🚘

نظريّة المعرفة

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

نظريّة المعرفة

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: مطبعة القدس
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
🚘 نسخة غير مصححة

فالنتيجة أنّ وجود تلكما الشخصيتين وما اتّسمتا به ، ليس من الأُمور الحسيّة ، بل من الأُمور الاستنباطية العقلية المعلومة تحت ضوابط عقلية.

٢. نحن نعتقد بوجود حضارات ازدهرت عبر التاريخ ثمّ اندثرت ولم يبق منها إلّا الأطلال الّتي ترشد إليها. ولكن معرفتنا بها معرفة عقلية لا حسيّة ، وذلك لأنّ المشاهَد لنا هو الآثار الباقية ، وأمّا نفس الحضارات الّتي كانت مزدهرة ، فهي غائبة عن حواسنا وإنّما نستدلّ عليها بالآثار :

إنّ آثارنا تدلّ علينا

فانظروا بعدنا إلى الآثار

٣. إنّ هناك أمماً كبيرة عفا عليها الزمن ، ونحن نذعن بوجودها ونتصور أنّ معرفتنا بها حسيّة ، مع أنّها في الحقيقة عقلية مستنبطة فالإنسان إذا رأى الأهرام في «الجيزة» يستدلّ فوراً على وجود أمّة في غابر الأزمان ، كانت واقفة على أُصول الهندسة ، وتمتلك رافعات عملاقة ، وجيشاً عظيماً من العمّال مكّنها كل ذلك من تشييد هذه الأهرام(١).

٤. نحن نعتقد بوجود عواصم كبيرة كلندن وموسكو وطهران وطوكيو ، كما أنّ القاطنين في هذه العواصم يعتقدون بوجود عواصم أُخرى في شرق العالم وغربه ، ولم يروها بأمّهات أعينهم ولكنّهم مذعنون بذلك.

وليست هذه المعرفة حسيّة بل عقلية مستنبطة ، حيث تتواتر الأخبار عن وجودها وعظمتها عن طريق المسافرين والرحّالة ، فيحكم العقل باستحالة أن يتواطأ هؤلاء جميعاً في إخبارهم. فالمحسوس لنا في الواقع هو نفس الإخبار وأمّا وجود البلدان فعقلي مستنبط.

٥. يقول راسل (٢) : نحن نعتقد بوجود الشمس في السماء ، وأنّه ليست لدينا معرفة حسيّة أوضح منها. ولكن المحسوس لنا في الواقع هو ضوء الشمس

__________________

(١) والقرآن يسمّي هذه المعرفة وسابقتها معرفة «آيوية» وهي الوقوف بالآية وخصائصها ، على ذي الآية وصفاته ، ويحثّ عليها في كثير من آياته. وعلى ذلك فمعرفة وجود خالق الكون لا تختلف عن معرفة الحضارات وأصحابها ، فالاستدلال عليها من باب واحد وهو الاستدلال بالآية على ذيها ، وسيأتي الكلام في ذلك.

(٢)lessuR dnartreB ، (١٨٧٢ ـ ١٩٧٠ م).

٢٠١

ونورها لا ذاتها ووجودها ، بل إنّه يمكن التشكيك بوجودها بالقول بأنّ ضوء النهار ناتج عن تفجير الملايين من المنوِّرات الضوئية. ولو لا استبعاد العقل ذلك وإحالته لما أذعنّا يقيناً بوجودها.

٦. كلٌّ منّا يعتقد بأنّ له أُماً وأباً ، ويتخيل أنّ معرفته بهما إذ يراهما حسيّة ، مع أنّها في الواقع عقلية ، لأنّه إذا لقيهما في الخارج ، فمن المحتمل عند العقل أن يكون من شاهده مشابهاً لهما في الشكل والقيافة والتصرّف والصوت و ... ولو لا دحض هذا الاحتمال بحكم عقلي لما أمكنه الإذعان بأنّهما أُمّه وأبوه.

٧. الفلسفة الماركسية تنبئ عن حركة التاريخ الاجتماعية والاقتصادية ، فتقول إنّ الإنسان كان على الاشتراكية الأُولى فتبدّل منها إلى الإقطاعية ومنها إلى البرجوازية ثمّ يتبدل منها إلى الاشتراكية ثمّ إلى الشيوعية الّتي هي الجنة الموعودة في الكتب السماوية.

ولكن جميع ما أنبأت به استنباطات عقلية وليست معارف حسيّة.

والحاصل أنّ العناصر العقلية موجودة في كثير من الإدراكات الحسيّة ، ولولاها لما اتّصفت الإدراكات الحسيّة بالعلم واليقين. وبما أنّ الذهن ينتقل إلى تلك العناصر بسرعة ، فلذا ربما يغفل الإنسان عن وجودها ودخالتها في الإدراكات الحسيّة. ولأجل ذلك نقول : إنّ الحسّ وإن كان من أدوات المعرفة ، ولكنه لا يورث العلم في كثير من الموارد إلّا بضم استدلالات عقلية ومنطقية تعطي معرفة حسية بمعنى ، وعقليّةً بمعنى آخر.

٢ ـ المعرفة العقلية

المعرفة العقلية هي المفاهيم الكلية التصورية أو القضايا الكلّيّة التصديقية الّتي ينالها العقل في ظل عمليات خاصة. فالانتقال إلى مفهوم الإنسان الكلّي من مشاهدة عدّة أفراد متماثلة ، معرفة عقلية تصورية ، كما أنّ انتزاع قاعدة كليّة (كانصهار الحديد عند درجة خاصة) من عمليات تجريبية متكررة ، معرفة عقلية تصديقية.

وقد أوضحنا فيما تقدّم كيفية انتقال الإنسان إلى المفاهيم والقوانين الكليّة ،

٢٠٢

غير أنّ هناك غموضاً في كفية صنع الكليات من مشاهدة الجزئيات ، والرابطة المنطقية القائمة بين المعرفة الحسيّة والمعرفة العقلية. فانّ الإنسان عند ما يطل بنظره إلى أفراد محدودة ، كيف يصنع منها مفهوماً كلّياً يشملها وغيرها؟ أو أنّه عند ما يجري عملية التجربة على عناصر خاصة ، كيف يصنع منها قاعدة كلية تعم ما جرّبه وغيره؟

إنّ هذا العمل يشبه في بادئ النظر ، عمل المصور الّذي يلتقط صورة لعدة أشخاص معينين في مجلس ما ، ثمّ يدلّس في الصورة ، فيدخل فيها صور أشخاص لم يكونوا مع الذين التقطت صورتهم. فإنّ عمل العقل في مجالي التصور والتصديق من قبيل تبديل المعرفة الحسية المحدودة إلى معرفة عقلية كلّية تشمل ما لم يكن داخلاً في المعرفة الحسية. ولكن الحقيقة أنّ هناك فرقاً بين عمل العقل وعمل ذاك المصوّر ، فما هو؟

الرابطة المنطقية بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية

إنّ هذه المعضلة (كيفية صنع الكليات من مشاهدة الجزئيات) مطروحة في الفلسفة الغربية ، وقد حاول الكثير من الباحثين في نظرية المعرفة الإجابة عنها ، أمثال : «كانت» و «هيجل» ، ولكنهم لم يصلوا إلى شيء مقنع ، وسنذكر فيما يأتي ما أجابوا به.

وقد سبقتهم الفلسفة الإسلامية إلى حلّها ببيان يظهر ممّا تقدم إيضاحه عند البحث عن عمليات أداة العقل ، فقلنا إنّ منها إدراكه للمفاهيم الكليّة وذلك بنحوين : إمّا عن طريق التجريد والانتزاع ؛ أو عن طريق تبديل المعرفة الحسيّة إلى المعرفة العقلية بالخلق والإبداع، كما ذهب إليه الشيخ الرئيس أو الارتقاء من درجة إلى أُخرى كما ذهب إليه صدر المتألهين ، فلا نعيد.

وعلى ضوء ذلك يظهر الفرق بين عمل العقل وعمل ذاك المصوِّر الّذي يقصد إشراك من لم يكن في المجلس ، فإنّ العقل لا يزيد على المعرفة الحسيّة شيئاً ، وإنّما يرقِّي معرفته إمّا عن طريق حذف المشخصات والأخذ بالمشتركات ، أو بأنّ النفس بعد مشاهدة المميزات والمشتركات تستطيع خلق مفهوم كلّي ، أو أنّها هي بذاتها تتكامل إلى معرفة أرقى.

٢٠٣

فليست المسألة من قبيل التدخل في المعرفة الحسيّة كما هو الحال في عمل المصوِّر ، بل المعرفة الحسيّة باقية على حالها ، ولكنها ـ بما هي ـ تعطي للنفس مقدرة خاصة على انتزاع الكلّي أو صنعه في أُفق الذهن ، أو تنتقل إلى معرفة أُخرى. فبين العملين فرق جوهري.

جوابان للفلاسفة الغربيين

لما وقف الفلاسفة الغربيون على هذه المعضلة ، حاولوا حلّها ، فجاءُوا بجوابين نشير إليهما :

أ ـ تعميم المعرفة الحسيّة

وحاصل هذا الجواب أنّ الذهن يقوم بتعميم المعرفة الحسيّة المحدودة إلى معرفة وسيعة غير محدودة ، هي المفاهيم الكليّة.

ولا يخفى أنّ هذا مصادرة واضحة ، إذ لا يزال السؤال باقٍ بحاله ، فالمستشكل يسأل عن الفرق بين تعميم العقل المعرفة المحدودة إلى غير محدودة ، وتعميم المصور تلك الصورة بالتلاعب فيها وزيادة أشخاص غرباء ، ولما ذا يعدّ أحد العملين جرماً دون الآخر؟

فالمستشكل بدلاً من أن يحلّ العقدة ، كرر الإشكال ، بخلاف الفلاسفة الإسلاميين فقد حلّوها إمّا بحديث الانتزاع ، وإمّا بخلاقية النفس ، أو بترقي المعرفة من الحسيّة إلى درجة فوقها.

ب ـ تبدل التغيرات الكمية إلى الكيفية

تذهب الفلسفة الديالكتيكية إلى أنّ التبدلات الجزئية التدريجية المستمرة الطارئة على الطبيعة ربما تصل إلى حدّ يفقد فيه الجسم قدرته على تحمل هذه التغيرات بشكلها الخاص ، فيقع في الجسم تحول فجائي آني تحصل على أثره كيفية جديدة.

وبعبارة أُخرى : إنّ التطور الديالكتيكي للمادة على قسمين : أحدهما تغيّر

٢٠٤

كميّ يحصل ببطء ، والآخر تغيّر فجائي يحصل بصورة دفعية نتيجة للتغيرات الكمية المتدرجة ، بمعنى أنّ التغيرات الكمية تبلغ إلى مرحلة تتغير فيها من الكمية إلى كيفية جديدة.

مثلاً : إنّ الماء عند تسخينه ترتفع درجة حرارته تدريجياً ، ويحصل بسبب هذا الارتفاع التدريجي ، تغيرات كمية بطيئة ، حتّى إذا وصلت درجة حرارته إلى المائة ، فينقلب في تلك اللحظة من حالة السيلان إلى البخارية ، وتنقلب فجأة تلك التغيرات الكمية إلى حالة كيفية جديدة.

وهكذا في جانب البرودة ، فإنّها لا تزال تنخفض شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى حدّ لا تقبل معه طبيعة الماء الانخفاض التدريجي في برودتها ، فيتحول الماء فجأة إلى الجليد.

وقد أبدع هذا الأصل الفيلسوف الألماني «هيجل» (١٧٦١ ـ ١٨٣٦ م) ، وقد استخدمته الفلسفة الديالكتيكية في توجيه نظرياتها الاجتماعية والفلسفية. وفي ظل هذا الأصل قالوا : يتبدّل النظام الإقطاعي إلى الرأسمالية ، وهي إلى الاشتراكية. وفي المقام يفسّرون تبدل المعرفة الحسيّة إلى العقلية بأنّه من قبيل انتقال التبدلات الكمية إلى التبدلات الكيفية.(١)

يلاحظ عليه :

أوّلاً : إنّ هذا الأصل على فرض صحته ، غير صحيح في مثال الماء المعروف عندهم. وذلك أنّ التبدلات الطارئة على الماء عند تزايد الحرارة إنّما هي من قبيل التبدلات الكيفية لا الكمية ، لأنّ التبدلات الكمية الحاصلة في الماء عبارة عن تزايد الماء وتناقصه. وأمّا تصاعد السخونة فليس من تزايد الماء وتناقصه في شيء ، ولهذا لا يكون من قبيل التبدلات الكمية ، بل هو من التبدلات الكيفية ، فكيف سمّى «هيجل» تصاعد السخونة بالتبدّل الكمي؟

ثمّ إنّ تبدّل الماء الحار إلى بخار ليس تبدّلاً كيفياً حاصلاً في الماء ، بل البخار

__________________

(١) هذا الّذي ذكروه ناشئ من أحد أُصول الديالكتيك الّتي تبنّاها «هيجل» ، ويعرف ب «قفزات التطور» وستأتي الإشارة إليه وإلى سائر أصول الديالكتيك في الفصل الثاني عشر.

٢٠٥

نوع جديد يغاير الماء بدليل تغاير آثارهما. فالأوْلى أن يعبّر «هيجل» عن مقصوده بأنّ التغيرات الكيفية التدريجية ربما تبلغ درجة تنقلب فيها الطبيعة إلى نوع آخر. فينبغي أن يقال في مثل الماء : إنّ التبدّلات الكيفية التدريجية في الماء تتحول إلى تبدلات نوعية.

وثانياً : لو صحّ هذا الأصل ، فلا يصحّ في هذا المقام أيضاً ، وذلك لما عرفت من أنّ هذا التبدّل ينتهي إلى تبدلات ماهوية وتغيرات جوهرية ، فعند ذلك تفقد المعرفة العقلية صلتها بالمعرفة الحسيّة ، فكيف تكون حاكية عنها ، مع أنّهما من نوعين مختلفين جوهراً وماهية.

وإن شئت قلت : إنّ نسبة المعرفة العقلية إلى المعرفة الحسيّة ، كنسبة البخار إلى الماء ، بل كنسبة الذهب إلى النحاس على ما هو المنقول من أنّ بعض الكيميائيين القدماء كانوا يستطيعون بمعالجات كيميائية قلب النحاس إلى الذهب ، فعندئذٍ تكون الصورة الحسيّة كالنحاس ، والمعرفة العقلية كالذهب ، وبينهما بون شاسع بعيد ، واختلاف في الجوهر ، فلا يمكن جعل أحدهما حاكياً عن الآخر.

وعلى ذلك ، فالقائل بهذا الأصل يجب أن يُعَدّ من المثاليين الذين ينكرون كاشفية العلم عن الواقع ، وقد تعرفت فيما مضى على أنّ الصلة الموجودة بين العلم ومحكيّه هي صلة الكاشفية والمكشوفية ، لا صلة التوليد والإنتاج ، وأنّ نسبة العلم إلى محكيه ليس كنسبة الوالدين إلى ولدهما أو نسبة الندى إلى البخار ، فإنّ تصوير الرابطة بهذه الصورة يستتبع المغايرة وهي تنتهي إلى نفي الكاشفية المنجر إلى إنكار الحقائق الخارجية أو التشكيك فيها.

فليس للفيلسوف الموضوعي إلّا ولوج الباب الّذي ولج فيه الفلاسفة الإسلاميون ، وتفسير المعرفة العقلية بإحدى الصور الثلاث المتقدمة.

٣ ـ المعرفة الآيوية عند الفلاسفة الإسلاميين

وهناك معرفة أُخرى عند الفلاسفة الإسلاميين وتسمّى بالمعرفة الآيوية أو تبديل المعرفة السطحية إلى معرفة عُمْقِيّة.

٢٠٦

توضيح ذلك : إنّا إذا رأينا أشخاصاً معينين ، تقدر النفس على إدراك مفهوم كلي يصدق على هؤلاء وغيرهم. وهذا المفهوم بما أنّه يصدق على غير هؤلاء من الأفراد الموجودين في زمن الإدراك ، يكون تبسيطاً عَرْضياً للمعرفة. وبما أنّه يصدق حتّى على الأفراد الغابرة والآتية يكون تبسيطاً طولياً للمعرفة. فهذه المعرفة لا تتجاوز البسط والتعميم في كلا البعدين.

ولكن هناك معرفة أُخرى أعلى وأكمل ، وهي التكميل العمقي للمعرفة ، وبسطها إلى آفاق عليا ، ألا وهي الاستدلال بالمرئي على غيره ، وبالآثار على ذيها ، وبالآيات على صاحبها.

والاستدلال بالآية على ذيها على قسمين :

الأوّل : الاستدلال بالآثار الحسيّة والطبيعية على شيء مادي ولكنه ليس بمحسوس للمستدلّ في ظرف إحساس الآثار وإدراكها. فالآثار الباقية من أصحاب الملاحم والدواوين قابلة للاستدلال بها على أنّه كان هناك نوابغ في الشعر والأدب نظموا هذه القصائد والدواوين ، كما هو الحال في الآثار العلمية الموروثة.

فهذه الآثار أعني الدواوين والكتب ، محسوسة ، ولكن مؤلفيها ليسوا محسوسين في زمان إدراك الآثار ، ولكنها بالذات أُمور محسوسة في ظرفها. فيستدلّ ـ إذن ـ بالمحسوس في الآن ، على المحسوس بالذات ، استدلالاً آيوياً.

الثاني : الاستدلال بالمحسوس على غير المحسوس بالذات ، وهذا الاستدلال بإتقان المصنوع على علم الصانع وقدرته ، وبجماله على ذوقه وبراعته. ومن هذا أيضاً ، الاستدلال بالآيات الموجودة في عالم الكون على أنّ له صانعاً عالماً قادراً قام بتنظيم الكون وتنسيقه وفق قوانين وسنن تحيّر العقول.

والماديون يقرّون بكلا الاستدلالين ولا يفرّقون بينهما في حياتهم العملية. فهم كما يستدلّون بالكتاب الفلسفي على وجود فيلسوف ألفه وكتبه ، يستدلّون بأفعال الرجل وتصرفاته ، على روحياته ونفسياته من حسن وسوء ، وصفاء وخبث ، وإخلاص وخيانة ، مع أنّ حسن السريرة وسوءها ، وصفاء النفس وخبثها ... كلها أُمور غيبية غير مرئية ولا واقعة في أُفق الحواس.

٢٠٧

ولكن مع ذلك كلّه تراهم إذا وصل الأمر إلى المسائل العقائدية وما يرجع إلى ما وراء الطبيعة ، ينكرون الاستدلال الثاني ، أو يشكّون فيه ، مع ما عرفت من جريان سيرتهم العملية عليه في أمورهم العادية. وهذا ممّا ينقضي منه العجب!!.

وبرهان النظم الّذي يعتبر من أهم أدلّة الإلهيين على إثبات صانع العالم ، يرتكز أساساً على الاستدلال بالآية على ذيها بصور وتقارير مختلفة (١).

ومجمل القول فيه هو أنّ العقل إذا لاحظ النظام البديع بما فيه من النواميس المبنية على القواعد الدقيقة ، يذعن بأنّه صادر عن فاعل عالم محيط بالمادة وخصوصياتها ، والقوانين والنواميس المتحكمة في أجزاء الكون ، من ذرّته إلى مجرّته ، وأنّه لا يصحّ أن يستند هذا النظام إلى نفس المادة الصمّاء ويعدّ من آثارها ، أو يستند إلى الصدفة. وهذا استدلال عقلي آيوي.

القرآن والمعرفة الآيوية

ركز القرآن الكريم على هذا النوع من المعرفة ، وكرر في كثير من آياته قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ) (٢) * ، و : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) (٣) * ونحو ذلك ممّا يفيد تأكيده على لزوم التعرف على ذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وما فيه من الكمال والجمال ، عن طريق النظر والتدبر في آثاره وآياته ، نظير الاستدلال بالموسوعة العلمية على تبحّر مؤلفها وجامعيته في المعرفة.

فذاته سبحانه ، بما أنّها مجهولة الكنه ، لا يسع العقل البشري الممكن أن يتعرف عليها ، فلذا لم يكن بدٌّ من اللجوء إلى آثاره ، والنظر فيها ، والاستدلال بها على ما في مؤثرها من كمال وجمال ، وهذا الطريق متاح للجميع.

__________________

(١) سيوافيك بيانها في بحث إثبات الصانع.

(٢) الروم : ٢٠ و ٢١ و ٢٢ و ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٤٦ ، فصّلت : ٣٧ و ٣٩ ، الشورى : ٢٩ و ٣٢.

(٣) يونس : ٦٧ ، الرعد : ٣ و ٤ ، إبراهيم : ٥ ، الحجر : ٧٥ ، النحل : ١٢ و ٧٩ ، مريم : ١٢٨ ، المؤمنون : ٣٠ ، النمل : ٨٦ ، العنكبوت : ٢٤ ، الروم : ٢١ و ٢٢ و ٢٣ و ٢٤ و ٣٧ ، لقمان : ٣١ ، السجدة : ٢٦ ، سبأ : ١٩ ، الزمر : ٤٢ و ٥٢ ، الشورى : ٣٣ ، الجاثية : ١٣.

٢٠٨

ونكتفي في المقام بذكر بعض الآيات من سورة الروم المباركة ، يقول تعالى :

(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ* وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ* وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) (١).

لقد كان العرب الجاهليون يفرّقون بين الخلق والتدبير ، فينسبون الخلق إلى الله سبحانه ، والتدبير إلى أرباب الأصنام ، فكانوا يعبدونها لتكون لهم شفعاء عند الله ، فجاءت الآيات لتردّ تلك المزعمة ، وتثبت أنّ الخلق والتدبير كليهما لله سبحانه ، وأنّه هو المدبّر وبالتالي هو الربّ (٢) دون غيره ، مستدلة بالشهود على الغيب ، وبالآية على ذيها. وقد رتّبت الآيات المذكورة وصيغت على وجه بديع ، آخذة من بدء خلق الإنسان وتكوّنه ، ثمّ تصنيفه صنفين : ذكر وأنثى ، ثمّ ارتباط وجوده بالسماء والأرض (٣) ، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم ، ثمّ سعيهم في طلب الرزق ، وسكونهم في منامهم ، ثمّ إراءة البرق ، وتنزيل الأمطار حتّى تحيا الأرض وتصلح لاستفادة الإنسان منها واستنمائها ؛ إلى أن تنتهي الآيات إلى قيام السماء والأرض إلى أجل مسمّى ، ليتم لهذا النوع الإنساني ما قدّر له من أمد الحياة.

__________________

(١) الروم : ٢٠ ـ ٢٥.

(٢) الرب في اللغة بمعنى الصاحب ، يقال : ربُّ البستان وربُّ الدار وربُّ القطيع ويراد به من إليه تدبير أمر البستان والدار والقطيع وتلبية جميع مستلزمات نموها وعيشها وبقائها.

(٣) إشارة إلى أنّ المراد من قوله : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...) ، ثبات السماء والأرض على وضعهما الطبيعي الملائم لحياة النوع الإنساني المرتبط بهما.

٢٠٩

وقد جاء في فواصل الآيات قوله : (يَتَفَكَّرُونَ) ، (يَسْمَعُونَ) ، (يَعْقِلُونَ) ، مشيرةً إلى أنّ دراسة هذه الآيات يوقفنا على أنّه سبحانه هو المدبّر كما هو الخالق ، ببيان أنّ الإمعان فيها يعرب عن أنّ الخلق والتدبير ممتزجان ، بحيث لا يمكن أن ينسب الخلق إلى فاعلٍ والتدبير إلى فاعلٍ آخر ، فإنّ ذلك إنّما يتصور إذا كان التدبير منفصلاً عن الخلق ، كما في ربّ البستان وغيره ، فإنّه إنّما يهيئ له ما يضمن بقاءه من تنظيف الأرض ، وشق الجداول وتنقيتها ، وإيصال الماء إلى الأصول ، وتسميد الأرض وغير ذلك ممّا يصلح الأشجار ويهيِّئها للإثمار ، من دون أن يكون هو خالقاً للأشجار والثمار بوجه من الوجوه. وأمّا العامل الّذي يشاهده الإنسان ، وجاء ذكره في الآيات ، فإنّما هو سبيكة واحدة امتزج فيها الخلق والتدبير ، فلا يمكن الفصل بينهما.

وقد استدلّ إبراهيم عليه‌السلام على بطلان ربوبية الكوكب والقمر والشمس بآثارها الحسيّة ، وهي أُفولها وغيبتها عن الإنسان ، ولا يصحّ أن يكون الربُّ غائباً عن مربوبه ، فكيف يمكن أن تُعَدَّ الأفلاك أرباباً للإنسان الّذي يحتاج إلى التدبير في جميع آنات عمره ولحظات حياته؟

يقول تعالى حاكياً هذا الاستدلال : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١).

__________________

(١) الأنعام : ٧٥ ـ ٧٩.

٢١٠

الفصل السادس

ملاك الحقيقة

٢١١
٢١٢

الفصل السادس

ملاك الحقائق والأوهام

تمهيد

لقد طال الحوار محتدماً بين أنصار الحقائق والأوهام ، وكان لكلٍّ أعوان ، فلم يبرح الحجاج قائماً على ساق عبر قرون متطاولة بين الطرفين. فإذا كانت الحال هذه ، فيجب على كل ذي لبّ أن يتعرف على ملاك الحقيقة ما هو؟. وملاك الوهم ما هو؟ ، وأنّه كيف توصف قضية بكونها حقة ، وأُخرى بكونها باطلة؟ ، أو يحكم على فكر بالصواب ، وعلى آخر بالخطإ؟ أو على خبر بأنّه صادق ، وعلى آخر بأنّه كاذب؟

ثمّ بعد التعرف على الملاك الّذي يكون به الشيء حقّاً أو باطلاً ، لا بدّ من معرفة الطريق الّذي نستكشف به وجود ذلك الملاك ، ليكون سلوكه موصلاً إلى ما نتطلبه من حقيقةٍ وصدقٍ وصواب.

والبحث الأول بحث ثبوتي ، نبحث فيه عن الملاك الواقعي لاتّصاف القضايا في نفسها بالحقيقة أو البطلان ، سواء أكانت هناك معرفة أم لا. وأمّا البحث في الثاني فإثباتي ، وهو طريق معرفتنا باتّصاف القضية المطروحة أمامنا بأحد ذينك الوصفين.

وإن شئت فعبّر عن البحث الأول بقولك : ما هو ملاك كون شيء حقيقة أو وهماً؟

٢١٣

وعن الثاني بقولك : ما هو ملاك معرفة الحقيقة وتمييزها عن خلافها؟

وإن أردت قلت بعبارة ثالثة : البحث في الأوّل بحث كليٌّ ، لا يمت إلى قضية خاصة بصلة ، وإنّما العقل يقسّم الأفكار والقضايا إلى حقّة وباطلة ، فنسعى إلى معرفة الملاك الّذي به تنقسم القضايا إلى ذينك القسمين. ولكن البحث في الثاني بحث عن قضية شخصية مطروحة في باب فلسفي أو علمي ، نريد أن نعرف أنّها قضية حقيقية أو باطلة ، فنسعى إلى إثبات وجود ملاك الحقيقة أو ضدها فيها.

ولنمثل لذلك بالعالم الطبيعي الّذي يبحث عن حقيقة الذهب والفضة ، فبعد البحث والتحليل يتوصل إلى أنّ الذهب هو عنصر طبيعي ، معدني ، أصغر اللون ، رنّان ، يذوب عند درجة (١٠٦٣) سانتيغراد ، ويغلي عند درجة (٢٩٧٠). والفضة عنصر ، طبيعي ، معدني رمادي اللون ، يذوب عند درجة (٨ و ٩٧٠) سانتيغراد ، ويغلي عند درجة (٢٢١٠).

ثمّ بعد ما تبينت له الحقيقة بصورتها العلمية ، ربما يواجه قضية جزئية ، كتشخيص هذا الخاتم الّذي يلبسه ، هل هو ذهب أو فضة ، فهنا يحتاج إلى ملاك آخر ، يوصله إلى معرفة أيٍّ من ملاكات حقيقة الذهب والفضة موجودة فيه.

ولأجل ذلك فصلنا البحث الثاني عن الأول ، وهما من المباحث المهمّة في نظرية المعرفة ، وفي هذا الفصل نبحث في المجال الأول ، ونستعرض آراء الفلاسفة القدامى والجدد فيه.

* * *

١ ـ نظرية الفلسفة الإسلامية

يرى الفلاسفة الإسلاميّون أنّ القضية الصادقة هي المطابقة للواقع ، والكاذبة هي المخالفة له. وإليك توضيح نظريتهم :

إذا قيس موجود إلى موجود آخر ، فإمّا أن ينطبق أحدهما على الآخر ، كالذراع على الذراع ، والمتر على مثله ، فعندئذٍ يرى بينهما التوافق والانطباق ،

٢١٤

والوئام والتآلف. أو لا ، كما لو لوحظ كلّ منهما مع النقطة الهندسية (آخر الخط) ، فإنّ الّذي يتراءى حينذاك هو حالة التباين والتخالف ، وفقدان الارتباط والانسجام ، وكل ذلك ضروري.

وهاتان الحالتان (الانطباق وعدمه) لا تختصان بالأمور الخارجية ، بل تتحقق أيضاً في الإدراكات الذهنية إذا نسبت إلى الخارج ، فلا أحد يشك في أنّ قولنا : «الأربعة أكثر من الثلاثة» ، قضية تنطبق على الواقع ، كما أنّ قولنا : «الثلاثة أكثر من الأربعة» ، تباينه وتعانده.

والتدبر في هاتين الحالتين أوجب تقسيم الإدراكات التصديقية إلى صائبة وخاطئة ، فيقال : قضية صادقة أو كاذبة. وعلى ذلك ، فالصواب والخطأ لا يطلقان إلّا بعد تحقق أُمور :

١. قياس النسبة الموجودة في القضية إلى واقعها.

٢. تحقق الاتّحاد بين المقاس والمقاس عليه ، وعدمه.

٣. الحكم بأنّ هذا ذاك ، أو أنّ هذا ليس بذاك.

وعلى ضوء الأمر الأوّل ، لا يعقل الصواب والخطأ في المعاني المفردة ، والمفاهيم التصورية ، لأنّ المقايسة لا معنى لها إلّا بوجود أمرين : النسبة الموجودة المدرَكة ، وواقعها. والمفهوم المجرّد عن المحمول والنسبة مثل : «زيد» ، لا يقاس إلى شيء آخر.

وعلى ضوء الأمر الثاني يظهر لزوم التجانس بين القضية المدركة وواقعها ، فلو لم يكن هناك تجانس وتناسب لما صحّ الوصف بالصواب والخطأ ، لخروج المحل عن قابلية الاتّصاف بأحدهما. فلو لاحظت القضية المتقدمة «الأربعة أكثر من الثلاثة» مع قضية أُخرى غير مجانسة ، كقولنا : «الألماس يقطع الزجاج» ، لم تتصف الأُولى بالصواب والخطأ.

وعلى ضوء الشرط الثالث ، يظهر أنّ التطابق الواقعي وعَدَمَه ، لا يكفيان في تحقق الصواب والخطأ ، بل يتوقف تحققهما على الحكم بالاتّصاف أو بسلبه ، وأنَّ هذا ذاك أو أنّه ليس بذاك. فلو لم يكن في الوجود متعقِّلٌ ومتصوِّر ، لما حكم على قضية بالصواب والخطأ ، لفقدان الحكم والإذعان والتصديق.

٢١٥

فتلخص من ذلك أنّ ميزان الصواب والخطأ في الفلسفة الإسلامية انطباق القضية المدركة مع واقعها.

أقسام القضايا ووقائعها

لما كان ملاك الصحة والبطلان ، والخطأ والصواب ، انطباق القضايا على واقعها ، فلا بُدّ من بيان أقسام القضايا وواقع كل منها ، وكيفية انطباقها عليه ، فنقول :

تنقسم القضايا إلى ثلاثة أقسام رئيسية : خارجية ، وحقيقية وذهنية(١).

فالقضية تتصف بالخارجية ، إذا كان الحكم فيها على موضوع لا ينطبق إلّا على الأفراد الموجودة في زمان الحكم فقط. كقولنا : «هلكت المواشي» ، و «قُتل من في المعسكر».

وتتصف بالحقيقية ، إذا كان الحكم فيها ناظراً إلى الأفراد المحققة حال الحكم والآتية بعده ، كقولنا : «كل جسم متناه ، أو متحيّز ، أو منقسم إلى غير النهاية».

وتتصف بالذهنية ، إذا كان الحكم فيها على الأفراد الذهنية ، كقولنا : «الكلي إما ذاتي (كالحيوان) أو عرضي (كالضاحك). والذاتي إمّا جنس أو فصل».

أمّا ملاك الصدق والانطباق في القضايا الخارجية ، فهو باعتبار نسبتها إلى ما في الخارج حال الحكم ، فإذا هلكت جميع المواشي في المرعى ، أو جميع من كان في المعسكر ، كانت القضيتان صادقتين ، وإلّا فكاذبتان.

ومثل ذلك القضايا الحقيقية ، فهي صادقة إذا طابقت نسبتها الخارج الفعلي والمستقبلي. أمّا في جانب الأفراد الموجودة بالفعل ، فواضح. وأمّا في جانب

__________________

(١) بما أنّ البحث في المقام في القضايا المستعملة في العلوم ، لذا لم نذكر القضية الشخصية أو الجزئية مثل قولنا : «زيد قائم». ويظهر حالها ممّا نذكره في القضايا الخارجية.

٢١٦

الأفراد المقدّرة فإنّا نفرضها موجودة ، ثمّ نحكم على الكلّ بأنّها كذا أو كذا. فإذا طابقتها النسبة كانت القضية صادقة ، وإلّا فكاذبة.

وأمّا القضايا الذهنية ، فالصدق فيها باعتبار مطابقة نسبتها لما في نفس الأمر ، إذ لا خارج لها حتّى تطابقه أو لا تطابقه. والمراد من نفس الأمر ، ما يقابل فرض الفارض. فقولنا : الإنسان كلي ، أو الإنسان نوع ، أو : الحيوان ذاتي للإنسان ، أو : الضاحك عرضي للإنسان ، كلها قضايا ليس لها مصاديق خارجية ملموسة حتّى تطابقها أو لا تطابقها. ومع هذا ، فلتلك القضايا واقعية في نفس الأمر ، وليست واقعيتها حسب فرض الفارض واعتبار المعتبر ، بدليل أنّ قولنا : «الإنسان جزئي» ، أو «ليس بنوع» ، باطل. وهذا يكشف عن أنّ هنا واقعية تفرض علينا صدق البعض وكذب البعض الآخر. فانطباقها على نفس الأمر ملاك الصدق ، وعدمها ملاك الكذب.

ومن هنا يعلم أنّ ملاك الصدق في القضايا الذهنية وفي جميع القضايا المعنونة في المنطق هو الانطباق على نفس الأمر الّذي هو أعمّ من الوجود الخارجي الملموس. فنفس الأمر في القضايا الخارجية هو خارجها ، وأمّا في القضايا الذهنية فهو واقعها ، وإن لم يكن لها خارج ملموس.

فلو كنّا في مقام تحديد الإنسان بما هو هو ، من دون نظر إلى الخارج ، نقول : الإنسان حيوان ناطق ، فهي مطابقة لنفس الأمر وإن لم يكن لها خارج ملموس.

ويقابله القضايا الكاذبة ، كقولنا : «الأربعة فرد» ، فإنها ليس لها خارج ولا واقع.

ولأجل مزيد من الإيضاح نقول :

إنّ كثيراً من القضايا المنطقية والرياضية والهندسية تفقد المصاديق الخارجية ، ومع ذلك فليست فاقدة للواقع المسمّى بنفس الأمر ، وذلك لأنّ القضايا المنطقية كقولنا : «الإنسان نوع» أو «الإنسان كليّ» ، وإن لم يكن لها مصداق في الخارج ، إلّا أنّ الخارج على وجه يصحح انتزاع هذه القضايا منه ، وانتقال الذهن منه إليها. فبما أنّه يرى أنّ زيداً وعمراً وبكراً يشتركون في الإنسانية ، وأنّ

٢١٧

مفهومها مطرد فيهم وصادق عليهم صدقاً متواطئاً ، ينتقل من تلك الحقيقة الملموسة إلى مسألة منطقية ويقول : «الإنسان نوع» ، أو : إنّه كليّ» ، على ما مرّ توضيحه.

فالخارج منصّة لانطلاق الفكر إلى تلك القضية الكلية الّتي يتخيل أنّها ليس لها مصداق في الخارج ، إلّا أنّ هناك حقيقة خارجية تصحح تلك القضية الكليّة.

وبذلك يعلم حال القضايا الحسابية ، إذ ليس لموضوعاتها وجود في الخارج. فليس في الخارج عشرة ولا مائة ولا ألف ، بل الموجود في الخارج هو الوحدات ، ولكن تلك الوحدات تصحح لنا انتزاع هذه المفاهيم والأعداد ، بل صنع قضايا كليّة منها ، الّتي منها جدول الضرب الّذي ابتكره «فيثاغورس» اليوناني ، فإنّك لا تجد في الخارج مصداقاً لقولنا سبعة مضروبة في سبعة تساوي تسعة وأربعين إلّا أنّ هناك واقعية تصحح تلك القضية وتعد منشأ انتزاع لها ، وهي أنا إذا كررنا سبعة أشياء سبع مرّات نصل إلى تلك النتيجة.

ومثله القضايا الهندسية ، وما يرجع إلى الأشكال الهندسية من مربع ومثلث ودائرة ، وقواعدها وضوابطها ، فإنّها كلها لا مصاديق لها في الخارج. خذ الدائرة مثلاً ، فإنّها على التحقيق ليست موجودة في الخارج ، وإنّما الموجود هو الجسم المادي. وهكذا المربع ـ مثلاً ـ فإنّما هو مشكّل من خطوط ، والخط ـ بالمعنى الفلسفي (الّذي هو نهاية السطح) لا العرفي ـ لا وجود له في الخارج ، لأنّها (النهاية) أمر عدمي. ومع ذلك كلّه فالأحكام الواردة على هذه الأشكال بين صحيح وباطل ، وما ذلك إلّا لأنّ لهذه الأشكال مناشئ انتقال تصحح تصويرها ، كما تصحح الأحكام الواردة عليها. وعلى مطابقتها وعدمه يدور مدار صدقها وبطلانها.

وبذلك يعلم حال العلوم النفسية ، فإنّ الحالات الروحية من حسد وبخل ، وكرم ، ويأس ، و ... ، ليس لها وجود خارجي كالأجسام ، ولكنها بالقياس إلى العدم ، لها واقعيات ، كما أنّ لها آثاراً تصحح كشفها والانتقال إليها ، والحكم بصحة أو بطلان ما نقضي عليها من أحكام.

٢١٨

ومن هنا نرى أنّ الفلاسفة الإسلاميين يجعلون ملاك كون الشيء حقيقة أو وهماً ، أحد أمرين :

١. أن تكون القضية مطابقة للعينية الخارجية أو مخالفة لها.

٢. أن تكون القضية مطابقة للواقعية الّتي تناسب تلك القضية ، كما هو الحال في القضايا المبحوث عنها في المنطق وعلم النفس والعلوم الحسابية والهندسية ، على ما مرّ من نماذج.

شبهات وأجوبتها

بعد أن اتّضح لك معيار وملاك الصدق والكذب ، والصواب والخطأ عند الفلاسفة الإسلاميين ، يمكنك أن تدفع كل ما أُثير حوله من شبهات ، من قبل بعض الغربيين أمثال فيليسين شاله (١) وغيره. ونحن نذكر هنا بعضها ليعلم مدى ضالتها.

الشبهة الأُولى : إنّ هذا التعريف لا ينطبق على الحقائق الرياضية ، إذ ليس لموضوعاتها وجود خارجي.

الشبهة الثانية : إنّه لا ينطبق على الحقائق النفسانية لأنّها أمور نفسية وذهنية ليس لها وراء الذهن وجود خارجي حتّى يكون الانطباق ملاك الصدق وعدمه ملاك الكذب.

ويظهر الجواب عنهما بوضوح ممّا قدّمناه.

الشبهة الثالثة : إنّ التعريف لا ينطبق على القضايا التاريخية المندثرة لزوال موضوعاتها ، فلم يبق منها شيء في زمان الإدراك حتّى تطابقه أو لا تطابقه.

وهذه الشبهة بمكان من الضعف ، وذلك لأنّ القضايا التاريخية وإن لم تكن موجودة في ظرف الإدراك والحكم ، إلّا أنّها موجودة في ظروفها. فإذا قلنا : «أرسطو تلميذ أفلاطون» كان صحيحاً ، وإذا قلنا : «أفلاطون تلميذ أرسطو»

__________________

(١)eyallahC neicileF. في كتابه الفلسفة العلمية.

٢١٩

كان كذباً ، وما ذاك إلّا لأنّ الأول مطابق للواقع المتحقق في ظرفه ، والآخر مخالف له.

وكون شيء غير موجود في زمان الإدراك لا يجوّز إنكار وجوده مطلقاً حتّى في ظرفه.

فالإنسان الحاكم بالحكم في قضية تاريخية ، يعطف نظره إلى الوقائع السابقة المندثرة ، فيحكي عنها حكاية صادقة أو كاذبة (١).

الشبهة الرابعة : إنّ هذا التعريف ينبع من النظر إلى الكون نظرة جامدة فيتخيل أنّ عالم الطبيعة جامد ، وثابت غير متغير ، ولذلك عرفوا الحقيقة بأنّها عبارة عن مطابقة الذهن للعين.

وأمّا على القول الّذي تتبناه الفلسفة الديالكتيكية من أنّ الكون لما يزل متبدلاً متغيّراً ، وأنّه لا يبقى على حالة واحدة ، فكيف يمكن أن يكون ملاك الحقيقة تطابق الذهن والعين ، فإنّ العين يذهب أو يتغيّر ويتبدّل ولا يبقى حتّى تطابقه القضية الموجودة في الذهن.

والجواب عنها بوجهين :

١. لو صحّ هذا الإشكال ، للزم بطلان جميع القضايا الحاكية عن الخارج ، إذ لا شكّ أنّ هناك قضايا علمية وعرفية يريد الإنسان بها شرح الخارج وبيانه ، فلو كان الخارج على وجه لا يستطيع الذهن أن يحكم عليه بشيء ، للزم بطلان كل الأحكام الصادرة عن الإنسان ، لأنّ كل موضوع يتبدل قبل الحكم عليه. فلا معنى لقولنا ـ مثلاً ـ : هذه التفاحة طيبة الرائحة ، لو فرضنا تغيّر الموضوع وتبدّله.

٢. إنّ التحول والتغيّر ، ليس بمعنى تبدّل الخارج إلى موضوع مغاير له من جميع الجهات ، وإنّما التغيّر في الطبيعة الثانية أشبه بتعاقب الأمثال. فالتفاحة

__________________

(١) هذه الإشكالات الثلاثة ذكرها «فيليسين شاله» في كتابه «الفلسفة العلمية» ، الفصل العاشر في قيمة العلوم وحدودها : ٢٢٣.

٢٢٠