🚘

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني

آثار البلاد وأخبار العباد

المؤلف:

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار صادر
الطبعة: ٤
الصفحات: ٦٦٧
🚘 نسخة غير مصححة

وجد كنزا ، فأخذوه وانطلقوا به إلى الملك فأخبروا الملك بأمره والدراهم ، فتركه الملك حتى سكنت روعته ثمّ قال : ما شأنك يا فتى؟ أخبرني بأمرك ولا بأس عليك! فقال الفتى : ما اسم هذه المدينة؟ قالوا : افسوس. قال : وما فعل دقيانوس؟ قالوا : أهلكه الله منذ ثلاثمائة سنة! فأخبرهم بقصّته وقصّة أصحابه.

فقال الملك : أرى في عقل هذا الرجل نقصانا ؛ قال الراعي : إن أردت تحقيق ما أقول انطلق معي إلى أصحابي لتراهم في الكهف!

فركب الملك وعامّة أهل المدينة فقال الراعي : إن أصحابي إذا سمعوا جلبة الناس خافوا ، فأذن لي أيّها الملك حتى أتقدّم وأبشّرهم. فأذن له فتقدّم حتى انتهى إلى باب الكهف ، فدخل عليهم وأخبرهم بهلاك دقيانوس وظهور الإسلام ، وأن القوم في ولاية ملك صالح ، وها هو قد أقبل إليكم ومعه عامّة أهل المدينة.

فلمّا سمعوا ذلك كبّروا وحمدوا الله ، ووافاهم الملك وأهل المدينة. والملك سلّم عليهم وسألهم عن حالهم وعانقهم. وعامة الناس سلّموا عليهم ، فبادروا بذكر قصّتهم حتى إذا فرغوا من ذلك خرّوا موتى. فبنوا على الكهف مسجدا ، واتّخذوا ذلك اليوم عيدا ، وانّهم على حالهم إلى زماننا هذا.

أفلوغونيا

مدينة كبيرة من نواحي أرمينية ، أهلها نصارى. من خواصّها إسراع الجذام إلى أهلها لأن أكثر أكلهم الكرنب والغدد فيهم طبع ، وفيهم خدمة للضيف وقرى ، وحسن الطاعة لرهبانهم ، والرهابين يلعبون بعقولهم. حكي انّه إذا مرض أحدهم أحضر الراهب ودفع مالا إليه ليستغفر له. ويحضر القس وانّه يبسط كساء ويعترف المريض بذنب ذنب ممّا عمله ، والقسّ قاعد يضمّ كفّيه ، كلّما فرغ المذنب ينفض كفّيه في الكساء إلى أن فرغ من تمام ذنوبه. وبعد فراغه يضمّ القسّ أطراف الكساء ويخرج بها وينفض في الصحراء ، فيظنّون أن الذنوب قد انمحت بالصدقة ودعاء القسّ.

٥٠١

وحكي أن فيهم من إذا تزوّج ببكر يريد أن يفترعها الراهب ، لتكون مباركة على زوجها ببركة الراهب.

إلبيرة

مدينة بالأندلس بقرب قرطبة. من أكرم المدن وأطيبها شديدة الشبه بغوطة دمشق في غزارة الأنهار والتفاف الأشجار وكثرة الثمار.

في ساحلها شجر الموز ، ويحسن بها نبت قصب السكر ، وبها معادن الذهب والفضّة والحديد والنحاس والرصاص والصفر ، ومعدن التوتيا ومقطع الرخام ، وتحمل هذه الأشياء منها إلى سائر بلاد الأندلس.

وحكى أحمد بن عمر العذري : من أعمال البيرة موضع يسمّى لوشة ، فيه غار يصعد إليه أربعة أذرع ثمّ ينزل في غار نحو قامتين ، يرى أربعة رجال موتى لا يعرف الناس حالهم ، ألفوهم كذلك قديما والملوك يتبرّكون بهم ويبعثون إليهم الأكفان ، ولا ريب أنّهم من الصلحاء لأن بقاءهم على حالهم مدّة طويلة ، بخلاف سائر الموتى ، لا يكون إلّا لأمر ؛ قال العذري : حدّثني من دخل عليهم وكشف عن وجه أحدهم فرأى درّاعة على وجهه وقال : نقرت بإصبعي على بطنه فصوّت كالجلد اليابس.

ألش

مدينة بالأندلس بقرب تدمير. من خواصّها أن النخل لا ينجح بجميع بلاد الأندلس إلّا بها. ويوجد بها زبيب ليس في جميع البلاد مثله ، يحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس. وبها صنّاع البسط الفاخرة وليس مثلهم في شيء من بلاد الأندلس.

٥٠٢

الأندلس

جزيرة كبيرة بالمغرب فيها عامر وغامر. طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة ، ودورها أكثر من ثلاثة أشهر. ليس فيها ما يتّصل بالبرّ إلّا مسيرة يومين ، والحاجز بين بلاد الأندلس وافرنجة جبل.

قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسيّة : إن الأندلس وقعت متوسّطة بين الأرض كما هي متوسّطة بين الأقاليم ، فبعضها في الإقليم الرابع ، وبعضها في الإقليم الخامس. وبها مدن كثيرة وقرى وأنهار وأشجار ، وبها الرخص والسعة.

وبها معادن الذهب والفضّة والرصاص والحديد في كلّ ناحية ، ومعدن الزئبق والكبريت الأحمر والأصفر والزنجفر الجيد والتوتيا ، والشبوب على أجناسها والكحل المشبه بالأصفهاني. وبها من الأحجار الياقوت والبلور والجزع واللازورد والمغناطيس والشادنج ، والحجر الذي يقطع الدم والحجر اليهودي والمرقشيثا وحجر الطلق. وبها أصناف الرياحين حتى سنبل الطيب والقسط والاشقاقل ، وبها الانبرباريس والعود.

حكى العذري أن بعض الولاة ولّى ناحية بشرة فشمّ رائحة العود ، فوجدوا من دار رجل ضعيف ووجدوا عنده عودا كثيرا يتّقد به ، فرأوه فإذا هو ذكي من عود الهند ، فسئل عن موضع احتطابه فحملهم إلى جبل من جبال وفر ، فحفروا وأخرجوا بقيّته واشتهر بين الناس.

وأهل الأندلس زهاد وعبّاد والغالب عليهم علم الحديث ، ويقع في بلاد الأندلس من الخدم والجواري المثمنات على غير صناعة بل على حسنهم بألف دينار. ولأهلها إتقان في جميع ما يصنعونه إلّا أنّ الغالب عليهم سوء الخلق.

ومن عجائب الدنيا أمران : أحدهما المملكة الإسلاميّة بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من المسلمين ، والآخر المملكة

٥٠٣

النصرانيّة بساحل الشام مع إحاطة المسلمين من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من الإفرنج.

قال العذري في وصف الأندلس : إنّها شامية في طيبها وهوائها ، يمانية في اعتدالها واستوائها ، هندية في أفاويهها وذكائها ، اهوازية في عظم اجتنائها ، صنفية في جواهرها ، عدنيّة في سواحلها.

بها آثار عجيبة وخواصّ غريبة تذكر في مواضعها.

وبها البحر الأسود الذي يقال له بحر الظلمات ، محيط بغربي الأندلس وشماليه ، وفي آخر الأندلس مجمع البحرين الذي ذكره الله في القرآن. وعرض مجمع البحرين ثلاثة فراسخ ، وطوله خمسة وعشرون فرسخا ، وفيه يظهر المدّ والجزر ، في كلّ يوم وليلة مدّان وجزران ، وذلك ان البحر الأسود عند طلوع الشمس يعلو ويفيض في مجمع البحرين ، ويدخل في بحر الروم ، وهو قبلى الأندلس وشرقيها ، ولونها أخضر ولون البحر أسود كالبحر. وإذا أخذته في الإناء لا ترى فيه السواد ، فلا يزال البحر الأسود يصبّ في البحر الأخضر إلى الزوال ، فإذا زالت الشمس عاد الأمر معكوسا فيصبّ البحر الأخضر في البحر الأسود إلى مغيب الشمس ، ثمّ يعلو البحر الأسود ويفيض في البحر الأخضر إلى نصف الليل ، ثمّ ينعكس الأمر فيعلو البحر الأخضر ويصبّ في البحر الأسود إلى طلوع الشمس ، وهكذا على التواتر ، ذلك تقدير العزيز العليم ؛ وسئل رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، عن ذلك فقال : ملك على قاموس البحر إذا وضع رجله فيه فاض وإذا رفعها غاض.

وبها جبل فيه غار لا يرى أحد فيه النار ، وإذا أخذت فتيلة مدهونة وشدّت على رأس خشبة طويلة وأدخلت الغار ، اشتعلت الفتيلة وتخرج مشتعلة.

وبها جبل بقرب الجبل الذي سبق ذكره ، ترى على قلّته النار مشتعلة بالليل ، وبالنهار يصعد منه دخان عظيم.

وبها جبل عليه عينان بينهما مقدار شبرين ، ينبع من إحداهما ماء حارّ ومن

٥٠٤

الأخرى ماء بارد. ذكرهما صاحب تحفة الغرائب وقال : أمّا الحار فلو رميت فيه اللحم ينطبخ ، وأمّا البارد فيصعب شربه لغاية برودته.

وبها جبل شلير لا يفارقه الثلج صيفا ولا شتاء ، وهو يرى من اكثر بلاد الأندلس لارتفاعه وشموخه ، وفيه أصناف الفواكه من التفّاح والعنب والتوت والجوز والبندق وغير ذلك ، والبرد به شديد جدّا ؛ قال بعض المغاربة وقد اجتاز بشلير فوجد ألم البرد :

يحلّ لنا ترك الصّلاة بأرضكم

وشرب الحميّا وهي شيء محرّم

فرارا إلى نار الجحيم ، فإنّها

أخفّ علينا من شلير وأرحم!

إذا هبّت الرّيح الشّمال بأرضكم

فطوبى لعبد في اللّظى يتنعّم

أقول ولا الحى على ما أقوله

كما قال قبلي شاعر متقدّم :

فإن كنت يوما في جهنّم مدخلي

ففي مثل ذاك اليوم طاب جهنّم!

وبها جبل الكحل. إنّه بقرب مدينة بسطة ؛ قالوا : إذا كان أوّل الشهر أخذ الكحل يخرج من نفس الجبل ، وهو كحل أسود لا يزال كذلك إلى نصف الشهر ، فإذا زاد على النصف نقص الكحل ، ولا يزال الذي خرج يرجع إلى تمام الشهر.

وبها نهر ابره ؛ قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية : مخرج هذا النهر من عين يقال لها فونت ايبرهي ، ومصبّه في البحر الشامي بناحية طرطوشة ، وامتداده مائتا ميل وعشرة أميال ، يوجد فيه صنف من السمك عجيب يقال له الترحته لا يوجد في غيره البتّة ، وهو سمك أبيض ليس له إلّا شوكة واحدة ؛ كلّ ذلك عن العذري صاحب الممالك والمسالك الأندلسيّة.

وبها نهر أنّه. مخرجه من موضع يعرف بفجّ العروس ، ثمّ يغيض بحيث لا يبقى له أثر على وجه الأرض ، ويحرج بقرية من قرى قلعة رباح يقال لها أنّه ، ثمّ يغيض ويجري تحت الأرض ، ثمّ يبدو هكذا مرارا في مواضع شتى إلى أن

٥٠٥

يغيض بين ماردة وبطليوس ، ثمّ يبدو وينصبّ في البحر المحيط. وامتداده ثلاثمائة وعشرون ميلا ؛ كلّ ذلك عن العذري.

أنقرة

مدينة مشهورة بأرض الروم ، تقول العجم انكورية ، غزاها الرشيد وفتحها ؛ قال بسيل الترجمان : كنت مع الرشيد لمّا فتحها. رأيت على باب الحصن كتابة باليونانيّة ، فجعلت أنقلها والرشيد ينظر إليّ ، فإذا هي : بسم الله الرحمن الرحيم ، الملك الحقّ المبين. يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها ، وكل الأمور إلى واليها ، ولا يحملنّك إفراط السرور على ما تمّ ، ولا تحملنّ على نفسك همّ يوم لم يأتك ، فإنّه إن لم يأت من أجلك يأت الله برزقك فيه ، ولا تكن أسوة للمغرورين في جمع المال ، فكم قد رأينا من جمع لبعل حليلته ، على أن يعتبر المرء على نفسه توفير الخوان غيرة.

وحكي أن في زمن المعتصم تعدّوا على رجل من أهل العراق بأرض أنقرة ينادي يا معتصماه! فقالوا : اصبر حتى يأتي المعتصم على الابلق ينصرك! فوصل هذا القول إلى المعتصم ، فأمر بشري كلّ فرس أبلق فى مملكته. وذهب إلى الروم ونهب أنقرة ، وكان على باب مدينتها مصراعان من الحديد مفرطا الطول والعرض ، حملهما إلى بغداد وهما الآن على باب العامة ، باب من أبواب حرم الخلافة.

باب الابواب

مدينة عجيبة على ضفة بحر الخزر ، مبنية بالصخور ، وهي مستطيلة يصيب ماء البحر حائطها. طولها مقدار ثلثي فرسخ وعرضها غلوة سهم. عليها أبواب من الحديد ، ولها أبراج كثيرة ، على كلّ برج مسجد للمجاورين والمشتغلين بالعلوم الدينيّة ، وعلى السور حرّاس تحرس من العدوّ.

٥٠٦

بناها أنوشروان كسرى الخير ، وهي أحد الثغور العظيمة لأنّها كثيرة الأعداء من الذين حفّوا بها من أمم شتّى ، وإلى جانب المدينة جبل أرعن يعرف بالذنب ، يجمع على قلّته كلّ سنة حطب كثير ليشعلوا فيه النار ، إذا احتاجوا إلى إنذار أهل ارّان وآذربيجان وأرمينية بمجيء العدوّ. وكانت الأكاسرة شديدة الاهتمام بهذا المكان لعظم خطره وشدّة خوفه.

وحكى أبو العبّاس الطوسي أن الخزر كانت تعبر على ملك فارس حتى وصلوا إلى همذان والموصل. فلمّا ملك أنوشروان بعث إلى ملك الخزر ، وخطب إليه ابنته على أن يزوّجه ابنته ويتفرّغا لأعدائهما. فأجابه إلى ذلك ، فعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فوجّه بها إلى ملك الخزر على أنّها ابنته ، وحمل معها ما يحمل مع بنات الملوك. وأهدى خاقان ملك الخزر إلى أنوشروان ابنته ، فلمّا وصلت إليه كتب إلى خاقان : لو التقينا أوجبنا المودّة بيننا! فأجابه إلى ذلك فالتقيا وأقاما أيّاما. وأنوشروان أمر قائدا من قواده يختار ثلاثمائة رجل من أشدّاء أصحابه ، فإذا هدأت العيون أغار على عسكر الخزر يحرق ويعقر ويرجع إلى مكانه ، ففعل.

فلمّا أصبح بعث خاقان إلى أنوشروان أن أتيت عسكري البارحة.

فبعث إليه أنوشروان انّه لم يأت من قبلنا فابحث وانظر. ففعل ولم يقف على شيء ثمّ أمهله أيّاما وعاد لمثلها حتى فعل ثلاث مرّات ، وفي كلّها يعتذر ، فدعا خاقان قائدا من قواده وأمره بمثل ما أمر به أنوشروان. فلمّا فعل أرسل أنوشروان : ما هذا؟ استبيح عسكري الليلة! فأرسل إليه خاقان يقول : ما أسرع ما ضجرت! فقد عمل مثل هذا بعسكري ثلاث مرّات ، وإنّما فعل بك مرّة واحدة. فبعث إليه أنوشروان يقول : إن هذا عمل قوم يريدون إفساد ما بيننا! وعندي رأي ان قبلته وهو أن تدعني أبني بيني وبينك حائطا وأجعل عليه أبوابا ، فلا يدخل بلادك إلّا من تريد ، ولا يدخل بلادي إلّا من أريد. فأجابه إلى ذلك ، وانصرف خاقان إلى مملكته.

٥٠٧

وأقام أنوشروان وشرع في بناء حائط من الصخر والرصاص ، وجعل عرضه ثلاثمائة ذراع وعلاه حتى ألحقه برؤوس الجبال ثمّ قاده في البحر. فيقال : انّه نفخ في الزقاق وبنى عليها حتى استقرّت على الأرض ، ثمّ رفع البناء حتى استوى مع الذي على الأرض في عرضه وارتفاعه ، فجعل أحد طرفيه في البحر وأحكمه ، وقد مدّة سبعة فراسخ إلى موضع أشب ، وهو جبل وعر لا يتهيّأ سلوكه ، وبنى بالحجارة المهندمة نقل أصغرها خمسون رجلا وأحكمها بالرصاص والمسامير ، وجعل في هذه السبعة فراسخ سبعة مسالك ، على كلّ مسلك مدينة ، ورتّب فيها قوما من مقاتلة الفرس على كلّ مدينة مائة رجل يحرسونها ، بعد أن كان محتاجا إلى مائة ألف رجل. ثمّ نصب سريره على القيد الذي صنعه على البحر ، وسجد شكرا لله على ما تمّ على يده وكفاه شرّ الترك وهجومهم ، واستلقى على ظهره وقال : الآن استرحت. ومدينة باب الأبواب من تلك المدن. والعجم يسمّونه دربند.

وبها صور مطلسمة لدفع الترك ، وكانت عساكر الترك لا تزال تأتي من تلك الجهة وتنهب بلاد إيران ، فلمّا بنى أنوشروان ذلك السدّ وطلسيمه ، لم يذكر أن دخل الترك من تلك الجهة بلاد إيران ، منها صورة أسدين على حائط باب الجهاد ، فوق أسطوانتين من حجر وأسفل منهما حجران ، على كلّ حجر تمثال لبوءتين ، وبقرب الباب صورة رجل بين رجليه صورة ثعلب ، في فمه عنقود عنب لعلّه لدفع الثعلب عن أعنابهم! وإلى جانب المدينة صهريج له درجات ، ينزل بها إلى الصهريج إذا قلّ ماؤه ، وعلى جنبي الدرجة صورتا أسدين من حجارة ، يقولون : إنّهما طلسم اتّخذ للسور ما دام باقيا لا يصيب المدينة من الترك آفة.

وخارج المدينة تلّ عليه مسجد ، في محرابه سيف يقولون : إنّه سيف مسلمة ابن عبد الملك بن مروان. يزوره الناس ، لا يزار إلّا في ثياب بيض ، فمن قصده في ثياب مصبوغة جاءت الأمطار والرياح وكاد يهلك ما حول التلّ. وعليه حفّاظ

٥٠٨

يمنعون من يذهب إليه بالثياب المصبوغة. وبقرب هذا التلّ عين يخرج الناس إليها كلّ ليلة جمعة ، فيرون في بعض ناشئة الليل في تلك العين ضياء ونورا ، حتى يتبيّن لهم الحصى والحجر ، ويسمّون تلك العين الثواب.

بتّم

حصن منيع بناحية فرغانة. به معدن الذهب والفضّة والنوشاذر الذي يحمل إلى سائر البلاد. وهو في جبل شبه غار قد بني عليه بيت يستوثق من بابه وكواه يرتفع منه بخار شبيه بالدخان في النهار وبالنار في الليل ، فإذا تلبّد هذا البخار يكون منه النوشاذر ، ولا يتهيّأ لأحد أن يدخل هذا البيت من شدّة حرّه ، إلّا أن يلبس لبودا يرطبها بالماء ، ثمّ يدخله كالمختلس فيأخذ ما يقدر عليه ويسرع الخروج.

بجّانة

مدينة بالأندلس بقرب المرية. بها جمّة غزيرة الماء يقصدها الزمنى ويسكنون بها ، وأكثر من يواظب عليها يبرأ من زمانته. وبها فنادق مبنية بالحجارة لسكان قاصدي تلك الجمّة ، وربّما لم يوجد بها المسكن لكثرة قاصديها. وعلى الجمّة بيتان : أحدهما للرجال وهو على الجمّة نفسها ، والآخر للنساء يدخله الماء من بيت الرجال. وقد بني بيت ثالث مفروش بالرخام الأبيض ، يأتيه الماء من قناة ويختلط بماء الجمّة حتى يصير فاترا ، ويدخله من لا يستطيع دخول ماء الجمّة ، وتخرج فضلتها تسقي الزروع والأشجار.

بخارى

مدينة عظيمة مشهورة بما وراء النهر قديمة طيّبة. قال صاحب كتاب الصور :لم أر ولا بلغني أن في جميع بلاد الإسلام مدينة أحسن خارجا من بخارى.

٥٠٩

بينها وبين سمرقند سبعة أيّام وسبعة وثلاثون فرسخا ، هي بلاد الصغد ، أحد متنزّهات الدنيا. ويحيط ببناء المدينة والقصور والبساتين والقرى المتّصلة بها سور يكون اثني عشر فرسخا في مثلها ، بجميع الأبنية والقصور والقرى والقصبة فلا يرى في خلال ذلك قفار ولا خراب ، ومن دون ذلك السور على خاص القصبة ، وما يتّصل بها من القصور والمحالّ والبساتين التي تعدّ من القصبة ، ويسكنها أهل القصبة شتاء وصيفا ، سور آخر نحو فرسخ في مثله ، ولها مدينة داخل هذا السور يحيط بها سور حصين.

روى حذيفة بن اليمان عن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم : ستفتح مدينة خلف نهر يقال له جيحون ، يقال لها بخارى ، محفوفة بالرحمة ملفوفة بالملائكة ، منصور أهلها ، النائم فيها على الفراش كالشاهر سيفه في سبيل الله.

وخلفها مدينة يقال لها سمرقند ، فيها عين من عيون الجنّة ، وقبر من قبور الأنبياء ، وروضة من رياض الجنّة ، يحشر موتاها يوم القيامة مع الشهداء.

وفي الحديث : أن جبريل ، عليه السلام ، ذكر مدينة يقال لها فاخرة وهي بخارى ، فقال ، صلّى الله عليه وسلّم : لم سمّيت فاخرة؟ فقال : لأنّها تفخر يوم القيامة على المدن بكثرة شهدائها. ثمّ قال : اللهم بارك في فاخرة وطهّر قلوبهم بالتقوى ، واجعلهم رحماء على أمّتي! فلهذا يقال : ليس على وجه الأرض أرحم للغرباء منهم.

ولم تزل بخارى مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر. وكانت الرئاسة في بيت مبارك يقال لرئيسها خواجه إمام أجلّ. وإلى الآن نسلهم باق ونسبهم ينتهي إلى عمر بن عبد العزيز بن مروان ، وتوارثوا تربية العلم والعلماء كابرا عن كابر ، يرتبون وظيفة أربعة آلاف فقيه ، ولم تر مدينة كان أهلها أشدّ احتراما لأهل العلم من بخارى.

ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ محمّد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح الذي هو أقدم كتب الأحاديث. كان وحيد عصره وفريد دهره.

٥١٠

حكي انّه لمّا جمع هذا الكتاب بحسنه وصحّته أراد أن يسمع منه أحد حتى يروي عنه بعد موته ، فما كان أحد يوافقه أن يسمع منه ذلك ، حتى ذهب إلى شخص يعمل طول نهاره على بقر فقال له : أنا أقرأ هذا الكتاب وأنت تسمعه مني فلعلّه ينفعك بعد ذلك! وكان الشيخ يقرأ كتاب الصحيح والبقر يعمل والفربري يسمع منه حتى أسمعه جميع الكتاب. فلهذا ترى كلّ من يروي صحيح البخاري تكون روايته عن الفربري.

وينسب إليها أبو خالد يزيد بن هارون. كان أصله من بخارى ومقامه بواسط العراق. حكى عاصم بن عليّ أن يزيد بن هارون كان إذا صلّى العشاء لا يزال قائما حتى يصلّي الغداة بذلك الوضوء ، وداوم على ذلك نيفا وأربعين سنة. وحكى أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال : كنت عند أحمد بن حنبل ، وكان عنده رجل قال : رأيت يزيد بن هارون فقلت : يا أبا خالد ما فعل الله بك؟

قال : غفر لي وشفعني وعاتبني! فقلت له : فيم عاتبك؟ قال : قال لي يا يزيد أتحدث عن جرير بن عثمان؟ فقلت : يا ربّ ما علمت منه إلّا خيرا! فقال : إنّه كان يبغض أبا الحسن عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنه.

وحكى آخر قال : رأيت ابن هارون في المنام فقلت له : هل أتاك منكر ونكير؟ قال : إي والله! وسألاني : من ربّك وما دينك ومن نبيّك؟ فقلت : ألمثلي يقال هذا وأنا يزيد بن هارون اعلّم الناس هذا سبعين سنة؟ فقال : صدقت ، نم نومة العروس! توفي يزيد بن هارون بواسط سنة ستّ ومائتين عن سبع وثمانين سنة.

بذّ

كورة بين أرّان وآذربيجان ، كثيرة الضباب قلّما تصحو السماء بها ، منها كان مخرج بابك الخرّمي في أيّام المعتصم بالله. بها موقف رجل لا يقوم أحد فيه يدعو الله تعالى إلّا استجيب له. ومنها يتوقّعون خروج المهدي ، وذكر أن تحتها نهرا عظيما ، إن اغتسل فيه صاحب الحمّى العتيقة ذهبت حمّاه.

٥١١

برذعة

مدينة كبيرة بأرّان أكثر من فرسخ في فرسخ. أنشأها قباذ الملك ، وهي خصبة نزهة كثيرة الثمار. وبها القرنفل والبندق والشاهبلوط ، وبها صنف من الفواكه يقال له الدرقال على قدر الغبيراء حلو الطعم ، لا يوجد في شيء من غير هذا الموضع.

وبقربها نهر الكرّ يصاد منه الشورماهيج ، ويحمل منها إلى سائر البلاد.

وبها بغال فاقت بغال جميع النواحي في حسنها وصحة قوائمها. وبها سوق الكركي ، يقام كلّ يوم أحد على باب الأكراد مقدار فرسخ في فرسخ ، يجتمع الناس إليه من كلّ وجه وأوب للتجارة ، وهذه كانت صفتها القديمة ، وأمّا الآن فاستولى عليها الخراب إلّا أن آثار الخير بها كثيرة. وبأهلها صعلكة ظاهرة ومثل هذا يذكر للاعتبار. فسبحان من يحيل ولا يحال ، ويزيل ولا يزال.

بسطة

مدينة بالأندلس بقرب جيان ، كثيرة الخيرات. بها بركة تعرف بالهوتة ، فيها ما بين وجه الماء إلى الأرض نحو قامة ، لا يعرف لهذه البركة قعر أصلا.

قال أحمد بن عمر العذري : بين بسطة وبياسة غار يسمّى بالشيمة لا يوجد قعره. وبناحية بسطة جبل يعرف بجبل الكحل ، إذا كان أوّل الشهر برز من نفس الجبل كحل أسود ، ولا يزال كذلك إلى منتصف الشهر ، فإذا زاد على النصف نقص الكحل ، ولا يزال يرجع إلى آخر الشهر.

بلقوار

قرية من قرى تدمير بأرض الأندلس. بها حمّة شريفة حسنة ، عليها ديماس للرجال وآخر للنساء ، وأصل العين في ديماس الرجال ، يخرج منها ماء غزير يفضل عن حاجة الديماسين ، ويسقي زرع القرية.

٥١٢

بلنسية

مدينة قديمة بأرض الأندلس ، ذات خطّة فسيحة ، جمعت خيرات البرّ والبحر والزرع والضرع ، طيّبة التربة ينبت بها الزعفران ويزكو بها ، ولا ينبت في جميع أرض الأندلس إلّا بها كأرض روذراور بأرض الجبال.

بيضاء

مدينة بالأندلس متقنة البناء بالحجر الأبيض المهندم ؛ قالوا :إنّها من بناء الجنّ ، بنوها لسليمان بن داود ، عليه السلام ، من عجائبها أن لا يرى بها حيّة ولا عقرب ، ولا شيء من الهوام المؤذية. حكى محمّد بن عبد الرحمن الغرناطي أنّ برستاقها صنفا من العنب ، وزن الحبّة منه عشرة مثاقيل.

بيلقان

مدينة كبيرة مشهورة ببلاد أرّان ، حصينة ذات سور عال ، بناها قباذ الملك ؛ قالوا : ليس بها ولا في حواليها حجر واحد. ولمّا قصدها التتر ورأوا حصانة سورها أرادوا خرابه بالمنجنيق ، فما وجدوا حجرا يرمى به الحائط.

ورأوا أشجارا من الدلب عظاما قطعوها بالمناشير ، وتركوا قطاعها في المنجنيق ، ورموا بها السور حتى خرّبوا سورها ، ونهبوا وقتلوا والآن عادت إلى عمارتها.

ينسب إليها مجير البيلقاني. كان رجلا فاضلا شاعرا ، وصل إلى أصفهان ، وذكر في شعر له أن أهل أصفهان عمي ، فسمع رئيس أصفهان ذلك وأمر لكلّ شاعر في أصفهان أن يقول فيه شيئا ، ففعلوا فجمعها في مجلد وبعثه إليه.

٥١٣

تركستان

اسم جامع لجميع بلاد الترك ، وحدّها من الإقليم الأوّل ضاربا في المشرق عرضا إلى الإقليم السابع ، وأكثرهم أهل الخيام ، ومنهم أهل القرى ، وسنذكر بلادهم وقبائلهم في الإقليم السادس إن شاء الله تعالى ، وإنّهم سكّان شرقي الأقاليم كلّها من الجنوب إلى الشمال ، ممتازة عن جميع الأمم بكثرة العدد ، وزيادة الشجاعة والجلادة وصورة السباع ، عراض الوجوه فطس الأنوف عبل السواعد ضيقو الأخلاق ، والغالب عليهم الغضب والظلم والقهر وأكل لحوم الحيوانات ، لا يريدون لها بدلا ، ولا يراعون فيها نضجا ، ولا يرون إلّا ما كان اغتصابا كما هي عادة السباع. وليس عيشهم إلّا شنّ غارة أو طلب ظبي نافر أو طير طائر ، حتى إذا ظنّ بهم الكلال رأيتهم على نشاطهم الأوّل في ركض الخيل ، وتسنّم الجبال. وحسبك ما ترى من كبر همّتهم أن أحدهم إذا سبى لا يرضى أن يكون زعيما أو متقدّما لعسكر سيّده ، بل يريد انتزاع الملك من سيّده والقيام مقامه.

حكى بعض التجّار قال : خرج من خوارزم قفل عظيم ، فلمّا ذهبوا أيّاما وبعدوا عن خوارزم ساروا ذات يوم ، فلمّا نزل القوم رأوا مماليكهم الترك خرجوا عن وسط القوم ، وكان عددهم أكثر من عدد التجّار يرمون القوم بالنشاب. قالوا : ما شأنكم؟ قالوا : نريد نقتلكم ونأخذ هذه الأموال ، نشتري منها الخيل والسلاح ، ونمشي إلى خدمة السلطان! فقال القوم لهم : أنتم لا تحسنون بيع هذا القماش فاتركوه معنا حتى نحسن نشتري لكم منها الخيل والسلاح ، ونجعل أحدكم أميرا ، وتمشون إلى خدمة السلطان! فخدعوهم وبعثوا إلى خوارزم من يخبر شحنة خوارزم بالحال ، فما كان إلّا أيّام قلائل حتى وصل الشحنة.

قبض على المماليك ، وردّ القفل إلى خوارزم ، وصلب المماليك ، ونادى في خوارزم أن لا يشتري من التجّار أحد مملوكا رجلا!

٥١٤

وحسبك من غلبتهم في الأمور وصعوبة جانبهم قوله ، صلّى الله عليه وسلّم : اتركوا الترك ما تركوكم! والترك ليسوا من الديانات في شيء ، فمنهم عبدة الكواكب ، ومنهم عبدة النيران ، ومنهم من على مذهب النصارى ، ومنهم مانوية ، ومنهم ثنوية ، ومنهم سحرة ، وصنعتهم الحرب والطعن والضرب الذي هو صنعة المريخ فإنّه صاحبهم.

وحكي أن هشام بن عبد الملك بعث رسولا إلى ملك الترك يدعوه إلى الإسلام ؛ قال الرسول : دخلت عليه وهو يتّخذ بيده سرجا. قال للترجمان : من هذا؟فقال : إنّه رسول ملك العرب. فأمرني إلى بيت كثير اللحم قليل الخبز ثمّ بعد أيّام استدعاني وقال : ما بغيتك؟ فتلطّفت له وقلت : إن صاحبي يريد نصيحتك ، ويرى أنّك في ضلال يريد أن تدخل في دين الإسلام! فقال : ما الإسلام؟ فأخبرته بأركانه وشرائطه وحلاله وحرامه ، فتركني أيّاما ثمّ ركب ذات يوم مع عشرة أنفس ، ومع كلّ واحد لواء وحملني معه ، فمضينا حتى صعدنا تلّا وحول التلّ غيضة. فلمّا طلعت الشمس أمر واحدا من أولئك أن ينشر لواءه ففعل ، فوافى عشرة آلاف فارس متسلّحين ثمّ أمر غيره ، فما زال واحد بعد واحد ينشر لواءه ويأتي عشرة آلاف حتى صار تحت التلّ مائة ألف مدجّج.

ثمّ قال للترجمان : قل لهذا الرسول ارجع إلى صاحبك وأخبره أن هؤلاء ليس فيهم إسكاف ولا حجّام ولا خيّاط ، فإذا أسلموا والتزموا الشرائط للإسلام فمن أين مأكلهم؟

وحكى داود بن منصور الباذغيسي ، وكان رجلا صالحا ، قال : اجتمعت بابن ملك الغزّ فوجدته رجلا ذا فهم وعقل وذكاء ، واسمه لقيق بن جثومة ، وقلت له : بلغنا أن الترك يجلبون المطر والثلج متى شاءوا ، كيف سبيلهم إلى ذلك؟ فقال : الترك أحقر وأذلّ عند الله تعالى من أن يستطيعوا هذا الأمر ، والذي بلغك حقّ ، وأنا أحدّثك به : بلغني أن بعض أجدادي راغم أباه وكان أبوه ملكا ، فاتّخذ لنفسه أصحابا وموالي وغلمانا ، وسار نحو المشرق يغير

٥١٥

على الناس ويصيد ما ظهر له ، فانتهى به المسير إلى موضع ذكر أهله أن لا مسير له بعده ، وكان عندهم جبل تطلع الشمس من ورائه ، وتحرق كلّ شيء وقعت عليه ، وكان سكّانها في الأسراب تحت الأرض والغيران في الجبال بالنهار. وأمّا الوحش فتلتقط حصى هناك قد ألهمها الله تعالى معرفتها ، فتأخذ كلّ وحشيّة حصاة في فيها وترفع رأسها إلى السماء ، فتظلّها غمامة عند ذلك تحجب بينها وبين الشمس ، قال : فقصد أصحاب جدّي حتى عرفوا ذلك الحجر ، فحملوا منه معهم ما قدروا إلى بلادنا ، فهو معهم إلى الآن. فإذا أرادوا المطر حركوا منه شيئا فينشأ الغيم ويوافي المطر ، وإن أرادوا الثلج زادوا في تحريكها فيوافيهم الثلج والبرد ؛ فهذه قصّة المطر والحجر ، وليس ذلك من حيلة الترك بل من قدرة الله تعالى!

وحكى إسماعيل بن أحمد الساماني ، وكان ملكا عادلا غازيا ، قال : غزوت الترك ذات مرّة في عشرين ألف فارس من المسلمين ، فخرج عليّ منهم ستّون ألفا في السلاح الشاك ، فواقعتهم أيّاما ، وإني ليوما في قتالهم إذ جاءني قوم من مماليكي الأتراك وقالوا : إن لنا في معسكر الكفّار قرابات ، وقد أنذرونا بموافاة فلان وأنّه ينشىء السحاب والمطر والثلج والبرد ، وقد عزم أن يمطر علينا غدا بردا عظيما لا يصيب الإنسان ألّا يقتله ، فانتهرتهم وقلت : هل يستطيع هذا أحد من البشر؟

فلمّا كان الغد وارتفع النهار نشأت سحابة عظيمة من جبل كنت مستندا إليه بعسكري ، ولم تزل تتنشّر حتى أظلّت عسكري ، فهالني سوادها وما رأيت فيها من الهول ، وما سمعت من الأصوات المزعجة ، فعلمت أنّها فتنة ، فنزلت عن دابّتي وصلّيت ركعتين والعسكر يموج بعضهم في بعض ، ثمّ دعوت الله تعالى معفّرا وجهي بالتراب وقلت : اللهم أغثنا فإن عبادك يضعفون عن محنتك! وإني أعلم أن القدرة لك ، وان النفع والضرّ لا يملكهما إلّا أنت! اللهم إن هذه السحابة إن أمطرت علينا كانت فتنة للمؤمنين وسطوة للمشركين ، فاصرف عنّا

٥١٦

شرّها بحولك وقوّتك ، يا ذا الحول والقوّة!

قال : وأكثرت من الدعاء رغبة ورهبة إلى الله تعالى ووجهي على التراب ، فبينا أنا كذلك إذ بادر إليّ الغلمان يبشروني بالسلامة ، وأخذوا بعضدي ينهضوني.

وكنت ثقيلا من عدّة الحديد ، فرفعت رأسي فإذا السحابة قد زالت عن عسكري.

وقصدت عسكر الترك وأمطرت بردا عظيما ، فإذا هم يموجون وتنفر دوابّهم ، وما وقعت بردة على أحد إلّا أوهنته أو قتلته. فقال أصحابي : نحمل عليهم؟ فقلت : لا فإن عذاب الله أدهى وأمرّ! فمات منهم خلق كثير ولم يفلت إلّا القليل. فلمّا كان من الغد دخلنا معسكرهم فوجدنا من الغنائم ما شاء الله ، فحملناها وحمدنا الله تعالى على السلامة.

بها جبل زانك ؛ قال صاحب تحفة الغرائب : بأرض تركستان جبل به جمع من أهل بيت يقال لهم زانك ، وهم أناس ليس لهم زرع ولا ضرع ، وفي جبالهم معدن الذهب والفضّة ، فربّما توجد قطعة كرأس شاة ، فمن أخذ القطاع الصغار تمتّع بها ، ومن أخذ من الكبار يفشو الموت في كلّ بيت فيه تلك القطعة. فإن ردّها إلى مكانها ينقطع عنهم الموت ، ولو أخذها الغريب لا يضرّه شيء.

وبها جبل النار ؛ هذا الجبل بأرض تركستان فيه غار شبه بيت كبير ، كلّ دابّة تدخله تموت في الحال لشدّة وهج النار في ذلك البيت.

وبها جبل كيلسيان ؛ ذكر صاحب تحفة الغرائب أن بهذا الجبل موضعا ، كلّ طير طار مسامتا له يقع في الحال ميتا ، فيرى حوله من الحيوانات الميتة ما شاء الله.

وبها جبل ذكره أبو الريحان الخوارزمي في كتابه المسمّى بالآثار الباقية : إن بأرض الترك جبلا إذا اجتاز عليه الغنم شدّت أرجلها بالصوف لئلّا تصطكّ حجارة فيعقبها المطر.

وبها معدن البلحش ومعدن اللازورد والبيجاذق ؛ من خصائصها المسك الذكي الرائحة ، والسنجاب والسمور والقاقم والفنك والثعالب السود والأرانب

٥١٧

البيض ، والبزاة الشهب والحجر اليشب والخيل الهماليج والرقيق الروقة.

وحكى بعض التجّار أن بأرض الترك موضعا يزرع فيه نوع من الحبّ ، فيأتي بثمرة كالبطّيخ ، فإذا ظهرت ثمرته يزرع حولها شيء من الحشيش اللين حتى يكون عند إدراك الثمرة الحشيش موجودا ، فعند ذلك تنشق الثمرة ويخرج منها رأس حمل ، ويجعل يرعى من ذلك الحشيش الذي بقربه أيّاما حتى يقوى ويخرج من ذلك القشر ، وقد حدّث من رأى من هذا الغنم وقال : انّه لا يخالف الغنم إلّا بطول القوائم وفقد الألية ، فإن عند أليتها شبه ذنب ، وتحدّث به كثير من التجار الذين أسفارهم إلى أرض الترك. والله الموفق.

تفليس

مدينة حصينة لا إسلام وراءها. بناها كسرى أنوشروان وحصّنها إسحق ابن إسماعيل ، مولى بني أميّة. يشقّها نهر الكرّ. أهلها مسلمون ونصارى : من أحد جانبي الكرّ يؤذنون ، ومن الجانب الآخر يضربون بالناقوس ، وذكروا أن المدينة كانت مسقّفة بالصنوبر ، فلمّا أرسل المتوكّل إليها بغا لقتال إسحق بن إسماعيل خرج إسحق لمحاربة بغا ، فأمر بغا النفاطين فرموا المدينة بالنار وأحرقوها فاحترقت المدينة كلّها ، لأنّها كانت من خشب الصنوبر ، وهلك خمسون ألف إنسان.

ومن عجائبها حمّام شديد الحرارة لا يوقد ولا يستقى له ماء ، لأنّه بني على عين حارّة. وذكر بعض التجّار أن هذا الحمّام يختصّ بالمسلمين لا يدخله كافر البتّة.

والملّة النصرانيّة بها ظاهرة والمدينة في إيالتهم ، وبها من الصوامع والبيع والدينار الذي يسمّونه بربره ، وهو دينار حسن مفروغ مقعّر عليه كتابة سريانية وصورة الأصنام ، كلّ دينار مثقال ذهب جيد لا يقدر أحد على التلبيس به ، وإنّه نقد بلاد الابخاز وضرب ملوكهم.

٥١٨

ويجلب من تفليس الزئبق والخلنج والعبيد والدواب الفرّه ، وأنواع اللبود والأكسية والبسط الرقيقة والفرش ، والصوف الرفيع والخزّ وما شابه ذلك.

جرجانيّة

قصبة ناحية خوارزم. مدينة عظيمة مشهورة على شاطىء جيحون ، من أمهات المدن جامعة لأشتات الخيرات وأنواع المسرّات. جاء في فضائلها ما ذكره الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار عن ابن مسعود ، عن النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، أنّه قال : ليلة أسري بي رأيت على السماء الرابعة قصرا مزخرفا ، حواليه قناديل من نور. قلت : يا جبريل ما هذا القصر المزخرف؟ قال :هذا رباط ستفتحه أمّتك بأرض خراسان حول جيحون. قلت : وما جيحون؟قال : نهر بأرض خراسان ، من مات حول ذلك النهر على فراشه قام يوم القيامة شهيدا. قلت : يا جبريل ولم ذاك؟ قال : لهم عدوّ يقال له الترك شديد كلبهم قليل سلبهم ، من وقع في قلبه فزعة منهم قام شهيدا يوم القيامة من قبره مع الشهداء.

وعن الحسن : مدينة بالمشرق يقال لها خوارزم على شاطىء نهر يقال له جيحون ملعون الجانبين ، ألا وإن تلك المدينة محفوفة مكفوفة بالملائكة ، تهدى إلى الجنّة كما تهدى العروس إلى بيت زوجها ، يبعث الله تعالى منها مائة شهيد ، كلّ شهيد منهم يعدل شهيد بدر.

وجرجانية مدينة عظيمة كثيرة الأهل. وأهلها كلّهم أجناد حتى البقّال والقصّاب والخبّاز والحائك.

وحكي أن السلطان محمّد بن تكش أوقع به الخطأ في بعض وقائعه وقتلوا من المسلمين مقتلة عظيمة ، وما أفلت منهم إلّا السلطان في نفر يسير ، فدخل البلد ليلا لئلّا يرى الناس قلّة عدده ، وركب أوّل النهار بثلاثين ألف فارس وذهب إلى وجه العدو.

٥١٩

وأهل جرجانية كلّهم معتزلة ، والغالب عليهم ممارسة علم الكلام حتى في الأسواق والدروب يناظرون من غير تعصّب بارد في علم الكلام. وإذا رأوا من أحد التعصّب أنكروا عليه كلّهم وقالوا : ليس لك إلّا الغلبة بالحجّة ، وإيّاك وفعل الجهّال!

وأهلها أهل الصناعات الدقيقة كالحدّاد والنجّار وغيرهما ، فإنّهم يبالغون في التدقيق في صناعاتهم ، والسكاكون يعملون الآلات من العاج والآبنوس ، لا يعمل في غير خوارزم إلّا بقرية يقال لها طرق من أعمال أصفهان. ونساؤها يعملون بالإبرة صناعات مليحة كالخياطة والتطريز والأعمال الدقيقة.

وحكي أن السبب في بناء هذه المدينة أن بعض الملوك غضب على جمع من أصحاب مملكته ، فأمر بنفيهم إلى موضع بعيد عن العمارات ، فنفوهم إلى هذا المكان وتركوهم ، وكان موضعا منقطعا عن البلاد لا زرع به ولا ضرع. فلمّا كان بعد مدّة جرى ذكرهم عند الملك ، فأمر بكشف خبرهم فجاؤوا إليهم فوجدوهم قد بنوا أكواخا ويتقوّتون بصيد السمك ، وكان عندهم حطب كثير فقالوا لهم : كيف حالكم؟ قالوا : لنا هذا السمك وهذا الحطب. فسمّي الموضع خوارزم لأن بلغتهم خوار اللحم ورزم الحطب ، فبعث الملك إليهم أربعمائة جارية من سبي الترك على عدد الرجال المنفيين ، فتوالدوا وتناسلوا فلهذا ترى صورهم صور الأتراك وطباعهم طباع الترك. وفيهم جلادة وقوّة فعمروا ذلك الموضع حتى صار من أحسن بلاد الله تعالى وأكثرها عمارة ، حتى لم ير بها خراب ، فإنّها مع ما هي عليه من سباخة أرضها وكثرة برودها متّصلة العمارة متقاربة القرى ، كثيرة القصور والبيوت ، وقلّما يقع النظر في رستاقها على أرض لا عمارة فيها ، هذا مع كثرة الأشجار.

والغالب عليها التوت والخلاف لأجل دود القزّ ، فإن لهم يدا باسطة في تربيتها ، والخلاف لأجل العمارات ، فإن عماراتهم من الاخصاص والخلاف لأن أرضها كثيرة النزوز لا تحتمل البناء الثقيل ، فإن الماء ينبع إذا حفرت ذراعين.

٥٢٠