🚘

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني

آثار البلاد وأخبار العباد

المؤلف:

زكريّا بن محمّد بن محمود القزويني


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار صادر
الطبعة: ٤
الصفحات: ٦٦٧
🚘 نسخة غير مصححة

طيفند

قلعة في بلاد الهند منيعة ، على قلّة جبل ليس لها إلّا مصعد واحد ، وعلى رأس الجبل مياه ومزارع وما احتاجوا إليه ، غزاها يمين الدولة محمود بن سبكتكين سنة أربع عشرة وأربعمائة ، وحاصرها زمانا وضيّق على أهلها ، وكان عليها خمسمائة قيل فطلبوا الأمان فآمنهم ، وأقرّ صاحبها فيها على خراج ، فأهدى صاحب القلعة إلى السلطان هدايا كثيرة ، منها طائر على هيئة القمري ، خاصيّته إذا أحضر الطعام وفيه سمّ دمعت عيناه وجرى منهما ماء وتحجّر ، فإذا تحجّر سحق وجعل على الجراحات الواسعة الحمها ، وهذا الطائر لا يوجد إلّا في ذلك الموضع ولا يتفرّج إلّا فيه.

عدن

مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن ، سميّت بعدن بن سنان بن إبراهيم ، عليه السلام ، لا ماء بها ولا مرعى ، شربهم من عين بينها وبين عدن مسيرة يوم ، وكان عدن فضاء في وسط جبل على ساحل البحر ، والفضاء يحيط به الجبل من جميع الجوانب ، فقطع لها باب بالحديد في الجبل فصار طريقا إلى البرّ.

وإنّها مرفأ مراكب الهند وبلدة التجار ومرابح الهند ، فلهذا يجتمع إليها الناس ويحمل إليها متاع الهند والسند والصين والحبشة وفارس والعراق ، وقال الاصطخري : بها مغاص اللؤلؤ.

بها جبل النار وهو جبل أحمر اللّون جدّا في وسط البحر ؛ قالوا : هو الجبل الذي تخرج منه النار التي هي من اشراط الساعة ، وسكّان عدن يزعمون أنّهم من نسل هارون ، عليه السلام ، وهم المربّون.

وبها البئر المعطّلة التي ذكرها الله تعالى في القرآن. ومن حديثها أن قوم

١٠١

صالح ، عليه السلام ، بعد وفاته تفرّقوا بفلسطين ، فلحقت فرقة منهم بعدن ، وكانوا إذا حبس عنهم المطر عطشوا وحملوا الماء من أرض بعيدة ، فأعطاهم الله بئرا فتعجّبوا بها وبنوا عليها أركانا على عدد القبائل ، كان لكلّ قبيلة فيها دلو.

وكان لهم ملك عادل يسوسهم ، فلمّا مات حزنوا عليه فمثل لهم الشيطان صنما على صورة ذلك الملك ، وكلّم القوم من جوف الصنم : إني ألبسني ربي ثوب الالهيّة والآن لا آكل ولا أشرب ، وأخبركم بالغيوب فاعبدوني فإني أقربكم إلى ربكم زلفى! ثمّ كان الصنم يأمرهم وينهاهم فمال إلى عبادة الصنم جميعهم ، فبعث الله إليهم نبيّا فكذّبوه ، فقال لهم نبيّهم : إن لم تتركوا عبادة الصنم يغور ماء بئركم! فقتلوه فأصبحوا لم يجدوا في البئر قطرة ماء.

فمضوا إلى الصنم فلم يكلّمهم الشيطان لمّا عاين نزول ملائكة العذاب ، فأتتهم صيحة فأهلكوا ، فأخبر الله تعالى عنهم وعن أمثالهم : وكأيّن من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطّلة وقصر مشيد. والقصر المشيد بحضر موت وقد مرّ ذكره ، ويقال : إن سليمان بن داود ، عليه السلام ، حبس المردة مصفّدين في هذه البئر وهي محبسهم.

فاس

مدينة كبيرة مشهورة في بلاد بربر على برّ المغرب بين ثنيتين عظيمتين ، والعمارة قد تصاعدت حتى بلغت مستواها ، وقد تفجّرت كلّها عيونا تسيل إلى قرارة إلى نهر منبسط إلى الأرض ينساب إلى مروج خضر ، وعليها داخل المدينة ستمائة رحى ، ولها قهندز في أرفع موضع منها ، ويسقيها نهر يسمّى المفروش.

قال أبو عبيد البكري : فاس منقسمة قسمين ، وهي مدينتان مسورتان ، يقال لإحداهما عدوة القروبيين وللأخرى عدوة الأندلسيّين ، وفي كلّ دار جدول ماء وعلى بابها رحى وبستان ، وهي من أكثر بلاد المغرب ثمارا وخيرا

١٠٢

وأكثر بلاد المغرب يهودا ، منها يختلفون إلى سائر الآفاق ، بها تفّاح حلو يعرف بالاطرابلسي حسن الطعم جدّا ، يصلح بعدوة الأندلسيّين ولا يصلح بعدوة القروبيين ، وسميذ عدوة الأندلسيّين أطيب من سميذ عدوة القروبيين ، ورجال الأندلسيّين أشجع من رجال القروبيين ، ونساؤهم أجمل ، ورجال القروبيين أحمد من رجال الأندلسيّين ؛ قال إبراهيم الأصيلي :

دخلت فاسا وبي شوق إلى فاس

والجبن يأخذ بالعينين والرّاس

فلست أدخل فاسا ما حييت ولو

أعطيت فاسا وما فيها من النّاس

فيصور

بلاد بأرض الهند يجلب منها الكافور القيصوري وهو أحسن أنواعه.

وذكروا أن الكافور يكثر في سنة فيها رعود وبروق ورجف وزلازل ، وان قلّ ذلك كان نقصا في وجوده.

قبا

قرية على ميلين من مدينة رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم. بها مسجد التّقوى وهو المسجد الذي ذكره الله تعالى : لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا ، والله يحبّ المطّهّرين.

ولمّا قدم رسول الله ، عليه السلام ، قبا مهاجرا يريد المدينة ، أسّس هذا المسجد ووضع بيده الكريمة أوّل حجر في محرابه ، ووضع أبو بكر ، رضي الله عنه ، حجرا ، ثمّ أخذ الناس في البناء وهو عامر إلى زماننا هذا ، وسئل أهله عن تطهّرهم فقالوا : إنّا نجمع بين الحجر والماء.

وبها مسجد الضّرار ويتطوّع الناس بهدمه ، وبها بئر غرس كان رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يستطيب ماءها وبصق فيها ، وقال : إن فيها عينا من عيون الجنّة.

١٠٣

قزدار

ناحية بأرض الهند. قال أبو الحسن المتكلّم : كنت مجتازا بناحية قزدار ، فدخلت قرية من قراه فرأيت شيخا خياطا في مسجد فأودعت ثيابي عنده ومضيت.

ثمّ رجعت من الغد فرأيت باب المسجد مفتوحا والرزمة يشدّها في المحراب ، فقلت : ما أجهل هذا الخيّاط! فقال : افتقدت منها شيئا؟ قلت : لا.

قال : فما سؤالك؟ فأقبلت أخاصمه وهو يضحك. قال : أنتم نشأتم في بلاد الظلم ، وتعوّدتم أخلاق الأراذل التي توجب السرقة والخيانة وانّها لا تعرف ههنا ، ولو بقيت ثيابك في المحراب حتى بليت ما مسّها أحد! وإذا وجدنا شيئا من ذلك في مدد متطاولة نعلم أنّه كان من غريب اجتاز بنا ، فنركب خلفه ولا يفوتنا ، فندركه ونقتله. فسألت عن غيره سيرة أهل البلد فقال كما ذكره الخيّاط. وكانوا لا يغلقون الأبواب باللّيل ، وما كان لأكثرهم أبواب بل شيء يردّ الوحش والكلاب.

قشمير

ناحية بأرض الهند متاخمة لقوم من الترك ، فاختلط نسل الهند بالترك ، فأهلها أكثر الناس ملاحة وحسنا. ويضرب بحسن نسائهم المثل ، لهنّ قامات تامّة وصور مستوية وملاحة كثيرة وشعور طوال غلاظ ، وهذه الناحية تحتوي على نحو ستّين ألفا من المدن والضياع ، ولا سبيل إليها إلّا من جهة واحدة ، ويغلق على جميعها باب واحد.

وحواليها جبال شوامخ لا سبيل للوحش أن يتسلّق إليها فضلا عن الانس.

وفيها أودية وعرة وأشجار ورياض وأنهار.

قال مسعر بن مهلهل : شاهدتها وهي في غاية المنعة. ولأهلها أعياد في رؤوس

١٠٤

الاهلة وفي نزول النيرين شرقهما ، ولهم رصد كبير في بيت معمول من الحديد الصيني ، لا يعمل فيه الزمان ، ويعظّمون الثريا ولا يذبحون الحيوان ولا يأكلون البيض.

قمار

مدينة مشهورة بأرض الهند. قال ابن الفقيه : أهلها على خلاف سائر الهنود ولا يبيحون الزنا ويحرّمون الخمر ، وملكها يعاقبهم على شرب الخمر ، فيحمي الحديدة بالنار وتوضع على بدن الشارب ولا تترك إلى أن تبرد ، فربّما يفضي إلى التلف! وينسب إليها العود القماري وهو أحسن أنواع العود.

كلبا

مدينة بأرض الهند ؛ قال في تحفة الغرائب : بها عمود من النحاس وعلى رأس العمود تمثال بطّة من النحاس ، وبين يدي العمود عين. فإذا كان يوم عاشوراء في كلّ سنة ينشر البطّ جناحيه ويدخل منقاره العين ويعبّ ماءها ، فيخرج من العمود ماء كثير يكفي لأهل المدينة سنتهم ، والفاضل يجري إلى مزارعهم.

كله

مدينة عظيمة منيعة عالية السور في بلاد الهند كثيرة البساتين ، بها اجتماع البراهمة حكماء الهند ؛ قال مسعر بن مهلهل : إنّها أوّل بلاد الهند ممّا يلي الصين ، وانّها منتهى مسير المراكب إليها ولا يتهيّأ لها أن تجاوزها وإلّا غرقت.

بها قلعة يضرب بها السيوف القلعيّة وهي الهنديّة العتيقة ، لا تكون في سائر الدنيا إلّا في هذه القلعة ، وملكها من قبل ملك الصين ، وإليه قبلته وبيت عبادته

١٠٥

ورسومه رسوم صاحب الصين ، ويعتقدون أن طاعة ملك الصين عليهم مباركة ومخالفته شؤم ، وبينه وبين الصين ثلاثمائة فرسخ.

كنزة وقرّان

موضعان باليمامة ، بهما نخل كثير ومواش ، قال أبو زياد الكلابي : نزل بهم رجل من بني عقيل كنيته أبو مسلم كان يصطاد الذئاب ، قالوا له : إن ههنا ذئبا لقينا منه التباريح ، إن أنت اصطدته فلك في كلّ غنم شاة! فنصب له الشبكة وحبله وجاء به يقوده ، وقال : هذا ذئبكم فأعطوني ما شرطتم. فأبوا وقالوا : كل ذئبك! فشدّ في عنق الذئب قطعة حبل وخلّى سبيله وقال : ادركوا ذئبكم! فوثبوا عليه وأرادوا قتله ، فقال : لا عليكم ان وفيتّم لي رددته! فخلّوه ليردّه ، فذهب وهو يقول :

علّقت في الذّئب حبلا ثمّ قلت له

الحق بأهلك واسلم أيّها الذّئب!

إن كنت من أهل قرّان فعد لهم

أو أهل كنزة فاذهب غير مطلوب

المخلفين لما قالوا وما وعدوا

وكلّ ما يلفظ الإنسان مكتوب

سألته في خلاء : كيف عيشته؟

فقال : ماض على الأعداء مرهوب

لي الفصيل من البعران آكله

وإن أصادفه طفلا فهو مصقوب

والنّخل أفسده ما دام ذا رطب

وإن شتوت ففي شاء الأعاريب

يا أبا مسلم أحسن في أسيركم

فإنّني في يديك اليوم مجنوب

كولم

مدينة عظيمة بأرض الهند ، قال مسعر بن مهلهل : دخلت كولم وما رأيت بها بيت عبادة ولا صنما وأهلها يختارون ملكا من الصين ، إذا مات ملكهم.

وليس للهند طبيب إلّا في هذه المدينة ، عماراتهم عجيبة ، أساطين بيوتهم من

١٠٦

خرز أصلاب السمك ، ولا يأكلون السمك ولا يذبحون الحيوان ، ويأكلون الميتة ، وتعمل بها غضائر تباع في بلادنا على انّه صيني وليس كذلك ، لأن طين الصين أصلب من طين كولم وأصبر على النار ، وغضائر كولم لونها أدكن وغضائر الصين أبيض وغيره من الألوان.

بها منابت الساج المفرط الطول ربّما جاوز مائة ذراع وأكثر. وبها البقم والخيزران والقنا بها كثير جدّا ، وبها الراوند وهو قرع ينبت هناك ، ورقه الساذج الهندي العزيز الوجود لأجل أدوية العين ، ويحمل إليها أصناف العود والكافور واللبان ، والعود يجلب من جزائر خلف خطّ الاستواء ، لم يصل إلى منابته أحد ولا يدرى كيف شجره ، وإنّما الماء يأتي به إلى جانب الشمال.

وبها معدن الكبريت الأصفر ومعدن النحاس ينعقد دخانه توتياء جيّدا.

مدينة يثرب

هي مدينة الرسول ، صلّى الله عليه وسلّم ، وهي في حرّة سبخة مقدار نصف مكّة. من خصائصها أن من دخلها يشمّ رائحة الطيب ، وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها ، وأهلها أحسن الناس صوتا. قيل لبعض المدنيّين :ما بالكم أنتم أطيب الناس صوتا؟ فقال : مثلنا كالعيدان خلت أجوافنا فطاب صوتنا.

بها التمر الصّيحاني لم يوجد في غيرها من البلاد. وبها حبّ البان يحمل منها إلى سائر البلاد. وعن ابن عبّاس ان النبيّ ، عليه السلام ، حين عزم الهجرة قال : اللهمّ إنّك قد أخرجتني من أحبّ أرضك إليّ فأنزلني أحبّ أرضك إليك! فأنزله المدينة. ورأى النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، بلال بن حمامة وقد هاجر فاجتوى المدينة وهو يقول :

ألا ليت شعري! هل أبيتنّ ليلة

بفخّ وحولي إذخر وجليل؟

وهل أردن يوما مياه مجنّة؟

وهل يبدون لي شامة وطفيل؟

١٠٧

فقال ، صلّى الله عليه وسلّم : خفت يا ابن السوداء! ثمّ قال : اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت مكّة وأشدّ ، وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها ، وانقل حمّاها إلى خيبر والجحفة.

وعن أبي هريرة أن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، قال : إن إبراهيم عبد الله وخليله وأنا عبد الله ورسوله ، وان إبراهيم حرّم مكّة واني حرّمت المدينة ما بين لابتيها عضاهها وصيدها ، لا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تقطع منها شجرة إلّا لعلف البعير.

وعن أبي هريرة عن النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم : من صبر على لأواء المدينة وشدّتها كنت له يوم القيامة شفيعا أو شهيدا.

والمدينة مسوّرة ، ومسجد النبيّ ، عليه السلام ، في وسطها وقبره في شرقي المسجد ، وبجنبه قبر أبي بكر وبجنب قبر أبي بكر قبر عمر.

وكتب الوليد بن عبد الملك إلى صاحب الروم يطلب منه صنّاعا لعمارة مسجد رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فبعث إليه أربعين رجلا من صنّاع الروم وأربعين من صنّاع القبط ، ووجّه معهم أربعين ألف مثقال ذهبا وأحمالا من الفسيفساء. فجاء الصنّاع وخمّروا النورة سنة للفسيفساء ، وجعلوا أساسها بالحجارة ، وجعلوا أسطوانات المسجد من حجارة مدوّرة في وسطها أعمدة حديد ، وركّبوها بالرصاص ، وجعلوا سقفها منقّشة مزوّقة بالذهب ، وجعلوا بلاط المحراب مذهبا ، وجعلوا وجه الحائط القبلي من داخله بازار رخام من أساسه إلى قدر قامة ، وفي وسط المحراب مرآة مربعة ذكروا أنّها كانت لعائشة ، والمنبر كان للنبي قد غشي بمنبر آخر ، وقال ، عليه السلام : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة.

بها بئر بضاعة. روي أن النبيّ ، عليه السلام ، توضّأ بمائها في دلو وردّ الدلو إلى البئر ، وشرب من مائها وبصق فيها ، وكان إذا مرض المريض في أيّامه يقول : اغسلوه بماء بضاعة ، فإذا غسل فكأنّما أنشط من عقال. وقالت أسماء

١٠٨

بنت أبي بكر : كنّا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيّام فيعافون.

بها بئر ذروان ، ويقال لها بئر كملى هي البئر المشهورة. عن ابن عبّاس :طبّ رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، حتى مرض مرضا شديدا ، فبينا هو بين النائم واليقظان رأى ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : ما وجعه؟ فقال : طبّ! قال : ومن طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي. قال : وأين طبّه؟ قال : في كربة تحت صخرة في بئر كملى ، وهي بئر ذروان. فانتبه النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، وحفظ كلام الملكين ، فبعث عليّا وعمّارا مع جمع من الصحابة إلى البئر فنزحوا ماءها حتى انتهوا إلى الصخرة فقلبوها ووجدوا الكربة تحتها ، وفيها وتر فيها إحدى عشرة عقدة ، فأحرقوا الكربة بما فيها فزال عنه ، عليه السلام ، ما كان به وكأنّه أنشط من عقال. فأنزل الله تعالى عليه المعوّذتين إحدى عشرة آية على عدد عقده.

بها بئر عروة ، تنسب إلى عروة بن الزّبير ؛ قال الزبير بن بكّار : ماء هذه البئر من مرّ بالعقيق يأخذه هدية لأهله ، ورأيت أبي يأمر به فيغلى ثمّ يأخذه في قوارير يهديه إلى الرشيد وهو بالرقّة ، وقال السري بن عبد الرحمن الأنصاري :

كفّنوني إن متّ في درع أروى

واجعلوا لي من بئر عروة مائي

سخنة في الشّتاء باردة الصّي

ف سراج في اللّيلة الظّلماء

وأهل المدينة الأنصار ، عليهم الرحمة والرضوان ، ان الله تعالى أكثر من الثناء عليهم في القرآن.

وقد خصّ بعضهم بخاصيّة لم توجد في غيرهم ، منهم حميّ الدّبر وهو عاصم بن الأفلح ، رضوان الله عليه ، استشهد وأراد المشركون أن يمثّلوا به فبعث الله الزنابير أحاطت به ومنعت المشركين الوصول إليه.

١٠٩

ومنهم بليع الأرض وهو حبيب بن ثابت ، رضوان الله عليه ، صلبه المشركون فبعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، من يأخذه ويدفنه ، فأخذوه وقبل دفنه فقدوه وبلعته الأرض.

ومنهم غسيل الملائكة وهو حنظلة بن راهب ، رضوان الله عليه ، استشهد يوم أحد فبعث الله تعالى فوجا من الملائكة ، رفعوه من بين القتلى وغسلوه فسمّي غسيل الملائكة.

ومنهم ذو الشهادتين وهو خزيمة بن ثابت ، رضوان الله عليه ، اشترى رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، فرسا من أعرابي ، والاعرابي أنكر الشراء ، فقال رسول الله ، عليه السلام : إني اشتريت منك! فقال الاعرابي : من يشهد بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت : إني أشهد أن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، اشترى منك. فقال له رسول الله ، عليه السلام : كيف تشهد وما كنت حاضرا؟

فقال : يا رسول الله إني أصدّقك في أخبار السموات والاخبار عن الله تعالى فما أصدقك في شراء فرس! فأمر الله تعالى نبيّه ، عليه السلام ، أن يجعل شهادته مكان شهادتين.

ومنهم من اهتزّ العرش لموته وهو سعد بن معاذ ، رضوان الله عليه ، سيّد الأوس ؛ قال رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم : اهتزّ العرش لموت سعد ابن معاذ.

المشقّر

حصن بين نجران والبحرين على تلّ عال ، يقال انّه من بناء طسم ، يقال له فجّ بني تميم لأن المكعبر عامل كسرى غدر بني تميم فيه ، وسببه أن وهرز عامل كسرى على اليمن بعث أموالا وطرفا إلى كسرى ، فلمّا كانت ببلاد بني تميم وثبوا عليها وأخذوها ؛ فأخبر كسرى بذلك فأراد أن يبعث إليهم جيشا ، فأخبر أن بلادهم بلاد سوء قليلة الماء.

١١٠

فأشير إليه بأن يرسل إلى عامله بالبحرين أن يقتلهم ، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة ، فأمر العامل أن ينادي : لا تطلق الميرة إلّا لبني تميم! فأقبل إليه خلق كثير فأمرهم بدخول المشقّر ، وأخذ الميرة والخروج من باب آخر ، فيدخل قوم بعد قوم فيقتلهم حتى قتلوا عن آخرهم ، وبعث بذراريهم في السفن إلى فارس.

مغمّس

موضع بين مكّة والطائف به قبر أبي رغال ، مرّ به النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، فأمر برجمه ، فصار ذلك سنّة من مرّ به يرجمه. قيل : إن أبا رغال اسمه زيد بن محلف ، كان ملكا بالطائف يظلم رعيته ، فمرّ بامرأة ترضع يتيما بلبن ما عز لها ، فأخذ الماعز منها فبقي اليتيم بلا لبن فمات ، وكانت سنة مجدبة فرماه الله تعالى بقارعة أهلكته.

وقيل : إن أبرهة بن الصبّاح لمّا عزم هدم الكعبة مرّ بالطائف بجنوده وفيو له ، فأخرج إليه أبو ممنعود الثقفي في رجال ثقيف سامعين مطيعين ، فطلب أبرهة منهم دليلا يدلّه على مكّة ، فبعثوا معه رجلا يقال له أبو رغال حتى نزل المغمّس ، فمات أبو رغال هناك ، فرجم العرب قبره ؛ وفيه قال جرير ابن الخطفى :

إذا مات الفرزدق فارجموه

كما ترمون قبر أبي رغال

مرّاكش

مدينة من أعظم مدن بلاد المغرب ، واليوم سرير ملك بني عبد المؤمن ، وهي في البرّ الأعظم ، بينها وبين البحر عشرة أيّام في وسط بلاد البربر. وإنّها كثيرة الجنان والبساتين ويخرق خارجها الخلجان والسواقي ، ويأتيها الارزاق من الأقطار والبوادي ، مع ما فيها من جني الأشجار والكروم التي يتحدّث

١١١

بطيبها في الآفاق. والمدينة ذات قصور ومبان محكمة.

بها بستان عبد المؤمن بن عليّ أبي الخلفاء ، وهو بستان طوله ثلاثة فراسخ ، وكان ماؤه من الآبار فجلب إليها ماء من أعماق تسير تسقي بساتين لها. وحكى أبو الربيع سليمان الملتاني ان دورة مرّاكش أربعون ميلا.

ينسب إليها الشيخ الصالح سني بن عبد الله المراكشي ، وكان شيخا مستجاب الدعوة ، ذكر أن القطر حبس عنهم في ولاية يعقوب بن يوسف فقال : ادع الله تعالى ان يسقينا. فقال الشيخ : ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو الله تعالى أن يسقيكم في أيّ وقت شئتم! فبعث إليه ذلك ، ففرّقها على المحاويج ، ودعا فجاءهم غبث مدرار أيّاما ، فقالوا له : كفينا ادع الله أن يقطعه! فقال :

ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو الله أن يقطعه. ففعل ذلك ففرّق المال على المحاويج ، ودعا الله تعالى فقطعه. والله الموفق.

مكّة

هي البلد الأمين الذي شرّفه الله تعالى وعظّمه وخصّه بالقسم وبدعاء الخليل ، عليه السلام : ربّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات. واجعله مثابة للناس ، وأمنا للخائف ، وقبلة للعباد ، ومنشأ لرسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم.

وعن رسول الله ، عليه السلام : من صبر على حرّ مكّة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة عام ، وتقرّبت منه الجنّة مائتي عام! إنّها لم تحلّ لأحد كان قبلي ، ولا تحلّ لأحد كان بعدي ، وما أحلّت لي إلّا ساعة من نهار ، ثمّ هي حرام لا يعضد شجرها ويحتشّ خلاها ولا يلتقط ضالتها إلّا لمنشد.

وعن ابن عبّاس : ما أعلم على الأرض مدينة يرفع فيها حسنة مائة إلّا مكّة ، ويكتب لمن صلّى ركعة مائة ركعة إلّا مكّة ، ويكتب لمن نظر إلى بعض بنيانها عبادة الدهر إلّا مكّة ، ويكتب لمن يتصدّق بدرهم ألف درهم إلّا مكّة!

١١٢

وهي مدينة في واد والجبال مشرفة عليها من جوانبها ، وبناؤها حجارة سود ملس وبيض أيضا. وهي طبقات مبيّضة نظيفة حارّة في الصيف جدّا ، إلّا أن ليلها طيّب وعرضها سعة الوادي وماؤها من السماء ، ليس بها نهر ولا بئر يشرب ماؤها ، وليس بجميع مكّة شجر مثمر ، فإذا جزت الحرم فهناك عيون وآبار ومزارع ونخيل ، وميرتها تحمل إليها من غيرها بدعاء الخليل ، عليه السلام : ربّنا إني أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع ، إلى قوله من الثمرات.

وأمّا الحرم فله حدود مضروبة بالمنار قديمة ، بيّنها الخليل ، عليه السلام ، وحدّه عشرة أميال في مسيرة يوم ، وما زالت قريش تعرفها في الجاهليّة والإسلام.

فلمّا بعث رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، أقرّ قريشا على ما عرفوه ، فما كان دون المنار لا يحلّ صيده ولا يختلى خشيشه ، ولا يقطع شجره ولا ينفّر طيره ، ولا يترك الكافر فيه. ومن عجيب خواص الحرم ان الذئب يتبع الظبي ، فإذا دخل الحرم كفّ عنه!

وأمّا المسجد الحرام فأوّل من بناه عمر بن الخطّاب في ولايته ، والناس ضيّقوا على الكعبة ، وألصقوا دورهم بها فقال عمر : إن الكعبة بيت الله ولا بدّ لها من فناء. فاشترى تلك الدور وزادها فيه واتّخذ للمسجد جدارا نحو القامة ، ثمّ زاد عثمان فيه ، ثمّ زاد عبد الله بن الزبير في اتقانه ، وجعل فيها عمدا من الرخام وزاد في أبوابه وحسنه. ثمّ زاد عبد الملك بن مروان في ارتفاع حيطانها وحمل السّواري إليها من مصر في الماء إلى جدّة ، ومن جدّة إلى مكّة على العجل ، وأمر الحجّاج فكساها الديباج ، ثمّ الوليد بن عبد الملك زاد في حلى البيت لمّا فتح بلاد الأندلس ، فوجد بطليطلة مائدة سليمان ، عليه السلام ، كانت من ذهب ولها أطواق من الياقوت والزبرجد ، فضرب منها حلى الكعبة والميزاب ، فالأولى المنصور وابنه المهدي زادوا في اتقان المسجد وتحسين هيئته ، والآن طول المسجد الحرام ثلاثمائة ذراع وسبعون ذراعا ، وعرضه ثلاثمائة ذراع وخمس عشرة ذراعا ، وجميع أعمدة المسجد أربعمائة وأربعة وثلاثون

١١٣

عمودا ، وأمّا الكعبة زادها الله شرفا فإنّها بيت الله الحرام. إن أوّل ما خلق الله تعالى في الأرض مكان الكعبة ، ثمّ دحا الأرض من تحتها ، فهي سرة الأرض ووسط الدنيا وأمّ القرى ؛ قال وهب : لمّا أهبط آدم ، عليه السلام ، من الجنّة حزن واشتدّ بكاؤه ، فعزّاه الله بخيمة من خيامها وجعلها موضع الكعبة ، وكانت ياقوتة حمراء ، وقيل درّة مجوّفة من جواهر الجنّة ، ثمّ رفعت بموت آدم ، عليه السلام ، فجعل بنوه مكانها بيتا من حجارة فهدم بالطوفان وبقي على ذلك ألفي سنة ، حتى أمر الله تعالى خليله ببنائه ، فجاءت السكينة كأنّها سحابة فيها رأس يتكلّم ، فبنى الخليل وإسمعيل ، عليهما السلام ، على ما ظلّلته.

وأمّا صفة الكعبة فإنّها في وسط المسجد مربع الشكل ، بابه مرتفع على الأرض قدر قامة ، عليه مصراعان ملبّسان بصفائح الفضّة طليت بالذهب ، وطول الكعبة أربعة وعشرون ذراعا وشبر ، وعرضها ثلاثة وعشرون ذراعا وشبر ، وذرع دور الحجر خمسة وعشرون ذراعا ، وارتفاع الكعبة سبعة وعشرون ذراعا.

والحجر من جهة الشام يصبّ فيه الميزاب ، وقد ألبست حيطان الحجر مع أرضه الرخام ، وارتفاعه حقو ، وحول البيت شاذروان مجصّص ارتفاعه ذراع في عرض مثله ، وقاية للبيت من السيل. والباب في وجهها الشرقي على قدر قامة من الأرض ، طوله ستّة أذرع وعشر أصابع ، وعرضه ثلاثة أذرع وثماني عشرة إصبعا. والحجر الأسود على رأس صخرتين ، وقد نحت من الصخر مقدار ما دخل فيه الحجر. والحجر الأسود حالك على الركن الشرقي عند الباب في الزاوية ، وهو على مقدار رأس إنسان ، وذكر بعض المكيّين حديثا رفعوا على مشايخهم انّهم نظروا إلى الحجر الأسود عند عمارة ابن الزبير البيت ، فقدروا طوله ثلاثة أذرع وهو ناصح البياض إلّا وجهه الظاهر ، وارتفاع الحجر من الأرض ذراعان وثلث ذراع ، وما بين الحجر والباب الملتزم ، سمّي بذلك لالتزامه الدعاء. كانت العرب في الجاهليّة تتحالف هناك ، فمن دعا على ظالم

١١٤

هناك أو حلف اثما عجّلت عقوبته ، وداخل البيت في الحائط الغربي الجزعة ، على ستّة أذرع من قاع البيت ، وهي سوداء مخطّطة ببياض طولها اثنا عشر في مثل ذلك ، وحولها طوق من ذهب عرضه ثلاث أصابع ، ذكر أن النبي ، عليه السلام ، جعلها على حاجبه الأيمن.

والميزاب متوسّط على جدار الكعبة بارز عنه قدر أربعة أذرع ، وسعته وارتفاع حيطانه كلّ واحد ثماني أصابع ، وباطنه صفائح الذهب ، والبيت مستّر بالديباج ظاهره وباطنه ، ويجدّد لباسه كلّ سنة عند الموسم. فإذا كثرت الكسوة خفّف عنه وأخذها سدنة البيت ، وهم بنو شيبة. وهذه صفة الكعبة والمسجد الحرام حولها ، ومكّة حول المسجد ، والحرم حول مكّة ، والأرض حول الحرم هكذا.

١١٥

روي عن النبيّ ، عليه السلام ، ان الله تعالى قد وعد هذا البيت أن يحجّه في كلّ سنة ستمائة ألف ، فإن نقصوا كمّلهم بالملائكة ، وان الكعبة كالعروس المزفوفة ، وكلّ من حجّها متعلّق بأستارها يسعون معها حتى تدخل الجنّة فيدخلون معها.

وعن عليّ : ان الله تعالى قال للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها؟ فغضب عليهم وأعرض عنهم. فطافوا بعرش الله سبعا كما يطوف الناس بالبيت اليوم يسترضونه ، يقولون : لبيك اللهمّ لبيك! ربّنا معذرة إليك! نستغفرك ونتوب إليك! فرضي عنهم وقال :ابنوا في الأرض بيتا يطوف به عبادي ، من غضبت عليه أرضى عنه كما رضيت عنكم.

وأمّا خصائص البيت وعجائبه فإن أبرهة بن الصبّاح قصده وأراد هدمه ، فأهلكه الله تعالى بطير أبابيل. وذكر أن أساف بن عمرو ونائلة بنت سهيل زنيا في الكعبة ، فمسخهما الله تعالى حجرين نصب أحدهما على الصّفا والآخر على المروة ليعتبر بهما الناس. فلمّا طال مكثهما وعبدت الأصنام ، عبدا معها إلى أن كسرهما رسول الله فيهما كسر من الأصنام.

ومن عجائب البيت أن لا يسقط عليه حمام إلّا إذا كان عليلا ، وإذا حاذى الكعبة عرقة من طير تفرّقت فرقتين ولم يعلها طائر منها. وإذا أصاب المطر أحد جوانبها يكون الخصب في تلك السنة في ذلك الجانب ، فإذا عمّ المطر جميع الجوانب عمّ الخصب جميع الجوانب ، ومن سنّة أهل مكّة ان من علا الكعبة من عبيدهم يعتقونه ، وفي مكّة من الصلحاء من لم يدخل الكعبة تعظيما لها.

وعن يزيد بن معاوية : ان الكعبة كانت على بناء الخليل ، عليه السلام ، إلى أن بلغ النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، خمسا وثلاثين سنة ، فجاءها سيل عظيم هدمها ، فاستأنفوا عمارتها ، وقريش ما وجدوا عندهم مالا لعمارة الكعبة إلى أن رمى البحر بسفينة إلى جدّة ، فتحطّمت فأخذوا خشبها واستعانوا

١١٦

بها على عمارتها ، فلمّا انتهوا إلى موضع الركن اختصموا وأراد كلّ قوم أن يكونوا هم الذين يضعونه في موضعه ، وتفاقم الأمر بينهم حتى تناصفوا على أن يجعلوا ذلك لأوّل طالع ، فطلع عليهم النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، فاحتكموا إليه فقال : هلموا ثوبا! فأتي به فوضع الركن فيه ثمّ قال : لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ، ففعلوا ذلك حتى إذا رفعوه إلى موضعه أخذ النبيّ ، عليه السلام ، الحجر بيده ووضع في الركن.

وعن عائشة قالت : سألت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، عن الحجر أمن البيت هو؟ قال : نعم. قلت : فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ فقال ، صلّى الله عليه وسلّم : إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت : فما شأن بابه مرتفعا؟

قال : فعلوا ذلك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ، ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهليّة أخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت اني أدخل الحجر في البيت.

فأدخل عبد الله بن الزبير عشرة من الصحابة حتى سمعوا منها ذلك ، ثمّ هدم البيت وبناها على ما حكت عائشة. فلمّا قتل الحجّاج ابن الزبير ردّها على ما كان ، وأخذ بقيّة الأحجار وسدّ بها الغربي ورصّف الباقي في البيت ، فهي الآن على بناء الحجّاج.

وأمّا الحجر الأسود فجاء في الخبر انّه ياقوتة من يواقيت الجنّة ، وانّه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد لمن استلمه بحقّ وصدق.

روي أن عمر بن الخطّاب قبّله وبكى حتى علا نشيجه ، فالتفت فرأى عليّا فقال : يا أبا الحسن ههنا تسكب العبرات ، واعلم انّه حجر لا يضرّ ولا ينفع! ولولا اني رأيت رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، يقبّله ما قبّلته! فقال عليّ : بلى هو يضرّ وينفع يا عمر ، لأن الله تعالى لمّا أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتابا وألقمه هذا الحجر ، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود ، وذلك قول الناس عند الاستلام : اللهمّ إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك.

١١٧

قال عبد الله بن عبّاس : ليس في الأرض شيء من الجنّة إلّا الركن الأسود والمقام ، فإنّهما جوهرتان من جواهر الجنّة ولولا مسّهما من أهل الشرك ما مسّهما ذو عاهة إلّا شفاه الله تعالى. ولم يزل هذا الحجر محترما في الجاهليّة والإسلام يقبّلونه إلى أن دخلت القرامطة مكّة سنة سبع عشرة وثلاثمائة عنوة ، فنهبوها وقتلوا الحجّاج وأخذوا سلب البيت وقلعوا الحجر الأسود ، وحملوه إلى الاحساء من أرض البحرين حتى توسّط فيه الشريف أبو عليّ عمر بن يحيى العلوي ، بين الخليفة المطيع لله وبين القرامطة ، سنة خمس وثلاثين فأخذوا مالا عظيما وردّوه. فجاءوا به إلى الكوفة وعلّقوه على الأسطوانة السابعة من أساطين الجامع ثمّ حملوه على مكانه.

وحكي أن رجلا من القرامطة قال لبعض علماء الكوفة وقد رآه يقبّل الحجر ويتمسّح به : ما يؤمنكم انّا غيّبنا ذلك الحجر وجئنا بمثله؟ فقال : ان لنا فيه علامة وهي انّا إذا طرحناه في الماء يطفو ، فجاءوا بماء وألقي فيه فطفا.

وأمّا المقام فإنّه الحجر الذي وقف عليه الخليل ، عليه السلام ، حين أذّن في الناس بالحجّ. وذرع المقام ذراع وهو مربع سعة أعلاه أربع عشرة إصبعا في مثلها ، ومن أسفله مثل ذلك ، وفي طرفيه طوق من ذهب وما بين الطرفين بارز لا ذهب عليه ، طوله من نواحيه كلّها تسع أصابع وعرضه عشر أصابع ، وعرضه من نواحيه إحدى وعشرون إصبعا ، والقدمان داخلتان في الحجر سبع أصابع ، وبين القدمين من الحجر إصبعان ، ووسطه قد استدقّ من التمسّح.

وهو في حوض مربّع حوله رصاص ، وعليه صندوق ساج ، في طرفه سلسلتان يقفل عليهما قفلان.

قال عبد الله بن شعيب بن شيبة : ذهبنا نرفع المقام في عهد المهدي فانثلم وهو حجر رخو ، فخشينا أن يتفتّت ، فكتبنا به إلى المهدي فبعث إلينا ألف دينار فصببناها في أسفله وأعلاه ، وهو الذي عليه اليوم.

وبها جبل أبي قبيس ، وهو جبل مطلّ على مكّة تزعم العوامّ ان من أكل

١١٨

عليه الرأس المشوي يأمن من وجع الرأس ، وكثير من الناس يفعلون ذلك ، والله أعلم بصحّته.

وبها الصّفا والمروة وهما جبلان ببطحاء مكّة. قيل : ان الصفا اسم رجل والمروة اسم امرأة زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرا ، فوضعا كلّ واحد على الجبل المسمّى باسمه لاعتبار الناس. وجاء في الحديث : ان الدابّة التي هي من اشراط الساعة تخرج من الصفا ، وكان عبد الله بن عبّاس يضرب عصاه على الصفا ويقول : إن الدابّة لتسمع قرع عصاي هذا.

والواقف على الصفا يكون بحذاء الحجر الأسود ، والمروة تقابل الصفا.

وبها جبل ثور أطحل ، وهو جبل مبارك بقرب مكّة ، يقصده الناس لزيارة الغار الذي كان فيه النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، مع أبي بكر ، حين خرج من مكّة مهاجرا. وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز : إذ أخرجه الذين كفروا (الآية) يزوره الناس متبرّكين به.

وبها ثبير ، وهو جبل عظيم بقرب منى ، يقصده الناس زائرين متبرّكين به لأنّه أهبط عليه الكبش الذي جعله الله فداء لإسمعيل ، عليه السلام ، وكان قرنه معلّقا على باب الكعبة إلى وقت الغرق قبل المبعث بخمس سنين. رآه كثير من الصحابة ثمّ ضاع بخراب الكعبة بالغرق. وتقول العرب : أشرق ثبير كيما نغير ، إذا أرادوا استعجال الفجر.

وبها جبل حراء وهو جبل مبارك على ثلاثة أميال من مكّة ، يقصده الناس زائرين. وكان النبيّ ، عليه السلام ، قبل أن يأتيه الوحي حبّب إليه الخلوة ، وكان يأتي غارا فيه. وأتاه جبرائيل ، عليه السلام ، في ذلك الغار ، وذكر ان النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم ، ارتقى ذروته ومعه نفر من أصحابه فتحرّك فقال عليه السلام : اسكن حرا فما عليك إلّا نبيّ أو صدّيق أو شهيد! فسكن.

وبها قد قد ، وهو من الجبال التي لا يوصل إلى ذروتها ، وفيه معدن البرام يحمل إلى سائر بلاد الدنيا.

١١٩

وبها بئر زمزم وهي البئر المشهورة المباركة بقرب الكعبة ؛ قال مجاهد : ماء زمزم إن شربت منه تريد شفاء شفاك الله ، وان شربته لظمإ أرواك الله ، وان شربته لجوع أشبعك الله.

قال محمّد بن أحمد الهمذاني : كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها أربعين ذراعا ، وفي قعرها ثلاث عيون : عين حذاء الركن الأسود ، وأخرى حذاء أبي قبيس ، وقلّ ماؤها في سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، فحفروا فيها تسعة أذرع فزاد ماؤها ، ثمّ جاء الله تعالى بالأمطار والسيول في سنة خمس وعشرين ومائتين فكثر ماؤها ، وذرعها من رأسها إلى الجبل المنقور فيه إحدى عشرة ذراعا وهو مطويّ ، والباقي وهو تسع وعشرون ذراعا منقور في الحجر ، وذرع تدويرها إحدى عشرة ذراعا ، وسعة فمها ثلاث أذرع وثلثا ذراع ، وعليها ميلان ساج مربعة فيها اثنتا عشرة بكرة يستقى عليها. وأوّل من عمل الرخام عليها وفرش به أرضها المنصور. وعلى زمزم قبّة مبنيّة في وسط الحرم عند باب الطواف تجاه باب الكعبة.

في الخبر : ان الخليل ، عليه السلام ، ترك إسمعيل وأمّه عند الكعبة وكرّ راجعا. قالت له هاجر : إلى من تكلنا؟ قال : إلى الله. قالت : حسبنا الله! فأقامت عند ولدها حتى نفد ماؤها فأدركتها الحنّة على ولدها ، فتركت إسمعيل بموضعه وارتقت إلى الصفا تنظر هل ترى عينا أو شخصا ، فلم تر شيئا فدعت ربّها واستسقته ، ثمّ نزلت حتى أتت المروة ففعلت مثل ذلك ، ثمّ سمعت صوت السباع فخشيت على ولدها ، فأسرعت نحو إسمعيل فوجدته يفحص الماء من عين قد انفجرت من تحت خدّه ، وقيل بل من تحت عقبه. فلمّا رأت هاجر الماء يسري جعلت تحوّطه بالتراب لئلّا يسيل. قيل : لو لم تفعل ذلك لكان عينا جارية. قالوا : وتطاولت الأيّام على ذلك حتى عفتها السيول والأمطار ولم يبق لها أثر.

وعن عليّ ، كرّم الله وجهه : ان عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر إذ

١٢٠