🚘

نظريّة المعرفة

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

نظريّة المعرفة

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: مطبعة القدس
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
🚘 نسخة غير مصححة

الثانية استمرار للتفاحة الأولى حسب الوجود ، فهي في حالة البقاء نفس التفاحة في حالة حدوثها ، ولأجل ذلك يصحّ الحكم عليها بالطيب.

وعلى ضوء ذلك ، فلو كان التغيّر شاملاً للذات والصفات معاً ، كما إذا صار الحطب ناراً ، أو في الصفات ، كما إذا تغيّر لون الفاكهة من البياض إلى الحمرة ، فالحكم عندئذٍ على ذلك الموضوع المتغيّر ذاتاً ووصفاً ، أو وصفاً فقط ، إن كان راجعاً إلى حالاته السابقة ، يكون أشبه بالحكم على الموضوعات التاريخية المعدومة ، فالذهن يُحضر الصورة المنطبقة على الحالة الماضية ويحكم عليها بشيء. وأمّا إذا لم يكن متغيّراً في الذات والصفات ، بل بقي على ما كان عليه ، ولو ظاهراً ، فيحكم عليه بأنّه كذا وكذا. فكون الطبيعة متغيّرة ، لا يضرّ الحكم والإذعان به ، لكون اللاحق مماثل للسابق من جميع الجهات.

وهذه الإشكالات وأمثالها تعرب عن أنّ فلاسفة الغرب لم يقفوا على معالم الفلسفة الإسلامية وقوفاً كافياً ، ولم يلمّوا بنظرياتها إلماماً وافياً.

إلى هنا تمّ الكلام في بيان معيار الحقيقة والوهم في الفلسفة الإسلامية ، ونذكر فيما يلي معيارها عند الغربيين.

* * *

٢ ـ نظريات الفلاسفة الغربيين

جنح عدّة من فلاسفة الغرب إلى معايير أُخرى لتمييز الحقيقة عن الوهم ، نطرحها على منضدة التحليل.

النظرية الأولى : الحق هو المقبول والموهوم هو المرفوض

اختار هذه النظرية الفيلسوف الفرنسي «أوغست كونت» (١) (١٧٩٨ ـ

__________________

(١)etmoc etsuguA. أسس المذهب الوضعي msivitisoP القائل بأنّ الملاحظة والتجربة هما السبيل الوحيد للوصول إلى المعرفة الكاملة التامة.

٢٢١

١٨٥٧ م) وهو يضيف الحقيقة تارة إلى الفرد وأُخرى إلى المجتمع ، وإليك فيما يلي توضيح هذه النظرية :

إنّ فكرةً ما إنّما تكون حقيقة لدى الفرد ، عند ما تكون موافقة لسائر أفكاره وملائمة لها. وتكون خاطئة إذا كانت هناك مطاردة بينها وبين سائر أفكاره.

وتكون الفكرة حقيقة لدى المجتمع ، إذا كانت مقبولة لدى أبنائه ، يتفقون عليها قولاً وعملاً. فما داموا متفقين عليها فهي موصوفة بالحقيقة ، فإذا تغيّرت آراؤهم إلى فكرة أُخرى ، تكون الأولى خاطئة والأخيرة هي الصائبة.

مثلاً : انّ فرضية «بطليموس» (١) (٩٠ ـ ١٦٨ م) القائلة بأنّ الأرض ثابتة لا تتحرك ، والأفلاك تدور حولها ، كانت مقبولة لدى الناس والعلماء في العصور الغابرة مدة تمتد أكثر من خمسة عشر قرناً. فهي ـ إذن ـ كانت حقيقة وصحيحة في تلك الأعصار ، ولا يضرها مخالفة عدد قليل من العلماء (٢) لبعض جزئياتها.

وفي مطلع الحضارة الحديثة ، تغيّرت هذه الفرضية إلى فرضية أُخرى ساهم في إبداعها أقطاب علم الهيئة الأربعة :

١. كوبرنيك (٣) البولوني (١٤٧٣ ـ ١٥٤٣ م) ، فإنّه أنكر كون الأرض مركزاً تدور حوله الشمس والسيارات ، وبرهن على مركزية الشمس ودوران الأرض وسائر الكواكب السيّارة حولها.

٢. كپلر (٤) الألماني (١٥٧١ ـ ١٦٣٠ م) ، فإنّه أثبت أنّ كلّ سيّارة تدور حول الشمس في مسار بيضاوي ، وأنّ السيارة القريبة من الشمس أسرع حركة من البعيدة عنها.

__________________

(١) eemelotP.

(٢) فقد كان أبو الريحان البيروني (٩٧٣ ـ ١٠٤٨ م) مخالفاً لسكون الأرض وكونها مركزاً للكون. كما كان الشيخ البهائي (المتوفّى ١٠٣٠ ه‍) لها أيضاً. ولكن لما كانت الأوساط العلمية خاضعة للنظرية ، لم تخرجها تلك المخالفة عن كونها حقيقة ، على مذهب كونت.

(٣)cinrepoC.

(٤)relpeK.

٢٢٢

٣. غاليليو (١) الإيطالي (١٥٦٤ ـ ١٦٤٢ م) ، فإنّه أثبت بمنظاره الفلكي وجود كواكب كثيرة لم تكن معروفة إلى ذلك العصر.

٤. نيوتن (٢) الإنكليزي (١٦٤٢ ـ ١٧٢٧ م) ، فإنّه أثبت تماسك النظام الشمسي بفضل قوتي الجذب والطرد المركزيتين عن الشمس وإليها ، فكل سيارة تدور على مدار فيها قوتان : قوة الطرد عن المركز (الشمس) وقوة الانجذاب إليها ، وفي ظل تعادل القوتين تستقرّ في مدارها.

فهذه النظريات الجديدة التي حلّت محلّ نظرية بطليموس ، حقيقية صادقة ، أيضاً ، ونظرية بطليموس غدت باطلة بعد أن كانت صادقة. وما دامت هذه النظرية مشهورة مقبولة في الأوساط العلمية ، فهي حقيقة ، إلى أن تحلّ محلّها فرضيات أُخرى.

تحليل هذه النظرية

إنّ القائل بهذه النظرية خلط بين المسائل الاجتماعية والسياسية التي لا مصدر لها سوى تصويب الرأي العام ، والقضايا الكونية الحاكية عن الخارج. فلو صحّ ما ذكره ، فإنّما يصحّ في القسم الأول من المسائل ، إذ من الحقوق المسلّمة لكلّ شعب أن يعيّن لون النظام الحاكم عليه ، فكل ما يصوّت له الشعب ، هو الحق ، ما دام الشعب مؤيّداً له ، فإذا تبدّلت رغبتهم إلى نظام آخر ، بطل الأول وكان الثاني هو الحق والحقيقة.

وأمّا القضايا الحاكية عن الكون ، فليست المقبولية فيها ملاك الحقيقة ، ولا الرفض ملاك الخطأ ، فملاك الحقيقة في القضايا الرياضية والفيزيائية والكيميائية والفضائية ليس هو تصويت الرأي العام لها ، بل إنّ مجموع زوايا المثلث تساوي ١٨٠ درجة ، سواء اتّفق الرأي العام والعلمي عليه أم لا ، هو ذلك شاءُوا أم أبوا ، كما أنّ محيط الدائرة يساوي قُطْرَها مضروبٌ في النسبة الثابتة () (٣) ، دائماً وأبداً.

__________________

(١) oelilaG.

(٢)notweN.

(٣) ١٤١٦ ، ٣ / ٢٢٧ /.

٢٢٣

وإن شئت قلت : إنّ القضايا على قسمين :

قضايا لا تحكي عن الخارج ، وهذه مثل الحقوق المجعولة للشعوب ، فإنّ لكل شعبٍ ، الحرية في اختيار مصيره ، فإن جنح شعب إلى الاتّحاد مع شعب آخر ليشكّلوا دولة واحدة ، فذلك لهم. وإن جنح إلى الانفصال وترك الحلف ، فذلك له أيضاً. وهو حق في كلتا الحالتين ، لأنّ الشعب يميل إليه. فهذه القضايا ليست حاكية عن الخارج ، فلا مناص من جعل الملاك فيها ، الإجماع والتصويت ، وعدمهما.

وقضايا حاكيات عن الخارج ، تُري الحقيقة الراهنة وراء الذهن. وبما أنّ الحقيقة ليست متعددة ، بل هي واحدة ، فلا يمكن أن تكون كلتا النظريتين موصوفة بالحقيقة ، فإنّ الأرض إمّا أن تدور حول الشمس ، أو تدور الشمس حول الأرض ، وليست الحقيقة خارجة عنهما. فالقول بأنّ كلتا النظريتين صائبة وحقيقية ، كل في ظرفها الخاص ، يرجع إلى السفسطة وإنكار كاشفية العلم ، فإذا كان المكشوف واحداً ، فأحد العلمين خطأ ليس له كشف ولا إراءة.

فكان الحري بهذا الفيلسوف دراسة المسائل السياسية والمسائل الكونية ، والإمعان في كل منها ، ليعرف الفرق في ملاك الحقيقة والخطأ بينهما.

النظرية الثانية : الحق هو النافع والموهوم هو الضار

وهناك نظرية ثانية في تمييز الحقيقة عن الوهم قالت بها الفلسفة البراغماتية (١) ، وهي أنّ كل ما يكون نافعاً فهو حق ، وكل ما كان ضارّاً فهو باطل. فالعدل حق ، إذ به يقوم المجتمع وينسجم ، والظلم باطل لأنّه يهدم المجتمع ويشتت شمله. وهكذا سائر القوانين والسنن الاجتماعية والسياسية.

يلاحظ عليه أمران :

الأوّل : إنّ ما ذكر إنّما يختصّ بالأحكام الكليّة والقوانين العامة ، فالصدق

__________________

(١)MSITAMGARP. لاحظ الفلسفة العلمية لفيلسين شاله ، ص ٢٠٣. وسيأتي بحث مبادئ هذه الفلسفة في الفصل الثامن عند البحث عن دوافع إخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة.

٢٢٤

ـ بما هو هو ـ نافع ، والكذب ـ بما هو هو ـ ضارّ. ولكن اتّصاف الصدق بالنفع ، والكذب بالضرر ، إنما يختصّ بالكلي منهما ، وأمّا في موارد التطبيق فربما ينقلبان فيكون الصدق ضاراً والكذب نافعاً. كما لو أُصيب إنسان بذبحة قلبية ، وفي تلك الأثناء مات ولده بحادث ما ، فسأل الأب عنه ، فإنّ الإخبار عن الحقيقة والواقع ضارّ لأنّه ربما يؤدّي إلى اشتداد أزمته وموته ، والكذب والقول بأنّ ولده حي بصحة جيّدة ، نافع.

الثاني : إنّ هذا الملاك يختصّ بما يقع في إطار حياة الإنسان العملية ، وأمّا الأمور الخارجة عن ذلك الإطار ، كالقوانين الفيزيائية والكيميائية والرياضية و ... ، فإنّ جعل الحقِّ والصائب منها ما كان نافعاً ، والباطلِ والخاطئ منها ما كان ضارّاً ، بعيد غاية البعد عن التفسير بالواقع.

وإن شئت قلت : إنّ الملاك المذكور يناسب المسائل الأخلاقية والاجتماعية والاعتقادية ، فيفسَّر فيها الحق بالنافع ، والباطل بالضارّ ، لا المسائل العلمية الّتي يدور الصواب والبطلان فيها مدار مطابقة الواقع ومخالفته ، كما تقدّم.

نعم ، إنّ الذكر الحكيم ، عند ما يصوِّر نزاع الحق والباطل ، ينسب الحق إلى ما ينفع ، والباطل إلى ما يضرّ ، يقول : (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) (١).

ولكنها لا تناقض ما ذكرناه ، وذلك لأنّ الآية في مجال بيان الاعتقادات الدينية ، وأنّ الحق منها في نفس المؤمن مثل الماء النازل من السماء ، الجاري في الأودية على اختلاف سعتها ، وينتفع به الناس وتحيا به قلوبهم ، ويمكث فيها الخير والبركة. وأمّا الاعتقادات الباطلة في نفس المشرك ، فهي كالزبد الّذي يربو السيل ، فإنّه لا يلبث أن يذهب جفاءً ويصير سدىً (٢). وأين هذا من بيان الحق

__________________

(١) الرعد : ١٧.

(٢) لاحظ الميزان في تفسير القرآن ، ج ١١ ، وسنذكر في مباحث إعجاز القرآن من الإلهيات تصويرات أُخرى بديعة لما تفيده الآية.

٢٢٥

والباطل في القضايا الشخصية والعلوم؟. ومثلها الحركات الاجتماعية ، فالآية تنطبق عليها مثل انطباقها على العقائد.

* * *

النظرية الثالثة : الحقيقة أمر نسبي لا مطلق

إنّ القائلين بنظرية النسبية في باب المعرفة ينكرون أن تكون الإدراكات البشرية ، إدراكات مطلقة ، ويصرّون على أنّ الحقيقة تختلف باختلاف الظروف المحيطة بالمدرك ، وقد شرحنا نظريتهم عند البحث عن قيمة المعرفة ، فلا نعيد.

وعلى ضوء هذا ، يقولون : إنّا نصف أحد الأخلّاء في فترة من فترات الرفاقة ، بالإخلاص ، ونَصِفُهُ في فترة أُخرى بالخيانة. وكلا القضاءين حقّ صحيح ، وما ذلك إلّا لأنّ الظرف الأوّل يوحي إلينا بالقضاء الأَوّل ، والظرف الثاني يوحي إلينا بالقضاء الثاني.

ونظرية بطليموس القائلة بأنّ الأرض مركز العالم ، حقّةٌ وصائبة ، لكن بالنسبة إلى تلك الأعصار ، وإن كانت باطلة بالنسبة إلى هذه الأعصار.

والرأي الّذي كان سائداً في عدد العناصر الأساسية الّتي تشكل الكون ، وأنّها أربعة لا غير وهي : التراب والماء والهواء والنار ، هو رأي صحيح ، ولكن بالنسبة إلى تلك الظروف الّتي لم تكن لتنتج سوى هذا الرأي. ولكن عند ما تبدّلت الظروف ، وخضعت الطبيعة للإنسان المجرّب ، تجاوز عددها المائة وأربعة عناصر ، ولعلّ الظروف الآتية تنتج غير ذلك. فالكل حقّ بالنسبة إلى الأزمنة والظروف الّتي تنتجه.

بل يصحّ أن نقول : إنّ الموحّد والملحد كلاهما على حق ، لأنّ الظروف المحيطة بالموحّد تجرّه إلى التوحيد ، والظروف المحيطة بالملحد تدفعه إلى الإلحاد.

إلى غير ذلك من الأمثلة ، وكل ذلك ينتج أنّ الحقيقة المطلقة أمر مرفوض ، وإنّما كل الأشياء تقع في إطار الحقيقة النسبية.

يلاحظ عليه : إنّ الأمور على قسمين : إضافي وحقيقي ، والنسبيون

٢٢٦

خلطوا بينهما وضربوا أحدهما بسهم الآخر ، وإليك البيان :

ما ذكره النسبيون إنّما يصحّ في الأُمور النسبية الإضافية ، وهي ما كان قوام حقيقتها بالنسبة والإضافة ، من دون أن يكون لها في حدّ ذاتها واقع محفوظ على كل حال ، كالسعة والضيق ، والكبر والصغر ، والفوقية والتحتية ...

مثلاً : افرض إنساناً يعيش في كوخ حقير لا تتجاوز مساحته عشرين متراً مربعاً وآخر غني يعيش في قصر عظيم تحيط به حدائق شاسعة مترامية الأطراف ، لا تقلّ مساحتها عن خمسين ألف متر مربع ، فإذا وردا مدرسة أمامها ملعب ، ولنفرض أنّ مساحتها بأكملها خمسمائة متر مربع ، فإنّا نرى الأوّل يستهولها ويصفها بالعظمة والكبر ، بينما الثاني يستصغرها ويصفها بالضيق والصغر. فلا شك هنا أنّ كلّاً من التوصيفين صحيح ، لكن بالنسبة إلى ما في نفس كلِّ واصف ، فالأوّل إذْ يصفها بالكبر والعظمة ، إنّما يصفها بذلك بالقياس إلى كوخه الحقير ، والثاني إذْ يصفها بالضيق والصغر ، فإنّما هو بالإضافة إلى قصره العظيم.

وهكذا إذا قلنا : الأرض كبيرة ، وقلنا : الأرض صغيرة ، فإنّ كلا القضاءين صحيح ، لكن كلٌّ بالنسبة إلى أمر ، فالأرض كبيرة بالنسبة إلى القمر ، وصغيرة بالنسبة إلى الشمس.

فليس للصغر والكبر واقع محفوظ حتّى نقيس القضاءين إلى ذلك الواقع ، ونصف أحدهما بأنّه حقّ ، والآخر بأنّه باطل. بل واقعيتهما هي بنفس الإضافة والنسبة القائمة بالنفس والذهن.

فما ذكره النسبيون إنّما يصحّ في مثل هذه الأُمور الإضافية الّتي لا واقعية لها إلّا ملاحظة الإضافة بين المقيس والمقيس عليه.

وأمّا الأُمور الّتي لها واقعية وراء النسبة والإضافة ، ولها حقيقة محددة يحكي عنها العلم ، ففيها يكون أحد القضاءين صحيحاً قطعاً ، وهو ما وافق الواقع وطابقه ، والآخر باطلاً قطعاً ، وهو ما خالفه. فقولنا : «درس أرسطو عند أفلاطون» ، وقولنا : «لم يدرس أرسطو عند أفلاطون» ، لا يمكن أن يكونا صحيحين وصائبين ، بل أحدهما حقّ قطعاً والآخر باطل قطعاً.

٢٢٧

وبذلك يظهر الجواب عن الأمثلة الّتي تمسكوا بها ، فإنّها من الضآلة بمكان :

أمّا الأوّل : فإن أرادوا من صحة توصيف الصديق بالإخلاص والخيانة ، أنّه يصحّ أن يكون في ظرف خاص مخلصاً وخائناً في الواقع ، فهذا لا يقبله أحد ، كيف والصداقة والخيانة مختلفان في المبادئ والآثار.

وإن أرادوا أنّه يمكن لإنسان أن يتخيّل خليله في ظرفٍ مخلصاً ، ثمّ يبدو له بعد ذلك أنّه كان خائناً في ذلك الظرف ، فهذا لا يمت إلى النسبية بصلة ، فإنّ الرأي الأوّل يرفض الرأي الثاني ويدفعه ولا يصدّقه ، فأين اجتماع الحقيقتين المتغايرتين؟

ومن هذا يظهر حال ما زعموه في النظريتين المعروفتين في الأفلاك والعناصر ، فإنّ العلم ـ بما أنّه كاشف عن الواقع ومرآة إليه ـ فلا محالة تكون إحداهما خاطئة مطلقاً والأُخرى صحيحة مطلقاً.

وأمّا المثال المعروف لدى النسبيين ، الّذي يتمسكون به في أكثر كتبهم ورسائلهم ، وهو أنّ الإنسان إذا أدخل إحدى يديه في ماء بارد والأُخرى في ماء حارٍّ ، ثمّ أخرجهما دفعة وأدخلهما معاً في ماء ثالث فاتر ، فإنّ كلّا من اليدين تخبر عن حقيقة تخالف ما تخبر به الأُخرى ، فهو مغالطة واضحة ، فإنّهم لم يميزوا بين أمرين :

أ ـ الحسّان يخبران عن شيئين مختلفين (الحرارة والبرودة).

ب ـ الماء الثالث في حدّ ذاته حار وبارد في آن واحد.

فالصحيح في المثال هو الأوّل ، وذلك لأنّ إحدى اليدين تنفعل بالماء الحار ، فتبقى الحرارة في عروقها ومسامّها ، واليد الأُخرى تنفعل بالماء البارد ، فتبقى البرودة فيهما. فإذا وردتا بعد ذلك في الماء الفاتر ، فلا شكّ أنّ اليد الحارة تحسّ بالحرارة ، لأنّ حرارة الماء دون حرارتها ، واليد الباردة تحسّ بالبرودة ، لأنّ برودتها أشدّ من برودة الماء.

وأمّا الماء الثالث في حدّ ذاته ، مع قطع النظر عن اليدين المختلفتين في التأثّر

٢٢٨

والانفعال ، فإنّ له درجة حرارة معينة لا غير ، ولذلك لو بقيت اليدان فيه مدّة ، حتّى زالت عنهما التأثرات والانفعالات ، فإنّهما تحسّان بحرارة واحدة.

فالخلط حصل بين إخبار اليدين عن شيئين مختلفين ، وكون الماء متّصفا بأمرين متضادين ، فالصحيح هو الأول دون الثاني.

وكم لهم من زلّات وعثرات ناتجة عن عدم تعمّقهم في دراسة وفهم مبادئ الفلسفة الإسلامية ونظرياتها.

إلى هنا تمّ الكلام في مقياس الحقيقة والوهم وملاكهما ، وحان أوان البحث عن الأمر الثاني وهو بيان طريق الوصول إلى الحقائق ، وكيفية تمييزها عن الأوهام.

٢٢٩
٢٣٠

الفصل السابع

معيار تمييز

الحقائق عن الأوهام

٢٣١
٢٣٢

الفصل السابع

ما هو معيار تمييز الحقائق عن الأوهام؟

يواجه الإنسان في حياته العلمية أكداساً من النظريات حول الكون والحياة ، وبما أنّ الحقيقة في كل أمر ومسألة ، واحدةٌ لا أكثر ، فلا بدّ أن يحكم بصحة بعض دون الآخر ، ويستحيل تصحيح جميع النظريات المتناقضة والمتخالفة ، وإصباغ ثوب الحقيقة عليها ، حسب ما مرّ في الفصل السابق.

وبما أنّ كلّ إنسان يعدّ رأيه حقّاً ، ونظريته هي الصائبة ، فلا يمكن الاعتماد على تصديق القائل وإيمانه ، بل لا بدّ من الرجوع إلى ضابطة نميّز بها الحقيقة عن الوهم ، والصواب عن البطلان ، وهذا من المباحث الحساسة في نظرية المعرفة.

وفي هذا المجال نظريات نستعرضها :

النظرية الأولى : المعرفة البديهية هي المعيار

يرى أرسطو ، وبعده الفلاسفة الإسلاميون أنّ الحجر الأساس لتشخيص الحقّ عن الباطل ، والصواب عن الخطأ ، ليس شيئاً خارجاً عن إطار المعرفة ، بل المعرفة نفسها هي الوسيلة لتعيين المعرفة الصحيحة من المعرفة الزائفة. بيان ذلك :

إنّ كل إنسان يملك مجموعة من القضايا البديهية يجدها في باطن عقله ، ويذعن بها من دون حاجة إلى إقامة برهان. وهذه القضايا الضرورية يسلّم بها كل إنسان لم يخضع مسبقاً لرأي يؤثّر في تفكيره.

٢٣٣

فإذا طرحت أمام الإنسان قضية ما ، لا يدري هل هي صحيحة وصادقة أو زائفة وموهومة ، يُرجعها إلى تلك القضايا والمعارف الضرورية ، فإن صدّقت تلك هذه ، كانت قضية حقّة ، وإن لم تصدّقها كانت قضية باطلة.

وعلى هذا ، فكل إنسان متطلب للحقّ ومتحرٍّ للحقيقة يجب أن يصنّف قضاياه ، ويقسمها إلى قسمين : بديهية ونظرية ، ثمّ يحتفظ بالأُولى لتكون مفتاحه للوصول إلى الثانية ، وحلّها ، وإدراك صدقها أو بطلانها.

مثلاً : إذا علمنا أنّ زاوية (أ) تساوي زاوية (ب) ، وعلمنا أيضاً أنّ زاوية (ب) تساوي زاوية (ج). ولكن لم نعلم هل زاوية (أ) تساوي زاوية (ج) أو لا. فالعلمان المتقدمان ، يكونان مفتاحاً لحل المشكلة ، واكتشاف حكم القضية الثالثة ، فلا نتحرج هنا من القول بأنّ زاوية (أ) تساوي قطعاً زاوية (ج). وذلك لأنّ قانون المساواة من القضايا البديهية الّتي يدركها العقل في الأمور الكمية. وهكذا إذا كان زيد وعمرو متساويين في الطول ، وعمرو وبكر متساويين في الطول ، فزيد وبكر متساويان في الطول.

فالقضايا المجهولة المشكوكة صحةً وبطلاناً ، تنتهي إلى بديهيات عقلية ، ولو بوسائط متعددة ، وهي الكاشفة لصدقها أو بطلانها.

حتّى أنّ التجربة الّتي احتلت الصدارة في الفلسفة والعلوم الحديثة في مجال اكتشاف الحقائق ، لا تستغني عن معرفة عقلية بديهية هي الضامنة لصحة النتيجة ، والتجربة بحدّ ذاتها غير كافية في هذا المجال. وقد سبق أن ذكرنا عند البحث عن أدوات المعرفة ، أنَّ تبسيط وتعميم نتيجة التجربة إلى جميع الأفراد والموارد المتماثلة في الحقيقة قائم أساساً على قضاء العقل بأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

والكثير من المتجددين يزعمون أنّ الفلسفة الأرسطية فلسفة فكرية بحتة ، وأنّ الفلسفة الغربية الحديثة الّتي وضع «بيكون» (١) (١٥٦١ ـ ١٦٢٦ م) أساسها ، علمية تجريبية ؛ ولكنّه زعم غير خال عن المغالطة ، فإنّهم إن أرادوا أنّها

__________________

(١)nocaB sicnarF.

٢٣٤

لا تعتمد على التجربة ، فهو خاطئ جداً ، كيف وقد عرفت أنّ البرهان يتألف من اليقينيات وأنّ التجريبيات من أُصولها. وإن أرادوا أنّ صحة النظريات ـ في تلك الفلسفة ـ تعتمد على الفكر والتعقل ، حتّى الإذعان بنتائج التجربة فإنّه لا يستغني عن سناد عقلي أوّلي ، فهذا نفس ما أثبتناه عند البحث عن أدوات المعرفة.

النظرية الثانية : التجربة هي المعيار

قد عرفت أنّ السائد بين الفلاسفة في معيار تمييز الحقائق عن الأوهام هو أنّه نفس المعرفة ، بمعنى إرجاع القضايا النظرية إلى القضايا البديهية ، حتّى تكون مطابقتها لها ، دليلاً على صدقها.

واستمرّ الفلاسفة على هذا الاعتقاد إلى أوائل نشوء الحضارة الغربية الصناعية ، عند ما زعم «فرانسيس بيكون» أنّ معيار تمييز الحقائق عن الأوهام ، وكشف صواب المعارف وخطئها ، ليس من سنخ المعرفة بشيء ، بل هو من سنخ العمل ، ألا وهو التجربة والاختبار.

وقد استغلت المادية هذه النظرية لإنكار المغيبات ، باعتبار عدم وقوعها في إطار الحسّ والتجربة. والعوالم الغيبية ـ على فرض وجودها ـ غير قابلة للتعرف عليها.

وجملة القول : إنّ أنصار هذه النظرية ، لا يعترفون بمعارف عقلية أوليّة سابقة على التجربة ، بل يرون التجارب هي الأساس الوحيد للحكم الصحيح. ويتفرع على هذه المقالة ، تحديد طاقة الفكر البشري بحدود الميدان التجريبي ، ويصبح من العبث كل بحث ميتافيزيقي أو دراسة لمسائل ما وراء الطبيعة.

يلاحظ على هذه النظرية

أولاً : إنّ هؤلاء خلطوا بين تفتح العلوم الطبيعية عن طريق التجربة ، وكونها هي المعيار لتمييز الحقائق عن الأوهام ، فالحق هو الأوّل دون الثاني ، إذ لا

٢٣٥

شك أنّ العلوم الطبيعية تفتحت ونضجت في ظلال التجربة ولولاها لشلّت عجلة العلوم ولم تبلغ هذا الحدّ الّذي أدهش العقول وحيّر الألباب. وأمّا كون التجربة هي المسلك الوحيد لكشف صحة العلوم ، وانقطاع كل طريق آخر إلى ذلك فهو كلام زائف ، لما ستقف عليه من أنّ الإنسان يملك علوماً كثيرة ضرورية قبل شروعه بتجاربه.

وثانياً : إنّ نفس هذه النظرية ، أي كون التجربة هي المعيار ، لم تثبت بالتجربة ، فيجب على القائلين بهذه النظرية البرهنة عليها إمّا بتجربتها ، وهو غير معقول ، أو بادّعاء أنّها قضية بديهية لا تحتاج إلى الدليل ، وهو ما نريده.

وثالثاً : لا ملازمة بين صحة النتيجة في مقام العمل ، وصحة الفرضية ، بل قد تكون النتيجة صحيحة والفرضية باطلة ، فإنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق ، فصحة الفرضية دليل على صحة النتيجة ولا عكس ، نظير قولنا كل جَوْز مدوّر ، وليس كل مدوّر جَوْز.

وإن شئت قلت : هؤلاء استدلّوا بوجود الأخصّ على وجود الأعمّ ، نظير الاستدلال بوجود كائن حي في البيت على وجود إنسان ، وهذا خاطئ.

والشهود والعيان ينفيان تلك الملازمة ، وهاك بعض النماذج :

أ ـ إنّ نظرية بطليموس الّتي سادت الأوساط العلمية قرابة خمسة عشر قرناً من الزمن ، كانت مبنية على مركزية الأرض وحركة الشمس والأفلاك حولها. ولكن هذه النظرية بطلت من أساسها في الحضارة الحديثة وتبيّن أنّ الأمر على العكس ، مع أنّ النتائج الّتي كان يستخلصها المنجمون والفلكيون ، اعتماداً على هذه الفرضية الباطلة ، صحيحة لا غبار عليها ، نظير تعيين قواعد الخسوف والكسوف وعلاماته وأوقاته الدقيقة ، وأوضاع الهلال ودورة القمر الشهرية ، واتّجاه القبلة ، وخطوط الطول والعرض وغير ذلك.

ب ـ كان السائد عند العلماء أنّ العناصر المكوّنة للكون أربعة : الهواء والتراب والماء والنار. والعناصر الأساسية الّتي يتشكل منها الطبع البدني الإنساني أربعة أيضاً : الدم والبلغم والصفراء والسوداء. وكان الأطباء يعالجون بهذه

٢٣٦

الفرضية كثيراً من الأمراض ، وكانت عملياتهم ناجحة. ومع ذلك لا يمكن القول بأنّ صحة نتائجهم دليل على صحة فرضيتهم.

ج ـ من السذاجة جعل صحة النتيجة دليلاً على صحة الفرضية ، لإمكان أن تكون نتيجةٌ واحدةٌ مترتبة على فرضيتين مختلفتين. مثلاً :

إذا أخبرت مديرية السكك الحديدية بأنّ قطاراً سينطلق من دمشق إلى المدينة المنورة الساعة الثالثة صباحاً بسرعة خمسين كيلومتراً في الساعة ، وأخبرت أيضاً بأنّ قطاراً آخر سيتحرك في نفس الساعة من المدينة باتّجاه دمشق بسرعة مائة كيلومتر في الساعة. فعند ذلك ، يصحّ لمن كان له إلمام بمواقع المحطات أن يتنبّأ بأنّ القطارين سيلتقيان في محطة كذا ، في الساعة الثانية عشرة ليلاً ـ مثلاً ـ ويخبر عنه بجزم. والإنسان الساذج يجعله دليلاً على صحة ما أخبرت به المديرية ، وليس كذلك ، بدليل أنّه لو تحركا على عكس ما أخبرت به المديرية بأنْ كانت سرعة القطار المتوجه إلى المدينة مائة كيلومتر ، والمتوجه إلى دمشق خمسين كيلومتراً ، تتحقق نفس تلك النتيجة ، والقطاران يلتقيان في الوقت المعيّن.

ورابعاً ـ إنّ هناك قضايا يحكم عقل الجميع بامتناعها ، كاستحالة الدور والتسلسل ، وليس لأحد إنكار امتناعها ، فمن أين وقف أصحاب هذا المذهب (التجريبي) على استحالتها؟ أفهل وقفوا عليه من طريق التجربة؟ من المعلوم بطلانه ، لأنّ الأمور المستحيلة معدومات صرفة ، فكيف يمكن إجراء التجارب عليها ، ولو وقعت تحت إطار التجربة لدلّ ذلك على أنّها موجودة لا معدومة مستحيلة.

وخامساً ـ نحن وأصحاب هذا المذهب (التجريبي) معترفون بالمادة بمفهومها الفلسفي ، الّتي لها ظواهر وأعراض وصفات ، لكن المادة بهذا المفهوم لا تقع في إطار التجربة ، وإنّما الواقع فيه آثارها ، فالزهرة الّتي نراها على الشجرة ، أو نلمسها بأيدينا ، إنّما نرى لونها ، ونحسّ بنعومتها ، ولسنا نرى ولا نحسّ ـ في جميع الأحوال ـ الجوهر المادي الّذي تكسوه هذه الظواهر والأعراض.

ولذلك ذهب السذج من الطبيعيين إلى إنكار المادة قائلين ـ في المثال ـ بأنّه ليس لنا وراء الرائحة الزكية واللون الأحمر والطعم الخاص شيء نسمّيه زهراً. مع

٢٣٧

أنّ القول بوجود المادة هو الأساس للمذهب التجريبي ، فلا يمكن الإيمان بوجودها إلّا عن طريق العقل ، كما سنشير إليه عند البحث عن حدود المعرفة.

والتجربة ، وإن لم تكن معياراً لتمييز الحقائق عن الأوهام ، إلّا أنّك عرفت فيما مضى أنّها إحدى أدوات المعرفة ، ونضيف هنا أنّها المفتاح الأول للمعرفة ، ومع ذلك لا بُدّ لمتحرّي الحقيقة إذا أعمل التجربة ، من أن يعمل مفتاحاً آخر هو العقل ، حتّى تنكشف له آفاق أُخرى من الحقائق.

فالحقائق المادية والمعنوية أشبه بغرف متداخلة لا يمكن لإنسان دخول الغرفة الثانية إلّا بعد دخول الأولى. فالتجربة تفتح الغرفة الأولى ، ولا بدّ لدخول الغرفة التالية من استعمال مفاتيح أُخرى غير التجربة.

وبعبارة أُخرى : إنّ التجربة في مورد خاص ، تعطي للمعرفة الإنسانية ـ بمعاونة حكم العقل ـ بسطاً عَرْضياً ، فنحكم بأنّ نتيجتها شاملة لعامة الموارد. وأمّا تعميق تلك المعرفة وبسطها عمقاً ، فهو يرجع إلى العقل المحض ، ليستدلّ من رؤية الآية على ذيها ، ومن الآثار على مؤثّرها ، كما أوضحنا ذلك فيما سبق. وتأتي الإشارة إليه عند البحث عن حدود المعرفة.

النظرية الثالثة : الغلبة آية الحق

انتشر في هذه الآونة الأخيرة بين الشباب المتأثرين بالماركسية (١) (الّتي تداعت أُسسها وبدأت بالانهيار) ، بأنّ الغلبة آية الحق وعلامته. وليست هذه الفكرة حديثة ، بل لها جذور في التاريخ ، كيف وقد قيل قديماً : إنّ المُلك لمن غلب ، يريدون أنّ الحق لمن غلب. وانتشر في الألسن قول شاعر العهد الأموي :

أرى فتنةً تغلي مراجلُها

والمُلْكُ بعد أبي ليلى لمن غلبا

وهذا المبدأ ، على إطلاقه ، غير صحيح ، بل لا بدّ من التفريق بين غلبة فرد أو طائفة على فرد أو طائفة ، وغلبة منهج على منهج ، ولو صحّ جعل الغلبة آية

__________________

(١)MSIXRAM.

٢٣٨

الحق ، فإنّما يصحّ في القسم الثاني ـ على ما سنشرحه ـ لا الأول. فإنّ لغلبة فرد أو طائفة أو دولة على مثلها عوامل كثيرة لا صلة لها بالحق والباطل. نعم ، إذا كان اقتفاء منهج سبباً لغلبة أصحاب المنهج الآخر ، فهذا من آيات أحقيّة المنهج الغالب وبطلان المنهج المغلوب ، كما يشير إليه قوله تعالى : (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (١) ، وإليك البيان :

نحن نرى في الحياة أنّ طائفة تثور على طائفة أُخرى وتتغلّب عليها ، وقد يتصور الإنسان الساذج أنّ الغلبة هنا ، غلبة منهاج على منهاج ، ولكن كثيراً ما يتفق أن يكون من قبيل غلبة طائفة على طائفة من دون أن يكون لأيّ المنهجين اللّذين تتبناهما أو تنسب إليهما كل طائفة ، أدنى دخالة في تلك الغلبة والمغلوبية. ولأجل إيضاح الحال نمثّل بمثالين :

المثال الأوّل : كان الصراع بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ومعاوية ، صراعاً عنيفاً ، استمرّ عدّة سنين ، وانتهى بانتصار جيش معاوية ، وانهزام جيش علي عليه‌السلام (٢). ولا ريب أنّ علياً كان على الحق ، ومعاوية على الباطل حيث تمرّد على وصي النبي أوّلاً ، ومُنْتَخَب المهاجرين والأنصار ثانياً ، فكيف تُفَسَّر إذن هذه الغلبة؟

إنّ هذه الغلبة لم تكن غلبة منهج على منهج ، بل كانت من قبيل غلبة طائفة على طائفة ، وهناك فروض متعددة يمكن الاستعانة بها على تفسير هذه الغلبة ، مثل أن يقال : إنّ الشاميين تغلبوا على العراقيين ، أو إنّ العراقيين ، لتخلّفهم عن منهاج الإمام علي عليه‌السلام ، حالفتهم الهزيمة. والوقائع التاريخية تشهد على ذلك ، كيف وقد كان علي عليه‌السلام يشتكي من أهل العراق تخاذلهم عنه ، وتقاعسهم عن حقّه.

يقول عليه‌السلام في إحدى خُطَبه لهم : «إنّي والله لأَظنُّ أنّ هؤلاء القوم

__________________

(١) الإسراء : ٨١.

(٢) لقد كان عليٌّ عليه‌السلام يخبر عن النتيجة المرّة قبل وقوعها ، نظير قوله في إحدى خطبه : «أما والله ليسلطنّ عليكم غلام ثقيف ، الذيّال الميّال ، يأكل خَضِرَتَكُمْ ، ويزيل شَحْمَتَكُمْ» لاحظ نهج البلاغة ، الخطبة ١١٦.

٢٣٩

سيُدالون منكم ، باجتماعهم على باطلهم ، وتفرُّقِكُمْ عن حقِّكُمْ ، وبمعصيتكُمْ إمامَكُم في الحق ، وطاعتِهِمْ إمامَهُم في الباطل ، وبادائِهِمْ الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم ، وبصلاحهم في بلادهم وفسادِكُم ، فلو ائتمنت أَحَدَكم على قُعْبٍ لخشيتُ أن يذهب بعلاقته ، اللهم إني قد مَلِلْتُهُمْ وملّوني ، وَسَئِمْتُهُمْ وسَئِموني ، فأَبْدِلْني بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شرّاً مني. اللهم مِثْ قلوبَهم كما يُماث المِلْحُ في الماء. أما والله لَوَدِدتُ أَنَّ لي بكم ألف فارسٍ من بني فراس بن غَنْم.

هنالك لو دَعَوْتَ أتاك منهم

فوارسُ مثل أرْمِيَةِ الحميم» (١)

فالإمام عليه‌السلام ـ في هذه الكلمات ـ يكشف النقاب عن العوامل الّتي أدّت بالتالي إلى هزيمة جيشه ، وهي تتلخص في تخلّف أتباعه عن الأصول الحقّة الّتي يجب على الشعب الالتزام بها تجاه قائده ، بينما كان أتباع معاوية يجسدونها في مجتمعهم. وهذه الأُصول هي :

١. توحيد الكلمة ووحدتها ، ويقابله التفرّق والاختلاف.

٢. إطاعة القائد ، ويقابلها التمرّد عليه وعصيانه.

٣. أداء الأمانة إلى الإمام ، ويقابله خيانتها.

٤. إصلاح البلاد ، ويقابله الإفساد فيها.

هذه الأصول الّتي جاءت في كلام الإمام عليه‌السلام ، وهي أُصول حقّة ، وكان الإمام داعماً لها ، والنصر حليف العمل بها ، ولكن العراقيين تخلفوا عنها ، بينما تفانى فيها الشاميون. فلا تُعَدّ غلبتهم ، غلبةً لمنهج معاوية الّذي كان مبتنياً على مبادئ لا توافق تعاليم الإسلام ، على منهج الإمام المجسد لأصول ومبادئ الإسلام.

الثاني ـ نحن نرى أنّ البلاد الإسلامية قد صارت في هذه الأزمان فريسة للغربيين ، وأنّ الغرب والشرق بمعسكريه الاشتراكي والرأسمالي ، ضربا المسلمين ضرباً عنيفاً ، وأغارا على ثقافتهم ومعارفهم واقتصادهم وثرواتهم ، وكل شيء نالته أيديهم ، فالإنسان الساذج يزعم أنّ ذلك من قبيل غلبة منهج على منهج

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ٢٥

٢٤٠