🚘

نظريّة المعرفة

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

نظريّة المعرفة

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
المطبعة: مطبعة القدس
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
🚘 نسخة غير مصححة

٧ ـ إثبات الصانع بطريقة ديكارت مستلزم للدور

قد عرفت أنّ ديكارت اعتمد في إثبات وجود الصانع على أُصول :

أ ـ إنّي أجد فكرة الإله في ذهني ، فلا بد أن يكون لها من مصدر. (كل ظاهرة تحتاج إلى علّة).

ب ـ إنّ هذه الظاهرة الذهنية ، بما لها من الكمال ، يمتنع أن يكون الذهن مصدرها ، بل لا بدّ أن يكون سببها أكمل من النفس والذهن.

ج ـ ثمّ فرّع على ذلك أنّ هذه الفكرة ، وكلّ فكرة فطرية ، ليس لها مصدر إلّا الله ، وكذا كل البديهيات ، كالحركة والامتداد والنفس وغيرها.

د ـ ثمّ وجه إلى نفسه سؤالاً : لما ذا لا تكون تلك القوّة (الإله) خادعة ومضلّلة لذهني في أفكاره وتصوراته؟

وأجاب : إنّ الخداع آية العجز والنقص ، والموجود الكامل منزّه عنه.

هذا خلاصة استدلال «ديكارت».

غير أنّ هذا الاستدلال دوري لا يفيد ، وذلك لأنّه وصل إلى هذه النتيجة : «إنّ القوة الكبرى ليست بخادعة بالنسبة إلى الأفكار الّتي يحملها ذهني وتودعها تلك القوة فيه» بعد الاستدلال بأُصول ثلاثة ، فهو لم يكن جازماً بهذه النتيجة عند ما كان يتفوّه بالأُصول الثلاثة الأُولى.

وعلى ضوء هذا ، فالأُصول الثلاثة الأُولى مشكوكة جداً عند الاستدلال ، لاحتمال أن تكون من تضليل القوة الكبرى وخداعها ، فإن تنزّهها عن الخداع لم يُتَوصل إليه بعد.

وعلى ذلك ، فصحّة الأصول الثلاثة الأولى ، متوقفة على صحة الأصل الرابع (تنزه الإله عن الخداع) ، مع أنّ هذا الأصل مبتن على صحة الأُصول الثلاثة ، وهذا هو الدور.

١٠١

٨ ـ الصورة الذهنية للإله ليست أكمل من الذهن

زعم ديكارت أنّ الصورة الذهنية عن القوة الكبرى أكمل من نفسه ، وليس هو بصحيح ، لأنّ الّذي يكون أكمل من النفس هو الواقعية الموضوعية الّتي يشار اليها بالصورة الذهنية.

كما أنّه رتب على ذلك لزوم أن يكون لها مصدر آخر ، وهو غير صحيح أيضاً ، لأنّ تصوّر الشيء الأكمل من النفس ، ليس دليلاً على أنّه جيء به من مصدر آخر إلى الذهن ، لأنّ الّذي لا تقدر عليه النفس هو إيجاد ذي الصورة ، لا الصورة المشيرة إليه. فهذا خلط بين الصورة وذي الصورة.

٩ ـ ما هو مصدر استحالة التضليل على الإله؟

إنّ قول ديكارت : الخداع مستحيل على الإله ، عبارة أُخرى عن أنّ الخداع قبيح ، وليست هي من الحكمة النظرية ، بل من الحكمة العملية ، فمن أين علم أنّه لا يخدع ، وشكّ في كل شيء ولم يشكّ في هذا؟

وما استدلّ به على استحالة الإطلاق بقوله : وهو مستحيل على الكامل المطلق ، لا ينبغي أن يركن إليه ديكارت ، إذ لعلّ هذه الفكرة أيضاً من خداعه وتضليله ، فيُوهِمُ أنّ الخداع مستحيل ، وليس بمستحيل. وبعبارة أصحّ : يُوهم أنّه قبيح ، مع أنّه ليس قبيحاً.

١٠ ـ ديكارت شكّاك في المحسوسات

إنّ ديكارت مع ما تصعّد وترقى ، وجاهد ليخرج عن دوامة الشكّ والحيرة ، لم ينج منها ، فهو بعدُ في غير الفطريات شكّاك غير جازم بشيء لأنّه لم يقم للحسّ وزناً علمياً ، ولم يُضف عليه واقعية موضوعية. وأقصى ما قال فيه إنّه يدعم الإنسان في حياته ، فيدفع بالحسّ مشاقَّ الحياة ، ولكنه لا يوصله إلى نفس الواقع ، ولا يكشف عن مُحيّا الحقيقة ، بل من المحتمل أن يكون ما في الحسِّ غير ما في الواقع.

وبما أنّ الأُمور الفطرية عند ديكارت قليلة جداً ، بل غالب التصورات ينالها

١٠٢

الإنسان من طريق الحسّ ، وكان الحسّ غير معبّر عن الحقيقة ، تكون أغلب علوم وتصورات الإنسان فاقدةً للقيمة العلمية.

ولأجل ذلك ، ينبغي أن نَعُدّ ديكارت من الشكّاكين لا الواقعيين والموضوعيين. فهو وأتباعه يرفعون شعار العلم والمعرفة اليقينية ، ولكنهم في الحقيقة شكاكون ، غيرُ مذعنين. ولعلّ هذا نوع نفاق علمي حاق بهم ، ولم يكن رفع الشعار العلمي إلّا واجهة ليس وراءها حقيقة.

الشك بين الوسيلة والغاية

إنّ الشك الطارئ على الذهن يتبلور على صورتين :

أ ـ تارة يطرأ على الذهن بصورة ظاهرة نفسانية ، ثمّ يزول بعد فترة ، ويتبدل إلى اليقين ، وهذا هو الشكّ المنهجي.

ب ـ وأُخرى يطرأ على الذهن ويعلق به ولا يرحل عنه أبداً ، بل يستوطن فيه.

فالقسم الأول من الشك وسيلة لليقين وأمارة إليه ، وهو يدفع الإنسان إلى السعي وراء الحقيقة واستخدام قوى النفس الباطنية لرفع الحجب والأستار عن محيّاها. وهذا الشك نعمة من نعم الله سبحانه على المحققين والمتعمقين.

وأمّا القسم الثاني ، فهو بلاء النفس وعذاب لها ، وإذا استمر الشك فيها ، فإنّه يُحرقها في أُتونه ، ويشرف بالإنسان على الخبط والجنون.

ومن حسن حظ ديكارت أنْ كان شكُّه من القسم الأول ، فقد استخدمه للوصول إلى منار اليقين ، ولو في قسم من المعارف البشرية.

وليس ديكارت وحيد نسجه في هذا المقام ، أي ممن طرح كل معلوماته وتصوراته ، وبدأ بالتحقيق من صفر ، بل سبقه إلى ذلك الإمام الغزالي ، أبي حامد محمد بن محمد (١).

__________________

(١) ولد عام ٤٥٠ ه‍ ق (١٠٥٨ ـ ١٠٥٩ م) في مدينة طوس من مدن خراسان ، وتوفي فيها عام ٥٠٥ ه‍. ق (١١١١ م).

١٠٣

الشك المنهجي لدى الغزالي

بدأ الغزالي قراءة كتب الفلسفة حوالي سنة ٤٨٤ ه‍ ق ، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره ، فأخذ فكره يتغير مجراه ، وحدثت له أزمة روحية كان من نتائجها أن شكّ في اعتقاداته الموروثة. وهذا الشك كان أوّل دافع له إلى النظر العقلي الحرّ ، وهو يعترف في بعض كتبه بما لهذا الشك من فائدة ، حتّى قال : إنّ من لم يشك لم ينظر ، ومن لم ينظر لم يبصر ، ومن لم يبصر بقي في العمى والحيرة والضلال ، ولا خلاص للإنسان إلّا في الاستقلال (١).

وهو يذكر تلك المرحلة من عمره بقوله :

«وقد كان التعطّش إلى درك حقائق الأُمور دأبي وديدني من أول عمري وريعان شبابي ... حتّى انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت عليّ العقائد الموروثة على قرب عهد الصبا ، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلّا على التنصّر ، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلّا على التهوّد ، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلّا على الإسلام ، وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال : «كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه» ، فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية ، وحقيقة الحقائق العارضة بتقليد الوالدين والأُستاذين ، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات ، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات.

فقلت في نفسي أولاً : إنما مطلوبي العلم بحقائق الأُمور ، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي أنّ العلم اليقيني هو الّذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب ، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم.

ولا يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنَةً ، لو تحدَّى بإظهار بطلانه ، مثلاً ، مَنْ يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً ، لم يورث ذلك شكاً ولا إنكاراً. فإنّي إذا علمت أنّ العشرة أكثر من الثلاثة ، فلو قال لي قائل : «لا بل الثلاثة أكثر من العشرة ، بدليل أنّي أقلب هذه

__________________

(١) ميزان العمل : ٢١٦.

١٠٤

العصا ثعباناً» ، وقَلَبَها ، وشاهدت ذلك منه ، لم أشُك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل لي منه إلّا التعجب من كيفية قدرته عليه ، فأمّا الشكّ فيما علمتُه ، فلا.

ثمّ علمت أنّ كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين ، فهو علم لا ثقة به ، ولا أمان معه. وكل علم لا أمان معه ، فليس بعلم يقيني.

ثمّ فتشت عن علومي ، فوجدت نفسي عاطلاً عن علم موصوف بهذه الصفة ، إلّا في الحسيات والضروريات ، فقلت : الآن بعد حصول اليأس ، لا مطمع في اقتباس المشكلات إلّا من الجليّات ، وهي الحسيّات والضروريات ، فلا بدّ من إحكامها أولاً لأَتيقن أن ثقتي بالمحسوسات ، وأماني من الغلط بالضروريات ، من جنس أماني الّذي كان من قبل في التقليديات ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمانٌ محقَّق لا غدر فيه ، ولا غائلة له؟.

فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ، فانتهى طول التشكيك إلى أن لم تسمح لي نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً ، وأخذت تتسع للشك فيها ، وتقول : من أين الثقة بالمحسوسات ، وأقواها حاسة البصر ... تنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار ، ثمّ الأدلة الهندسية تدلّ على أنّه أكبر من الأرض في المقدار. هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حكم الحس بأحكامه ، ويكذبه حاكم العقل تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته.

فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات ، فلعلّه لا ثقة إلّا بالعقليات الّتي هي من الأَوليات ، كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة ، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد ، والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً ، موجوداً معدوماً ، واجباً محالاً ... وقالت (النفس) : أما تراك تعتقد في النوم أُموراً ، وتتخيل أحوالاً ، وتعتقد لها ثباتاً واستقراراً ، ولا تشك في تلك الحالة فيها ، ثمّ تستيقظ ، فتعلم أنّه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك اصل ولا طائل؟. فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحسّ أو عقل هو حق؟ ...

فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس ، حاولت لذلك علاجاً ،

١٠٥

فلم يتيسّر ، إذ لم يكن دفعه إلّا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلّا من تراكيب العلوم الأولية. فأعضل هذا الداء ، ودام قريباً من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة ، بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال ، حتّى شفى الله تعالى من ذلك المرض ، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل ، وترتيب دليل ، وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر ، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف» (١).

* * *

ب ـ النظرية الحسيّة (٢) أو الحسيّون

المعروف أنّ مؤسس المذهب الحسّي في المعرفة هو الفيلسوف الإنكليزي «جون لوك» (٣) (١٦٣٢ ـ ١٧٠٤ م). ولكن الحق أنّ أول من وضع أساسه هو الفيلسوف الإنكليزي «فرنسيس بيكون» (٤) (١٥٦١ ـ ١٦٢٦ م).

كان «بيكون» من أقوى المتمردين على التقاليد الأفلاطونية والأُرسطيّة ، وحاول من نواحٍ كثيرة أن يُحيي فلسفةً مادية قريبةً من مادية «ديموقريطس» (٥). وقد زعم أنّ المنطق الأُرسطي غير مفيد بوصفه أداة للكشف ، وجعل العلم الطبيعي في الصف الأول من العلوم وقال : إنّ الطبيعة تؤثّر على الفكر البشري بشعاع مستقيم. وهكذا فقد كان «بيكون» من أَوائل الفلاسفة الحسيين الذين يرون الحسّ والتجربة أساس المعرفة.

وقد تأثر «لوك» بالمنهج العلمي ل «بيكون» ، فجعل الحسّ أساس المعرفة.

__________________

(١) المنقذ من الضلال ، للغزالي : ١٠ ـ ١٤ ، ط بيروت ١٩٦٩.

(٢)MSILAUSNES.

(٣)ekcoL nhoJ.

(٤)nocaB sicnarF.

(٥)sutircomeD وسيأتي ذكر بعض أحواله في النظرية التالية وهي النظرية الديالكتيكية.

١٠٦

يفترض «لوك» أنّ أنفسنا في بدئها ، كلوحة بيضاء خالية من كل معنى ذهني ، وأمّا الصور التي ترتسم عليها فيما بعد ، فهي ثمرة التجربة. وممّا لا شك فيه أنّ تصوراتنا على نوعين : تصورات بسيطة ، وتصورات مركبة ، وتشتق التصورات البسيطة من مصدرين هما الإحساس (إذا كان موضوعها الصفات المحسَّة ، كالبصر والسمع وغيره) ، والتأمل (إذا كانت تتعلق بالنفس ، كالتفكير والإرادة).

أمّا التصورات المركبة ، فهي نتيجة مزج او تعميم التصورات البسيطة. فهي بهذا الاعتبار تصدر عن الاختبار والتجربة.

فهو بهذا البيان ، يريد أنّ للصور الذهنية مصدرين : الحسّ ، والفكر (١) ، وما لم تنته أيّة معرفة إليهما ، فلا وزن لها.

وبعبارة أُخرى : إنّ أفكارنا كلّها إمّا بسيطة أو مركبة ، والفكرة البسيطة هي غير المؤلفة من عدّة أفكار ، فإنّها لا تحتوي إلّا على مظهر واحد. مثال ذلك : رائحة وردة.

وأمّا الفكرة المركبة ، فهي المؤلفة من فكرتين بسيطتين أو أكثر ، مثل فكرة : أصفر زكي الرائحة.

والأفكار البسيطة لا يمكن أن يخلقها العقل ، ولا أن يدمّرها ، لكن العقل يقدر على تكرار الأَفكار البسيطة او مقارنتها بعضها ببعض ، أو تأليفها بعضها مع بعض ، ولا يستطيع العقل أن يخترع أفكاراً بسيطة لم يعرفها في التجربة. والأفكار البسيطة هي الأفكار الّتي بها تبنى كل أفكارنا المركبة وبها تُفسّر.

وكثير من الأفكار البسيطة يحملها حسّ واحد ، مثل أفكار : الألوان ، الأصوات ، الأذواق ، الروائح ، والملبوسات.

وبعض أفكارنا ينقلها حِسّان أو أكثر ، ويدخل في هذا النوع أفكار : المكان ، الامتداد ، الشكل ، السكون ، والحركة ، إذ نحن نتلقى هذه الأفكار بواسطة اللمس والحسّ.

__________________

(١) الّذي يؤلف ما أخذه بواسطة الحس.

١٠٧

وهناك نوع ثالث من الأفكار ، وهي الّتي تأتي بالتأمّل. وهي ما لا تحصل من دون استعانة بمعلومات سابقة ، كمعرفتنا بأنّ مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين ، وربما يسمى هذا بالمعلوم الاكتسابي التعقلي.

وثَمَّ نوع رابع من الأفكار ، هي نتيجة التأمّل والإحساس كليهما. ويدخل في هذا النوع أفكار اللذّة والألم (١).

ثمّ يقرر لوك أنّ الموضوعات (الأشياء) لها كيفيات أولية ولها كيفيات ثانوية.

فالكيفيّات الأوليّة هي الّتي لا تنفصل عن الأجسام مهما تكن الحالة الّتي توجد فيها هذه الأجسام. وهذه المجموعة تشمل الصلابة ، والامتداد ، والشكل ، والتحرك ، والعدد.

وأمّا الكيفيات الثانوية ، فليست قائمة في الموضوعات نفسها ، بل هي قوى الأجسام الّتي تنتج إحساسات مختلفة فينا من خلال كيفياتها الأَولية. مثال ذلك : قوة الشيء على إحداث الأَصوات والأَذواق والروائح فينا حين تتأثر به ، كل ذلك من خلال حركة أَجزائه الصلبة الممتدة (الكيفيات الأولية) (٢).

التقسيم الثنائي في فلسفتي «ديكارت» و «لوك»

قسّم ديكارت المعرفة إلى عقلية وحسيّة ، وآمن بالأُولى من ناحية فلسفية دون الثانية ، إلّا أنّه اعتبرها في مقاييس الحياة العملية. وقال بأنّ معرفة الإنسان ببعض خواصّ الأجسام ، من الأفكار العقلية الفطرية ، كالامتداد والحركة. ومعرفته ببعضها الآخر حسيّة. وعند ذلك نوّع تلك الخواص إلى أوليّة وثانويّة.

وأمّا «جان لوك» ، فقد بدأ بناءه الفلسفي بأبعاد الأفكار الفطرية ، والإيمان بسيادة الحسّ على الإدراك كلّه. فخواصّ الأجسام لا سبيل إلى إدراكها إلّا بالحس. غير أنّ الصفات المحسوسة بين أوليّة : وهي الصفات القائمة

__________________

(١) وسيوافيك قسم خامس في آخر البحث.

(٢) لاحظ موسوعة الفلسفة : ٢ / ٣٧٣ ـ ٣٧٥.

١٠٨

بالأجسام الّتي لا تنفك عنها ، وثانوية : وهي قوى الأجسام الّتي تحدث إحساسات مختلفة في الإنسان من خلال تلك الصفات الأَولية.

«لوك» شكّاك

كان المترقَّب من «لوك» ، باعتبار أنّه يُعَرّف الحسّ أساس الإدراك ، وأنّه المصدر الرئيسي للمعرفة ، أنْ يقيم للحسّ قيمة فلسفية قاطعة ، ويراه كاشفاً عن الواقعيات الموضوعية. إلّا أنّه وافق «ديكارت» في أنّ المعرفة الحسيّة لا قيمة لها فلسفياً ، وإن كانت معتبرة في مقاييس الحياة العملية. ولعلّه لأجل ذلك لم يؤمن موضوعياً بجميع خواص المادة المدركة بالحسّ ، وقسّمها كما عرفت إلى خواص حقيقية موضوعية ، كالشكل والامتداد ، وخواص ثانوية توجب انفعالاً ذاتياً ، كاللون والطعم.

فعند ذلك نسأل «لوك» : إذا كان الحسّ فاقداً للقيمة الفلسفية ، فمن أين علم بوجود الأشياء وخواصها؟ وكيف قسّمها إلى قسمين؟

ولأجل ذلك يصحّ لنا أن نعد «لوك» من أنصار الشك الحديث ، لكن تحت غطاء علمي ، وواجهة تحليلية فلسفية تقبلها طباع أبناء العصر.

ومع ذلك كلّه ، فقد آمن ببعض الإدراكات الّتي لا تنتهي إلى الحسّ ، وسمّاها ب «المعارف الوجدانية» ، وهي المعارف الّتي لا يحتاج العقل في سبيل الحصول عليها إلى ملاحظة شيء آخر ، كعلم الإنسان بنفسه ، وأنّ المثلث غير المربع.

* * *

ج ـ النظرية النسبيّة (١) أو النسبيون

إنّ أصحاب منهج اليقين يتفقون على أنّ قسماً عظيماً من إدراكات الإنسان

__________________

(١)MSIVITALER.

١٠٩

وعلومه تطابق الواقع ، وأنّ الفكر الإنساني إذا حاز النَّظْم المنطقيَّ ، يصل إلى حقائق غير قابلة للإنكار ، يدركها الإنسان جزماً.

غير أنّهم بعد هذا الاتّفاق ، افترقوا إلى طائفتين :

١ ـ الموضوعية المطلقة

تقول هذه الطائفة إن الذهن يدرك الأشياء الخارجية في ظل أدواته على ما هي عليه ، من دون أن يكون للفكر والذهن أو الحسّ تأثير في الصورة العلمية ، بل هي على وضعٍ لو قُلبت إلى الخارج ، تكون نفسه ، كما أنّ الخارج لو جرّد عن ثوب الخارجية ، لكان نفس الصورة الذهنية.

وبعبارة ثانية : إنّ هاهنا واقعية خارجية تظهر بوجودين : أحدهما الوجود الخارجي الّذي له آثاره ؛ وثانيهما الوجود الذهني. وهو يتحد مع الخارج ماهية ، غير أنّه لا يترتب عليه أثره. فالموجود الخارجي والذهني يتحدان ماهية ، ويختلفان وجوداً ، فإنّ الوجود الخارجي له آثاره ، والوجود الذهني له آثار أُخرى ، مع اتّفاقهما في الماهية. وهذا هو الرأي الموروث من أرسطو والفلاسفة الإسلاميين مشائييهم وإشراقييهم.

وبعبارة ثالثة : إنّه ليس للعلم حقيقة سوى كونه مُظهراً للواقع بلا تأثير من الذهن في الإظهار والإراءة. وأمّا الموارد الّتي يكون فيها للذهن والحسّ تأثير في تبلور الخارج في الذهن كما في المبتلى بالصُّفرة ، فهو موارد استثنائية يقف عليها الإنسان بالتأمّل والتدبر. ولأجل ذلك لا يؤثر في سائر إدراكاته كالسمع والبصر.

هذه نظرية أصحاب الموضوعية المطلقة ، فهم يقولون بالجزم واليقين في مقابل السوفسطائيين والشكاكين ، وبالموضوعية والواقعية المطلقة في الإدراك ، مقابل الطائفة التالية.

٢ ـ النسبيّة

في النسبية اتّجاهان : أحدهما ـ وهو الأساس ـ الاتّجاه النسبي الفلسفي ، والثاني هو الاتّجاه النسبي العلمي. وفيما يلي نستعرض كلًّا منهما.

١١٠

أ ـ النسبية الفلسفية

أصحاب هذه الطائفة لا يعترفون بإراءة العلم للواقع مائة بالمائة ، وإنّما يقولن بأنّ ما يدركه الإنسان من الخارج ليس حقيقة خالصة من الشوائب ، بل هي مزيد من الناحية الموضوعية للشيء (الخارج) والناحية الذاتية للفكر المدرك ، فلا يمكن أن تُفصل الحقيقة الموضوعية في التفكير ، عن الناحية الذاتية للفكر وتبدو عارية عن كل إضافة.

إنّ أصحاب النسبية الفلسفية يزعمون أنّ هناك عاملين رئيسيين يشتركان في إخراج الصورة الذهنية عن الإطلاق ، وتشويشها بالشوائب ، إليك بيانهما.

العامل الأول ـ الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمدرك

إنّ للزمان والمكان تأثيراً في تبلور الأشياء بصور مختلفة حيث نرى أنّ شيئاً واحداً يتجلّى في ظرف خاص جميلاً وفي ظرف آخر غير جميل ، وغير ذلك الكثير ، وما هذا إلّا لأنّ للظروف تأثيرها في إظهار كيفيات الأشياء.

العامل الثاني ـ الجهاز العصبي

إنّ للجهاز العصبي دوراً عظيماً في تبلور الصور العلمية بصور خاصة ، فالأشياء الخارجية تظهر لدى مدارك الإنسان بألوان مختلفة : حمراء وخضراء وزرقاء وغيرها ، بينما بعض الحيوانات لا تراها إلّا باللونين الأسود والأبيض ، وما هذا إلّا لأنّ للجهاز تأثيراً في تبلور الخارج في الذهن.

بل الإنسان الواحد يدرك الشيء الواحد ، في حالات مختلفة ، بصورتين مختلفتين. فترى أنّ الإنسان في حال سلامته يلتذّ بالطعام دون حالة سقمه ، والرائحة الواحدة تكون طيبة له في حالة دون أُخرى ، وغير ذلك.

وهكذا فالصور الذهنية ليست سوى إشارات إلى الخارج ورموز عنه ، وليست كاشفة عنه كشفاً تامّاً ، لأنّ كيفيتها متوقفة على مدى تأثير العاملين الماضيين فيها ، اللّذين يخرجانها عن الإطلاق ويضيفان عليها الشوائب.

١١١

فالقائلون بالنسبية الفلسفية يؤكّدون الطابع النسبي لجميع الحقائق الّتي تبدو للإنسان ، سواء أكانت في مجال التصور والإدراك المفرد ، أو في مجال التصديق والإدراك المركب ، وذلك باعتبار الدور الّذي يلعبه حسُّ كلِّ فردٍ وعقلُه في عملية اكتسابه للحقائق المفردة أو المركبة. فليست الحقيقة في هذه النظرية إلّا الأمر الّذي تقتضيه ظروف الإدراك وشروطه. ولما كانت الظروف والشروط تختلف في الأشخاص ، والحالات المتنوعة ، كانت الحقيقةُ في كل مجال ، حقيقةً بالنسبة إلى ذلك المجال الخاص ، بما ينطوي عليه من ظروف وشروط. وليست الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع ، لتكون مطلقة بالنسبة إلى جميع الأحوال والأشخاص(١).

وبعبارة أُخرى : إنّ الصورة الواردة من الخارج إلى الذهن من طريق الحواس ، تخضع ـ في الكيفية والخصوصية ـ لكيفية تركيب الحواس ، وخواصها ، وكيفية عملها ، والظروف المحيطة بها حين عملية الإدراك. وبسبب دخالة هذه الأُمور في كيفية تبلور الحقيقة عند كل إنسان ، لا يمكن الحكم بأنّ ما نتصوره عن الخارج ، هو نفس الموجود في الخارج ، ولا يكون حجة إلّا على من كان مماثلاً لنا في تلك الكيفيات والظروف ، وأمّا المغاير لنا فيها ، فيدرك الواقع بشكل آخر. ولأجل ذلك يقول علماء النفس : إنّ كيفية الإحساس ، شدّةً وضعفاً ، يتبع الجهاز المنفعل. فرُبَّ طارئة تهز إنساناً بعنف ، وهي عينها لا تهز آخر إلّا قليلاً ، وما ذلك إلّا للاختلاف في الجهاز المنفعل.

وقد راجت هذه الفكرة بعد «ديكارت» رواجاً كاملاً ، وقد كان هو يقول : «إنّ المشابهة بين الصورة الذهنية والخارجية ، ليست بأزيد من المناسبة بين اللفظ ومعناه». فالقدر المشترك بينهما ، هو أنّ اللفظ مصدر انتقال الذهن إلى المعنى ، كما أنّ الشيء الخارجي منشأ انتقالنا إلى الصورة الذهنية عنه : فكما أنّ المعنى ليس إلّا نفس اللفظ ، وإنْ كان لا يفقد الرابطة ؛ فهكذا الصورة الذهنية ليست عين الخارج ، وإنْ كانت غير منقطعة الصّلة به.

وعلى ذلك ، فما ندركه من الألوان والأصوات وغيرها من المحسوسات ، إنّما

__________________

(١) لاحظ : فلسفتنا : ١٥٠.

١١٢

هو رموز قيّمة عن الخارج ، ووسائل لتأميل الحياة. وأمّا كونه معرّفاً للواقع على ما هو عليه ، وكاشفاً عنه ، فلا ، لما عرفت من دور الجهاز الحسيّ في كل فرد في عملية اكتساب الصور من الخارج.

وكما أنّ للحسِّ دوراً خاصّاً في نقل الصور عن الخارج ، فهكذا للجهاز العقلي الفكري دور خاص في اكتساب المعقولات من مقدماتها. فكل ما يكتسبه العقل عن طريق البرهنة والاستدلال ، فإنّما هو معتبر بالنسبة إلى الجهاز الذهني الّذي أدركه ، بمعنى أنّ مقتضى تحليل المقدمات الموصلة إلى النتيجة في ظلّ كيفية صنع ذلك الجهاز ، وكيفية عمله ، والظروف المحيطة به حين البرهنة والاستدلال ، هو تلك النتيجة. وأمّا أنَّ تلك النتيجة هي نفس الموضوعية الواقعية ، حتّى تكون حجة على من لا يماثل جهازه الفكري جهازنا ، أو تُغايِرُ ظروفُه ظروفَنا ، فلا.

وعلى هذا ، تصبح العلومُ الإنسانية ، مفردُها ومركَّبُها ، تصوُّرُها وتصديقُها ، معرفةً نسبية ، تحكي عن الواقع حكايةً ما ، لا حكاية مطلقة. ولذا لو طرأ تغيُّر ما في الجهاز أو الظروف الحاكمة عليه ، لانعكست الحقيقة على تلك المدارك ، بغير ما كانت عليه.

هذه هي حقيقة النسبية الفلسفية ، وأصحابها وإنْ كانوا يحملون شعار الحقيقة ، ولكنه مجرّد شعار لا حقيقة وراءه ، وما هو إلّا صورة أخرى عن مذهب الشك ، تستسيغها أذهان أبناء العصر.

فأنصار الشك الحديث يُسدلون شعار الحقيقة والمعرفة الجزمية ، غطاءً على الشك المغمور تحت هذا الشعار ، بينما أنصار الشك القديم يتجاهرون بما يتبنونه بلا ستر وغطاء.

وعلى ذلك ، فإنّا نسأل هؤلاء ، الذين يَعُدّون أنفسهم من الواقعيين وأصحاب الجزم واليقين : إذا لم تكن الصُّوَر الذهنية ، والقضايا البرهانية ، حاكيةً عن الواقع ، بل رموز عنه ، فمن أين نعلم بصحة القواعد العلمية الطبيعية والفيزيائية والرياضية؟ ، وما ذكرتموه لا يؤدّي إلّا إلى إنكار العلم بالخارج ، والانسلاك في عداد السوفسطائيين.

١١٣

هذا ، وإنّ القول بالنسبية في القضايا التصديقية ، أكثر فساداً من القول بها في التصورات ، لأنّ لازم ذلك أن تكون القضايا القطعية ، من : امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما ، ومسألة العليّة والمعلوليّة ، قضايا غير مطلقة ، بل صادقة في ظروف دون أُخرى. وهذا يؤدّي إلى تضعضع أُصول المعارف كلِّها ، ولا أظن أن يلتزم به أيّ إنسان واعٍ.

اعتذار وإجابة

إنّ الفيلسوف الغربي «پول فولكييه» (١) قد التفت إلى الإشكال الّذي ذكرناه ، وهو أنّ القول بالنسبية في التصورات والتصديقات ، يهوي بالإنسان في وادي الشك ، فحاول تصحيح تلك النظرية وإخراج القائلين بها من عداد الشكاكين ، فقال : هاهنا بون شاسع بين الشكاكين ، وأصحاب هذه النظرية ، فإنّ الطائفة الأُولى لا تذعن بشيء ، بل تشك في جميع الأشياء ، بخلاف هؤلاء ، فإنّهم لا ينفون اليقين عن أنفسهم في مجال الإدراك ، بل يقولون إنّ هذه الظواهر الّتي ندركها من الكون ـ بوصفها النسبي ـ تعطينا القدرة على تأسيس علوم وقضايا بينها ربط ونظم منطقي (٢).

ولكنه اعتذار لا يسمن ولا يغني ، فإنّا نسأل هؤلاء الذين يدعون أنّهم من أصحاب اليقين : إذا حصلت عندنا صور عن الخارج ، أو أدركنا ـ في ظل البرهنة ـ قضيةً علمية أو فلسفية ، فهل يصحّ لنا أن ندّعي أنّ المحكي بهذه القضايا يتّحد مع ما أدركناه في ذهننا؟ ، أو لا. فعلى الأول ، يعود الإدراك مطلقاً لا نسبياً ، وعلى الثاني ، يزول وصف اليقين بصدقها. فلو أدركنا عن طريق الحسّ أن أرسطو كان تلميذاً لأفلاطون ، فهل هذه القضية تطابق الواقع مائة بالمائة ، أو أنّ صدقها تابع للظروف الّتي تحيط بنا عند إدراكنا لها ، أو لكيفيّة الجهاز الإدراكي الموجود فينا؟. فعلى الأول ، يكون هؤلاء موضوعيين واقعيين على وجه الإطلاق. وعلى الثاني ، يزول وصف اليقين ، إذ من المحتمل في ظروف

__________________

(١)eiuqluoF eluaP.

(٢) الفلسفة العامة ، پول فولكييه : ٧٧.

١١٤

أُخرى ، أو لدى أجهزة إدراكية أخرى ، أن يُحكم في تتلمذ أرسطو على أفلاطون بشكل آخر ، بل ربما انقلبت القضية إلى ضدها ، وكان أفلاطون تلميذاً لأرسطو!. وما قيمة علوم وقضايا أُسست على إدراكات متزلزلة ، غير ثابتة ، هي على جرف هار.

انتحار النسبية بيدها

وهاهنا مؤاخذة أُخرى ، لو تأمّلها القائلون بالنسبية ، لرجعوا عن ذلك المنهج ، وهي أنّا نسألهم عمّا يتبنونه في مجال نظرية المعرفة ، فنقول لهم :

إنّ قولكم : إنّ ما يدركه الإنسان في مجال التصوّر والإدراك يخضع في الكيفية والخصوصية للذهن المدرِك ، والظروف المحيطة بالإنسان حين الإدراك ، هو قضية علمية ، تريدون إلقاءها وإفهامها للناس. فحينئذٍ نسألكم : هل هي قضية مطلقة صادقة لدى جميع الأذهان ، وفي جميع الظروف ، لا تتغيّر ولا تتبدل مهما تغيّرت تلك وتبدّلت؟. أو أنّها قضية صادقة لدى الذهن الّذي أدركها ، وفي الظرف الّذي أُدركت فيه ، على وجه لو طرأ التغيّر فيها ، لتبدّلت إلى قضية غيرها؟.

على الأول ، فقد اعترفتم بقضية مطلقة صادقة ، غير خاضعة لأي ظرف ، لأنّكم تتلقون هذه القضية بصورة قضية غير مقيّدة بوضع خاص ، وزمان محدّد ، وما هو كذلك يكون قضية مطلقة. ففي الوقت الّذي تجاهدون فيه لإثبات نسبية جميع القضايا بلا استثناء ، تثبتون قضية مطلقة صادقة في جميع الأحوال والظروف ، وهي قولكم : إنّ إدراكات الإنسان كلّها إدراكات نسبية.

فعندئذٍ تنتقض كلية القضية بنفسها ، لأنّ لازمه أن تكون جميع الإدراكات نسبية إلّا هذه ، وهذا ما يقال له : يلزم من فرض وجوده عدمه.

وعلى الثاني ، وهو أن تكون نفس هذه القضية ، قضية نسبية ، أي أنّ اتّصاف جميع القضايا والإدراكات بأنّها نسبية تابعة لظروف محددة ، ليست قضية كليّة ، بل هي أيضاً نسبية تابعة للظروف والأحوال الّتي أُدركت فيها ، يلزم أن لا تكون سائر القضايا قضايا نسبية ، وإنّما يكون النسبي هو هذه القضية فقط.

١١٥

وإن شئت قلت : إذا كان سلب الإطلاق والكلية عن سائر القضايا ، ليس إلّا سلباً نسبياً ـ تابعاً لظرفه ـ لا سلباً مطلقاً ، فكيف يمكن أن يسلب عنها الإطلاق والكليّة في جميع الظروف؟

فتحصّل أن قولهم : ليس لنا إدراك مطلق ، هل هو أيضاً مطلق ، أو لا؟ إن قالوا بالأول ، فقد نقضوا نظريتهم بهذه القضية. وإن قالوا بالثاني ، كان معناه كون جميع الإدراكات ـ غير هذا ـ مطلقة وكليّة.

ب ـ النسبية العلمية

هناك اتّجاه آخر في النسبية يقابل النسبية الفلسفية الّتي هي موضع الاهتمام في نظرية المعرفة ، معروف بالنسبية العلمية ، أو نسبية الحركة والثقل ، وهذه النظرية موروثة من غاليليو (١) (١٥٦٤ ـ ١٦٤٢ م) ، ونيوتن (٢) (١٦٤٢ ـ ١٧٢٧ م) ، وهي خارجة عن مجال بحثنا ، لأنّا نبحث في كون المعرفة مطلقة أو نسبية ، وأمّا كون شيء بوجوده الواقعي ، أمراً إضافياً ونسبياً فلا ننكره ، ولا نبحث عنه. وذلك مثل مقولة الإضافة ، كالأبوة والبنوة ، فإنّ واقعيتها واقعية إضافية ونسبية ، فليس للأبوة والبنوة مفهوم مطلق عند التطبيق على الخارج (لا عند التصور).

ولأجل ذلك فما ذهب إليه ذانك العالمان الغربيان من أنّه لا واقعية للحركة والثقل ، لا يستلزم الشك في المعرفة ، ولا إنكار الواقعيات. والنسبية الّتي ننكرها ونندد بها هي ما تورث الشك والحقائق. وكيف كان ، فإليك بيان ما ذكراه :

قالا : إنّ الثقل ليس له واقعية ، فليس للأجسام ثقل ثابت على وجه الإطلاق ، وإنّما يتعين ويتحدد ثقلها حسب الظروف والمواضع الواقع فيها الجسم. فلذا نرى أنّ الحجر في الماء أخف منه خارجه ، والجسم الموجود على

__________________

(١)oelilaG.

(٢)notweN.

١١٦

القمر أخفّ كثيراً من الموجود على الأرض ، وغير ذلك من النماذج الّتي تعرب عن أنّه ليس للثقل واقعية محددة.

وكذلك الحركة ، ليس لها واقعية ، لأنّ حركةً واحدة قد تتجلى عند شخص بنحوٍ ، وعند آخر بنحو مغاير. مثلاً : إذا ألقى الجالس في قطار متحرك ، حجراً من النافذة أثناء حركة القطار ، فإنّه يراه يسقط عمودياً على الأرض. بينما يراه الإنسان الواقف خارج القطار يسقط منحنياً. وهذا يكشف عن أنّ حركة الأجسام ليس لها واقعية ثابتة.

ولكن القول بالنسبية العلمية في هذين الموضوعين وأشباههما ، على فرض صحته ، لا يضرّ بنظرية أصحاب اليقين في نظرية المعرفة ، كما عرفت.

هذا ، وما ذكر في الثقل صحيح ، لأنّ واقعية الثقل هي واقعية نسبية وإضافية ، كالأُبوة والبنوة ، والكبر والصغر ، ليس لها عند التطبيق على الخارج (لا عند التصور) واقعية سوى الإضافة إلى شيء ، فيقال : إنّ الأرض أكبر من القمر ، والأرض أصغر من الشمس.

ولكن ما ذكر في الحركة ليس هو إلّا نتيجة خطأ الحواس لا أكثر ، وإلّا فقد اثبتت الأبحاث الرياضية والفيزيائية أنّ لحركة الحجر ـ في المثال ـ حركة واقعية ثابتة ، هي حركة منحنية إلى الامام ، لأنّ الحجر لحظة إلقائه كان متحركاً بحركة القطار ، فيحمل سرعته ويندفع بها إلى الامام ، وفي تلك الأثناء يخضع لتأثير قوة الجاذبية ، الّتي تجذبه إلى أسفل ، فينشأ من ذلك حركة منحنية إلى الامام.

* * *

د ـ النظرية الديالكتيكية أو الديالكتيكيون

ظهرت في أوروبا في القرن السابع عشر فلسفة مادية ، ترى أنّ الوجود يساوي المادة ، وأنّه ليس في دار الوجود إلّا هي وآثارها ، في مقابل ما يراه الإلهيون من أنّ الوجود أعمّ من المادة ومظاهرها وطاقاتها ، وأنّ المادة إنّما هي قسم من الموجودات ، فإنّ هناك موجودات عليا منزّهة عن المادة وآثارها.

١١٧

ومنذ ظهرت الفلسفة المادية سلكت في مجال المعرفة ، مسلكين مختلفين ، وانقسم أتباعها إلى طائفتين :

١ ـ المادية الميكانيكية

يُسْنِد أَتباعُ هذا المسلك نظريتهم إلى «ديموقريطس» اليوناني (١) ، الّذي اتّهم بالفلسفة المادية ، وإليه تنسب النظرية الذرية ، الّتي يعبّر عنها بنظرية «الجوهر الفرد» في الفلسفة الإسلامية. وحاصلها أنَّ المادة عبارة عن جزئيات صلبة صغيرة لا تقبل التغيّر ولا الانقسام. فالمادّة الأوليّة هي مجموع تلك الذرّات الصلبة والجواهر الفردة. وأمّا الظواهر الطبيعة ، ككون شيء إنساناً أو حيواناً أو نباتاً ، فهي ناتجة عن انتقال تلك الجواهر الفردة من مكان إلى مكان.

ولما كانت هذه النظرية الفلسفية محتاجة إلى دعم علمي ، فقد فسّرتها الفيزياء الحديثة ، في القرن الثامن عشر بالتفسير الآلي ، كما تفسر الحركة في رقّاص الساعة. وافترضت ـ لتكميل التفسير الآلي لظواهر الطبيعة ـ وجود قوى وعلاقات خاصة بين الجواهر الفردة.

وعلى ضوء ذلك ، فكلُّ ما يطرأ على المادة من تبدلات وتغيّرات ، فإنّما هو مفروض عليها ، وليس نابعاً من ذاتها وصميمها ، كالحركة العارضة على العربة أو السفينة أو رقّاص الساعة ، فإنّ الوسيلة ثابتة في ذاتها ، غير متغيرة ، وإنّما فرضت عليها الحركة باقتران مادة أُخرى بها ، كالحصان ، والمحرك ، والريح. وهكذا الأمر في التغيّرات الحاصلة في عالم الطبيعة.

وقد عُرِف هذا المنهج بالمنهج الماديّ الميكانيكيّ ، وتبنّاه جلّ الفلاسفة الماديّين في القرن الثامن عشر الميلادي.

__________________

(١).sutircomeD عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. ولد في «أبديرا» في اليونان ، حيث ولد «لوقيبوس» suppicueL أيضاً ، الّذي يرتبط ذكره بذكر «ديموقريطس» بوصفه مؤسساً للنظرية الذريّة. وربما يقال إنّ «لوقيبوس» قد عرض النظرية في بادئ الأمر ، ثمّ أحكم «ديموقريطس» صياغتها. وأهمية الرجلين ترجع إلى نظرية الذريّة العامة.

١١٨

وعلى ضوء ذلك ، فأنصار هذا المنهج من الماديين كانوا يعتقدون ـ في باب نظرية المعرفة ـ بالإدراكات الصحيحة المطلقة ، وأنّ أدوات الإدراك ، كالحسّ ، ليس لها دور إلّا كونها وسائل انتقال من الخارج إلى الذهن. فالعين ـ مثلاً ـ جهاز شبيه بعدسة آلة التصوير ، تأخذ صور الأشياء من الأشياء ، في ظلّ حركات ميكانيكية ، لا تمسّ حقيقة الصورة الملتقطة ولا تُبدّل فيها. فما لدى الإنسان من صور الأشياء ، لا يختلف عمّا في الخارج ، في الماهية ، ولو كان ثمة اختلاف ، فإنّما هو في كيفية الوجود ، وأنّ الحركة العارضة عليها لا تمسّ صميم المادة والصورة. فالصورة المأخوذة من الخارج موجودة في محالّ الإدراك من دون أن يطرأ عليها تحوّل وتبدّل ، فهؤلاء كانوا ماديين ، موضوعيين ، واقعيين على الإطلاق.

٢ ـ المادية الديالكتيكية

ولما أطلّ القرن التاسع عشر ، أخذت الفلسفة المادية لنفسها منحى آخر في مجال الحركة الطبيعية ، فذهبت إلى أنّ الحركة في المادة أمرٌ ذاتيٌّ لها ، نابعة من صميم المادة وصلبها ، ولا تفرض من عامل خارج عنها. وهكذا ، تبدلت الفلسفة المادية الميكانيكية إلى فلسفة مادية ديالكتيكية ، وأخذت لنفسها عين الاتّجاه الّذي سلكه النسبيون.

وقد بنى الديالكتيكيون نظريتهم على أُصول مسلَّمة عندهم ، هي :

١. لا شيء في دار الوجود غير المادة وقواها. فالوجود هو المادة ، والمادة هي عين الوجود (الوجود / المادة).

٢. التكامل والتحوّل ، ذاتيان للمادة ، لا ينفكان عنها.

٣. المادة لا تسكن عن فعلٍ وانفعالٍ ، وتأثيرٍ مستمرٍ بين أجزائها ، ولا تهدأ عن التفاعل آناً ما.

وعلى هذه الأُصول ، قالوا : التفكير عبارة عن الأثر المتولد من تأثير الخارج في الأعصاب أو الدماغ ، وتأثرها به (١). وإن شئت قلت : التفكير عبارة عن الأثر

__________________

(١) المراد أن الخارج معدّ لحدوث التغيرات الذاتية في الدماغ.

١١٩

الحاصل من تقابل المادة الخارجية مع المادة الدماغية. وما يحصل من تفاعلهما ، هو العلم والتفكير.

توضيح ذلك : إنّ الإدراك أثر مادي ، يتولد في مركز الإدراك من تفاعل المادة الخارجية مع المادة الدماغية ، وليس للإدراك واقعية إلّا الأثر الحاصل من التفاعل ، وهو لا يعادل المادة الخارجية أولاً ، ولا المدة الدماغية ثانياً ، لأنّه وليد المادتين ، والوليد لا يعادل الوالدين.

وبعبارة أُخرى : إنّ التفكير أحد الحوادث المادية البارزة في الدماغ ، فلا علّة لوجوده إلّا تأثّر الأعصاب بخارجها ، وتأثيره فيها. فالأعصاب والعوامل الخارجية أشبه بالآباء والأُمهات ، والأثر الحاصل من تقابلها ، أمر ثالث مغاير لها وجوداً.

مآل الديالكتيكية إلى الشك

إنّ التفسير الديالكتيكي للعلم والفكر ، بالبيان السالف ، يؤدّي إلى الشك ، وسلب العلم بالخارج. وذلك لأنّ المعلومَ الخارجيَّ ـ حسب الفرضية ـ إذا لم يقع في أُفق النفس بما له من الحدود والجهات ، ولم يصل الإنسان إلى الواقعية الخارجية بذاتها وجوهرها ، وكان الحاصل من تفاعل المادتين (وهو الفكر) لا يساوي المادة الخارجية ، ولا المادة الدِّماغية ، فلا نكون عالمين بالواقع الخارجي ، ولا تكون العلوم كاشفة عنه ، فإنّ العلم بالشيء هو انكشافه على ما هو عليه واقعاً ، بحيث لو أُتيح للصورة العلمية الانقلاب إلى الخارج ، لكانت عينه. وهذا لا ينطبق على النظرية المادية الديالكتيكية في مجال العلم ، لفرضها عدم مساواة الفكر للخارج في الحدود والجهات. فالحاصل ـ على هذه النظرية ـ لدى العالم ، شيء وراء الخارج ، ووراء القوة الفكرية ، وإن كان متكوّناً منهما ومتفرِّعاً عنهما ، فيكون وزان العلم ، كالثمرة إلى الشجرة ، والولد إلى الوالدين ، والفرع غير الأصل ، والأساس غير البناء.

إنّ في الفلسفة المشائية نظرية معروفة في باب الوجود الذهني للأشياء ، وهي نظرية الأشباح. تقول هذه النظرية : إنّ الأشياء تنطبع في الأذهان بأشباحها ، لا

١٢٠