والنفي ، يتولد الفرخ.

٣٣٣

٣. قفزات التطور : أو انتقال التبدلات الكمية إلى النوعية ، ويراد به أنّ التغيرات التدريجية في الكم ، ستنتهي إلى تبدّل فجائي آنيّ تحصل على إثره كيفية جديدة للمادة (١).

٤. الارتباط العام : أو العلاقات المتبادلة بين الظواهر الطبيعية ، ويراد به أنّ الطبيعة شيء واحد متماسك ، ترتبط فيه الأشياء فيما بينها ارتباطاً عضوياً وثيقاً ، بحيث يكون بعضها شرطاً لبعضٍ بصورة متقابلة.

هذه هي الأُصول الّتي تبنّاها ماركس وانجلز ، وبَنَيا عليها نظريتهما هذه القائلة بانطلاق العمل من الفكر.

يقول ماركس : «ليست حركة الفكر إلّا انعكاساً لحركة الواقع منقولة ومحوّلة في مخّ الإنسان» (٢).

تحليل هذه النظرية

يلاحظ على هذه النظرية أُمور :

١. إنّ الإنسان يمتاز عن الطبيعة ، وما فيها ، بالإرادة والاختيار. فإنّ الطبيعة بأسرها تخضع لقوانين وضوابط تسيّرها ، ليس بإمكانها الانفكاك عنها وخرقها ، بلا فرق بين جمادها ونباتها وعجماواتها ، بينما الإنسان موجود حرّ مستقل يختار من السنن الطبيعية ما يراه ملائماً لمصلحته الفردية والاجتماعية وينبذ ما يراه مخالفاً لها ولفطرته السليمة. وإلزامه بما في الطبيعة نوع من الجبر.

ويمكننا أن نلاحظ ذلك في الأصل الّذي تبنّاه الماركسيون ، أعني قفزات التطور ، وانتقال التغيّرات الكميّة إلى حالة كيفية جديدة ، انتقالاً آنياً ، حيث إنَّهم استفادوا منه لزوم حصول الثورات في المجتمعات البشرية بشكل دائم

__________________

(١) ويمثلون لذلك بأنّ الماء عند تسخينه ، ترتفع درجة حرارته رويداً رويداً ، ويحصل بذلك تغيّرات كمية بطيئة ، حتّى تصل حرارته إلى درجة معينة هي مائة مئوية ، فينقلب عندها من حالة السيلان إلى حالة البخارية ، فتحصل كيفية جديدة في الشيء.

(٢) المادية والمثالية في الفلسفة : ٨٣.

٣٣٤

ومستمر ، أُسوةً بتلك السنّة الطبيعية ، وأنّ التكامل الاجتماعي لا يتحقق إلّا في ظلّ هذه الثورات الّتي هي انتقال دفعي من حالة إلى أُخرى.

ولكن هذه النظرة باطلة جداً ، بل الإنسان الحرّ ينظر إلى المجتمع ، فإن كان غارقاً في الفساد الإداري ، والاستبداد والظلم ، حكم بلزوم قَلْبه وتغييره وتأسيس نظام عادل جديد ، وأمّا إذا كان المجمع مستقراً ، والفساد فيه سطحياً ليس مستشرياً في الجذور ، وكان المصلحون وأصحاب الهمم العالية متواجدون في جميع أجهزة الحكومة ، فلا ريب أنّ تكامله رهن الإصلاح الهادي والتدريجي ، لا الدفعي. فالدواء ليس هو الثورة ، بل الإصلاح ولو بدونها.

وهذا يثبت اختيار الإنسان وحريته ، وأنّه ليس مكتوف اليدين أمام الطبيعة وسننها ، بل له موقف انتخاب الأصلح له ولمجتمعه.

٢. إنّ الذين تبنّوا علّية السُّنن الطبيعية للحِكَم العمليّة ، إنّما تبنّوا ذلك ليبرروا إيديولوجيتهم (١) وأفكارهم الثورية ، فوجدوا في هذه النظرية ، مضافاً إلى أصل «قفزات التطور» من أُصول الديالكتيك الهيجلي ، خير غطاء لإعطاء الشرعية لثورة البروليتاريا (الطبقة العمالية) على الرأسماليين والإقطاعيين. فلم تكن إيديولوجيتهم منطلقة من النظرة العامة إلى الكون ، بل كانت الإيديولوجية المتبناة مسبقاً عندهم ، سبباً لأن يتبنوا تلك النظرية ، وينتخبوا ذلك الأصل المزعوم.

وليست هذه الطريقة بدعاً لديهم ، بل هي ديدن أصحاب الضلالات الأباطيل عبر العصور ، فإنّ ضلالاتهم إنّما تجذب إليها الأفئدة والنفوس ، إذا اتّخذت لنفسها واجهة علمية ، ولبست لباساً منطقياً ، وصُبغت بصبغة الحق.

__________________

(١) الإيديولوجية (ygoloedi (كلمة (oedi (بمعنى الفكر ، (ygol (بمعنى العلم والمعرفة. وكانت سابقاً تطلق على كل ما يحمله الفكر الإنساني من عقائد وعلوم ومعارف ، ولكن هذا الاصطلاح تطور لاحقاً وصار يطلق أخيراً على كل ما يتبناه الإنسان في حياته الاجتماعية والسياسية ممّا يلزمه العمل به لأجل حياة أفضل. وشاع إطلاقها على برامج الحزبيين والسياسيين وآرائهم الّتي يدّعون أنّ السعادة في إجرائها. فلو أُطلق في هذه الأيام ، فلا يراد إلّا هذا المعنى الأخير ، وعليه جَرَيْنا في الاستعمال.

٣٣٥

وقد أشار إلى ذلك الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام بقوله : «لو أَنَّ الباطلَ خلص من مزاج الحق ، لم يَخْفَ على المرتادين. ولو أَنَّ الحق خلص من الباطل ، انقطعت عنه ألسنة المعاندين ، ولكن يُؤخذ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضِغْثُ ، فيمزجان» (١).

٣. لو صحّت هذه النظرية ، لجاز لنا أن نطبق على حياة الإنسان كل ما نستشكفه من السنن الجارية في الطبيعة ، وهذا يؤدّي إلى نتائج وخيمة لا يمكن أن يرضى بها عاقل.

مثلاً : لو وجب أن تكون الإيديولوجية انعكاساً لما يجري في الطبيعة ، لكان اللازم اتّخاذ ناموس تنازع البقاء وناموس الانتخاب الطبيعي ـ الذين هما من الأركان الأربعة لنظرية النشوء والارتقاء في مذهب داروين (٢) (١٨٠٩ ـ ١٨٨٢ م) ـ أُسوة في الحياة.

ونتيجةُ اعتماد إيديولوجيةٍ محاكيةٍ لهذين الناموسين ، هي لزوم إبقاء فتيل الفتن والحروب بين الضعفاء والأقوياء ، مشتعلاً ، بشكل دائم ومستمر ، حتّى يتغلّب الأقوياء على الضعفاء. ولا لَوْم على أي مجرم يُشعل حرباً ضروساً ، ويُهلكُ الحَرْث والنسل ، ويعذِّبُ البشريةَ ، ويدمر الحضارة لأنّ ذلك واجب : سنة عمليةً محاكيةً للسنة النظرية!!. هذا ما لا يقبله عاقل ، ولا يرضاه ضميرٌ حيٌّ.

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة (٥٠).

(٢)niwraD. انكليزي.

والأُصول الأربعة الّتي بنى عليها نظريته في نشوء الكون وارتقائه هي :

١. ناموس تنازع البقاء ، ويعني أنّ هناك كفاحاً مستمراً بين أفراد الأحياء (أي الحيوانات) لأجل البقاء.

٢. ناموس الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح ، ويعني أنّ من امتلك صفات تؤهله للغلبة والبقاء ، كُتب له البقاء ، ومن لم يمتلك ما يؤهله لذلك انقرض وفنى. وبهذا يؤدّي الانتخاب الطبيعي ، الّذي يحركه الصراع للبقاء ، إلى بقاء الأصلح.

٣. ناموس الوراثة ، وهو انتقال الصفات بالوراثة إلى الأخلاف.

٤. ناموس الملاءمة للبيئة ، ويعني أنّ التغيّرات الحاصلة في الكائن الحي ، تفرضها عليه البيئة.

٣٣٦

ونضيف أخيراً : كما أنّ إجراء قوانين الطبيعة الصمّاء على الإنسان وإلزامه بأن يتّخذها أُسوةً وقدوةً له في حياته ، أمرٌ باطل لا ينسجم مع طبيعة الإنسان ؛ فهكذا إجراء حكم الإنسان على الطبيعة ، وتصوير مجموع العالم بصورة إنسان كبير ، ذي قلبٍ ودماغٍ وكبد وسائر أعضاء الإنسان ، كما ذهب إليه بعض قدماء الحكماء عند بيان أنّ العالَم إنسانٌ واحد ، وله إلهٌ واحدٌ ، فإنَّه تشبيهٌ محضٌ ، وخَيالٌ صِرْف ، ليس له أَيّةُ لمسة من الواقع والحقيقة. يقول الحكيم السَّبْزَواري :

إنّ السماءَ كلَّها أحياءُ

والشمسُ قَلْبٌ غيرُها الأَعضاءُ

وقال في شرحه : إنّ القلب الصنوبري في الإنسان الصغير ، أشرف الأعضاء ، وله الرئاسة ، كذلك الشمس في الإنسان الكبير ، سيد الكواكب ، وله الرئاسة على كل الاجسام ، وغيرها الأعضاء الأُخر للإنسان الكبير من الرئيسة والمرءوسة (١).

وحصيلة البحث أنّ الأخلاق والقوانين الحاكمة على المجتمعات الصغيرة والكبيرة ، الّتي عليها تكاملها ، لا يمكن أن تمليها الطبيعة الصمّاء على الإنسان ، بل يمليها عليه عقله وتجربته ، فما كان مفيداً لحاله وحال مجتمعه ، يقتبس منه ، وما كان ضاراً له ، يرفضه (٢).

* * *

النظرية الثانية : تأثير الحكمة النظرية في العملية بنحو المقتضي

هذه النظرية هي النظرية المعتدلة بين من يعتقد بأنّ الحكمة العملية تستنتج من النظرية وأنّ وزان الثانية إلى الأُولى وزان العلة إلى المعلول ، وبين من ينفي أيّة

__________________

(١) شرح المنظومة ، لشارحها : ١٤٦. وذكر في هامشه تشبيهاً لكل من السيارات السبع بعضو من أعضاء بدن الإنسان ، فلاحظ.

(٢) أشرنا في أفصل شرائط المعرفة وموانعها إلى سقوط الماركسية فكراً وقانوناً وأخلاقاً ، وما ذلك إلّا لكونها مبنية على قوانين الطبيعة ـ الّتي زعموها ـ ومنافاتها للفطرة ، وعدم صلاحيتها للإنسان. ومثلها ستكون عاقبة كلّ السياسات والمخططات الحزبية والقوانين الوضعية المأخوذة من الطبيعة ولا تلائم الإنسان.

٣٣٧

صلة أو ارتباط بين الحكمتين ويقول بأنّه لا رابطة بين القضايا الّتي تحكي عن وجود الأشياء وعدمها ، والقضايا الّتي تَفْرُض على الإنسان فِعْلَ شيء أو تركه. وبتبيين هذه النظرية الوسط، يُعلم بطلان النظرية الثالثة ، ولا حاجة بعده إلى مناقشتها.

ولتوضيحها نقدّم مقدمة :

تشترك قضايا الحكمة النظرية والحكمة العملية في انقسامها إلى ضرورية وكسبية. والبرهان الدالّ على لزوم انتهاء القضايا الكسبية إلى الضرورية ـ وهو دفع محذور الدور والتسلسل (١) ـ مشترك بين الحكمتين.

فكما أنّ امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما من القضايا البديهية ، بل أبدهها وأوضحها في الحكمة النظرية ، فكذلك هناك قضايا بديهية في الحكمة العملية ، وِزانها في الوضوح والبداهة ، وِزانَ أُمِّ القضايا في الحكمة النظرية ، وتلك مثلُ : حُسْنِ العدل ، وقُبْحِ الظُّلم ، فإنّ بداهتهما في مجال العمل ، ليست بأقلّ من بداهة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما في مجال الفكر.

وكما أنّ في الحكمة النظرية قضايا غيرَ واضحةٍ من النظرة الأُولى بل تحتاج في تصديقها والإذعان بها إلى إرجاعها إلى قضايا بديهية واضحة ، بالبرهنة والاستدلال ، فكذلك الأمر في الحكمة العملية ، فإنّ فيها قضايا أخلاقية وحقوقية غير واضحة ، بل تحتاج إلى الاستدلال والبيان ، فلاحظ القضيتين التاليتين :

ـ يجب أن نعمل لنعيش.

ـ أَحْسِن لمن أساء إليك.

تجد الأُولى واضحة ، لا تحتاج إلى عناء لتصديقها ، بينما الثانية تحتاج إلى الاستدلال والبرهان حتّى يُذْعَنَ بصدقها ، ولذلك قال سبحانه : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (٢).

__________________

(١) بيان ذلك : لو كانت جميع القضايا مكتسبات ، غير منتهية إلى قضايا بديهية بالذات ، فإمّا أن لا ينقطع ذلك التوقف ، فيلزم التسلسل. أو ينقطع ولكن يتوقف آخر القضايا على أولها ، فيلزم الدور. فلم يبق إلّا الإنقطاع عند قضايا بديهية بالذات.

(٢) فصلت : ٣٤.

٣٣٨

مثال آخر : يقول الإلهيون في مجال الحكمة العملية :

١. يجب معرفة الله.

٢. يجب إطاعته.

٣. يجب عبادته (١).

فهذه الواجبات الثلاثة عند الإلهي ، ليست في وضوح : «العدل حَسَنٌ» ، أو «اعمل لتعيش» ، ولذلك يستدلّ عليها الإلهيون ويوضحونها بالبراهين (٢).

ومن هنا يتبيّن أنّ الفرائض الأخلاقية والاجتماعية والسياسية إمّا واضحة بالذات يحكم العقل فيها بالوجوب والتحريم استقلالاً ، وإمّا قضايا نظرية تنتهي إلى البديهية.

إذا عرفت ذلك ، فلنرجع إلى ما نحن فيه من تأثير القضايا النظرية في القضايا العملية على وجه المقتضي ، فنقول :

إنّ دور الحكمة النظرية في استنتاج الإيديولوجيات ، إنّما هو تعيين الموضوع ، والتركيز على الصغرى ، وأمّا الكبرى ، فهي حكمة عملية ، إمّا واضحة بالذات أو منتهية إلى ما هو واضح بالذات. ولنستوضح ذلك بمثال :

نقول : ـ الله ، هو المنعم.

ـ وكل منعم ، يجب شُكْرُه.

فنستنتج : الله ، يجب شكره.

فالنتيجة حكمةٌ عملية ، متوقفةٌ على صغرى وكبرى ، ولا يمكن الاستنتاج بواحدة منهما فقط ، بل لكلٍّ منهما دور في إبصار النتيجة نور الوجود.

فالصغرى حكمة نظرية تعطي الموضوع وتعيّنه. وهي تَثْبُت في ضوء

__________________

(١) الإطاعة أعم من العبادة ، فالقيام ببعض المعنونات الشرعية في الحياة ، كالمشي عن يمين الطرقات ، طاعة لحكم الله تعالى ، ولكنه ليس عبادة له ، وقد أوضحنا ذلك في تقريراتنا لبحوث الأستاذ ـ دام ظله ـ في علم أصول الفقه ، عند البحث في التعبدية والتوصلية.

(٢) سنذكر بعض براهين وجوب المعرفة في المقدمات الأصولية العامة ، وسنذكر في «الإلهيات» أدلّة وجوب الطاعة والعبادة ، في بحثي التوحيد في الطاعة والتوحيد في العبادة.

٣٣٩

البراهين العقلية الدالّة على أنّ كل ما في الوجود منتهٍ إليه تعالى ، وهو المعطي والمفيض له.

ومن المعلوم أنّ الصغرى لا تحمل حكماً ، لا إيجابياً ولا سلبياً ، ولا تفرض على الإنسان شيئاً ، وإنّما هي نظرة فلسفية إلى الكون والوجود تكشف عن بعض حقائق هذا العالم الإمكاني ، وهو انتهاؤه إليه سبحانه.

وأمّا الكبرى ، فإنّها هي الّتي تحمل الحكم بصورته الكلية. ففيها الحكم البات بأنّ شكر المنعم ـ كائناً من كان ـ واجب ، وهذا حكمة عملية ، إمّا واضحة بالذات ، أو منتهية إلى ما هو كذلك.

وفي ظلّ هاتين القضيتين ، يصل الإنسان إلى تبنّي حكم مفروض عليه ، جزئيٍّ بالنسبة إلى الحكم الموجود في الكبرى ، وهو أنّه سبحانه يجب شكره.

فظهر من ذلك أنّا إذا نفينا كلَّ دورٍ للحكمة النظرية والمفاهيم الفلسفية الكلية ، في استنتاج الإيديولوجيات ، فقد أَجحفنا في الحكم ، لما قلنا من أنّ النتيجة وليدة الصغرى والكبرى معاً ، ولا تكفي واحدة منهما.

وإذا قلنا بأنّ الحكمة النظرية الّتي أدركناها ، علة تامة للنتائج العملية ، الأخلاقية والاجتماعية ، فقد أجحفنا ـ أيضاً ـ في الحكم ، لما عرفت من أنّ المفاهيم المُدْرَكة من الكون ، لا تلزم الإنسان بشيء ، ولا تدفعه إلى فعل من الأفعال.

وأمّا لو قلنا بأنّ لكل من الحكمتين تأثيراً في تبنّي النتيجة ، فالقضية الأُولى تعيّن الموضوع وتشرحه من المنظار الفلسفي ، والقضية الثانية تعرب عن حكم كلّي وسيعٍ شاملٍ لموضوع النتيجة وغيره. وفي ظل هاتين القضيتين يصل الإنسان إلى حكم خاص ، وهو إيديولوجية إلهية يتبناها الموحِّدون.

ومن هنا يتبين أنّ ما من حكم عملي كسبي يفرضه العقل على الإنسان ، إلّا وفوقه حكم عقلي عملي كلّي ، يمهّد لاستنتاج ذاك الحكم الجزئي ، بحيث لو لا الكلّي ، لصار القياس عقيماً.

هذا هو الحق الّذي يجب أن نتخذه مقياساً لسائر الموارد ، ولأجل زيادة

٣٤٠