🚘

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني

آثار البلاد وأخبار العباد

المؤلف:

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار صادر
الطبعة: ٤
الصفحات: ٦٦٧
🚘 نسخة غير مصححة

أرّجان

مدينة مشهورة بأرض فارس ، بناها قباذ بن فيروز والد أنوشروان العادل ؛ قال ابن الفقيه : من عجائبها كهف في حبل ينبع منه ماء شبيه بعرق يترشّح من حجارته ، يكون منه الموميا الجيّد الأبيض ، وعلى هذا الكهف باب حديد وحفظة ، يغلق ويختم بختم السلطان إلى يوم من السنة يفتح فيه ويحضر القاضي ومشايخ البلد ويدخل الكهف رجل عريان ، فيجمع ما قد اجتمع فيه من الموميا ويجعله في قارورة ، فيكون مقدار مائة مثقال أو دونها ، ثمّ يغلق الباب ويختم إلى القابل.

وخاصّيّته أن الأنسان إذا سقي منه مقدار عدسة وقد انكسر من أعضائه شيء أو انهشم ينزل كما يشربه إلى الكسر والهشم ويصلحه.

وبها قنطرة عجيبة على نهر طاب ، وهي قوس واحدة سعة ما بين القائمتين ثمانون خطوة ، وارتفاعها مقدار ما يخرج منها راكب الجمل وبيده أطول الأعلام.

وبها بئر صاهك. ذكر أهل ارجان : أنّهم امتحنوا قعرها بالمثقلات والارسان فلم يقفوا منها على قرار. يفور الدهر كلّه منها ماء رحى يسقي تلك القرية.

وإليها ينسب الفضل بن علان من أعيان أرجان ، كان به حمّى الربع.

قيل له : ان النعمان بن عبد الله يقدم غدا والوجه أن تتلقّاه. فقال : كيف ذلك وغدا نوبة الحمى؟ لكن يا غلام هات اللحاف حتى أحمّ اليوم ، وغدا أتلقى الرجل!

الأردنّ

ناحية بأرض الشام في غربي الغوطة وشماليها ، وقصبتها طبريّة ، بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيّام ، بها البحيرة المنتنة التي يقال لها بحيرة طبريّة.

ودورة البحيرة ثلاثة أيّام ، والجبال تكتنفها فلا ينتفع بهذه البحيرة ولا يتولّد فيها حيوان ، وقد يهيج في بعض الأعوام فيهلك أهل القرى الذين هم حولها

١٤١

كلّهم حتى تبقى خالية مدّة ، ثمّ يأتي يسكنها من لا رغبة له في الحياة. وان وقع في هذه البحيرة شيء لا يبقى منتفعا به ، حتى الحطب إذا وقع فيها لا تعمل النار فيه البتّة ، وذكر ابن الفقيه أن الغريق فيها لا يغوص بل يبقى طافيا إلى أن يموت ، ويخرج من هذه البحيرة حجر على شكل البطيخ يقال له الحجر اليهودي ، ذكره الفلاسفة واستعمله الأطباء لحصاة المثانة ، وهو نوعان : ذكر وأنثى ، فالذكر للرجال والأنثى للنساء.

وبها منزل يعقوب النبيّ ، عليه السلام ، وبها جبّ يوسف الصدّيق ، وإلى الآن باق ، والناس يزورونها ويتبرّكون بها.

وينسب إليها الحواريّون القصّارون ؛ قال لهم عيسى ، عليه السلام : من انصاري إلى الله؟ قال الحواريّون : نحن أنصار الله.

أريحا

مدينة بقرب بيت المقدس من أعمال الأردن بالغور. ذات نخل وموز وسكر كثير ، وهي قرية الجبّارين التي أمر الله موسى ، عليه السلام ، بدخولها ، فقال موسى لبني إسرائيل : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ، يعني أرض الشام ، فخرج موسى من مصر بستمائة ألف مقاتل عازما للشام ، فلمّا وصلوا إلى البرية التي بين مصر والشام ، بعث موسى اثني عشر نقيبا من كلّ سبط واحدا رسولا إلى الجبّارين ، ليعرفوا حالهم ، فلمّا قربوا من أريحا تلقّاهم رجل من العمالقة ، سألهم عن حالهم فقالوا : إنّا رسل موسى رسول الله إليكم. فجعلهم في كمّه كما يجعل أحدنا في كمّه العصافير ، وذهب بهم إلى ملك العمالقة ونفضهم بين يديه ، وقال : هؤلاء الذين يريدون قتالنا! أتأذن لي أن أطأهم بقدمي أفسّخهم؟ فقال الملك : لا ، اتركهم حتى يرجعوا إلى قومهم يعرّفونهم حالنا وقوّتنا وضعفهم. فرجع النقباء وذكروا للقوم ما شاهدوا ، فامتنع القوم عن دخول الشام وقالوا : إن فيها قوما جبّارين. وكان

١٤٢

من النقباء يوشع بن نون ابن عمّ موسى وكالب بن يوفنّا زوج أخت موسى ، قالا : يا قوم ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون! وجدّ موسى وهارون جدّا عظيما ، فقالوا : إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فينا فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون. فحبسهم الله تعالى في التيه أربعين سنة فماتوا كلّهم سوى يوشع وكالب ، وأوحى الله تعالى إلى يوشع فدخل الشام بأولاد الممتنعين وفتحها ، فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا مدينة أريحا سجّدا لله تعالى شكّرا قائلين : حطّة! أي سؤالنا حطّ ذنوبنا. وكانوا يدخلونها على استاههم قائلين حنطة ، فسخط الله عليهم ورماهم بالطاغين ، فهلك منهم آلاف مؤلفة وذلك قوله تعالى : فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون.

الإسكندريّة

وهي المدينة المشهورة بمصر ، على ساحل البحر. اختلف أهل السير في بانيها : فمنهم من ذهب إلى أن بانيها الإسكندر الأوّل ، وهو ذو القرنين اشك بن سلوكوس الرومي ، الذي جال الأرض وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها ، وسدّ على يأجوج ومأجوج كما أخبر الله تعالى عنه ، وكان إذا بلغ موضعا لا ينفذ اتّخذ هناك تمثالا من النحاس مادّا يمناه مكتوبا عليها : ليس ورائي مذهب.

ومنهم من قال بناها الإسكندر بن دارا ابن بنت الفيلسوف الرومي ، شبّهوه بالإسكندر الأوّل لأنّه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة ، والأوّل كان مؤمنا والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاطاليس ، وبين الأوّل والثاني دهر طويل.

قيل : إن الإسكندر لمّا همّ ببناء الإسكندريّة ، وكانت قديما مدينة من بناء شدّاد بن عاد كان بها آثار العمارة والأسطوانات الحجريّة ، ذبح ذبائح كثيرة للقرابين ، ودخل هيكلا كان لليونانيّين وسأل ربّه أن يبيّن له أمر

١٤٣

هذه المدينة هل يتمّ أم لا؟ فرأى في منامه قائلا يقول له : إنّك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق ، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم ، وتختلط الرياح الطيّبة بهوائها ويصرف عنها السموم ، ويطوى عنها شدّة الحرّ والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل ، وان جبلت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر.

فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمدا كثيرة من الرخام ، فأمر بحثّ الصّنّاع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها ، فاختاروا وقتا وعلّقوا جرسا حتى إذا حرّك الجرس الصنّاع ، يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد ، فإذا هم مترقّبون طار طير وقع على الجرس فحرّكه فوضعوا البناء.

قيل ذلك للاسكندر فقال : أردت طول بقائها وأراد الله سرعة خرابها ، ولا يكون إلّا ما أراد الله فلا تنقضوها. فلمّا ثبت أساسها وجنّ الليل خرجت من البحر دابّة وخربت ما بنوا ، فلم يزل يحكمها كلّ يوم ويوكل بها من يحفظها ، فأصبحوا وقد خربت. فأمر الإسكندر باتّخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجنّ ، فاندفع عنها أذيّتهم.

قال المسعودي : الأعمدة التي للطلسم عليها صور وأشكال وكتابة باقية إلى زماننا ، كلّ عمود طوله ثمانون ذراعا ، عليها صور وأشكال وكتابة ، فبناها الإسكندر طبقات تحتها قناطر بحيث يسير الفارس تحتها مع الرمح. وكان عليها سبعة أسوار ، وهي الآن مدينة كثيرة الخيرات ، قال المفسّرون : كانت هي المراد من قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّآ لقومكما بمصر بيوتا.

وكان بها يوم الزينة واحتجاج موسى والسحرة. وكان موسى قبل الإسكندر بأكثر من ألف سنة.

بها مجلس سليمان ، عليه السلام ، قال الغرناطي : إنّه خارج الإسكندريّة ، بنته الجنّ منحوتا من الصخر بأعمدة الرخام لا مثل لها ، كلّ عمود على قاعدة

١٤٤

من الرخام وعلى رأسه مثل ذلك ، والرخام أبيض منقط بحمرة وسواد مثل الجزع اليماني ، طول كلّ عمود ثلاثون ذراعا ودورته ثمانية أذرع ، وله باب من الرخام وعتبته وعضادتاه أيضا من الرخام الأحمر الذي هو أحسن من الجزع ، وفي هذا المجلس أكثر من ثلاثمائة عمود كلّها من جنس واحد وقدّ واحد ، وفي وسط هذا المجلس عمود من الرخام على قاعدة رخاميّة ، طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا ودوره خمسة وأربعون شبرا ، إني شبرتها بشبري.

ومن عجائبها عمود يعرف اليوم بعمود السواري قريب من باب الشجرة من أبواب الإسكندريّة ، فإنّه عظيم جدّا كأنّه منارة عظيمة ، وهو قطعة واحدة منتصب على قاعدة من حجر عظيم مربع ، وعلى رأسه حجر آخر مثل القاعدة كأنّه بيت ، فإن تحت ذلك من مقطعه وانتصابه ورفع الحجر الفوقاني على رأسه يدلّ على أن فاعليه كانوا في قوّة شديدة ، وكانوا بخلاف أهل زماننا.

ومن عجائبها ما ذكر أبو الريحان في الآثار الباقية ان بالإسكندريّة اسطوانة متحرّكة ، والناس يقولون إنّها تتحرّك بحركة الشمس ، وإنّما قالوا ذلك لأنّها إذا مالت يوضع تحتها شيء ، فإذا استوت لا يمكن أخذها ، وإن كان خزفا أو زجاجا يسمع تقريعه ، وكانت الإسكندريّة مجمع الحكماء ، وبها كان معاريجهم مثل الدرج ، يجلس عليها الحكماء على طبقاتهم فكان أوضعهم علما الذي يعمل الكيمياء ، فإن موضعه كان على الدرجة السفلى.

ومن عجائبها المنارة أسفلها مربع من الصخر المنحوت ، وفوق ذلك منارة مثمّنة ، وفوق المثمّنة منارة لطيفة مدوّرة ، طول الأولى تسعون ذراعا ، والمثمّنة مثل ذلك ، وطول اللطيفة المدوّرة ثلاثون ذراعا ، وعلى أعلى المنارة مرآة وعليها موكّل ينظر إليها كلّ لحظة ، فإذا خرج العدوّ من بلاد الروم وركب البحر ، يراه الناظر في المرآة ويخبر القوم بالعدوّ فيستعدّون لدفعه. وكانت المرآة باقية إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان ، فأنفذ ملك الروم شخصا من خواصه ذا دهاء ، فجاء إلى بعض الثغور وأظهر أنّه هارب من ملك الروم ورغب في

١٤٥

الإسلام ، وأسلم على يد الوليد بن عبد الملك واستخرج له دفائن من أرض الشام.

فلمّا صارت تلك الأموال إلى الوليد شرهت نفسه فقال له : يا أمير المؤمنين إن ههنا أموالا ودفائن للملوك الماضية. فسأله الوليد عن مكانه فقال : تحت منارة الإسكندريّة ، فإن الإسكندر احتوى على أموال شدّاد بن عاد وملوك مصر والشام فتركها في آزاج وبنى عليها المنارة. فبعث الوليد معه قوما لاستخراجها فهم نقضوا نصف المنارة وأزيلت المرآة ، فضجّت الناس من أهل الإسكندريّة. فلمّا رأى العلج ذلك وعلم أن المرآة أبطلت هرب بالليل في مركب نحو الروم وتمّت حيلته.

والمنارة في زماننا حصن عال على نيق جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة ، بينها وبين البر نحو شوط فرس ، ولا طريق إليها إلّا في البحر المالح ، وهي مربّعة ولها درج واسعة يصعدها الفارس بفرسه. وقد سقّفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين للدرجة ، فترتقي إلى طبقة عالية مشرفة على البحر بشرفات محيطة ، وفي وسطه حصن آخر يرتقى إليه بدرجة أخرى فيصعد إلى طبقة أخرى لها شرفات ، وفي وسطها قبّة لطيفة كأنّها موضع الديدبان.

وحكي أن عبد العزيز بن مروان لمّا ولّي مصر جمع مشايخها وقال : إني أريد أن أعيد بناء الإسكندريّة إلى ما كانت. فقالوا : انظرنا حتى نتفكّر. فقال : أعينوني بالرجال وأنا أعينكم بالمال. فذهبوا إلى ناووس وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة ووزنوا سنّا من أسنانه فوجدوها عشرين رطلا على ما بها من

١٤٦

النخر والقدم ، فقالوا : جئنا بمثل هؤلاء الرجال حتى نعيدها إلى ما كانت. فسكت.

بها عين مشهورة بعين الإسكندريّة ، فيها نوع من الصدف يوجد في كلّ وقت لا يخلو منه في شيء من الأوقات ، يطبخ وتشرب مرقته تبرىء من الجذام. والله الموفق.

أسيوط

مدينة في غربي النيل من نواحي الصعيد في مستوى ، كثيرة الخيرات عجيبة المتنزّهات ، وعجائب عماراتها وصورها ممّا يرى لا ممّا يذكر. ولمّا صوّرت الدنيا للرشيد لم يستحسن غير كورة اسيوط ، لكثرة ما بها من الخيرات والمتنزّهات.

فيها سبع وخمسون كنيسة للنصارى.

ومن عجائبها ان بها ثلاثين ألف فدّان ، ينشر ماؤها في جميعها وإن كان قليلا لاستواء سطح أرضها ، ويصل الماء إلى جميع أقطارها.

وبها الأفيون المصري الذي يحمل إلى سائر البلاد ، وهو عصارة ورق الخشخاش الأسود والخس. وبها سائر أنواع السكر ومنها يحمل إلى جميع الدنيا.

وبها مناسج الديبقي والثياب اللطيفة التي لا يوجد مثلها في شيء من البلاد.

إصطخر

مدينة بأرض فارس قديمة لا يدرى من بناها ، كان سليمان ، عليه السلام ، يتغدى بأرض الشام ببعلبك ويتعشّى بإصطخر.

بها بيت نار عظيم للمجوس ويقولون إنّه كان مسجد سليمان ، عليه السلام ؛ قال المسعودي : إنّه خارج المدينة ، دخلته فرأيت بنيانا عجيبا وأساطين صخر عجيبة على أعلاها صور من الصخر عظيمة الأشكال. ذكر أهل الموضع أنّها صور الأنبياء ، وهو في سفح جبل وهو هيكل عظيم ، من عجائبه أن الريح

١٤٧

لا تفارق ذلك الهيكل ليلا ولا نهارا ، ولا تفترّ عن الهبوب ساعة ، يقولون : ان سليمان ، عليه السلام ، حبس الريح فيه.

وذكر ابن الأثير الجزري في تاريخه : أن السلطان الب أرسلان لمّا فتح قلعة اصطخر وجد بها قدح فيروزج اسم جمشيد الملك مكتوب عليه.

ومن عجائبه تفّاح بعضه حلو وبعضه حامض ، قال الاصطخري : حدّث بذلك الأمير مرداس بن عمرو فأنكر الحاضرون ، فأحضر حتى رأوه وزال إنكارهم.

وينسب إليها الاصطخري صاحب كتاب الأقاليم ، فإنّه ذكر في كتابه النواحي المعمورة وذكر بلادها وقراها والمسافات بينها وخواصّ موضع ان كان له خاصّيّة ، وما قصّر في جميع ذلك الكتاب.

إفريقيّة

مدينة كبيرة كثيرة الخيرات طيّبة التربة وافرة المزارع والأشجار والنخل والزيتون ، وكانت افريقية قديما بلادا كثيرة ، والآن صحارى مسافة أربعين يوما بأرض المغرب. بها برابر وهم مزاتة ولواتة وهوّارة وغيرهم. وماء أكثر بلادها من الصهاريج.

وبها معادن الفضّة والحديد والنحاس والرصاص والكحل والرخام. ومن عجائبها بحيرة بنزرت ، حدّثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني : انّه يظهر في كلّ شهر من السنة فيها نوع من السمك يخالف النوع الذي كان قبله ، فإذا انتهت السنة يستأنف الدور فيرجع النوع الأوّل ، وهكذا كلّ سنة.

وكذلك نهر شلف فإنّه في كلّ سنة في زمان الورد يظهر فيه صنف من السمك يسمّى الشهبوق ، وهو سمك طوله ذراع ، ولحمه طيّب إلّا أنّه كثير الشوك ويبقى شهرين. ويكثر صيدها في هذا الوقت ويرخص ثمنها ثمّ ينقطع إلى القابل ، فلا يوجد في النهر شيء منها إلى السنة القابلة أوان الورد.

١٤٨

وذكر أبو الحسن علي الجزري في تاريخه : انّه نشأت بافريقية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة سحابة شديدة الرعد والبرق ، فأمطرت حجارة كثيرة وأهلكت كلّ من أصابته.

أفيق

قرية من قرى مصر. ذكر بعض الصالحين انّه رأى في نومه ملكا نزل من السماء وقال له : أتريد أن تغفر ذنوبك؟ قال الرجل : منيتي ذلك! فقال : قل مثل ما يقوله مؤذّن افيق. قال : فذهبت إلى افيق فرأيت المؤذّن لمّا فرغ من الأذان قال : لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كلّ شيء قدير. بها أشهد مع الشاهدين ، وأحملها مع الجاحدين ، وأعدّها ليوم الدين. وأشهد أن الرسول كما أرسل ، والكتاب كما أنزل ، والقضاء كما قدّر ، وان الساعة آتية لا ريب فيها ، وان الله يبعث من في القبور ، على ذلك أحيا وأموت وأبعث إن شاء الله تعالى.

أنصنا

مدينة قديمة على شرقي النيل بأرض مصر ؛ قال ابن الفقيه : أهل هذه المدينة مسخوا حجرا! فيها رجال ونساء مسخوا حجرا على أعمالهم : فالرجل نائم مع زوجته ، والقصّاب يقطع لحمه ، والمرأة تخمّر عجينها ، والصبي في المهد ، والرغفان في التنور كلّها انقلبت حجرا صلدا.

وبأنصنا شجر اللبخ وهو عود ينشر لألواح السفينة ، ربّما أرعف ناشره فيكون له قيمة ، وإذا شدّ لوح بلوح وترك في الماء سنة صار لوحا واحدا ، فإذا اتّخذ منها سفينة وبقي في الماء مدّة صار كأنّ السفينة قطعة واحدة ، فلعلّ عزّتها من هذه الجهة ، ولشجرته ثمرة تشبه البلح في لونه وشكله وطعمه.

١٤٩

أنطاكية

مدينة عظيمة من أعيان المدن على طرف بحر الروم بالشام. موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء ، وفي داخلها مزارع وبساتين.

وانّها بنتها انطاكية بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوح ، عليه السلام ، ذات سور وفصيل. ولسورها ثلاثمائة وستّون برجا ، يطوف عليها أربعة آلاف حارس من عند صاحب القسطنطينة ، يضمنون حراستها سنة ويستبدل بهم في السنة الثانية ، وسورها مبني على السهل والجبل من عجائب الدنيا. دورتها اثنا عشر ميلا. وكلّ برج من أبراجها منزل بطريق فسكنه بخدمه وخوله ، وجعل كلّ برج طبقات أسفله مرابط الخيل ، وأوسطه منزل الرجال ، وأعلاه موضع البطريق. وكلّ برج كحصن عليه أبواب حديد ، وفيها ما لا سبيل إلى قطعه من الخارج. والمدينة دائرة نصفها سهليّ ونصفها جبليّ ، وقطر الدائرة فاصلة بين السهليّ والجبليّ.

ولها قلعة عالية جدّا تتبيّن من بعد بعيد تستّر الشمس عن المدينة ، فلا تطلع عليها إلّا في الساعة الثانية.

وبها بيعة القسيان ، وهو الملك الذي أحيا ولده رئيس الحواريّين فطرس ، كما جاء في القصّة في قوله تعالى : واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.

وعلى باب بيعة القسيان صحنان لساعات الليل والنهار ، يعمل كلّ واحد اثنتي عشرة ساعة ، وفي بيعة القسيان من الخدم والمسترزقة ما لا يحصى ، ولها ديوان فيه بضعة عشر كاتبا. والمدينة خمس طبقات ، على الطبقة الخامسة الحمامات والبساتين ومناظر حسنة ، وسبب ذلك أن الماء ينزل من الجبل المطلّ عليها ، وقد عملوا على الماء الحمامات والبساتين. وفيها من الكنائس ما لا يعدّ ، كلّها معمولة بالفصّ المذهّب والزجاج الملوّن والبلاط المجزّع. وحماماتها

١٥٠

أطيب الحمامات لأن ماءها العذب السيح ووقودها الآس.

قال المسعودي : رأيت فيها من الماء ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف.

وحكي أنّه كان بأنطاكية إذا أخرج الإنسان يده إلى خارج السور وقع عليه البقّ ، وإذا جذبها إلى داخل لا يبقى عليه شيء من البقّ ، إلى أن كسروا عمودا من رخام ، فوجدوا في أعلاه حقّة من النحاس فيها بقّ من نحاس مقدار كفّ ، فبطلت تلك الخاصيّة من ذلك الوقت ، فالآن يعمّ البقّ جميع المدينة.

وبها نوع من الفأر يعجز السنّور عنه.

وبها مسجد حبيب النجّار صاحب يونس ، رحمة الله عليه ، الذي قال :يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين. فلمّا قتلوه أهلكهم الله تعالى بصيحة ، وكان بأنطاكية مؤمنون وكفّار ، فالصيحة ما أيقظت المؤمنين عن نومهم ، وأهلكت الكفّار كما قال تعالى : ان كانت إلّا صيحة واحدة فإذا هم خامدون. ومسجد حبيب في وسط سوق انطاكية ، فيه قبره يزور الناس ، وبها قبر يحيى بن زكرياء ، عليه السلام.

أنطرطوس

حصن على بحر الروم لأهل حمص ، وهو ثغر به مصحف عثمان بن عفّان يذهب الناس إليه تبرّكا به.

أورم الجوز

قرية من نواحي حلب ، بها بنية كأنّها كانت في القديم معبدا ، يرى المجاورون لها من أهل القرى بالليل منها ضوء نار ساطعا ، فإذا جاؤوها لم يروا شيئا البتّة ، وفي هذه البنية ثلاثة ألواح من حجارة عليها مكتوب بلفظ القديم ما استخرج وفسّر ، وكان ما على اللوح القبلي : الاله واحد ، كملت هذه البنية في تاريخ ثلاثمائة وعشرين لظهور المسيح ، عليه السلام ، وعلى اللوح الذي

١٥١

على وجه الباب : سلام على من كمل هذه البنية. واللوح الشمالي : هذا الضوء المشرق الموهوب من الله لنا في أيّام البربرة في الدور الغالب ، المتجدّد في أيّام الملك اناوس الحرين المنقولين وقلاسس وحنا وقاسوس وبلانيا في شهر أيلول في الثاني عشر من التاريخ المتقدّم ، والسلام على شعوب العالم والوقت الصالح.

الأهواز

ناحية بين البصرة وفارس ، ويقال لها خوزستان ، بها عمارات ومياه وأودية كثيرة ، وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير لكنها في صيفها لا يفارق الجحيم.

ومن محنها شدّة الحرّ وكثرة الهوام الطيارة والحشرات القتّالة ؛ قالوا : ذبابها كالزنبور وطنينها كصوت الطنبور ، لا ترى بها شيئا من العلوم والآداب ولا من الصناعات الشريفة.

وأهلها ألأم الناس. لا ترى بها وجنة حمراء. وهواؤها قتال خصوصا للغرباء ، لا تنقطع حمّاها ولا ينكشف وباؤها البتّة ، وأهلها في عذاب اليم.

وحكى مشايخ الأهواز انّهم سمعوا القوابل ان المولود ربّما يولد فنجده محموما تلك الساعة. ومن تمام محنهم أن مأكول أهلها الرزّ ، وهم يخبزونه كلّ يوم لأنّه لا يطيب إلّا مسخّنا ، فيسجّر كلّ يوم في ذلك الحرّ الشديد خمسون ألف تنور ، فيجتمع حرّ الهواء وحرّ النيران ودخانها والبخار المتصاعد من سباخها ومناقعها ومسايل كنفها ومياه أمطارها ، فإذا طلعت الشمس ارتفعت بخاراتها واختلطت بهوائها الذي وصفناه ، فيفسد الهواء أيّ فساد ويفسد بفساده كلّ ما اشتمل عليه.

وتكثر الأفاعي في أراضيها ، والجرّارات من العقارب التي لا ترفع ذنبها كسائر العقارب بل تجرّه. ولو كان في العالم شيء شرّا من الأفاعي والجرّارات لما قصرت قصبة الاهواز عن توليده ، وإذا حمل إلى الاهواز الطيب تذهب

١٥٢

رائحته ولا يبقى منتفعا به.

ينسب إليها أبو الحسن الاهوازي المنشىء صاحب الكلام المرصّع ، له رسالة حسنة في ذلك الأسلوب وهو متفرّد به.

أيلة

مدينة على ساحل بحر القلزم ممّا يلي الشام ، كانت مدينة جليلة في زمن داود ، عليه السلام ، والآن يجتمع بها حجيج الشام ومصر من جاء بطريق البحر ، وهي القرية التي ذكرها الله تعالى حاضرة البحر.

كان أهلها يهودا حرّم الله تعالى عليهم يوم السبت صيد السمك ، وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرّعا بيضا سمانا كأنّها الماخض حتى لا يرى وجه الماء لكثرتها ، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. فكانوا على ذلك برهة من الدهر ، ثمّ إن الشيطان وسوس إليهم وقال : إنّما نهيتم عن صيدها يوم السبت فاتّخذوا حياضا حول البحر ، وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت ، فتبقى فيها محصورة واصطادوا يوم الأحد ، وفي غير يوم السبت لا يأتيهم حوت واحد ، ففعلوا ما أمرهم الشيطان خائفين. فلمّا رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا.

وكان أهل القرية نحوا من سبعين ألفا فصاروا أثلاثا : ثلث ينهون القوم عن الذنب ، وثلث قالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذّبهم؟ وثلث يباشرون الخطيئة. فلمّا تنبّهوا قال الناهون : نحن لا نساكنكم. فقسموا القرية للناهين باب وللمتعدّين باب ، ولعنهم داود ، عليه السلام. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم لم يروا من المتعدّين أحدا ، فقالوا : إن للقوم شأنا ، لعلّ الخمر غلبتهم! فعلوا الجدار ونظروا فإذا هم قردة فدخلوا عليهم ، والقردة تعرف أنسابها والأنساب لا يعرفونها. فجعلت القردة تأتي نسيبها من الانس فتشمّ ثيابه وتذرف دمعة ، فيقول نسيبها : ألم أنهك عن السوء؟ فتشير القردة برأسها يعني نعم. ثمّ ماتت بعد ثلاثة أيّام.

١٥٣

باميان

ناحية بين خراسان وأرض الغور ، ذات مدن وقرى وجبال وأنهار كثيرة من بلاد غزنة. بها بيت ذاهب في الهواء وأساطين نقش عليها صور الطير ، وفيه صنمان عظيمان من الحجر : يسمّى أحدهما سرج بت ، والآخر خنك بت ، وما عرف خاصيّة البيت ولا خاصيّة الصنم.

قال صاحب تحفة الغرائب : بأرض باميان ضيعة غير مسكونة ، من نام فيها يزبنه أخذ برجله ، فإذا انتبه لا يرى أحدا ، فإن نام يفعل به ذلك مرّة أخرى حتى يخرج منها.

بها معادن الزئبق ذكره يعقوب البغدادي.

قال في تحفة الغرائب : بأرض باميان عين ينبع منها ماء كثير ولها صوت وغلبة ويشمّ من ذلك الماء رائحة الكبريت ، من اغتسل به يزول جربه ، وإذا رفع من ذلك الماء شيء في ظرف وشدّ رأسه شدّا وثيقا وترك يوما يبقى الماء في الظرف خاثرا مثل الخمير ، وإذا عرضت عليه شعلة النار يشتعل.

ينسب إليها الحكيم أفضل البامياني. كان حكيما فاضلا عارفا أنواع الحكمة.

طلبه صاحب فارس أتابك سعد بن زنكي وأكرمه وأحسن إليه وقال له : أريد أن تحكم على مولودي. فقال أفضل : الأحكام النجوميّة لا يوثق بها ، قد تصيب وتخطىء ، لكني أفعل ذلك لسنة أو سنتين من الماضي ، فإن وافق عملت للمستقبل.

فلمّا فعل ذلك قال الملك : ما أخطأت شيئا منها! وكان عنده حتى مات.

بدا

قرية بتهامة على ساحل البحر ممّا يلي الشام ، وهي قرية يعقوب النبيّ ، عليه السلام ، كان بها مسكنه في أيّام فراق يوسف ، عليه السلام ، ويقال لهذه القرية بيت الأحزان ، لأن يعقوب كان بها حزينا مدّة طويلة ، ومنها سار إلى

١٥٤

مصر إلى يوسف ، عليه السلام.

فجاءت الفرنج في زمن الملك صلاح الدين يوسف بن أيّوب وقد عمروها ، وجعلوا لها حصنا حصينا ؛ قال بعض الشعراء :

هلاك فرنج أتى عاجلا

وقد آن تكسير صلبانها

ولو لم يكن حينها قد أنى

لما عمرت بيت أحزانها

وكان الأمر كما قال الشاعر. قصدها الملك صلاح الدين وفتحها وخرّبها وكسر صلبانها.

براق

قرية من قرى حلب. حدّث غير واحد من أهل حلب أن بها معبدا يقصده المرضى والزمنى ، يبيتون فيه فيرى المريض من يقول له : شفاؤك كذا وكذا! وربّما يرى شخصا يمسحه بيده فتزول منه الآفة. وهذا شيء مستفاض في أهل حلب.

البشمور

كورة بمصر ، بها قرى وريف وغياض ، بها كباش ليس في جميع البلاد مثلها عظما وحسنا وكبر ألايا ، حتى لا يستطيع حملها ، فيتّخذ لآليته عجلة تحمل عليها أليته ، وتشدّ العجلة بحبل إلى عنقه ، فيظلّ يرعى ويجرّ العجلة التي عليها أليته ، فإذا نزعت العجلة سقطت الالية على الأرض وربض الكبش ولم يمكنه القيام ، ولا يوجد مثل هذا الصنف في شيء من البلاد.

١٥٥

بعلبكّ

مدينة مشهورة بقرب دمشق ، وهي قديمة كثيرة الأشجار والمياه والخيرات والثمرات ، ينقل منها الميرة إلى جميع بلاد الشام. وبها أبنية وآثار عجيبة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها. قيل : انّها كانت مهر بلقيس! وبها قصر سليمان بن داود ، عليه السلام ، وقلعتها مقام الخليل ، عليه السلام ، وبها دير الياس النبيّ ، عليه السلام.

قالوا : إن ذلك الموضع يسمّى بك في قديم الزمان حتى عبد بنو إسرائيل بها صنما اسمه بعل ، فأضافوا الصنم إلى ذلك الموضع ، ثمّ صار المجموع اسما للمدينة ، وأهلها على عبادة هذا الصنم ، فبعث الله إليهم الياس النبيّ ، عليه السلام ، فكذّبوه ، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين.

فقال لهم نبيّ الله : استسقوا أصنامكم ، فإن سقيتم فأنتم على الحقّ ، وإلّا فإني أدعو الله تعالى ليسقيكم ، فإن سقيتم فآمنوا بالله وحده! فأخرجوا أصنامهم واستسقوا وتضرّعوا فما أفادهم شيئا ، فرجعوا إلى نبيّ الله فخرج ودعا فظهر من جانب البحر سحابة شبه ترس ، وأقبلت إليهم. فلمّا دنا منهم طبّق الآفاق وأغاثهم غيثا مريعا أخصب البلاد وأحيا العباد ، فما ازدادوا إلّا شركا ، فسأل الله تعالى أن يريحه منهم فأوحى الله تعالى إليه : ان اخرج إلى مكان كذا. فخرج ومعه اليسع فرأى فرسا من نار فوثب عليه وسار الفرس به ، ولم يعرف بعد ذلك خبره.

بلقاء

كورة بين الشام ووادي القرى. بها قرية الجبّارين ومدينة الشراة. وبها الكهف والرقيم فيما زعم بعضهم. وحديث الرقيم ما روى عبد الله بن عمر أنّه قال : سمعت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يقول : انطلق ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار ، فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل

١٥٦

وسدّت عليهم الغار ، فقالوا : لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم! قال رجل منهم : اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا ، فباتا في ظلّ شجر يوما فلم أبرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا ، فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر ، والصبية يتضاغون ، فاستيقظا وشربا غبوقهما! اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة! فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه.

وقال الآخر : اللهمّ إنه كانت لي ابنة عمّ كانت من أحبّ الناس إليّ ، فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمّت بنا سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت : لا يحلّ لك أن تفضّ الخاتم إلّا بحقّه! فتخرّجت من الوقوع عليها وانصرفت عنها ، وهي أحبّ الناس إليّ ، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة غير أنّهم لا يستطيعون الخروج منها.

وقال الثالث : اللهمّ إنّك تعلم أني استأجرت أجرا فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ، فنمت أجرته حتى كثرت منه الأموال.

فجاءني بعد حين وقال : يا عبد الله هات أجرتي! فقلت له : كلّ ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرتك! فقال : يا عبد الله لا تستهزىء بي! فقلت : لا أستهزىء! فاستاق كلّه ولم يترك منه شيئا. اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه! فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون.

١٥٧

بلينا

مدينة بصعيد مصر على شاطىء النيل. قالوا : إن بها طلسما لا يمرّ بها تمساح إلّا ينقلب على ظهره. والتمساح إذا انقلب على ظهره لا يقدر على الانقلاب إلى بطنه ، فيبقى كذلك حتى يموت أو يصطاد.

بلرم

مدينة بجزيرة صقلية في بحر المغرب ؛ قال ابن حوقل الموصلي : بها هيكل عظيم سمعت أن أرسطاطاليس فيه في شيء من الخشب معلّق ، والنصارى تعظّم قبره وتستسقي به لاعتقاد اليونانيّين به ، قال : ورأيت فيها من المساجد أكثر ما رأيت في شيء من البلاد ، حتى رأيت على مقدار غلوة سهم أكثر من عشرة مساجد ، ورأيت بعضها تجاه بعض. فسألت عن ذلك فقالوا : القوم لانتفاخ أدمغتهم لا يرضى أحدهم أن يصلّي في مسجد غيره ، ويكون له مسجد لا يصلّي فيه غيره.

بنارق

قرية بين بغداد والنعمانية مقابل دير قنّى على دجلة ، والآن خراب ، ذكر أبو بكر النحوي البنارقي أن عساكر السلجوقية كثرت بطرقهم على قريتنا ، والقرية لا سور لها ، كلّما جاؤوا دخلوا وثقلوا علينا ، فأجمعنا على مفارقتها والعسكر قريب منّا وتهيّأنا لذلك إلى الليل لنعبر دجلة ونلتحق بدير قنّى ، فإنّها كانت ذات سور ، فاستصحبنا من أمتعتنا ما خفّ على الأكتاف ولدواب ، فإذا نيران عظيمة ملأت البرية ، فظننّاها نار العسكر وندمنا على الخروج ، وقلنا الآن يأخذون جميع ما معنا! ونحن في هذا الحديث والنيران قد دهمتنا ، فإذا هي سائرة بنفسها ولا حامل لها ، وسمعنا من خلالها أصواتا حزينة كالنياحة ،

١٥٨

يقول بعضهم :

فلا ثقبهم ينسدّ ولا ماؤهم يجري

وخلّوا منازلهم وساروا مع الفجر

فعلمنا أنّهم الجنّ ، وكان الأمر كما قالوا ، فإن الأنهار فسدت ، وما يفرغ الملوك لإصلاحها ، وبقيت القرى إلى الآن خرابا ، وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة.

بنزرت

مدينة بافريقية على ساحل البحر ، يشقّها نهر كبير كثير السمك ، لها قلاع حصينة يأوي إليها أهل النواحي إذا خرج الروم غزاة ، وبها رباطات للصالحين ، وانفردت بنزرت ببحيرة تخرج من البحر الكبير إلى مستقرّ تجاهها ، يخرج منها في كلّ شهر صنف من السمك لا يشبه الصنف الذي كان في الشهر الماضي إلى تمام السنة ، ثمّ يعود الدور إلى الأوّل ، والسلطان ضمنه باثني عشر ألف دينار.

بيت لحم

قرية على فرسخين من بيت المقدس ، كان بها مولد عيسى ، عليه السلام.

وبها كنيسة فيها قطعة من النخل ، زعموا أنّها النخلة التي أكلت منها مريم لمّا قيل لها : وهزّي إليك بجذع النخلة.

بها الماء الذي يقال له المعبوديّة ، وهو ماء ينبدي من حجر ، وإنّه عظيم القدر عند النصارى.

بيت المقدس

هي المدينة المشهورة التي كانت محلّ الأنبياء وقبلة الشرايط ومهبط الوحي.

بناها داود وفرغ منها سليمان ، عليه السلام ؛ وعن أبيّ بن كعب : ان الله تعالى

١٥٩

أوحى إلى داود : ابن لي بيتا. فقال : يا ربّ أين؟ قال : حيث ترى الملك شاهرا سيفه! فرأى داود ملكا على الصخرة بيده سيف ، فبنى هناك ، ولمّا فرغ سليمان من بنائها أوحى الله تعالى إليه : سلني أعطك! فقال : يا ربّ أسألك أن تغفر لي ذنبي! فقال : لك ذلك! قال : وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه ، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد! فقال : لك ذلك! قال : وأسألك لمن جاءه فقيرا أن تغنيه! قال : ولك ذلك! قال : وأسألك إن جاءه سقيما أن تشفيه! قال : ولك ذلك.

وعن ابن عبّاس : البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء ، وما فيه موضع شبر إلّا وصلّى فيه نبيّ أو قام فيه ملك.

واتّخذ سليمان فيها أشياء عجيبة : منها قبّة ، وهي قبّة كانت فيها سلسلة معلّقة ينالها المحقّ ولا ينالها المبطل حتى اضمحلّت بالحيلة المعروفة ، ومنها أنّه بنى فيها بيتا وأحكمه وصقله ، فإذا دخله الورع والفاجر كان خيال الورع في الحائط أبيض ، وخيال الفاجر أسود.

ومنها أنّه نصب في زاوية عصا آبنوس ، من زعم صادقا أنّه من أولاد الأنبياء ومسّها لم يضرّه ، وإن لم يكن من أولاد الأنبياء إذا مسّها احترقت يده.

ثمّ ضرب الدهر ضربانه واستولت عليها الجبابرة وخربوها ، فاجتاز بها عزير ، عليه السلام ، فرآها خاوية على عروشها ، فقال : أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثمّ بعثه ، وقد عمرها ملك من ملوك الفرس اسمه كوشك ، فصارت أعمر ممّا كانت وأكثر أهلا ، والتي عليها الآن أرضها وضياعها جبال شاهقة ، وليس بقربها أرض وطئة ، وزروعها على أطراف الجبال بالفؤوس لأن الدوابّ لا عمل لها هناك.

وأمّا نفس المدينة ففي فضاء في وسط ذلك ، وأرضها كلّها حجر ، وفيها عمارات كثيرة حسنة ، وشرب أهلها من ماء المطر. ليس فيها دار إلّا وفيها صهريج.

مياهها تجتمع من الدروب ، ودروبها حجريّة ليست كثيرة الدنس ، لكن مياهها

١٦٠