🚘

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني

آثار البلاد وأخبار العباد

المؤلف:

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار صادر
الطبعة: ٤
الصفحات: ٦٦٧
🚘 نسخة غير مصححة

وقال : مرضها العشق! فأنكرت المرأة. قال أبو عليّ : إن شئتم أعيّن لكم من تعشقه! اذكروا أسامي من يكون صالحا لذلك ، وأنا أجسّ نبضها! فلمّا ذكروا اسم معشوقها اضطرب نبضها وتغيّر حالها ، فعرف ذلك منها. قالوا :فما علاجها؟ قال : ان العشق تمكّن منها تمكّنا شديدا ، إن لم تزوّجوها تتلف!

فاشتهر عند أهل همذان انّه طبيب جيّد ، حتى جاء ناس من بخارى خدموا لأبي عليّ خدمة الملوك. فسأل أهل همذان عنهم فقالوا : هذا أبو عليّ بن سينا.

فعرف بهمذان ، وذكروا أن شمس الدولة صاحب همذان كان مبتلى بالقولنج ، فعالجه أبو عليّ ، فاستوزره شمس الدولة فبقي في وزارته مدّة ، وكانت دولة آل بويه متزلزلة بين أولاد الأعمام يحارب بعضهم بعضا ، فلقي من الوزارة تعبا شديدا حتى نهب داره وكتبه. فلمّا مات شمس الدولة وجلس ابنه مكانه ، استعفى أبو عليّ عن الوزارة واتّصل بعلاء الدولة صاحب أصفهان ، وكان ملكا حكيما أكرم مثواه ، وكان عنده إلى أن فارق الدنيا سنة ثمان وعشرين وأربعمائة عن ثمان وخمسين سنة ودفن بهمذان.

الموت

قلعة حصينة من ناحية روذبار بين قزوين وبحر الخزر على قلّة جبل ، وحولها وهاد لا يمكن نصب المنجنيق عليها ولا النشّاب يبلغها. وهي كرسي ملك الإسماعيليّة ؛ قيل : ان بعض ملوك الديلم أرسل عقابا للصيد وتبعها ، فرآها وقعت على هذا الموضع فوجده موضعا حصينا ، فاتّخذه قلعة وسمّاها إله أموت أي تعليم العقاب بلسان الديلم. ومنهم من قال : اسم القلعة بتاريخها لأنّها بنيت في سنة ستّ وأربعين وأربعمائة وهي م وت.

ينسب إليها حسن الصبّاح داعي الباطنيّة ، وكان عارفا بالحكمة والنجوم والهندسة والسحر ، ونظام الملك كان يكرمه لفضله ، فقال يوما بطريق الفراسة :عمّا قريب يصل هذا جمعا من ضعفاء العوام! فذهب الصباح إلى مصر ودخل

٣٠١

على المستنصر واستأذن منه أن يدعو الناس إلى بيعته ، وكان خلفاء مصر يزعمون أنّهم من نسل محمّد بن إسماعيل بن جعفر ، فعاد الصباح إلى بلاد العجم حتى وصل إلى ناحية روذبار ، فرأى شخصا على غصن شجرة وهو يضرب أصل الغصن بالفأس ، فقال في نفسه : لا أجد قوما أجهل من هؤلاء! فألقى جرانه هناك وأظهر النسك ، وكان كوتوال الموت رجلا علويّا حسن الظنّ في الصباح ، فأحكم الصباح أمره مع الناس وأخرج العلوي من القلعة. وكان معه صبي قال هو من نسل محمّد بن إسماعيل ، والإمامة كانت لأبيه والآن له ، واحكم أساس دعوته فيهم وقال للقوم : لا بدّ للناس من معلّم ، ومعلمكم هذا الصبي ، وطاعة هذا المعلّم واجب عليكم ، فإذا رضي عنكم سعدتم في الدنيا والآخرة ، ولا حاجة بكم إلى شيء سوى طاعة المعلّم. فاستخفّ قومه فأطاعوه حتى صاروا يفدون أنفسهم له ، فلمّا عرف علماء الإسلام اعتقادهم وإخلالهم بأركان الدين افتوا بإلحادهم ، وجعلوا يغزونهم ويسبون منهم فقتلوا جمعا من العظماء على يد الفداية ، منهم :الخليفة المسترشد ونظام الملك وبكتمر صاحب أرمن ، وانقلمس صاحب العراق.

فخاف منهم ملوك جميع الأطراف.

وفي زمن المستعصم ظهر شخص باليمن يدعي الخلافة ، فاجتمع عليه قوم بعثوا إليه فقتلوه ، وكانت شوكتهم باقية إلى أن قتلوا واحدا من عظماء التتر ، فحاصروهم سبع سنين فتلفوا على القلاع جوعا وهلكوا ، ومنهم من نزل فقتلوهم عن آخرهم واندفع شرّهم.

إيذج

مدينة بين أصفهان وخوزستان كثيرة الزلازل ، بها معادن كثيرة ، من عجائبها ضرب من القاقلّى عصارتها دواء عجيب للنقرس ، وبها بحيرة تعرف بفم البوّاب ، ماؤها دائر إذا وقع فيها شيء من الحيوان لا يغوص بل يدور فيها حتى يموت ، ثمّ يقذف إلى الشطّ.

٣٠٢
٣٠٣

أخبر بهذا كلّه الحافظ ابن النجّار شيخ المحدّثين ببغداد وقال : شاهدت العين وشربت من مائها ، وزرت مشهد الشيخ هناك فوجدت روحا تامّا.

ايلابستان

قرية بين اسفرايين وجرجان ، من عجائبها ما ذكره صاحب تحفة الغرائب ان بها مغارة يخرج منها ماء كثير ينبع من عين فيها ، فربّما ينقطع ذلك الماء في بعض السنين أشهرا ، فإذا دام انقطاعه يخرج أهل القرية من الرجال بأحسن ثيابهم والدفوف والشبابات والملاهي إلى تلك العين ، ويرقصون عندها ويلعبون ، فإن الماء ينبع من العين ويجري بعد ساعة ، وهو ماء كثير بقدر ما يدير رحى.

بابل

اسم قرية كانت على شاطىء نهر من أنهار الفرات بأرض العراق في قديم الزمان ، والآن ينقل الناس آجرّها. بها جبّ يعرف بجبّ دانيال ، عليه السلام ، يقصده اليهود والنصارى في أوقات من السنة وأعياد لهم. ذهب أكثر الناس إلى أنّها هي بئر هاروت وماروت ، ومنهم من ذهب إلى أن بابل أرض العراق كلّها.

ومن عجائبها ما ذكر أن عمر بن الخطّاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال : عجائب بابل كثيرة ، لكن أعجبها أمر المدن السبع ، كانت في كلّ مدينة أعجوبة. أمّا المدينة الأولى فكان الملك ينزلها وفيها بيت ، في ذلك البيت صورة الأرض بقراها ورساتيقها وأنهارها ، فمتى امتنع أهل بلدة من حمل الخراج خرق أنهارهم في تلك الصورة وغرق زروعهم ، فحدث بأهل تلك البلدة مثل ذلك حتى رجعوا عن الامتناع ، فيسدّ أنهارهم في الصورة فينسدّ في بلدهم.

والمدينة الثانية كان فيها حوض عظيم ، فإذا جمع الملك قومه حمل كلّ واحد معه شرابا يشربه عند الملك وصبّه في ذلك الحوض ، فإذا جلسوا للشرب شرب كلّ واحد منهم شرابه الذي كان معه وحمل من منزله.

٣٠٤

والمدينة الثالثة كان على بابها طبل معلّق ، فإذا غاب إنسان من أهل تلك المدينة والتبس أمره ولم يعلم حيّ هو أم ميت ، دقّوا ذلك الطبل على اسمه ، فإن كان حيّا ارتفع صوته ، وإن كان ميتا لم يسمع منه صوت البتّة.

والمدينة الرابعة كان فيها مرآة من حديد ، فإذا غاب رجل عن أهله وأرادوا أن يعرفوا حاله التي هو فيها ، أتوا تلك المرآة على اسمه ونظروا فيها فرأوه على الحالة التي هو فيها.

والمدينة الخامسة كان على بابها عمود من نحاس وعلى رأسه اوزّة من نحاس ، فإذا دخلها جاسوس صاحت صيحة سمعها كلّ أهل المدينة ، فعلموا أن جاسوسا دخل عليهم.

والمدينة السادسة كان بها قاضيان جالسان على طرف ماء ، فإذا تقدّم إليهما خصمان قرآ شيئا وتفلا على رجليهما وأمراهما بالعبور على الماء ، فغاص المبطل في الماء دون المحقّ.

والمدينة السابعة كانت بها شجرة كثيرة الأغصان ، فإن جلس تحتها واحد أظلّته إلى ألف نفس ، فإن زاد على الألف واحد صاروا كلّهم في الشمس.

وروي عن الأعمش أن مجاهدا كان يحبّ أن يسمع من الأعاجيب ، ولم يسمع بشيء من الأعاجيب منها إلّا صار إليه وعاينه. فقدم أرض بابل فلقيه الحجّاج وسأله عن سبب قدومه ، فقال : حاجة إلى رأس الجالوت! فأرسله إليه وأمره بقضاء حاجته ، فقال له رأس الجالوت : ما حاجتك؟ قال : أن تريني هاروت وماروت! فقال لبعض اليهود : اذهب بهذا وأدخله إلى هاروت وماروت لينظر إليهما. فانطلق به حتى أتى موضعا ورفع صخرة ، فإذا شبه سرب ، فقال له اليهودي : انزل وانظر إليهما ولا تذكر الله! فنزل مجاهد معه فلم يزل يمشي به اليهودي حتى نظر إليهما ، فرآهما مثل الجبلين العظيمين منكوسين على رأسيهما وعليهما الحديد من أعقابهما إلى ركبهما مصفّدين ، فلمّا رآهما مجاهد لم يملك نفسه فذكر الله ، فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا يقطعان ما عليهما من

٣٠٥

الحديد ، فخرّ اليهودي ومجاهد على وجههما ، فلمّا سكنا رفع اليهودي رأسه وقال لمجاهد : أما قلت لك لا تفعل ذلك فكدنا نهلك! فتعلّق مجاهد به ولم يزل يصعد به حتى خرجا.

بالس

بليدة على ضفة الفرات من الجانب الغربي ، فلم تزل الفرات تشرّق عنها قليلا قليلا حتى صار بينهما في أيّامنا هذه أربعة أميال.

بدخشان (١)

مدينة مشهورة بأعلى طخارستان. بها معدن البلخش المقاوم للياقوت ، وقد حدّث من شاهده قال : انّه عروق في جبالها يكثر بها إلّا أن الجيّد قليل. وبها معدن اللازورد ومعدن البيجادق وهو حجر كالياقوت ، وبها معدن البلّور الخالص.

ومن عجائبها حجر الفتيلة وهو يشبه البردي ، يحسب العامة انّه ريش الطائر لا تحرقه النار ، يدهن ويشعل فيتقد مثل الفتيلة ، فإذا فني الدهن بقي كما كان ولم يتغيّر شيء من صفته ، وهكذا كلّما وضع في الدهن اشتعل ، ويتّخذ منه قناديل غلاظ للخوان ، فإذا اتسخت ألقيت في النار فذهب عنها الدرن وصفا لونها. وبها حجر يترك في البيت المظلم يضيء شيئا يسيرا ، كلّ ذلك عن البشّاري.

برقعيد

بليدة بين الموصل ونصيبين ، كانت قديما مدينة كبيرة ممرّ القوافل.

يضرب بأهلها المثل في اللصوصيّة. يقال : لصّ برقعيدي! فكانت القوافل إذا نزلت بهم لقيت منهم الأمرّين. حكي أن قفلا نزل بهم فذهبوا إلى بعض جدرانها

__________________

(١) وردت في معجم البلدان بالذال المعجمة : بذخشان.ss

٣٠٦

احترازا من اللصوص ، وجعلوا دوابهم تحت الجدار وأمتعتهم حولها ، واشتغلوا بحراسة ما تباعد عن الجدار لأمنهم من صوب الجدار. فلمّا كان الليل صعد البرقعيديون السطح ، وألقوا على الدواب كلاليب أنشبوها في براذعها وجذبوها إلى السطح ، ولم يدر القوم إلى وقت الرحيل ، فطلبوا الدواب فما وجدوها ، فذهبوا وتركوها. فلمّا كثرت منهم أمثال هذه الأفاعيل تجنّبتهم القوافل ، وجعلوا طريقهم إلى باشزّى ، وانتقلت الأسواق إلى باشزّى وخربت برقعيد.

والآن لم يبق بها إلّا طائفة صعاليك ضعفى.

ينسب إليها المغني البرقعيدي الذي يضرب به المثل في سماجة الوجه وكراهة الصوت ، قال :

وليل كوجه البرقعيديّ ظلمة

وبرد أغانيه وطول قرونه

قطعت دياجيه بنوم مشرّد

كعقل سليمان بن فهد ودينه

على أولق فيه الهباب كأنّه

أبو جابر في خبطه وجنونه

إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنّه

سنا وجه قرواش وضوء جبينه

بروجرد

بلدة بقرب همذان ، طيّبة خصيبة كثيرة المياه والأشجار والفواكه والثمار.

فواكهها تحمل إلى المواضع التي بقربها. وهي قليلة العرض طولها مقدار نصف فرسخ. أرضها تنبت الزعفران.

من عجائبها ما ذكر أنّه في قديم الزمان نزل على بابها عسكر ، فأصبحوا وقد مسخ العسكر حجرا صلدا. وآثارها إلى الآن باقية ، وإن كانت التماثيل بطول الزمان تشعّبت بنزول الأمطار عليها وهبوب الرياح واحتراقها بحرارة الشمس ، لكن لا يخفى أن هذا كان إنسانا وذاك كان بهيمة وغيرها.

٣٠٧

بسطام

مدينة كبيرة بقومس بقرب دامغان. من عجائبها انّه لا يرى بها عاشق من أهلها ، وإذا دخلها من به عشق فإذا شرب من مائها زال عنه ذلك! وأيضا لم ير بها رمد قطّ ، وماؤها يزيل البخر إذا شرب على الريق ، وإن احتقن به يزيل بواسير الباطن. والعود لا رائحة له بها ولو كان من أجود العود ، وتذكو بها رائحة المسك والعنبر وسائر أصناف الطيب ، ودجاجها لا يأكل العذرة. وبها حيّات صغار وثّابات.

ينسب إليها سلطان العارفين أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي صاحب العجائب ؛ قيل له : ما أشدّ ما لقيت في سبيل الله من نفسك؟ قال : لا يمكن وصفه. فقيل : ما أهون ما لقيت نفسك منك في سبيل الله؟ قال : أمّا هذا فنعم.

دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني ، فمنعتها الماء سنة. وحكي أن أبا يزيد رأى في طريق مكّة رجلا معه حمل ثقيل ، فقال لأبي يزيد : ما أصنع بهذا الحمل؟ فقال له : احمله على بعيرك واركب أنت فوقه. ففعل الرجل ذلك وفي قلبه شيء ، فقال له أبو يزيد : افعل ولا تمار ، فإن الله هو الحامل لا البعير! فلم يقنع الرجل بذلك فقال أبو يزيد : انظر ماذا ترى؟ فقال : أرى نفسي والحمل يمشي في الهواء والبعير يمشي فارغا. فقال له : أما قلت لك إن الله هو الحامل فما صدقت حتى رأيت!

وحكي انّه سمع أن بعض مريديه شرب الخمر ، فقال له : اخرج معي حتى أعلّمك شرب الخمر! فخرج معه فأدخله بعض المواخير وشرب جميع ما في دنانها ، ثمّ تنكّس فجعل رأسه على الأرض ورجليه نحو الهواء ، وقرأ القرآن من أوّله إلى آخره وقال للمريد : إذا أردت شرب الخمر فهكذا!

مات سنة إحدى وستّين ومائتين ببسطام ، وكان له هناك مشهد مزار متبرّك به ، وذكر بعض الصوفية ان من نام في مشهد أبي يزيد ، فإذا استيقظ يرى نفسه خارجا من المشهد.

٣٠٨

البصرة

هي المدينة المشهورة التي بناها المسلمون ؛ قال الشعبي : مصرت البصرة قبل الكوفة بسنة ونصف. وهي مدينة على قرب البحر كثيرة النخيل والأشجار ، سبخة التربة ملحة الماء لأن المدّ يأتي من البحر ، يمشي إلى ما فوق البصرة بثلاثة أيّام. وماء دجلة والفرات إذا انتهى إلى البصرة خالطه ماء البحر فيصير ملحا.

وأمّا نخيلها فكثير جدّا ؛ قال الأصمعي : سمعت الرشيد يقول : نظرنا فإذا كلّ ذهب وفضّة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة!

ومن عجائبها أمور ثلاثة : أحدها أن دجلة والفرات يجتمعان قرب البصرة ، ويصيران نهرا عظيما يجري من ناحية الشمال إلى الجنوب ، فهذا يسمّونه جزرا ، ثمّ يرجع من الجنوب إلى الشمال ويسمّونه مدّا. يفعل ذلك في كلّ يوم وليلة مرّتين ، فإذا جزر نقص نقصا كثيرا بحيث لو قيس لكان الذي ذهب مقدار ما بقي أو أكثر ، وينتهي كلّ أوّل شهر في الزيادة إلى غايته ، ويسقي المواضع العالية والأراضي القاصية ثمّ يشرع في الانتقاص ، فهذا كلّ يوم وليلة انقص من الذي كان قبله إلى آخر الأسبوع الأوّل من الشهر ، ثمّ يشرع في الزيادة فهذا كلّ يوم وليلة أكثر من الذي قبله إلى نصف الشهر ، ثمّ يأخذ في النقص إلى آخر الأسبوع ثمّ في الزيادة إلى آخر الشهر ، وهكذا أبدا لا ينحلّ هذا القانون ولا يتغيّر.

وثانيها انّك لو التمست ذبابة في جميع بيادرها وربطها المعوّذة وغيرها على نخلها في جميع معاصرها ، ما وجدت إلّا في الفرط ، ولو ان معصرة دون الغيط أو تمرة منبوذة دون المسناة لما استبنتها من كثرة الذبّان ، وذكروا أن ذلك لطلسم.

وثالثها أن الغربان القواطع في الخريف تسوّد جميع نخل البصرة وأشجارها ، حتى لا يرى غصن إلّا وعليه منها ، ولم يوجد في جميع الدهر غراب ساقط على نخلة غير مصرومة ، ولو بقي عليها عذق واحد. ومناقير الغربان كالمعاول ،

٣٠٩

والتمر في ذلك الوقت على الأعذاق غير متماسك ، فلولا لطف الله تعالى لتساقطب كلّها بنقر الغربان ثمّ تنتظر صرامها ، فإذا تمّ الصرام رأيتها تخلّلت أصول الكرب فلا تدع حشفة إلّا استخرجتها. فسبحان من قدر ذلك لطفا بعباده!

قال الجاحظ : من عيوب البصرة اختلاف هوائها في يوم واحد ، فإنّهم يلبسون القمص مرّة والمبطنات مرّة لاختلاف جواهر الساعات. ومن ظريف ما قيل في اختلاف هواء البصرة قول ابن لنكك :

نحن بالبصرة في لو

ن من العيش ظريف

نحن ما هبّت شمال

بين جنّات وريف

فإذا هبّت جنوب

فكأنّا في كنيف

ومن متنزّهاتها وادي القصر ؛ ذكر الخليل أن أباه مرّ بوادي القصر فرأى أرضا كالكافور وضبّا محترشا وغزالا وسمكا ، وصيادة وغناء ملّاح على سكانه وحداء جمّال خلف بعيره فقال :

يا وادي القصر نعم القصر والوادي

في منزل حاضر إن شئت أو بادي

ترفا به السّفن والظلمان حاضرة

والضّبّ والنّون والملّاح والحادي

حكي أن عبيد الله بن زياد ابن أبيه بنى بالبصرة دارا عجيبة سمّاها البيضاء ، والناس يدخلونها ويتفرّجون عليها ، فدخلها اعرابيّ قال : لا ينتفع بها صاحبها! ودخلها آخر وقال : أتبنون بكلّ ريع آية تعبثون؟ فقيل ذلك لعبيد الله ، قال لهما : لأيّ شيء قلتم ما قلتم؟ قال الأعرابي : لأني رأيت فيها أسدا كالحا وكلبا نابحا وكبشا ناطحا! وكان كما قال ما انتفع بها عبيد الله أخرجه أهل البصرة منها.

وقال الآخر : آية من كتاب الله عرضت لي قرأتها ، فقال : والله لأفعلنّ بك ما في الآية الأخرى : وإذا بطشتم بطشتم جبّارين. فأمر أن يبنى عليه ركن من أركان قصره.

٣١٠

وينسب إليها أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري أوحد زمانه. سأله الحجّاج وقال : ما تقول في عثمان وعليّ؟ قال : أقول ما قال من هو خير مني عند من هو شرّ منك! قال : من هو؟ قال : موسى ، عليه السلام ، حين سأله فرعون : ما بال القرون الأولى؟ قال : علمها عند ربي في كتاب لا يضلّ ربي ولا ينسى. علم عثمان وعليّ عند الله. فقال : أنت سيّد العلماء يا أبا سعيد!

وحكي أن رجلا قال للحسن : فلان اغتابك! فبعث إلى ذلك الرجل طبق حلاوى وقال : بلغني أنّك نقلت حسناتك إلى ديواني فكافيتك بهذا. وحكي ان ليلة وفاته رأى رجل في منامه مناديا ينادي : إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه.

توفي سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة.

وينسب إليها أبو بكر محمّد بن سيرين ، وهو مولى أنس بن مالك. كان شابّا حسن الوجه بزّازا ، طلب منه بعض نساء الملوك ثيابا للشري ، فلمّا حصل في دارها مع ثيابه راودته عن نفسه فقال : أمهليني حتى أقضي حاجتي فإني حاقن! فلمّا دخل بيت الطهارة لطخ جميع بدنه بالنجاسة وخرج ، فرأته على تلك الحالة فنفرت منه وأخرجته.

وحكي انّه رأى يوسف الصدّيق ، عليه السلام ، في نومه فقال له : يا نبي الله حالك عجيب مع أولئك النسوة! فقال له : وحالك أيضا عجيب! أعطاه الله علم تأويل الرؤيا ، جاءه رجل قال : رأيت في نومي كأني أعلّق الجواهر على الخنازير! فقال له : تعلّم الحكمة لمن ليس أهلا لها! وجاءه رجل آخر وقال :رأيت كأني أختم أفواه الرجال وفروج النساء! فقال : مؤذن أنت؟ قال : نعم.

فقال : تؤذن في رمضان قبل طلوع الفجر. وجاءه رجل آخر وقال : رأيت كأني أصبّ الزيت في وسط الزيتون. فقال له : عندك جارية؟ قال : نعم.

قال : اكشف عن حالها كأنّها أمّك. توفي ابن سيرين سنة مائة وعشر عن سبع وسبعين سنة.

٣١١

وينسب إليها عمرو بن عبيد. كان عالما زاهدا ورعا. كان بينه وبين السفّاح والمنصور قبل خلافتهما معرفة ، وكانوا خائفين متواترين ، وعمرو بن عبيد يعاودهما في قضاء حاجتهما. فلمّا صارت الخلافة إلى المنصور عصى عليه أهل البصرة ، فجاء بنفسه بخراب البصرة. أهل البصرة تعلّقوا بعمرو بن عبيد وسألوه أن يشفع لهم ، فركب حمارا وعليه نعلان من الخوص ، وذهب إلى المنصور ، فلمّا رآه أكرمه وقبل شفاعته وسأله أن يقبل منه مالا ، فأبى قبول المال ، فألحّ عليه المنصور فأبى ، فحلف المنصور أن يقبله فحلف هو أن لا يقبله ، وكان المهدي ابن المنصور حاضرا فقال : يا عمّ أيحلف الخليفة وتحلف أنت؟ فقال : نعم للخليفة ما يكفّر به يمينه وليس لعمّك ما يكفر به يمينه! وقام من عنده وخرج والمنصور يقول : كلّكم يمشي رويد ، كلّكم يطلب صيد ، غير عمرو بن عبيد!

وحكي أن رجلا قال له : فلان لم يزل يذكرك بالسوء! فقال : والله ما راعيت حقّ مجالسته حين نقلت إلي حديثه ، ولا راعيت حقّي حين بلغتني عن أخي ما أكرهه! اعلم أن الموت يعمّنا والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا ، والله يحكم بيننا! وحكي أنّه مرّ على قوم وقوف قال : ما وقوفكم؟ قالوا : السلطان يقطع يد سارق! قال : سارق العلانية يقطع يد سارق السرّ.

وينسب إليها القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني. كان إماما عالما فاضلا.

ولمّا سمع الشيخ أبو القاسم بن برهان كلام القاضي أبي بكر ومناظرته قال :ما سمعت كلام أحد من الفقهاء والخطباء والبلغاء مثل هذا. وتعجّب من فصاحته وبلاغته وحسن تقريره. وزعم بعضهم أنّه هو المبعوث على رأس المائة الرابعة لتجديد أمر الدين ، وله تصانيف كثيرة ، وكان مشهورا بوفور العلم وحسن الجواب ؛ حضر بعض محافل النظر وكان أشعريّ الاعتقاد ، فقال ابن المعلم :قد جاء الشيطان! وابن المعلم كان شيخ الشيعة فسمع القاضي أبو بكر ما قاله فقال :ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا؟وحكي أن عضد الدولة أراد أن يبعث رسولا إلى الروم وقال : ان النصارى

٣١٢

يسألون ويناظرون فمن يصلح؟ قالوا : ليس لهم مثل القاضي أبي بكر ، فإنّه يناظرهم ويغلبهم في كلّ ما يقولونه. فبعثه إلى قيصر الروم ، فلمّا أراد الدخول عليه علم الرومي انّه لا يخدم كما هي عادة الرسل ، فاتّخذ الباب الذي يدخل منه إلى قيصر بابا قصيرا ، من أراد دخوله ينحني ، فلمّا وصل القاضي إلى ذلك عرف الحال فأدار ظهره إلى الباب ، ودخل راكعا ظهره إلى الباب ، فتعجّب قيصر من فطنته ووقع في نفسه هيبته.

فلمّا أدّى الرسالة رأى عنده بعض الرهابين فقال له القاضي مستهزئا :كيف أنت وكيف الأولاد؟ فقال له قيصر : إنّك لسان الأمّة ومقدم علماء هذه الملّلة! أما علمت أن هؤلاء متنزّهون عن الأهل والولد؟ فقال القاضي :إنّكم لا تنزّهون الله عن الأهل والولد وتنزّهون هؤلاء ، فهؤلاء أجلّ عندكم من الله تعالى! وقال بعض طاغية الروم للقاضي : اخبرني عن زوجة نبيّكم عائشة وما قيل فيها. قال القاضي : قيل في حقّ عائشة ما قيل في حقّ مريم بنت عمران ، وعائشة ما ولدت ومريم ولدت ، وقد برّأ الله تعالى كلّ واحدة منهما!

وحكى بعض الصالحين : انّه لمّا توفي القاضي أبو بكر رأيت في منامي جمعا عليهم ثياب بيض ، ولهم وجوه حسنة وروائح طيّبة ، قلت لهم : من أين جئتم؟ قالوا : من زيارة القاضي أبي بكر الأشعري. قلت : ما فعل الله به؟قالوا : غفر الله له ورفع درجته. فمشيت إليه فرأيته وعليه ثياب حسنة في روضة خضرة نضرة ، فهممت أن أسأله عن حاله فسمعته يقرأ بصوت عال : هاؤم اقرأوا كتابيه. اني ظننت اني ملاق حسابيه. فهو في عيشة راضية. في جنّة عالية.

بغداد

أمّ الدنيا وسيّدة البلاد وجنّة الأرض ومدينة السلام ، وقبّة الإسلام ومجمع الرافدين ، ومعدن الظرائف ومنشأ أرباب الغايات ، هواؤها ألطف من كلّ هواء ، وماؤها أعذب من كلّ ماء ، وتربتها أطيب من كلّ تربة ، ونسيمها

٣١٣

أرقّ من كلّ نسيم!

بناها المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس ، ولمّا أراد المنصور بناء مدينة بعث روّادا يرتاد موضعا ، قال له : أرى يا أمير المؤمنين أن تبنى على شاطىء دجلة ، تجلب إليها الميرة والأمتعة من البرّ والبحر ، وتأتيها المادة من دجلة والفرات ، وتحمل إليها ظرائف الهند والصين ، وتأتيها ميرة أرمينية وآذربيجان وديار بكر وربيعة ، لا يحمل الجند الكثير إلّا مثل هذا الموضع. فأعجب المنصور قوله وأمر المنجّمين ، وفيهم نوبخت ، باختيار وقت للبناء فاختاروا طالع القوس الدرجة التي كانت الشمس فيها ، فاتّفقوا على أن هذا الطالع ممّا يدلّ على كثرة العمارة وطول البقاء ، واجتماع الناس فيها وسلامتهم عن الأعداء. فاستحسن المنصور ذلك ثمّ قال نوبخت : وخلّة أخرى يا أمير المؤمنين. قال : وما هي؟ قال : لا يتّفق بها موت خليفة! فتبسّم المنصور وقال :الحمد لله على ذلك. وكان كما قال ، فإن المنصور مات حاجّا ، والمهدي مات بماسبذان ، والهادي بعيساباد ، والرشيد بطوس ، والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي ، والمأمون بطرسوس ، والمعتصم والواثق والمتوكّل والمستنصر بسامرّا. ثمّ انتقل الخلفاء إلى التاج وتعطّلت مدينة المنصور من الخلفاء ؛ قال عمارة بن عقيل :

أعاينت في طول من الأرض أو عرض

كبغداد من دار بها مسكن الخفض؟

صفا العيش في بغداد واخضرّ عوده

وعيش سواها غير خفض ولا غض

قضى ربّها أن لا يموت خليفة

بها ، إنّه ما شاء في خلقه يقضي

ذكر أبو بكر الخطيب أن المنصور بنى مدينة بالجانب الغربي ، ووضع اللبنة الأولى بيده ، وجعل داره وجامعها في وسطها ، وبنى فيها قبّة فوق ايوان كان علوها ثمانين ذراعا. والقبّة خضراء على رأسها تمثال فارس بيده رمح ، فإذا رأوا ذلك التمثال استقبل بعض الجهات ومدّ رمحه نحوها ، فعلموا أن بعض الخوارج

٣١٤

يظهر من تلك الجهة ، فلا يطول الوقت حتى يأتي الخبر ان خارجيّا ظهر من تلك الجهة. وقد سقط رأس هذه القبّة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في يوم مطير ريّح ، وكانت تلك القبّة علم بغداد وتاج البلد ، ومأثرة بني العبّاس.

وكان بجانبها الشرقي محلّة تسمّى باب الطاق ، كان بها سوق الطير فاعتقدوا ان من تعسّر عليه شيء من الأمور فاشترى طيرا من باب الطاق وأرسله ، سهل عليه ذلك الأمر. وكان عبد الله بن طاهر طال مقامه ببغداد ، ولم يحصل له اذن الخليفة ، فاجتاز يوما بباب الطاق فرأى قمرية تنوح ، فأمر بشرائها واطلاقها ، فامتنع صاحبها أن يبيعها إلّا بخمسمائة درهم ، فاشتراها وأطلقها وأنشأ يقول :

ناحت مطوّقة بباب الطّاق

فجرت سوابق دمعي المهراق

كانت تغرّد بالأراك وربّما

كانت تغرّد في فروع السّاق

فرمى الفراق بها العراق فأصبحت

بعد الأراك تنوح في الأشواق

فجعت بإفراج فأسبل دمعها

إنّ الدّموع تبوح بالمشتاق

تعس الفراق وتبّ حبل وتينه

وسقاه من سمّ الأساود ساقي

ماذا أراد بقصده قمريّة

لم تدر ما بغداد في الآفاق

بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي

من فكّ أسرك أن يحلّ وثاقي!

هذه صفة المدينة الغربيّة ، والآن لم يبق منها أثر. وبغداد عبارة عن المدينة الشرقيّة. كان أصلها قصر جعفر بن يحيى البرمكي ، والآن هي مدينة عظيمة كثيرة الأهل والخيرات والثمرات. تجبى إليها لطائف الدنيا وظرائف العالم إذ ما من متاع ثمين ولا عرض نفيس إلّا ويحمل إليها ، فهي مجمع لطيبات الدنيا ومحاسنها ، ومعدن لأرباب الغايات وآحاد الدهر في كلّ علم وصنعة.

وبها حريم الخلافة ، وعليه سور ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كشبه الهلال ، وله أبواب : باب سوق التمر باب شاهق البناء عال ، أغلق من أوّل أيّام

٣١٥

الناصر واستمرّ إغلاقه. ذكر أن المسترشد خرج منه فأصابه ما أصابه فتطيّروا به وأغلقوه. وباب النوبي وعنده العتبة التي يقبّلها الملوك والرسل إذا قدموا بغداد.

وباب العامة وعليه باب عظيم من الحديد نقله المعتصم من عمورية لم ير مصراعان أكبر منهما من الحديد.

ومن عجائبها دار الشجرة من أبنية المقتدر بالله ، دار فيحاء ذات بساتين مؤنقة ، وإنّما سمّيت بذلك لشجرة كانت هناك من الذهب والفضّة في وسط بركة كبيرة أمام أبوابها ، ولها من الذهب والفضّة ثمانية عشر غصنا ، ولكلّ غصن فروع كثيرة مكلّلة بأنواع الجواهر على شكل الثمار. وعلى أغصانها أنواع الطير من الذهب والفضّة ، إذا هبّ الهواء سمعت منها الهدير والصفير.

وفي جانب الدار عن يمين البركة تمثال خمسة عشر فارسا ، ومثله عن يسار البركة ، قد ألبسوا أنواع الحرير المدبّج مقلّدين بالسيوف ، وفي أيديهم المطارد يحركون على خطّ واحد ، فيظنّ أن كلّ واحد قاصد إلى صاحبه.

ومن مفاخرها المدرسة التي أنشأها المستنصر بالله. لم يبن مثلها قبلها في حسن عمارتها ورفعة بنائها ، وطيب موضعها على شاطىء دجلة وأحد جوانبها في الماء.

لم يعرف موضع أكثر منها أوقافا ولا أرفه منها سكّانا. وعلى باب المدرسة ايوان ركب في صدره صندوق الساعات على وضع عجيب ، يعرف منه أوقات الصلوات وانقضاء الساعات الزمانية نهارا وليلا ؛ قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي :

يا أيّها المنصور يا مالكا

برأيه صعب اللّيالي يهون!

شيّدت لله ورضوانه

أشرف بنيان يروق العيون

إيوان حسن وصفه مدهش

يحار في منظره النّاظرون!

تهدي إلى الطّاعات ساعاته

النّاس ، وبالنّجم هم يهتدون

صوّر فيه فلك دائر

والشّمس تجري ما لها من سكون

دائرة من لازورد حلت

نقطة تبر فيه سرّ مصون

٣١٦

فتلك في الشّكل وهذا معا

كمثل هاء ركّبت وسط نون

فهي لإحياء العلى والنّدى

دائرة مركزها العالمون

وأمّا أولو الفضل من العلماء والزهّاد والعبّاد والأدباء والشعراء والصنّاع فلا يعلم عددهم إلّا الله. ولنذكر بعض مشاهيرها إن شاء الله.

ينسب إليها القاضي أبو يوسف. ذكر أنّه كان رآه رجل يهودي وقت الظهيرة يمشي راكبا على بغلة ، واليهودي يمشي راجلا جائعا ضعيفا ، فقال للقاضي :أليس نبيّكم يقول الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر؟ قال : نعم. قال : فأنت في السجن وأنا في الجنّة والحالة هذه! فقال القاضي : نعم يا عدوّ الله ، بالنسبة إلى ما أعد الله لي من الكرامة في الآخرة في السجن ، وأنت بالنسبة إلى ما أعدّ الله لك في الآخرة من العذاب في الجنّة!

وحكي أن الهادي الخليفة اشترى جارية فاستفتى فقال الفقهاء : لا بدّ من الاستبراء أو الاعتاق والتزويج. فقال القاضي أبو يوسف : زوّجها من بعض أصحابك وهو يطلّقها قبل الدخول وحلّت لك.

وحكي أن الرشيد قال لزبيدة : أنت طالق ثلاثا إن بتّ الليلة في مملكتي! فاستفتوا في ذلك فقال أبو يوسف : تبيت في بعض المساجد فإن المساجد لله! فولّاه القضاء بجميع مملكته.

وحكي أن زبيدة قالت للرشيد : أنت من أهل النار. فقال لها : إن كنت من أهل النار فأنت طالق ثلاثا! فسألوا عنه فقال : هل يخاف مقام ربّه؟قالوا : نعم. قال : فلا يقع الطلاق لأن الله تعالى يقول : ولمن خاف مقام ربّه جنّتان.

وينسب إليها القاضي يحيى بن أكثم. كان فاضلا غزير العلم ذكي الطبع ، لطيفا حسن الصورة حلو الكلام ، كان المأمون يرى له لا يفارقه ، ويضرب به المثل في الذكاء. ولي القضاء وهو ابن سبع عشرة سنة فقال بعض الحاضرين في مجلس

٣١٧

الخليفة : أصلح الله القاضي! كم يكون سنّ عمره؟ فعلم يحيى انّه قصد بذلك استحقاره لقلّة سنه ، فقال : سنّ عمري مثل سنّ عمر بن عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول الله ، عليه السلام ، قضاء مكّة! فتعجّب الحاضرون من جوابه.

وحكي انّه كان ناظر الوقوف ببغداد فوقف العميان له وقالوا : يا أبا سعيد اعطنا حقّنا! فأمر بحبسهم ، فقيل له : لم حبست العميان وقد طلبوا حقّهم؟ فقال : هؤلاء يستحقّون ابلغ من ذلك ، إنّهم شبّهوني بأبي سعيد اللوطي من مدينة كذا! وكان هذا قصدهم فما فات القاضي ذلك.

وحكي انّه اجتاز بجمع من مماليك الخليفة صبيانا حسانا فقال لهم : لولا أنتم لكنّا مؤمنين. فعرف المأمون ذلك فأمر أن يذهب كلّ يوم إلى باب داره أربعمائة مملوك حسن الصورة ، حتى إذا ركب يمشون في خدمته إلى دار الخلافة ركابا.

وينسب إليها أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل. كان أصله من مرو وجيء به حملا إلى بغداد فنشأ بها. فلمّا كان أيّام المعتصم وقع في محنة المعتزلة ، جمع المعتصم بينه وبين المعتزلة وكبيرهم القاضي أبو داود. قالوا : ان القرآن مخلوق! قال لهم أحمد : ما الدليل على ذلك؟ قالوا : قوله تعالى : وما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث. فقال لهم أحمد : المراد من الذكر ههنا الذكر عند قوله تعالى : ص والقرآن ذي الذكر. فالذكر مضاف إلى القرآن فيكون غير القرآن ، وههنا مطلق وفي ص مقيّد ، فيجب حمل المطلّق على المقيّد. فانقطعت حجّتهم ، فقال المعتصم لأبي داود : ما تقول في هذا؟ فقال القاضي : هذا ضالّ مضلّ يجب تأديبه!

وعن ميمون بن الإصبع قال : كنت حاضرا عند محنة أحمد ، فلمّا ضرب سوطا قال : بسم الله ، فلمّا ضرب الثاني قال : لا حول ولا قوّة إلّا بالله ؛ فلمّا ضرب الثالث قال : القرآن كلام الله غير مخلوق ، فلمّا ضرب الرابع قال :

٣١٨

لا يصيبنا إلّا ما كتب الله لنا!

وعن محمّد بن إسماعيل قال : سمعت شابّا يقول : ضربت لأحمد ثمانين سوطا لو ضربت فيلا لهدته فجرى دمه تحت الخشب! ثمّ أمر بحبسه فانتشر ذكر ذلك واستقبح من الخليفة ، وورد كتاب المأمون من طرسوس يأمر بإشخاص أحمد. فدعا المعتصم عند ذلك أحمد وقال للناس : أتعرفون هذا الرجل؟ قالوا :نعم هو أحمد بن حنبل. قال : انظروا إليه ما به كسر ولا هشم. وسلّمه إليهم.

وحكى صالح بن أحمد قال : دخلت على أبي وبين يديه كتاب كتب إليه :بلغني أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق ، وما عليك من الدين ، وقد بعثت إليك أربعة آلاف درهم على يد فلان ، لا من زكاة ولا من صدقة وإنّما هي من إرث أبي! فقال أحمد : قل لصاحب هذا الكتاب : أمّا الدين فصاحبه لا يرهقنا ونحن نعافيه ، والعيال في نعمة من الله. قال : فذهبت إلى الرجل وقلت له ما قال أبي ، والله يعلم ما نحن فيه من الضيق. فلمّا مضت سنة قال : لو قبلناها لذهبت!

وحكى أحمد بن حرار قال : كانت أمّي زمنة عشرين سنة فقالت لي يوما :اذهب إلى أحمد بن حنبل وسله أن يدعو الله لي. فذهبت ودققت الباب فقالوا :من؟ قلت : رجل من ذاك الجانب ، وسألتني أمّي الزمنة ان أسألك أن تدعو الله لها. فسمعت قائلا يقول : نحن أحوج إلى من يدعو الله لنا! فوليت منصرفا فخرجت عجوز من داره وقالت : أنت الذي كلّمت أبا عبد الله؟قلت : نعم. قالت : تركته يدعو الله لها. فجئت إلى بيتي ودققت الباب ، فخرجت أمّي على رجليها تمشي وقالت : قد وهب الله لي العافية.

وذكروا أن أحمد بن حنبل جعله المعتصم في حلّ يوم قتل بابك الخرّمي أو يوم فتح عمورية. وتوفي أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين عن تسع وسبعين سنة.

وحكى أبو بكر المروزي قال : رأيت أحمد بن حنبل بعد موته في المنام في روضة ، وعليه حلّتان خضراوان وعلى رأسه تاج من نور ، وهو يمشي مشيا

٣١٩

لم أكن أعرفه. فقلت : يا أحمد ما هذه المشية؟ قال : هذه مشية الخدام في دار السلام! فقلت : ما هذا التاج الذي أراه فوق رأسك؟ فقال : ان ربّي أوقفني وحاسبني حسابا يسيرا ، وحباني وقربني وأباحني النظر وتوّجني بهذا التاج ، وقال لي : يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به كما قلت القرآن كلامي غير مخلوق.

وينسب إليها أبو عليّ الحسين بن صالح بن خيران. كان عالما شافعيّ المذهب جامعا بين العلم والعمل والورع. طلبه عليّ بن عيسى وزير المقتدر لتوليته القضاء ، فأبى وهرب فختم بابه بضعة عشر يوما ، قال أبو عبد الله بن الحسن العسكري : كنت صغيرا وعبرت مع أبي على باب أبي علي بن خيران ، وقد وكل به الوزير عليّ بن عيسى ، وشاهدت الموكّلين على بابه فقال لي أبي : يا بني ابصر هذا حتى تتحدّث إن عشت أنّ إنسانا فعل به هذا فامتنع عن القضاء. ثمّ إن الوزير عفا عنه وقال : ما أردنا بالشيخ أبي عليّ إلّا خيرا ، وأردنا أن نعلم الناس أن في ملكنا رجلا يعرض عليه قضاء الشرق والغرب وهو لا يقبل. توفي ابن خيران في حدود عشرين وثلاثمائة.

وينسب إليها أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. كان عالما بعلم التفسير والحديث والفقه والأدب والوعظ ، وله تصانيف كثيرة في فنون العلوم. وكان أيضا ظريفا سئل وهو على المنبر : أبو بكر أفضل أم عليّ؟فقال : الذي كانت ابنته تحته! فقالت السّنّيّة : فضّل أبا بكر! وقالت الشيعة :فضّل عليّا! وكانت له جارية حظية عنده فمرضت مرضا شديدا فقال وهو على المنبر : يا إلهي يا إلهي ما لنا شيء إلّا هي ، قد رمتني بالدواهي والدواهي والدواهي :ونقل أنّهم كتبوا على رقعة إليه وهو على المنبر : إن ههنا امرأة بها داء الابنة والعياذ بالله تعالى فماذا تصنع بها؟ فقال :

يقولون ليلى في العراق مريضة

فيا ليتني كنت الطّبيب المداويا

توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة.

٣٢٠