🚘

نظريّة المعرفة

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

نظريّة المعرفة

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: مطبعة القدس
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
🚘 نسخة غير مصححة

الفصل التاسع

هل المعرفة مجرّدة أو ماديّة؟

أثبتت التجارب والمشاهدات العلمية أنّ المادة الخارجية تؤثّر في الأعصاب عن طريق الحواس ، وأنّ الإنسان إذا استعمل إحدى حواسه ، بأن أطل بنظره على الموجودات ، أو لمس بيده شيئاً ، أو استمع إلى مقال قائل ، وهكذا ... ، يحدث بنتيجة ذلك أثر ماديّ في الأعصاب والخلايا الدماغية. وهذا الأثر المادي يدور وجوده وعدمه مدار إعمال الحواس وعدمه ، فإذا توقف الحسّ عن العمل انعدم الأثر ، وإذا انطلق تجلّى الأثر في الدماغ ومحالّ الإدراك.

ولكن هل حقيقة العلم والإدراك هو ذاك الأثر المادي البارز في الأدمغة عند حصول الإدراك ؛ أو أن العلم والإدراك شيء وراء ذلك ، ولا تكون تلك الطوارئ المادية سوى معدات لحصول الإدراك والعلم؟

هذا هو السؤال الّذي نجيب عنه في هذا الفصل ، وفي هذا المجال اتجاهان متغايران :

فالماديون ـ بما أنّهم يرون الوجود مساوياً للمادة ـ يقولون بأنّ العلم هو نفس الآثار المادية الظاهرة في المراكز الإدراكية عند الإدراك.

وأمّا الإلهيون ـ الذين أقاموا براهين دامغة على أنّ الوجود أعمّ من المادة ، وأنّه ينقسم إلى مجرّد ومادي ـ يقولون : إنّ العلم شيء وراء ذلك الأثر ، وإنّ له وجوداً خاصاً غير مادي. وإليك فيما يلي البراهين الّتي أقاموها على تجرّد

٢٨١

المعرفة (١).

أدلة تجرّد المعرفة

الدليل الأول ـ استحالة انطباع الكبير في الصغير

لا شك أنّ كل واحد منّا يدرك صورة الموجودات العظيمة ويتصورها بما لها من الحجم والمقدار ، كالسماء المترامية ، والجبال الشاهقة ، والسهول الفسيحة ، هذا من جانب.

ومن جانب آخر ، إنّ من المستحيل انطباع الصور الكبيرة في المحالّ الصغيرة ، لأنّ المحل يجب أن يكون أوسع من الحالّ أو مساوياً له.

فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يمكن القول بأنّ العلم هو نفس الأثر البارز في الدماغ ، فإنّ الدماغ المادي يستحيل أن يستوعب صور الأشياء العظيمة ، الّتي قد ترقى نسبتها إليه ، إلى نسبة أعظم الجبال إلى الذرة؟!

فلا بدّ ـ إذن ـ من وجودٍ مجرَّدٍ وراء هذا الدماغ المادي ، هو الّذي يشكل حقيقة العلم ، وإدراك الأشياء.

قال صدر المتألهين : إنّا نتصور جبالاً شاهقة وصحاري واسعة مع أشجارها وأنهارها وتلالها ووهادها ، ونتصور الفلك والكواكب العظيمة المقدار. فلو كان محل هذه الأشياء مقدم الدماغ ، لوجب أن تحصل تلك الأُمور فيه ، فإنّه شيء قليل المقدار والحجم ، وانطباع العظيم في الصغير ممّا لا يخفى بطلانه.

ولا يكفي الاعتذار بأنّ كليهما يقبلان التقسيم إلى غير النهاية ، فإنّ الكف لا تسع الجبل وإن كان كل منهما يقبل التقسيم لا إلى نهاية(٢).

__________________

(١) وقد بحث الإسلاميون عن تجرّد المعرفة تارة مستقلاً وأخرى تبعاً للبحث عن تجرّد النفس. فالأول ما يجده الباحث عند بحثهم عن تقسيم الوجود إلى الذهني والخارجي ، فلاحظ الجزء الأوّل من الأسفار : ٢٩٩ ـ ٣٠٢ ، وشرح منظومة الحكيم السبزواري ، لناظمها : ٢٣ ـ ٣٢. وأمّا الثاني فلاحظه في الأسفار : ٣ / ٤٧٥ ـ ٤٨٧. وج ٨ / ٢٦٠ ـ ٣٠٣.

(٢) المراد التقسيم العقلي لا الحسيّ ، وهذا هو المراد من بطلان الجوهر الفرد أي الجزء الّذي لا يتجزّأ.

٢٨٢

فلا محيص عن القول بأنّ ما في مقدّم الدماغ ، مظاهر معدّة لمشاهدة النفس تلك الصور والأشباح في عالم المثال الأعظم ، كما هو رأي شيخ الإشراق تبعاً للأقدمين من حكماء الفرس والرواقيين ، أو أسباباً وآلات للنفس بها تفعل تلك الأفعال والآثار في عالم مثالها الأصغر ، كما ذهبنا إليه(١).

إجابة الماديين عن الاستدلال

اعترضوا على هذا الاستدلال ، بما اثبتته الأبحاث العلمية الحديثة. وإليك حاصلها :

لقد أثبتت العلوم التشريحيّة أنّ النظام السائد على الجهاز البصري ، هو نفس النظام السائد على آلة التصوير. فإنّ الأشعة المنعكسة من المرئي إلى العين تقع على عدستها ، فتنكسر ، وتمرّ بعدة طبقات حتّى تصطدم بالشبكية في مؤخر العين ، فتنطبع صورة المرئي ـ مصغّرة ـ على الشبكية ، ولكن بما للمرئي من نسب بين أجزائه الخارجية ، ثمّ تنتقل الصورة ـ بتلك النسب ـ عبر الأعصاب إلى الدماغ ، الّذي يقوم بتفسير تلك النسب ومقايستها ، ثمّ يحكم بصغرها أو كبرها.

فالصغر والكبر ـ إذن ـ إنّما هما من الأحكام العقلية الّتي يقف عليها العقل بالمقايسة.

وأمّا ما هو مبدأ القياس في ذلك ، فلعلّه بدنُ الإنسان المُدْرِك نفسُه ، الّذي يمكنه الوقوف عليه عن طريق المسح باليد وغيره.

وعلى هذا الأساس ، فما نجده من العظمة والاتّساع في الموجودات ليس منعكساً في جهاز الإبصار ، ومحلّ الإدراك ، حتّى يقال إنّه يمتنع انطباع الكبير في الصغير ، بل حديث الكبر والصغر وليد الوهم والتفكير ، بمقايسة أجزاء الصورة الذهنية بأجزاء بدنه الّذي وقف على حجمه بالملامسة المباشرة.

__________________

(١) الأسفار : ١ / ٢٩٩ بتصرّف. وهو هنا يشير إلى المذهبين في الصور الذهنية فهناك قول بأنّ لهذه الصور وجود مستقل في عالم المثال تشاهدها النفس وهو رأي الإشراقيين. وهناك قول آخر وهو أنّ هذه الصور مخلوقة للنفس.

٢٨٣

نعم ، هذه المقايسات والنسب تحصل في الدماغ بسرعة مذهلة ، كما ربما يحصل في الآلات الحاسبة والأدمغة الإلكترونية ، فيتخيل الإنسان أنّه شاهد العوالم الخارجية بسعتها. والحال أنّه إنّما شاهدها مصغّرة بما انعكس على الشبكية ، لكن عملية المقايسة العقلية تأخذ مجراها بسرعة فائقة كما ذكرنا.

يلاحظ عليه :

نحن لا ننكر شيئاً ممّا أقرّ به العلم من تشبيه العين بآلة التصوير ، كما لا ننكر تلك المقايسات العقلية ، لكن ذلك كلّه ليس شافياً ولا دافعاً للسؤال ، بل تجدنا نتساءل ثانية : أين هي تلك الصورة العلمية الكبيرة ، الّتي صورتها الأعصاب والخلايا الدماغية بعمليات المقايسة ، وفي أي محلّ تحلّ؟

وما ربما يقال من أنّ تلك الصورة ، بتلك الكيفية ، صورة خيالية لا واقع لها ، غير شافٍ أيضاً ، لأنّ الصورة الخيالية صورةٌ خيالية إذا قيست إلى الواقع ، وأمّا بالنسبة إلى محلّها ، فلها واقعيّة لا يصحّ سلبها عنها. فتصوّر إنسانٍ له رأسان ، صورة خيالية إذا قيست إلى أفراد البشر المتعارفين ، ولكنها بالنسبة إلى المحل الّذي تحققت فيه ، أمر واقعي.

ولذا يعود السؤال مرة أخرى : أين هي هذه الصورة الخيالية ، بتلك الكيفية ، المتحققة في محلّها بعد عملية المقايسة وحكم العقل؟

فإن زعم الماديّ أنّ هذه الصورة ، في الخلايا الإدراكيّة ، عاد الإشكال ثانية (انطباع الكبير في الصغير).

وإن قال بأنّها موجودة في محلّ غير الجهاز المادي ، فقد اعترف بتجرّد الإدراك عن هذا الجهاز.

الدليل الثاني ـ امتناع انطباع المتصل في المنفصل

إنّ من خواص المادة ، انفصالها وعدم اتّصالها ، ولكنا نرى الأجسام وما فيها من الأشكال والخطوط ، متصلة. ولو كانت الصور العلمية حالّة في المادة ، لظهرت هذه الصور في الذهن ، متخلخلة ، لأنّ محالّ الإدراك منفصلة

٢٨٤

متخلخلة ، فيجب أن يكون الحالّ بهذا الوصف ، مع أنّ المعلوم لدى الذهن أمور متصلة متّسقة لا ثقب فيها ولا انفصال.

وبعبارة أُخرى : إنّ المدرك (بالفتح) أمر واحد متصل ، لا انفصال بين أجزائه ، ونسميه خطاً أو سطحاً أو جسماً ، فليس السطح المدرك لنا إلّا شيئاً واحداً منبسطاً انبساطاً واحداً ، لا مؤلفاً من أجزائه. ومثله غيره.

فلو كانت الصورة العلمية ، موجوداً ماديّاً منطبعاً على الأعصاب الدماغية ، فلا منتدح من اتّصافها بصفة محالّها ، فعندئذٍ لا تظهر صورة الجسم والسطح والخط في أفق الإدراك إلّا بأوصاف محالّها. فلو كان المدرك (بالكسر) هو الدماغ والأعصاب لامتنع انطباع أمر واحد متصل فيه ، فلا بد أن يكون شيئاً وراءه ، بسيطاً لا تركُّب فيه ، وهو النفس.

إجابة الماديين عن الاستدلال

أجاب الماديون عن الاستدلال المتقدم بأنّ عدم وجدان خواص المادة وشئونها (الانفصال) في الصور العلمية الّتي ندركها ، لا يدلّ على عدم اتّصاف الصور بتلك الآثار. فإنّا وإن كنّا نجد الصور العلمية متصلة في ظرف الإدراك ، لا ثقب فيها ولا خلل ، إلّا أنّ ذلك لا يستلزم القول بأنّ الفواصل والثقوب غير موجودة بين أجزاء الصور ، وكم فرقٍ بين الأمرين.

وإن أردت استجلاء ذلك ، فقس الصور العلمية للأجسام على نفس الأجسام الواقعية. فكما أنّ العين ـ لمكان ضعفها ـ لا تقدر على تمييز الثقوب والفواصل ، وترى الأجسام والسطوح والخطوط متصلات ، فهكذا الصور العلمية المنطبعة في الدماغ ، فإنّها أُمور منفصلة نتخيلها على غير واقعها.

يلاحظ عليه :

إنّا لا ننكر شيئاً ممّا ذكروه ، ونحن أيضاً نقول بأنّ إدراك الجسم على صفة الاتصال إدراك تخيّلي. ولكن نضيف أنّ صور الأجسام في ظرف الخيال مسلوبٌ عنها أثر المادة (الانفصال) ، فالصور العلمية في هذا الظرف (الخيال) صور متصلة. فاقدة لخواص المادة. فتكون النتيجة أنّه وجد في ظرف الخيال أُمور غير

٢٨٥

مادية. ولو قال المادي إنّ ذلك من صنع الخيال ، لما أضرّ الدليل بشيء ، لأنّه اعترف بوجود الأُمور المتصلة في ظرف الخيال. والصور الخيالية إنّما هي خيالية إذا قيست إلى الخارج، وأمّا إذا لوحظت بأنفسها ، وغُضَّ البصر عن القياس ، فهي من مراتب الوجود ومدارج الحقيقة.

الدليل الثالث ـ الروابط التصديقية لا تقبل الانقسام

إنّ الانقسام والتجزئة من خواص المادة ، ولو وجدنا شيئاً لا يقبل الانقسام لا حسّاً ولا عقلاً ، فذاك دليل على أنّه ليس من سنخها ، وإلّا لما فارقه الانقسام والتجزئة.

ومن تلك الأُمور الروابط التصديقية ، فهي غير قابلة للانقسام. وبإمكانك أن تستوضح الحال من المثال التالي :

تقول : هذا الجسم أبيض. فالموضوع ـ وهو الجسم ـ كمحموله ، ذو أبعاض وأجزاء، إلّا أنّ الحكم بأنّ هذا ذاك (الّذي يعبّر عنه في مصطلح المنطقيين ب «الهوهويّة») الّذي هو روح التصديق ، لا يقبل الانقسام أصلاً. ومهما حاول الإنسان أن يضغط على عقله ليقسّم هذا التصديق والحكم ، ويجعل له جزءاً ، فإنّه سيظل عاجزاً عنه ، غير قادر عليه.

وهذا دليل على أنّ حقيقة التصديق القائمة بالنفس ، ليست ماديّة ، وإلّا لما تخلّصت من آثار المادة وخواصها.

الدليل الرابع ـ الوجدانيات لا تنقسم

يجد كلّ إنسان في أعماق ذهنه حبّاً وبغضاً وإرادة وكراهة وحسداً وبخلاً ، وغير ذلك من الإدراكات الروحية ، يعلم بها علماً حضورياً. وجميع تلك الأُمور بسيطة لا تقبل الانقسام والتحليل والتجزئة ، الّتي هي من أظهر خواصّ المادة.

لاحظ حبَّك لرفيقك ، وبُغْضَك لعدوِّك ، فهل تجد فيهما ، في قراءة ذهنك ، تَرَكُّباً وانقساماً ، وأنّ كلًّا منهما ينقسم إلى أجزاء. كلا ، فذاك آية تميّزهما عن المادة ، وإن شئت قلت : تجرّدهما.

٢٨٦

الدليل الخامس ـ إدراكُ الكلِّي غيرُ ماديٍ

إنّ المفاهيم العامة الكلية الّتي لا تأبى الصدق على كثيرين ، كمفاهيم الإنسان والشجرة والحجر ، الّتي يعبر عنها في الفلسفة ب «المفاهيم المُرْسَلَة» ، يمتنع أن تكون مادية. وذلك أنّ الموجود المادي ، موجود شخصيٌّ ، مقيّد بقيود الزمان والمكان. والمقيّد بها يستحيل أن يطّرد صدقه على مصاديق كثيرة ، مع أنّ المفاهيم الذهنية نقيض ذلك ، فإنّها تصدق على مصاديق وجدت في الأزمان الغابرة وتوجد في المستقبلية وموجودة في الحال.

واعترافنا بأنّ الكلي له صلة بأفراده ومصاديقه نتيجة انطباقه عليها ، لا يصدُّنا عن القول بأنّ وجوده غير مشوب بالمادة وآثارها. يرشدنا إلى ذلك أنّ جواز صدق الكلي على كثيرين ـ الّذي هو من خصائصه ـ ممّا لا يعقل تحققه في المادة ، لأنّ المادة والمادي متعينان بالزمان والمكان ، والتعيّن بهما أو أحدهما لا يجتمع مع الكليّة ، إذ الكلي يصدق على مصاديق مختلفة حتّى من حيث الزمان والمكان.

وعلى ذلك يصحّ لنا أن نقول : إنّ المفهوم الكلي ـ كالإنسان ـ الموجود في العقل ، عارٍ عن شوائب المادية. فهو ـ بما أنّه يصدق على كثيرين ـ مُرْسَلٌ من كل قيد ، ومُطْلَق من حيث الزمان والمكان. ولا شيء من الماديات يمت إلى المطلق والمرسل بصلة.

وهذا يهدينا إلى القول بتجرّد الفكر من المادّة وشئونها (١).

الدليل السادس ـ ثبات الفكر وعدم تغيّره

التغيّر وعدم الثبات يُعَدان من أظهر خواص المادة ، فلا ثبات ولا بقاء ولا استقرار لها. فالمادة والتغيّر متلازمان ، وقد أثبت ذلك الفلاسفة الإسلاميون عند بحثهم عن القوة والفعل ، والحركة والزمان. كما أيدته العلوم الحديثة. هذا من جانب.

__________________

(١) وقد بسط الفخر الرازي الكلام في هذا الدليل في كتابه «المباحث المشرقية» : ٢ / ٣٤٥ و ٣٦٤ ـ ٣٦٦ ، والأخير الصق بالبحث. فمن أراد فليرجع إليه.

٢٨٧

ومن جانب آخر ، إنّ إدراك شيء وتصوره لا يجتمع مع التغيّر والسيلان ، لأنّ أسهل التعابير الّتي ذكرت لحقيقة العلم ، مثل قولهم : «هو الوقوف على الشيء بإدراك صورة منه» ، أو قولهم : «هو انتزاع صورة من الموجود الخارجي بالأجهزة المناسبة» ، أو غير ذلك من التعاريف ، تعرب عن أنّ حقيقة الإدراك يمتنع أن تكون سيّالة متغيّرة ، فإنّ الوقوف على الشيء يستدعي نحو ثبات للمعلوم ونحو قرار له.

وبإمكانك صبُّ البرهان في قالب الاصطلاح ، فتقول :

حيثية العلم غير حيثية التغيّر والسيلان ، ويستنتج منه تغاير سنخ وجود العلم مع سنخ وجود المادة.

وإنْ صَعُبَ عليك هذا البيان فاستغن عنه بالبيان التالي في مجال التذكر :

لا شك أنّ الإنسان أليف النسيان ، ينسى ما عرفه أولاً ، ثمّ يسترجعه في فترات معينة ثانية. وليس الاسترجاع إلّا تذكر ما غاب عنه ، وبعبارة أدقّ ؛ إعادة عين ما كان واقفاً عليه في سالف الزمان ، بحيث لا يجد فرقاً بين المُدْرَكَينْ.

فعملية الاستذكار الّتي يمارسها كلٌّ منّا في يومه وليله ، دليل واضح على أنّ للصور العلمية ثباتاً وبقاءً ، ولولاه لما أعدنا واستحضرنا عين ما وَعَيْناه سابقاً.

والآن نقول : لو كانت حقيقة العلوم ، نفس الآثار المادية البارزة في الأدمغة البشرية ، لما كان للتذكر مفهوم صحيح ، خصوصاً إذا طالت المدة بين الإدراكين. ومن المعلوم والثابت في العلوم البيولوجية أنّ الخلايا تموت وتتبدل بغيرها بشكل دائم ومستمر ، بل أثبت العلماء أنّ بدن الإنسان يتبدل كليّاً كل عشر سنين ، فتنعدم الخلايا السابقة بأسرها وتحلّ محلها خلايا جديدة.

فلو كانت إدراكات الإنسان وعلومه متمركزة في هاتيك الأعصاب والأجهزة الدماغية، لما كان للتذكر واسترجاع عين الإدراكات ، حقيقةٌ بعد فناء الأجهزة الدماغية وحلول غيرها مكانها. ويكون موقف التذكر عندئذٍ ، موقف العلم الجديد الّذي لم يقف عليه الإنسان بعد.

إنّ القائل بمادية المعرفة لا يقدر على حلّ مشكلة عدم اجتماع العلم والإدراك

٢٨٨

مع التغيّر والسيلان ، أولاً ، ومشكلة التذكر الّذي لا يجتمع مع التبدل ، ثانياً ، إلّا إذا قال بتجرّد العلم عن المادة وأنّ له وجوداً وتحققاً غير ماديّ ليس قائماً بالدماغ وأعصابه ، ثابتاً مستقراً مهما تبدلت الخلايا والأعصاب ، والأزمنة والأمصار.

جواب الماديين عن الاستدلال

لما وقف الماديون على أنّ التذكر ـ بمعنى استرجاع الإنسان عين ما وقف عليه قبل سنين متطاولة ـ لا يتلاءم مع حصر الوجود في المادة ، وتفسير المعرفة بها ، انبروا لحلّ المشكلة ، فتعمّلوا وجهاً فاشلاً ، إليك بيانه :

قالوا : إنّ التبدلات الطارئة على البدن والدماغ ، غير مُنْكَرَة. غير أنّها تعرض أيضاً على الإدراك ، بسرعة لا تقدر القوى المدركة على ضبطها وتمييز ما يقوم مقامها. فهي أشبه شيء بالصور الموجودة في الماء الجاري ، الّتي يتخيلها الإنسان صوراً ثابتة ، وهي في الحقيقة صور سيالة تحدث واحدة بعد الأُخرى ، حسب جريان الماء وسرعته ، هذا من جانب.

ومن جانب آخر ، إنّ الخلايا الجديدة الحالّة محلّ الخلايا المتحلّلة في الدماغ وأجهزة الإدراك ، تحمل خواص المتحلل منها ، لا بمعنى أنّ خواص السابقة تنتقل إلى الحادثة بعينها ، بل المراد أنّ الخلايا الجديدة تحمل آثاراً وخواصاً تُشاكل وتُسانخ آثار الأجزاء المتحللة.

وبما أنّ التبدلات تحدث في محالّ الإدراك بسرعة ، فلا يستطيع الإنسان تشخيص النائب والمنوب عنه ، فيتخيل الإنسان عند التذكر أنّه استرجع عين ما عرفه في السنين السابقة ، رغم أنّه مضى على ذلك الإنسان والأجهزةِ الدماغية منه ، ما لا يستهان به من السنين ، وتبدل بدنه بالكليّة. ولهذا يسمّى مُشاكل الأثرِ عينَه ، ومُسانِخَه نفسَه.

يلاحظ عليه :

نحن لا ننكر شيئاً ممّا ذكروه من التحليل العلمي ، غير أنّ جوابهم لا يحلّ

٢٨٩

مشكلة التذكر (بالنظر إلى الأُصول المادية). فإنّ حاصل كلامهم أنّ عامة التذكرات علوم حديثة يتخيلها الإنسان أنّها عين ما كان يعرفه من قبل ، ولكنها ليست ـ في الحقيقة ـ عينه ، بل مثله. وهذا إنكار للتذكر من أساسه.

وبعبارة أُخرى : إنّ الماديين يزعمون أنّ القديم والحديث ، والسابق واللاحق ، بالنظر إلى واقعهما ، متغايران ، لكنهما في ظرف الخيال واحد.

فنقول : نحن نتمسك باعترافهم بالوحدة في ظرف الخيال ونقول : هذه العينية المتحققة في ذلك الظرف معناها أنّ هناك إدراكاً ثابتاً ولو في فترة التخيّل ، وهو لا يصحّ أن يكون ماديّاً ، لأنّ حقيقة المادة هي السيلان والتبدّل والتغيّر واللاثبات ، وذلك على طرف النقيض من الوحدة.

وما ربما يقال من أنّ الخيال وهم ليس له سهم من الحقيقة ، أمر قابل للتحليل ، فإنّ القوة الخيالية والصور المتحققة فيها ، موصوفان بالخيال بالنسبة إلى الخارج الحقيقي ، وأمّا بالنظر إلى مرتبتهما الوجودية ، فهما من مراتب الحقيقة والواقع ، ودرجات الإدراك.

الآراء الماديّة في تفسير التذكر : نقل وتحليل

إنّ ما ذكره الفلاسفة قديماً وحديثاً ، في تفسير التذكر تفسيراً ماديّاً ، لا يخلو كلّه من إشكال. ومع ذلك ننقل أبرز ما ذكروه في هذا المجال.

لقد جعلوا مراحل الإدراك أربع :

المرحلة الأولى : الإدراك الابتدائي ، وهو إدراك شيء بإحدى القوى الظاهرية في بادئ الأمر.

المرحلة الثانية : الحفظ ، وهو إبقاء الأثر الموروث من الإدراك الابتدائي ، إذ لو لم يحتفظ الذهن بالأثر الموروث من الإدراك الابتدائي ، لما أمكنه أن يلتفت إليه يوماً ما ويسترجعه بلا استعانة من القوى الظاهرية.

المرحلة الثالثة : التذكر ، وهو انعطاف الذهن إلى استرجاع ما أدركه سابقاً.

٢٩٠

المرحلة الرابعة : التشخيص ، وهو القضاء بأنّ هذا عين ما أدركه سابقاً وليس أمراً موهوماً ، ولا إدراكاً جديداً.

والنقطة الحساسة الّتي حاروا فيها هي تفسير المرحلة الثانية ، وأنّه كيف يحفظ الذهن الصورة المدرَكة مدة من الزمن ، مع كونها مغفولاً عنها ، إلى زمان التذكر الّذي هو ثالث المراحل ، وهاهنا افترضوا فروضاً.

الفرضية الأُولى : ما روي عن بعض الأغارقة من أنّ الصورة المعلومة تنتقش في الذه ، وتبقى بعينها في الدماغ.

ولكن هذه الفرضية مردودة من أساسها ، لأنّها تبتني على ثبات المادة وقرارها.

الفرضية الثانية : ما ذهب إليه «ديكارت» (١٥٩٥ ـ ١٦٥٠ م) ، من أنّ الإحساس الابتدائي يودع آثاراً وخطوطاً في الدماغ ، كلما توجهت إليها النفس ، وحصل التفات من الروح إليها ، تؤثّر تأثيراً مشابهاً ، وتطرأ ـ عند ذاك ـ في الذهن صور وهيئات وأصوات تماثل الإحساس الابتدائي.

وما ذكره مبني على أمرين :

أ ـ استقلال الروح عن البدن ، الّذي كان يتبنّاه «ديكارت».

ب ـ الإدراك أثرٌ مادي في الدماغ.

والأوّل مردود بما ذكره المحققون الإلهيون.

والثاني مردود بما تقدم من تجرّد الإدراك.

الفرضية الثالثة : ما يذكره بعض الماديين المعاصرين ، يقولون : إنّ الإحساس الابتدائي يورث أثراً مخصوصاً في نقطة خاصة من الدماغ بعد زوال الإدراك ، وارتفاع الصورة العلمية ، عند تعطيل الحواس. وكلّما أراد الإنسان إعادة تلك الخواطر ، تتأثر تلك النقطة بعوامل خارجية وداخلية ، كالإرادة وغيرها ، فيحصل هيجان في الأعصاب ، وتتولد صور علمية جديدة تماثل السابقة.

٢٩١

فالذهن أشبه ما يكون بآلة التسجيل ، فإنّ الأمواج الصوتية لا تُسَجّل على الشريط بعينها وخصوصياتها ، وإنّما تتبدّل إلى امواج مغناطيسية تنتقش في الشريط ، على وجه لو أدير هذا الشريط مرة ثانية في جهاز التسجيل ، تتبدل تلك الأمواج إلى أصوات تشابه السابقة.

وهذه الفرضية أيضاً مردودة ، وذلك لأنّ الأثر الباقي في الأعصاب الإدراكية بعد تعطيل الحواس والإدراك ، ليس نفس الصور العلمية والخواطر ، وإنّما هو أثر ماديٌّ للإدراك السابق ، فعند ما تتأثر تلك النقطة بعوامل خارجية أو داخلية ، تتمثل لنا الصور العلمية والخواطر الّتي مضت علينا. فحينئذٍ نسأل : هل هذه الصور العلمية والخواطر والسوانح عين ما أدركناه سابقاً أو لا؟. والأوّل لا يجتمع مع كون الإدراك ماديّاً. وعلى الثاني ، لا بدّ للمادي من الالتزام بأنّها علوم وصور جديدة ، ومفاهيم حديثة تشابه سوابقها. وهو خلاف ما يجده الإنسان في قرارة ذهنه ، فإنّ كل واحد منّا إذا رجع إلى وجدانه ، يجد عين ما أدركه سابقاً ، متمثلاً ومتجسماً ، لا مشابهه ومماثله.

وأمّا قياسهم الذهن بالمسجلة ، فقياس مع الفارق ، فإنّ ما يسمعه الإنسان من المسجلة ، إنّما هو كلام حديث يشابه الكلام السابق ، مع أنّ القضية في التذكّر غير ذلك.

الدليل السابع ـ التصديق لا يتلاءم مع مادية الإدراك

لو كان الإدراك ماديّاً ـ وقد عرفت أنّ السيلان والتغيّر واللابقاء من خصائص المادة ـ لامتنع التصديق بقضية من القضايا. إذ التصديق هو الإذعان بأنّ هذا ذاك ، وأنّ الموضوع متصف بمحموله. والإذعان بهذا الأمر ، يتوقف على تصور مفرداته حتّى يتعلق الإذعان بالنسبة ، وهذا يتوقف على كون ما ندركه من المفردات والنسب أُموراً مجرّدة ثابتة ، حتّى يتمكن العقل من الحكم.

وأمّا إذا قلنا بماديّة الإدراك ، وأنّ الأجزاء الدماغية وما يطرأ عليها من الصور تتبدّل فوراً ففوراً إلى المماثلات ، فيمتنع التصديق. لأنّه ـ على الفرض ـ إذا تصور الإنسان موضوعاً أولاً ، ثمّ عاد إلى تصور المحمول ، ليحكم في الآن

٢٩٢

الثالث بالوحدة بينهما ، يكون الموضوع قد تبدل إلى شيء آخر ، بل المحمول ـ كذلك ـ تبدل إلى أمر آخر ، فكيف يمكن حصول التصديق أعني الحكم بأنّ هذا ذاك؟

وعلى القول بأنّ للصور العلمية : مفرداتها ومركباتها ، وجودات مجردة ، نزيهة عن المادة وعوارضها ، فإذا تصور الموضوع ، يبقى على ما تصور إلى أن يحمل عليه المحمول ، ويحكم بالهوهوية والاتّحاد.

ولْيُعْلَم أنّ ما ذكرناه هنا يغاير ما ذكرناه في الدليل الثالث ، فإنّ ما ذكرناه سابقاً مبني على أنّ التصديق عار عن الآثار الماديّة ـ وهو عدم قابليته للانقسام ـ والدليل الحاضر قائم على أساس أنّ مادية الإدراك ، تَجُرّ الماديَّ ـ لا محالة ـ إلى القول بامتناع تحقق التصديق. فالدليلان متغايران جوهراً.

إجابة الماديين عن الاستدلال

إنّ للماديين حول هذا البرهان تكلّف وتجشم ، لا بأس بالإشارة إليه. وهو أنّ القوى المدرِكة ، والصور العلمية ، بما أنّها أُمور مادية ، تتحول وتتبدّل آناً بعد آن. وعلى ذلك فالموضوع المتصور أولاً ، وإن كان غير باق بعينه عند حمل المحمول عليه ، إلّا أنّه تبدّل إلى موضوع مماثل يتخيّل الإنسان أنّه نفس الأوّل ، فيحمل المحمول على المُتَبَدَّل إليه لا المتبَدِّل.

يلاحظ عليه :

إنا ذكرنا سابقاً أنا نرجع إلى قولهم هذا : إن الإنسان يتخيّل الموضوع باقياً لا متبدلاً إلى موضوع مماثل ، فعندئذٍ يحمل الموضوع عليه ، فنقول : إنّهم يدّعون إذن أنّ الإنسان يتخيّل المتحرك (الموضوع) ثابتاً ، وهذا لا يجتمع مع ماديّة الإدراك ، لأنّ الصورة العلمية ـ على ما يقولون ـ ثابتة وقارّة في ظرف الإدراك. فهل لها وجود مستقل عن الدماغ المادي؟ ، فهذا هو المطلوب ، ومعناه أن للعلم فرداً مجرّداً عن المادة. أم أنّها مادية كما يزعمون ، لكنه مناقض لمبادئ المادية القائلة بشمول الحركة والتبدل لعامة الماديات.

٢٩٣

ولا يضرّ كونُ هذا الثبات والاستقرار خيالياً ، لما تقدم مراراً من أنّ الخيال إنّما هو خيال بالنسبة إلى الخارج ، وأمّا بالنسبة إلى الوجود بما هو هو ، فهو من مراتب الواقع والحقيقة.

الدليل الثامن ـ حضور الذات لدى الذات

قد عرفت فيما مضى انقسام العلم إلى حصولي وحضوري ، وأكثر (١) ما مرّ من البراهين أثبت تجرّد العلوم الحصولية الّتي عبّرنا عنها بالصور العلمية او المفاهيم الذهنية.

وهناك دليل على تجرّد العلوم الحضورية أيضاً ، وهو علم ذاتنا بذاتنا. فقد دلّت التجارب على وجود هذا الإدراك في عامة المخلوقات الحيّة ، وفي طليعتها الإنسان.

وهذه الحالة العلمية ، أعني حضور ذواتنا لدى أنفسنا ، لا تختص بعضو معين أو جانب خاص ، بل تعمّ الإنسان كلّه ، لأنّ أحدنا ربما يغفل عن جميع أعضائه ، ومع ذلك يجد ذاته حاضرة لدى ذاته لا تغيب عنه أبداً.

واذا رجع الإنسان إلى ما مضى من أيام حياته ، يجد أنّ هاهنا ذاتاً ثابتة ، لم يغيّرها مرور السنين وتطاول الأعوام ، وتبدّل الظروف والأحوال.

فإذن ، نحن ندرك ونعلم علماً حضورياً بأمر واحد بسيط لا يقبل انقساماً ولا كثرة ، ثابتٍ مستقرٍ لا يطرأ عليه تبدّل ولا تغيّر ، حاضِرٍ أبداً لا يغيب ، حضوراً بوجوده الخارجي عند المدرك من دون انتزاع صورة علمية منه. وهذه الأُمور جميعها آية كون المعلوم هذا مجرّداً بريئاً عن المادة وآثارها (٢).

__________________

(١) إشارة إلى البرهان الرابع ، فإنّه ـ كهذا البرهان ـ ناظر إلى تجرّد العلوم الحضورية ، فإنّ الوجدانيات كالحب والبغض معلومات للإنسان بالعلم الحضوري.

(٢) إنّ هذه البراهين الّتي أقمناها على تجرّد الإدراك مستفادة من دراسات الفيلسوف الأكبر الأُستاذ العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، ذكرها في «أُصول الفلسفة» المترجم إلى العربية بقلم الشيخ الأُستاذ ـ دام ظله ـ فلاحظ : ١٣٧ ـ ١٧٢.

٢٩٤

حصيلة البحث

وحصيلة البحث أنّ الصور العلمية ـ خياليّها وحقيقيّها ـ صور مجرّدة عن المادة لها وجود في الذهن الإنساني ، ولها واقعية وحقيقة بريئة عن التبدّل والتغيّر ، يعبّر عنها بال «الخيال المتصل» في الصور المحسوسة ، و «عالم العقل» في الصور الكليّة.

٢٩٥
٢٩٦

الفصل العاشر

«المعرفة»

والمقولات العشر

٢٩٧
٢٩٨

الفصل العاشر

«المعرفة» والمقولات العشر

بسط الفلاسفة الإسلاميون البحث في تبيين ماهية العلم وأنّه من أيّة مقولة من المقولات العشر هو ، وقد اختلفت آراؤهم في هذا المجال حتّى أنّ الإمام الرازي ذكر أنّ كلام الشيخ الرئيس قد اضطرب في حقيقة العلم غاية الاضطراب :

فتارة جعله أمراً عدمياً ، حيث يفسِّر العلم بالتجرّد عن المادة ، وهو أمر عدمي.

وأُخرى يجعله عبارة عن الصور المرتسمة في الجوهر العاقل ، المطابقة لماهية المعقول.

وثالثة يجعله مجرّد إضافة.

ورابعة يجعله عبارة عن كيفيةٍ ذاتِ إضافة إلى الشيء الخارجي ، وذلك عند ما يبيّن أنّ العلم داخل في مقولة الكيف بالذات ، وفي مقولة المضاف بالعَرَض(١).

وقبل الخوض في صلب الموضوع ، نقدم أُموراً تقرّب المقصود.

__________________

(١) المباحث المشرقية : ١ / ٣٢٤ ـ ٣٢٥.

٢٩٩

الأمر الأوّل : المقولات العشر

المعروف عند الفلاسفة الإسلاميين ـ تبعاً لأرسطو ـ أنّ المقولات لا تتجاوز العشر ، وأنّ الموجودات الإمكانية لا تخرج عن إطار أحد هذه الأمور الّتي يجب أن تقال في جواب السؤال بما هي (١).

وهذه المقولات هي :

١. الجوهر : وهو الماهيّة المحصَّلة الّتي إذا وجدت وجدت لا في موضوع (٢).

٢. الكم : وهو ما يقبل القسمة بالذات (٣).

٣. الكيف : وهو هيئة قارّة لا تقبل القسمة والنسبة (٤).

٤. الأين : وهي هيئة حاصلة من كون الشيء في المكان.

٥. المتى : وهي هيئة حاصلة من كون الشيء في الزمان (٥).

٦. الجدَة : وهي هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء ، كالتَّعَمم والتَّنَعُّل ، والتَّجَلْبُب.

__________________

(١) ولأجل ذلك أُطلق عليها المقولة لأنّها تقال في جواب السؤال عما هو الشيء ، فيقال : الإنسان جوهر أو المثلث كم ، أو السواد كيف.

(٢) وهو خمسة أقسام : العقل ، والنفس ، والهيولى (المادة) ، والصورة ، والجسم المركب من الأخيرين.

(٣) وهو على قسمين : كم متصل ، كالجسم التعليمي. وقد قالوا بأنّ الزمان كم متصل.

وكم منفصل ، كالأعداد.

(٤) وهو أربعة أقسام :

ـ كيفٌ نفساني ، كالإرادة ، والقدرة ، وكالعلم على مذاق المشهور.

ـ كيفٌ مختص بالكم ، كالاستقامة ، والانحناء.

ـ كيف استعدادي ، والمسمى بالقوة واللاقوة ، كالصلابة والمصحاحية ، في مقابل اللين والممراضية.

ـ كيف محسوس بقوى خمس (الحواس) ، فمنه كيفٌ مُبْصرَ ، وكيفٌ مسموع ، وكيفٌ ملموس ، وكيفٌ مَذوق ، وكيفٌ مشموم.

وقد احترز في التعريف بما لا يقبل القسمة عن الكم. وبما لا يقبل النسبة ، عن الإضافة.

(٥) وقد عرفت أنّ نفس الزمان من مقولة الكم ، وأمّا المتى فهو الهيئة الحاصلة من وقوع الشيء في الزمان.

٣٠٠