🚘

المصابيح

الإمام أبو العباس الحسني

المصابيح

المؤلف:

الإمام أبو العباس الحسني


المحقق: عبدالله بن عبدالله بن أحمد الحوثي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية
الطبعة: ٢
الصفحات: ٦٧٢
🚘 نسخة غير مصححة

فقالوا صدقت : أيها الشيخ ، ما أحسن ما قلت ، وإن لك ملتنا ، ولحمنا ودمنا ، وأنت منا أهل البيت ، وما نطقت فهو الصواب ، ونحن نفعله بإذن الله إن شاء الله.

قال : فقلت : فرحوني ، ولا تبرحوا حتى تبرموه ولا تؤخروه إلى مجلس آخر ، فإنا لا نأمن من الحوادث.

فبرز أبو محمد القاسم إبراهيم ، وأقبل على (١) أبي عبد الله أحمد بن عيسى وقال : إن شيخنا وولينا قد قال قولا صادقا متفقا ، وقد اخترتك لأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنت العالم القوي تقوى على هذا الأمر ، فقد رضيتك ، ورضي أصحابنا فتولّ هذا الأمر (٢) ، فمد يدك أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ، فأنت الرضا لنا ، ما تقولون يا أصحابنا؟ قالوا جميعا : رضا رضا ، فقال أحمد بن عيسى : لا والله وأنت يا أبا محمد حاضر ، إذا حضرت فلا يجب لأحد أن يتقدمك ، ويختار عليك ، وأنت أولى بالبيعة مني ، فقال القاسم : اللهم [غفرا] ، اللهم غفرا ، أرضاك وأسألك أن تقوم بأمر أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتحيله علي ، فقال : لا يكون ذلك وأنت حاضر.

قال : ثم أقبل القاسم على عبد الله بن موسى ، فقال : يا أبا محمد قد سمعت ما جرى وقد امتنع أبو عبد الله أن يقبل ما أشرت به ، وأنت لنا رضا (٣) ، وقد رضيتك لعلمك وزهدك.

فقال : يا أبا محمد نحن لا نختار عليك أحدا ، وقد أصاب أبو عبد الله فيما قال ، فأنت الرضا لنا جميعا (٤).

فقال القاسم : اللهم غفرا أحلت علي أنت أيضا ، لم تزهدون في النظر لأمة أبيكم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وللناس عامة؟

ثم أقبل على الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد ، فقال : فأنت يا أبا محمد اقبل هذا الأمر

__________________

(١) في (ب) : وأقل إلى.

(٢) في (أ، ب ، د) : ورضي أصحابنا قبول هذا الأمر.

(٣) نهاية الصفحة [٣٤٨ ـ أ].

(٤) في (أ) : فأنت الرضا لجميعنا.

٥٦١

فإنك أهل له ، وأنت قوي على النظر فيه ، والبلد بلدك ، وتعرف من أمر الناس ما لا نعرف.

فقال : يا أبا محمد والله لا يتقدم بين يديك أحد إلّا وهو مخطئ ، أنت الإمام ، وأنت الرضا ، وقد رضيناك جميعا (١).

فقال القاسم : اللهم غفرا اللهم غفرا.

قال : ثم إن أحمد بن عيسى أقبل على القوم ، فقال : إن أبا محمد لنا رضا وقد رضيت به.

قال عبد الله بن موسى والحسن بن يحيى : صدقت أيها الشيخ.

قال محمد بن منصور : فخفت أن يفوتنا وقت صلاة العصر (٢) ، ولم يبرموا أمرا حتى أسرّ (٣) أحمد بن عيسى إلى القاسم إبراهيم وأخذ يده ، وقال : قد بايعتك على كتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنت الرضا ، فجعل القاسم صلوات الله عليه يقول : اللهم غفرا .. اللهم غفرا ، ثم بايعه عبد الله بن موسى ، والحسن بن يحيى ورضوا به ، وقالوا لي : بايع ، فقمت إليه وبايعت القاسم بن إبراهيم على كتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال لي القاسم : قم يا أبا عبد الله وأذّن ، وقل فيه (٤) : حي على خير العمل ، فإنه هكذا نزل به جبريل عليه‌السلام على جدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٥) ، فقمت ، وأذنت وركعت (٦) وأقمت فتقدم القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام فصلى بنا جماعة صلاة العصر ، وباتوا عندي تلك الليلة ، وصلّى بنا المغرب والعشاء جماعة ، فلما أصبحوا تفرقوا ، ومضى القاسم بن إبراهيم إلى الحجاز ، وأحمد بن عيسى إلى البصرة ، وعبد الله بن موسى إلى الشام ، ورجع الحسن بن يحيى إلى منزله ، فكانوا على بيعة القاسم عليه‌السلام.

__________________

(١) في (د) : وقد رضينا بك جميعا.

(٢) في (أ) : وقت الصلاة للعصر.

(٣) في (ب ، ج ، د) : حتى انتبز.

(٤) نهاية الصفحة [٣٤٩ ـ أ].

(٥) انظر الأذان بحي على خير العمل للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن العلوي (٣٦٧ ـ ٤٤٥ ه‍).

(٦) أي صلّى ركعتين نافلة ، وقبل إقامة الصلاة المكتوبة.

٥٦٢

[٥٦] حدثنا (١) أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن إسماعيل بن محمد بن إبراهيم قال : لما استوفى عمي غلته بخمسين دينارا فلقيه رجل يمدحه وأنشده قصيدة يقول فيها :

ولو أنه نادى المنادي بصوته

ببطن منى فيما تعم المواسم

من السيد السباق في كل غاية

لقال جميع الناس لا شك قاسم

إمام من أبناء الأئمة قدمت

له الشرف المعروف والمجد هاشم

أبوه علي ذو الفضائل والنهى

وأبناؤه والأمهات الفواطم

بنات رسول الله أكرم نسوة

على الأرض والآباء شم خضارم

قال : فأمر له بالخمسين دينارا (٢).

[٥٧] حدثني أبو العباس الحسني قال : قال عيسى بن محمد العلوي : قلت لمحمد بن منصور : يقولون : إنك لم تكثر من لقاء القاسم عليه‌السلام (٣)؟

قال : بلى صحبته فيما كنت أقع إليه (٤) خمسا وعشرين سنة.

قلنا : فإنك غير مكثر عنه.

قال : وكأنكم تظنون (٥) أنا كلما أردنا كلمناه ، من كان يجسر على ذلك منا ، ولقد كان له في نفسه لشغل ، كنت إذا لقيته لقيته كأنما ألبس حزنا.

[بيعة أهل مصر وخروجه منها]

[٥٨] حدثنا (٦) أبو العباس الحسني بإسناده عن محمد بن عبد العزيز بن الوليد قال : اجتمع

__________________

(١) السند في (ب) : «حدثنا أبو العباس عن يحيى بن الحسن العلوي ، قال : حدثنا إسماعيل بن محمد».

(٢) الرواية في الحدائق الوردية (١ / ٢ / ٢).

(٣) في الإفادة لأبي طالب عليه‌السلام ما لفظه : حدثني أبو العباس الحسني رحمه‌الله قال : سمعت أبا زيد عيسى بن محمد العلوي رحمه‌الله يقول لمحمد بن منصور : الناس يقولون إنك لم تستنكر من القاسم عليه‌السلام وذكر القصة ، وهذا هو الصواب لأنه شيخ أبي العباس عليه‌السلام هو أبو زيد عيسى بن محمد العلوي من ولد زيد بن علي ، انظر : الإفادة ص (١٢٤ ـ ١٢٥).

(٤) أي أجتمع به وأتحدث معه.

(٥) نهاية الصفحة [٣٥٠ ـ أ].

(٦) السند هو : حدثنا أبو العباس الحسني قال : أخبرنا محمد بن بلال الروياني قال : حدثنا محمد بن عبد العزيز بن الوليد.

٥٦٣

إلى القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام بعد قتل أخيه محمد بن إبراهيم عليه‌السلام الخارج بالكوفة مع أبي السرايا السري بن منصور الشيباني ، وكان قبل خروجه معه صلوات الله عليه من أصحاب هرثمة بن أعين أهل مصر ، فبايعه منهم عشرة آلاف أو يزيدون ، وأقام القاسم «عندهم» (١) ـ في خفية ـ عشر سنين يزيد شيئا أو ينقص ، ثم خرج منها خائفا يترقب ، حتى لم يمكنه الخروج ، فلبث ببلد الحجاز وتهامة ، وبايعه أهل مكة والمدينة والكوفة (٢).

[خروجه إلى اليمن]

فلما أزف خروجه (٣) أنفذ إبراهيم بن هارون (٤) بغا الكبير (٥) في عساكر كثيفة ، فخرج (٦) القاسم عليه‌السلام إلى بلاد اليمن ، واستخفى هناك ، وبث دعاته في الأقطار ، وكان أهل قزوين «والري» (٧) والجبال ، وأهل طبرستان قد بايعوه ، وبعث دعاته من بني عمه إلى أهل بلخ ، وطالقان والجوزجان ، ومروروذ (٨) ، فبايعوه وراسلوه ليبعث إليهم بولد له ، فلم يأل جهده في الدعوة ، فلما أبلى عذره وانتشر أمره ، سيرت الجيوش (٩) في طلبه نحو اليمن ، فاستام (١٠) إلى حي من البدو واستخفى فيهم ، ثم رام الخروج بالمدينة فأبى ذلك عليه أصحابه ، وقالوا :

__________________

(١) ساقط في (د).

(٢) سبق التنويه إلى هذه المواضع وانظر الإفادة ص (١٢١).

(٣) في (أ) : أردنا خروجه.

(٤) قال في (أ، د) : أظن أنه محمد بن هارون وليس إبراهيم بن هارون ، لعل في الاسم تصحيف ، ولعله محمد بن هارون المعتصم ، والذي كان أحد قوّاده ، والصحيح أنه محمد بن هارون الرشيد ، وليس إبراهيم بن هارون ؛ إذ لم أقف على أحد من أولاد هارون الرشيد ، اسمه هكذا. والله أعلم.

(٥) هو : بغا الكبير أبو موسى ، انظر : الكامل في التاريخ لابن الأثير (٥ ، ٣) ، وانظر الفهرس ص (١٩٥).

(٦) في (أ، ج ، د) : وخرج.

(٧) ساقط في (أ). ، وقزوين موضع ببلاد الديلم بينها وبين الري ٢٧ فرسخا وهي ثغر الديلم ، الروض المعطار ص (٤٦٥).

(٨) بلخ هي مدينة خراسان ، انظر الروض المعطار (٩٦) ، ومعجم البلدان (١ / ٤٧٩). وطالقان : مدينة خراسان من سرخس إلى الطالقان (٤) مراحل وهي بين جبلين عظيمين ، انظر : الروض المعطار (٣٨٠) ، معجم البلدان (٤ / ٦ ـ ٨). مروروذ : هي مروالروذ بخراسان أيضا ، والمرو بالفارسية المرح والروذ الوادي ، فمعناه وادي المرح ، انظر : الروض المعطار (٥٣٣ ، ٥٣٤) ، معجم البلدان (٥ / ١١٢ ـ ١١٦).

(٩) في (ب) : الجنود.

(١٠) في (أ، ب) : فاستنام.

٥٦٤

العساكر تسرع إلى الحجاز والمدينة ، وليس للناس ميرة (١) ولا سلاح ، وكاتبه أهل العدل من الأهواز والبصرة ، وكانوا خواصه ، ولم يكن (٢) في أمره أحد ، ولا إلى بيعته وإظهار دعوته أسرع ، ولا عليها أحرص من المعتزلة ، وقد كان ورد أرض مصر على مواعيد أصحابه غير مرة.

[علمه وزهده وبعض فضائله]

فلم يزل كذلك عمره أجمع ، صابرا في الله ، داعيا إلى إحياء دين الله مجتهدا ، مكدودا متغيبا من الظلمة ، وهم يطلبونه ولا يفترون عنه ، أعلم رجل كان في زمانه ، وأفقههم ، وأزهدهم ، وأحلمهم.

ومن أصحابه الفضلاء ، ومن لا ينوط الكوفيون به أحدا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عم يحيى بن عمر الخارج بالكوفة ، وله من الروايات ، والتصانيف والنقلة عنه ما يكثر عن الإحصاء (٣).

[٥٩] حدثنا أبو العباس الحسني قال : حدثنا محمد بن بلال عن محمد بن عبد العزيز بن الوليد (٤) قال : سألت الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم‌السلام عن أبي محمد القاسم (٥) بن إبراهيم عليه‌السلام ، فقال : سيدنا وكبيرنا ، والمنظور إليه من أهلنا ، وما في زماننا هذا أعلم منه ، ولقد سمعته يقول : قد قرأت القرآن والتوراة والإنجيل والزبور ، وما علمي بتأويلها دون علمي بتنزيلها ، ثم قال : لو سألت أهل الأرض من علماء أهل البيت؟ لقالوا فيه :

__________________

(١) الطعام يجمع للسفر ونحوه.

(٢) نهاية [٣٥١ ـ أ].

(٣) لصاحب الترجمة العديد من المؤلفات ، انظر : أعلام المؤلفين الزيدية ص (٧٥٩ ـ ٧٦٥) ترجمة (٨٢٢).

(٤) في (أ، ج) : حدثنا أبو العباس الحسني قال : حدثنا ابن بلال بإسناده عن عبد العزيز بن الوليد.

(٥) في (ب) : عن أبي القاسم.

٥٦٥

مثل قولي (١) ، قيل له : فأحمد بن عيسى بن زيد؟ فقال : أحمد بن عيسى من أفضلنا ، والقاسم إمام.

[٦٠] حدثني أبو العباس الحسني قال : حدثني جدي الحسن بن علي بن إبراهيم قال : حدثني أبو عبد الله الفارسي (٢) ، قال : دخلنا مع القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام حين اشتد به الطلب ـ أظنه قال : أوائل بلد مصر ـ فانتهى بنا إلى ناحية فيها خان (٣) ، واكترى خمس حجر ملتزقات (٤) ، فقلت له : جعلت فداك يا بن رسول الله نحن في عوز من النفقة ، وتجزينا بعض جحرة ، ففرغ حجرتين عن يمينه ، وأخروين عن يساره ، ونزلنا معه في الوسطى منهن ، فقال : هو أوقى لنا من مجاورة فاجر ، وسماع منكر.

قال : وحدثني أبو عبد الله الفارسي قال : ضاق بالإمام القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام المسالك ، واشتد به الطلب حتى نودي ؛ ونحن مستخفون معه خلف حانوت إسكاف (٥) من خلّص الزيدية ؛ فبلغنا الصوت : ألا برئت الذّمة ممن آوى القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام وممن لا يدل عليه ، ومن دل عليه فله ألف دينار ، ومن البز (٦) كذا وكذا ، والإسكاف مطرق يعمل لا يرفع رأسه ، فلما جاءنا قلنا له : أما ارتعت؟ قال : ومن لي بارتياعي منهم ، ولو قرضت بالمقاريض بعد إرضائي رسول الله عنى في وقاية ولده بنفسي (٧).

__________________

(١) في كتاب (الاعتبار ، وسلوة العارفين) للسيد الإمام الموفق بالله أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل الجرجاني المعروف بالشجري ، الحسني سلام الله عليه ، في باب الخوف من الله عزوجل : أخبرني ـ إجازة ـ الشريف أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني ، عن مشايخه عن أبي عبد الله الفارسى ، قال. حججنا مع القاسم بن إبراهيم الحسني رحمه‌الله ، فاستيقظت في بعض الليل وفقدته ، فأتيت المسجد الحرام ، فإذا أنا به وراء المقام لاصقا بالأرض ساجدا ، وقد بل الثرى دموعه ، وهو يقول : إلهي من أنا فتعذبني ، فو الله ما يشين ملك معصيتي ، ولا تزين ملكك طاعتي ، وهذا الخبر رواه الإمام أبو طالب عليه‌السلام في الإفادة عن أبي العباس الحسني عن جده الحسن بن إبراهيم ، عن أبي عبد الله الفارسي.

(٢) أبو عبد الله الفارسي : هو خادم القاسم عليه‌السلام وملازمه في السفر والحظر.

(٣) الخان : الفندق ، ولفظ خان باللغة الفارسية.

(٤) لزق الشيء بالشيء لزوقا علق به واستمسك بمادة غرائية ، ولزقا اتصل به لا يكون بينهما فجوة ، المعجم الوسيط : مادة (لزق).

(٥) الاسكاف : هو من يقوم بصناعة وإصلاح الأحذية.

(٦) نوع من الثياب ، والبز أيضا السلاح ، المعجم الوسيط مادة (بز).

(٧) الخبر في الإفادة ص (١٢٥ ـ ١٢٦).

٥٦٦

[(٢٣) الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم] (١)

(٢٢٠ ـ ٢٩٨ ه‍ / ٨٣٥ ـ ٩١١ م)

[بعض أخباره قبل خروجه إلى اليمن]

[٦٠] حدثنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه قال : أخبرني علي بن أبي سليمان : أنهم

__________________

(١) انظر : الحدائق الوردية (١ / ٢ / ١٣ ـ ٢٨) ، التحف شرح الزلف ص (١٦٧ ـ ١٨٣) ، أئمة اليمن لزبارة الجزء (١) ص (٥) وما بعدها ، الترجمان لابن مظفر (خ) ، الإفادة (١٢٨ ـ ١٤٦) ، فتح الباري (١٣ / ١٠٠) ، سيرة الإمام الهادي رواية علي بن محمد بن عبد الله العباسي العلوي ـ حققه د. سهيل زكار ، طبقات الزيدية (خ) ، اللآلي المضيئة (خ) ، عمدة الطالب ص (٢٠٤) سر السلسلة العلوية (٢٨) ، تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي (١ / ٢٦٢) ، درر الأحاديث النبوية (١٩١) ، معجم المفسرين لنويهض (٢ / ٧٢٧ ـ ٧٢٨) ، الفلك الدوار (٣٣ وانظر الفهرس ص [٥١٢]) ، الأعلام (٨ / ١٤١) ، الحور العين (١٩٦) ، بلوغ المرام (١٤٦) ، الإكليل (١٠ / ٨٤ ، ١١٣ ، ١٢٨ ، ١٦٣ ، ١٦٥ ، ١٨٠) ، تاريخ اليمن للواسعي (٢١ ، ٢٣) ، أبناء الزمن في تاريخ اليمن (خ) ، تقرير البعثة المصرية (٢٤ ، ٢٦ ، ٣٧ ، ٣١) ، المخطوطات المصورة (١ / ٥٥٧) ، المقتطف (١٠٤ ـ ١٠٦) ، الفهرست لابن النديم (١٩٤) ، غاية الأماني (١٦٦ ، ١٦٧ ، وانظر الفهرس ص (٩٠٧) ، معجم المؤلفين (١٤ / ١٩١ ـ ١٩٢) ، تراجم رجال الأزهار (٤١) ، هدية العارفين (٢ / ٥١٧).

Brockeklman.g ١ ؛ ١٨٦.S ١ ؛ ٣١٥ ، ٣١٦ بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي (ج ٣ / ٣٢٧) ، ترجمة عبد الحليم النجار ، تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين (٣ / ٢٩٩) ، الجامع الوجيز في وفيات العلماء أولي التبريز للجنداري (خ) ، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ، القسم الخاص بمملكة اليمن ص (٥٩) تحقيق أيمن فؤاد سيد ، الإمام زيد أبو زهرة ص (٥٠٩ ـ ٥١٥) ، شرح الزحيف وابن مظفر والشرفي على البسامة (خ) ، غربان الزمان في وفيات الأعيان ص (٢٦٤ ـ ٢٦٥) ، الجداول المرضية. أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية بمكة ، الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة يحيى بن أبي بكر العامري الشافعي ترجمة البتول (فاطمة الزهراء) ، أنباء الزمن في أخبار اليمن من سنة (٢٨٠ إلى ٣٢٢ ه‍) ، صححه محمد عبد الله ماضي ، انظر الفهرس ص (٧٦) ، إتحاف المهتدين محمد محمد زبارة ص (٤٢ ـ ٤٣) ، تاريخ صنعاء لإسحاق يحيى بن جرير الطبري الصنعاني ، المتوفى سنة (٤٥٠ ه‍). تحقيق الحبشي ص (٧٦ ، ٧٧ ، ٧٨ ، ٧٩ ، ٨١ ، ٨٣ ، ١٤٣) ، مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار ، محمد علي الزحيف (خ) ، خلاصة سيرة الهادي. أرجوزة طبعت بتعز سنة (١٩٥٢ م) ، النفحة العنبرية في المجددين من أبناء خير البرية. محمد عبد الله أبو علامة (ت ١٠٤٤ ه‍) (خ) ، بلوغ المرام فيمن تولى حكم اليمن من ملك وإمام. حسين أحمد العرشي (ت ١٣٢٩ ه‍) تحقيق الكرملي ص (٢١ ـ ٢٣) ، من تاريخ المخلاف السليماني أو الجنوب العربي في التاريخ محمد أحمد عيسى العقيلي (ق ٢ ص ٢٧٦ ـ ٢٤٩) الجزء (١) ط / الرياض ١٩٥٨ م ، مقدمة رسائل العدل والتوحيد محمد عمارة ص (٢١ ـ ٢٥) ط القاهرة ١٩٧١ م ، مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن عبد الله محمد الحبشي ، قسم مؤلفات حكام اليمن ص (٥٠٦ ـ ٥١٧) ، الهادي إلى الحق ، حياته ، وفكره ، وشعره على القليس ، أعلام المؤلفين الزيدية ص (١١٠٣ ـ ١١١١) ترجمة (١١٨٦).

٥٦٧

حضروا يوما آمل (١) [و] (٢) الناصر الحسن بن علي رضي الله عنه بالمصلى (٣) ، فجرى ذكر يحيى بن الحسين ، فقال بعض أهل الري وأكثر ظني أنه أبو عبد الله محمد بن عمرو الفقيه (٤) : كان والله فقيها.

قال فضحك الناصر وقال : كان ذلك من أئمة الهدى.

قال أبو العباس الحسني : سمعت أبا محمد الركاني (٥) رحمه‌الله يذكر (٦) أنهم كانوا مع الناصر عليه‌السلام بالجيل قبل خروجه ، فنعي إليه يحيى بن الحسين عليه‌السلام ، فبكى بنحيب ونشيج (٧) ، ثم قال : اليوم انهد ركن الإسلام.

[قدومه طبرستان]

قلت له : ترى أنهما تلاقيا لما قدم طبرستان ، قال : لا.

وكذلك (٨) حدثني جدي (٩) ، قال : وقدم يحيى بن الحسين عليه‌السلام علينا آمل والناصر

__________________

(١) كان الناصر عليه‌السلام يركب إلى طرف البلد ويضرب الصولجان للرياضة فإذا ركب اجتمع فقهاء البلد ، وأهل العلم كلهم إلى المصلى وجلس فيه ، فإذا فرغ من ذلك عدل إليهم وجلس وأملى الحديث ، انظر معجم البلدان (٥ / ١٨٨ ، ١٩٤ ، ١٩٥).

(٢) من المحقق.

(٣) في (أ) : في المصلى.

(٤) لم أقف على ترجمته ، ولعله أبو عبد الله محمد بن عمرو الفقيه الكسائي.

(٥) في (أ) : أبا محمد الزركاني. وأبو محمد الزركاني أو الركاني أحد الذين خرجوا نصرة مع الإمام الناصر الأطروش الآتية ترجمته.

(٦) في (ب) : يقول.

(٧) نشج الباكي نشجا ونشيجا : تردد البكاء في صدره مع غير انتخاب ، النشيج : الصوت المتردّد في الصدر ، جمعه : نشج ، ويقال : عبدة نشج : لها صوت ، المعجم الوسيط مادة «نشج».

(٨) في (ب) : وكذا.

(٩) يعني جد أبي العباس الحسني ، أي الحسن بن علي بن إبراهيم ، وهذه الرواية استئناف للرواية السابقة عن أبي العباس عن جده ، والمتكلم هو السيد أبو العباس.

٥٦٨

مع محمد بن زيد في عسكره بجرجان ومعه أبوه ، وبعض عمومته والموالي ، فنزلوا حجرة بخان العلى ، وقد أشار إليها ، ونحن نجتاز الخان.

قال : ولم أسمع بلغ من تعظيم بشر لإنسان ما كان من تعظيم أبيه وعمومته له ، ما كانوا يخاطبونه إلّا بالإمام.

قال : وامتلأ الخان من الناس ، وتكاثفت (١) الغاشية حتى كاد السطح يسقط ، وعلا صيته ، فكتب إليه الحسن بن هشام من سارية (٢) ؛ وكان على وزارة محمد بن زيدان هذا مما يوحش ابن عمك.

فقال : ما جئنا ننازعكم أمركم ، ولكنا ذكر لنا أن لنا بها (٣) أهلا وشيعة ، فقلنا : عسى الله أن يفيدهم منا.

فخرجوا مسرعين ، وثيابهم عند القصار ، وخفافهم عند الإسكاف ، وما استرجعوها.

قال : وحملنا إليهم من منازلنا لحما (٤) ودجاجا ، وشيئا مما يصطبغ به من ما حضرهم (٥) ، أو غيره ، فتناولوا إلا من اللحمان فإنها ردت إلينا كهيئتها ، فسألنا بعض الموالي ، فقال : إنه يقول : بلغني أن الغالب على أهل هذه البلد التشبيه والجبر (٦) فلم آمن أن يكون من ذبيحتهم ، وقد سمعت أن أهلنا بهذا البلد لا (٧) يتوقون ذبائحهم ، وكان يشدد في الذبائح تأسيا بالقاسم عليه‌السلام.

__________________

(١) في (ب ، ج ، دأ) : وتكاثف.

(٢) وقيل : شارية مدينة من مدن طبرستان ، وهي المدينة العظمى هنالك التي كان ينزل بها الولاة ، وبها نزل محمد بن طاهر وكذلك سلمان أخوه بعده ، ولديها بناء حسن لم ير مثله ، وقال ياقوت : سارية السين المهملة هي إلى الشرق من آمل ، معجم البلدان (٣ / ١٧٠) ، الروض المعطار (٣٣٦) وانظر الفهرس.

(٣) في (أ، د) : هاهنا.

(٤) في (ب ، د) : منزلنا لحمانا.

(٥) في (ب ، ج ، د) : ماء وخضرة.

(٦) المشبهة : يطلق هذا الاسم على عموم الفرق القائلة بالتشبيه في التوحيد ، وجملة المشبهة يثبتون لله تعالى مكانا ويقولون : هو جالس على العرش و... إلخ. أمّا الجبر : فالجبرية هم المعتقدون بالجبر ويسندون جميع أفعال العباد إلى الله تعالى ولا اختيار لعباده فيها ، انظر : موسوعة الفرق الإسلامية د. محمد جواد مشكور ط (١) ١٤١٥ ه‍ / ١٩٩٥ م ص (١٩٠ ، ٤٧٠ ، ٤٧١).

(٧) نهاية الصفحة [٣٥٤ ـ أ].

٥٦٩

[سبب رجوعه من اليمن المرة الأولى] (١)

[٦١] حدثني أبو العباس الحسني رحمه‌الله قال : أخبرني الشيخ أبو الحسين علي بن إسماعيل بن إدريس أنه سمع أباه رحمه‌الله يقول : قدمت المدينة وقد وردها يحيى بن الحسين من اليمن مغاضبا أهلها أنهم لا يطيعون الله ، ولا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر ، فتركهم واعتزل أمرهم.

قال : فوردت كتب أهل اليمن على أبيه الحسين بن القاسم ، وعمومته بالمدينة يتوسلون بهم على يحيى بن الحسين عليه‌السلام ويرغبون إليهم في التشفع إليه ، حتى يعاودهم ، فإنهم يأتمرون له ، ولا يخالفونه في شيء ، فقد أخلفت ثمارهم وزروعهم وأسرع الموت منذ خرج في مواشيهم وأنعامهم ، فأجابهم وعاودهم بعد تشفع كثير من أبيه وعمومته واستقصاء شديد.

[٦٢] قال أبو العباس الحسني رحمه‌الله : وقد حدثني أبو (٢) عبد الله اليماني رحمه‌الله وكان فارس يحيى بن الحسين عليه‌السلام وأحد أبطال أصحابه ـ قال : كان سبب خروجه عنهم أن بعض القواد ، أظنه قال : من أرحام أبي العتاهية (٣) ـ وأبو العتاهية هذا هو الذي دعا يحيى بن الحسين عليه‌السلام من المدينة وسلم أمر اليمن إليه ، وكان واليها على أهلها ـ وقام بين يدي يحيى بن الحسين منخلعا متجردا من كل شيء تقربا إلى الله عزوجل وإنابة إليه ـ وكان يحيى بن الحسين بلغه عن هذا القائد وشهد (٤) عليه عنده أنه شرب مسكرا ، فبعث إليه من (٥) يقدم به ليقيم حد الله عليه فامتنع ، فركب هو عليه‌السلام بأصحابه إلى حيث كان الرجل فامتنع عليه فغضب وخرج ، وقال : لا أكون كالمصباح يضيء لغيره ويحرق نفسه.

وكان هذا أبو عبد الله رحمه‌الله من خلّص أصحابه وأهل الفضل والورع فيما علمته.

__________________

(١) كان خروج الإمام الهادي إلى اليمن للمرة الأولى سنة (٢٨٠ ه‍). راجع أئمة اليمن لمحمد محمد زبارة الجزء (١) الطبعة الأولى ص (٨).

(٢) في (أ، د) : بإسناده عن.

(٣) أبو العتاهية : هو أحد ملوك اليمن في القرن (٣) الهجري عرف بالتدين ورجاحة العقل ، انظر : سيرة الهادي الفهرس ص (٤٥٢) ، وكذا أئمة اليمن. محمد محمد زبارة (١ / ١٦).

(٤) نهاية الصفحة [٣٥٥ ـ أ].

(٥) في (ب ، ج ، د) : بمن.

٥٧٠

[جهاده للقرامطة]

وحدثني أنه حضر معه عليه‌السلام ثلاثا وسبعين وقعة مع (١) القرامطة (٢) ، وأن كبيرهم ، ورئيسهم يومئذ رجل يعرف بعلي بن الفضل ، وكان كذابا متنبّيا.

وحكي أنه خرج مرة في عسكر جرار لا يقادر قدرهم وعددهم ، وأن الهادي عليه‌السلام وافقهم في بعض الليل فمنحوه أكتافهم ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وغنم شيئا كثيرا ، وأنه سمع من عساكرهم التأذين بأشهد أن علي بن الفضل رسول الله (٣).

ثم خرج هذا اللعين بجنوده ، وحده وحديده نحو الكعبة ليهدمها ، وأن طريقهم لم تكن على [طريق] يحيى بن الحسين فبلغ يحيى بن الحسين خبرهم ، وما هموا به ، فنادى في أصحابه فاجتمعوا (٤) ، فقال : إن هؤلاء قد خرجوا لما هموا به من هذه الفادحة في الإسلام ، وما أدري إلّا أن الفرض في منابذتهم قد لزم (٥) ، فتأهبوا للترصد لهم ؛ فضعفوا وجبنوا لقلة عددهم إلى عدد القوم ، فأبى عليهم ، وخرج بهم ، فلما قاربوا عسكر اللعين تراءوا له ، فقال لأصحابه : من هؤلاء؟

فقالوا : العلوي صاحب اليمن وأصحابه.

قال : ما يريدون؟

قالوا : جاء محاربا (٦) لك. فأزرى بهم.

فقال : هو ما سمعت ، فنزل بقومه ونزل يحيى بن الحسين بأصحابه ، وقد هالهم كثرة

__________________

(١) في (ب ، ج ، د) : في.

(٢) فرقة متفرعة من فرق الباطنية تنسب إلى رجل يدعى حمدان قرمط ، وقد لقب بقرمط لقصر كان فيه.

(٣) انظر : الإفادة (١٣٧) ، والحدائق الوردية (٢ / ٢٤) ، وسيرة صاحب الترجمة (الفهرس ص ٤٥٣) الهادي عليه‌السلام.

(٤) في (أ) : فاستجمعوا.

(٥) في (أ، ج ، د) : لزمنا.

(٦) بعد كلمة جاء نهاية الصفحة [٣٥٦ ـ أ].

٥٧١

أعداء الله في قلة عددهم ، وكان عددهم على ما [٦٣] حدثني أبو العباس الحسني قال : حدثنا أبو عبد الله اليماني رحمه‌الله : ألف رجل ، فقال لهم الهادي يحيى بن الحسين عليه‌السلام : مما تفزعون ، وأنتم ألفا مقاتل؟

قال : فقلنا : إنما نحن ألف.

قال : اتركوني على ألف.

قال : ثم قال الهادي عليه‌السلام «لأصحابه» : (١) ما الرأي عندكم (٢)؟

قال : فقال أبو العشائر (٣) ؛ وكان ممن يقاتل راجلا : ما في الرجّالة أشجع مني ، ولا في الفرسان أشجع منك ، فانتخب من الجميع ثلاثمائة رجل ، فسلحهم بأسلحة الباقين حتى نبيتهم ، فإنا لا نقدر عليهم ، ولا نطيقهم إلّا هكذا (٤) ، فاستصوب الهادي ذلك منه ، ففعلوا ليلا ووقعوا فيهم ينادون بشعار يحيى بن الحسين حتى ركبوا أكتافهم ، وهزموهم (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج : ٤٠].

[بعض مواقفه في شبابه]

[٦٤] حدثني أبو العباس الحسني قال : حدثني أبو عبد الله اليماني رحمه‌الله قال : كان يحيى بن الحسين عليه‌السلام إذا قاتل قاتل على فرس له يقال له : أبو الحماحم ، ولم يكن يطيقه

__________________

(١) ساقط في (أ).

(٢) كان الإمام الهادي عليه‌السلام نموذجا بارزا ومهما وفذا في تطبيق العدل والمساواة ، وكان في ممارسته لسلطانه كإمام وكحاكم للمسلمين من تلك الشخصيات الفذة في تاريخ المسلمين ، وكان تجسيدا كاملا لكل ما نادى به هو ومن سبقه من الأئمة الأبرار ، انظر : الإمام الهادي واليا وفقيها ، لنعمان ص (١٩٥ ـ ٢٨٨) ، الإمام زيد أبو مزهرة ص (٥١٣) وما بعدها ، سيرة الهادي ص (٨٢ ، ٥٣ ، ٥٨ ، ٥٩ ، ٦٢ ... إلخ).

(٣) أبو العشائر : في سيرة صاحب الترجمة : أبو العشيرة أحمد بن محمد الروية ، انظر : السيرة ص (١٨ ، ٢١٤ ، ٢١٥ ، ٣٥٦ ، ٣٩٢ ، ٣٩٨) ، وكان شجاعا مقداما مجاهدا في سبيل نصرة الحق وأهله.

(٤) في (ب ، ج ، د) : كذا.

٥٧٢

من الدواب غيره ، ولم يكن به من السمن والغلظ (١) بل كان وسطا من الرجال ، ولكن كان رجلا شديدا قويا ، وكان يعرف بالشديد.

وذكر أنه رآه شال (٢) برمحه رجلا كان طعنه به عن فرسه ورفعه به فانثنى قصب الرمح وتكسر.

فأما إذهابه السكة (٣) بإصبعه من (٤) الدراهم الصحاح والدنانير المدثرة وثنيته العمود فمستفيض شائع ، وقد سمعت غير واحد من أصحابه أنه قبض على أصابع رجل بيده السيف فهشم الأصابع على المقبض.

ومن المشتهر الذي يتحدث به : أنه كان له على رجل مال ؛ ولعله كان قبل أن يلي الأمر ؛ فماطله الرجل ، فخرج عليه ، فأهوى إلى عمود قبان (٥) معلق هناك فألوى به عنقه ، فبقي طوقا فيه إلى أن سواه ، وأخرج عنقه منه.

وسمعت بعض العرب ممن اسمه مثبت عندي ، وتوسمت فيه فضلا أن يحيى بن الحسين كان يدخل سوق المدينة وهو مراهق أو في عنفوان بلوغه (٦) ، وقد امتروا (٧) شيئا من موضع فيقول : ما طعامكم هذا؟ فيقال : الحنطة ، فيدخل يده الوعاء فيطحن منه بيده ، ثم يخرج يده ويقول : إنما هو دقيق ، يريهم شدته وقوته (٨).

__________________

(١) السمن : الكثير اللحم والشحم ، فهو سامن وسمين ، والغلظ : هو خلاف الرقيق ، انظر كتب اللغة ومن ذلك : المعجم الوسيط مادة (سمن ، غلظ).

(٢) أي أخذ ورفع.

(٣) في (ب) : للسكة.

(٤) نهاية الصفحة [٣٥٧ ـ أ].

(٥) هو العمود الذي يعلق فيه الميزان.

(٦) في (ب) : مراهق وفي عنفوان بلوغه.

(٧) في (ب ، ج ، د) : امترئ.

(٨) انظر : الحدائق الوردية (ترجمة صاحب الترجمة) مصورة عن الأصل متداولة ، وسيرة الإمام الهادي العلوي مصدر سابق.

٥٧٣

وسمعت (١) محمد بن علي بن سليمان الرسي رحمه‌الله يحكي عن ابن محمد بن القاسم بن إبراهيم أن يحيى بن الحسين كان غلاما حزورا (٢) بالمدينة ، وأن طبيبا نصرانيا كان يختلف إلى أبيه الحسين بن القاسم على حمار له يعالجه في مرض كان به ، فنزل عن الحمار يوما ، وتركه على الباب ، ودخل ، فصعد يحيى بن الحسين عليه‌السلام بالحمار السطح «فلما خرج الطبيب فقد الحمار ، فقيل له : صعد يحيى به السطح» (٣) ، فتحير الرجل ، فقيل له : نسأله أن ينزله ، فإن المثل السائر على أفواه الناس أنه إنما ينزل الحمار من صعد به ، فسألوه «إنزاله» (٤) فأنزله ، ودميت بنانه فبلغ ذلك أباه ، فزبره ، وخاف عليه العين (٥).

وقيل : إنه كان أسديا (٦) ، أنجل العينين (٧) ، واسع الساعدين غليظهما ، بعيد ما بين المنكبين والصدر ، خفيف الساقين والعجز (٨) ، كأنه الأسد ، وذلك أقوى بشر في الناس (٩).

وباشر الحروب والوقائع ، والطعن والضرب ، وتلقى أهوال الحروب بنفسه ، ما يأتي بعضه بعد هذا.

وسمعت بعض أصحابه أنه كان يخرج في المفازة وحرمه على البعير فانقلب البعير بحرمه ، فغدا هو خلفه ليقف البعير ، فلم يقدر حتى أخذ بذنب البعير فأوقفه (١٠) ، وأمر أهله بالنزول ، فلما نزلوا انفصل الذنب مع النصف من البعير بعروقه.

__________________

(١) القائل : علي بن بلال المتمم.

(٢) الحزور الغلام الذي قد شبّ وقوى. والحزوّر : الغلام القوي والرجل القوي ، المعجم الوسيط. مادة (حزحز).

(٣) ساقط في (أ).

(٤) ساقط في (أ).

(٥) زبره عن الأمر : منعه ونهاه. وعند لفظ : العين نهاية الصفحة [٣٥٨ ـ أ] ، والعين معروفة ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «العين حق».

(٦) في (د) : أسدا.

(٧) النجل بالتحريك : سعة العين.

(٨) في (أ) : الفخذ.

(٩) انظر كتاب الشافي (١ / ١ / ٣٠٣).

(١٠) في (أ، د) : ووقفه.

٥٧٤

وسمعت أيضا أنه حين دخل آمل (١) كان خفه عند الإسكاف فلاحه الإسكاف ، وجفاه ، فأخذ خفا من «خفافه» (٢) وقت خروجه ، ورفع العارضة (٣) بيده من الأسطوانة ، «وجعل بعض الخف تحت العارضة» (٤) وبعضه معلقا ، ففقد الإسكاف الخف ، وظن أنه سرق ، وتعلق بإنسان.

قال يحيى : لا عليك خفك تحت العارضة ، فنظروا فتعجبوا ، فسألوه الإخراج له فرفع يده (٥) وأخرج الخف ، فبلغ صاحب السلطان شجاعة أعرابي فتعلق به ، وقال : إن لك لشأنا ، وما أنت إلّا رجل ممن يحذر السلطان جانبه ، فسأله يحيى الإفراج عنه ، فأبى وقال له : أرني من شجاعتك شيئا.

فقال : هل يحضر في الحال شيء يمكن لي أن أريك؟

فقال : ليس معي إلّا دنانير عتق (٦) ، فأخذ بعض الدنانير فقطعه ببنانه قطعا ، فأفرج الرجل عنه.

وسمعت أنه كان يخرج في المفازة على نجيب (٧) فجاءه أعرابي ليسلب منه شيئا ، فدافعه (٨) فأبى ، فأخذ بيده شيئا ، وقال : تعال وخذ هذه الدنانير ، فقال : ألقها إليّ ، فقال : تعال وخذها ، فذهب الرجل فأخذ بيده الأخرى وغدا مع الإبل ، فأداره حتى قطعه قطعة قطعة.

__________________

(١) إحدى نواحي طبرستان ، وهي قصبة طبرستان ، كان في القديم أول طبرستان آمل ثم ما مطير وبينها وبين آمل ستة فراسخ ، انظر معجم البلدان (٤ / ١٣ ـ ١٦).

(٢) ورد في الأصل : أخفافه.

(٣) العارضة : الثنية من الأسنان ، والخشبة العليا التي يدور فيها الباب ، يقال : هو قوي العارضة : ذو جلد وصرمة وقدرة على الكلام ، وذو بديهة ورأي جيد ، جمعها عوارض والعوارض.

(٤) ساقط في (أ).

(٥) في (ج) : بيده.

(٦) عتق الشيء عتقا قدم ، فهو عاتق وعتيق ، وبلغ نهايته ومداه ، وعتق المال صلح ، والمعنى دنانير قديمة أو صالحة للاستخدام.

(٧) وقوله : على نجيب ، النجيب البعير والفرس إذا كانا كريمين عتيقين.

(٨) نهاية الصفحة [٣٥٩ ـ أ].

٥٧٥

[بعض أخباره من سيرته للعباسي] (١)

قال أبو الحسن علي بن بلال جملة من أخبار الهادي إلى الحق المنتخبة من كتاب (السيرة) التي جمعها (٢) علي بن محمد بن عبيد الله العباسي ، وكان عليه‌السلام يسكن الفرع (٣) من أرض الحجاز مع أبيه وأعمامه وبني عمه مقبلا على العلم والدرس ، مواظبا على النظر في الفقه ، مثابرا على عبادة ربه.

[وفود أهل اليمن إليه (ع) المرة الأولى]

إلى أن وافاه وفد أهل اليمن يدعونه إلى بلادهم ، ويعدونه النصرة والمعونة والتأييد والمواساة بأنفسهم وأموالهم ، وجمع أيديهم إلى يده على إحياء دين الله وسنة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومجاهدة أعداء الله وأعداء دينه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك في سنة أربع وثمانين ومائتين ، فنهض معهم وأجاب دعوتهم وأغدى السير حتى وافى صعدة (٤) من أرض اليمن فأظهر أهلها السرور بمقدمه ، واجتمعوا إليه وبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقام بين

__________________

(١) السيرة : هي سيرة الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه‌السلام رواية علي بن محمد بن عبيد الله العباس العلوي ابن عم الهادي وصاحبه ، قام بتحقيقها د. سهيل زكار مدرس التاريخ الإسلامي بجامعة دمشق ، وقد صدرت الطبعة (٢) منها عام (١٤٠١ ه‍ / ١٩٨١ م). وما اقتبس الشيخ علي بن بلال من سيرة صاحب الترجمة راجعه في السيرة المذكورة ص (٣٦) وما بعدها.

(٢) في (أ) : الذي جمع.

(٣) قرية من نواحي المدينة عن يسار السقيا ، بينها وبين المدينة ثمانية يرد على طريق مكة ، وقيل أربع ليال ، بها نخل ومياه كثيرة ، انظر : معجم البلدان (٤ / ٢٥٢).

(٤) مدينة تاريخية في الشمال من صنعاء بمسافة (٢٤٣ ك. م) ، كانت تسمى قديما باسم (جماع) ، ولها تاريخ عظيم ، انظر : معجم المقحفي (٣٩٠ ـ ٣٩١) ، الروض المعطار (٣٦٠ ـ ٣٦١) ، نزهة المشتاق (٢٠) ، صبح الأعشى (٥ / ٤١) ، تقويم البلدان (٩٥) ، معجم البلدان (٣ / ٤٠٦) ، معجم الحجري (٢ / ٤٦٧) ، الموسوعة العربية الميسرة ص (١١٢٣) ، المنجد في اللغة العربية والأعلام. الأعلام ص (٤٢٣) ، اليمن الكبرى (١٧٧) ، صفة جزيرة العرب ص (١١٥ ، ١١٦) ، اليمن الخضراء (١ / ٧٥) ، معالم الآثار (١٨).

٥٧٦

أظهرهم شهرا ، آمرا بالمعروف ، وناهيا عن المنكر ، عاملا بكتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوجدهم نافرين منه مزورّين (١) عنه قد ثقل عليهم الحق ومالوا إلى الباطل ، واتبعوا الهوى فجهد رضي الله عنه في تقويمهم ورياضتهم ، وحرص على إرشادهم وهدايتهم (٢) ، فتصعبوا عليه ولم يجد فيهم إلى ما حاول مساغا ، ولا إلى تقويمهم وإصلاحهم سبيلا ، فلم ير فيما بينه وبين الله تعالى المقام بين أظهرهم ، فانصرف عنهم على سبيل خفية ، واتخذ الليل جملا ، وانشمر إلى بلاده (٣) ، وأغذ المسير وطوى المراحل والمنازل حتى عاد إلى وطنه من أرض الحجاز ، فأقام بها مع جماعة أهله جاريا على عادته في طلب العلم والنظر في الحلال والحرام والسنن والأحكام والآثار والأخبار مجدا له مواظب عليه.

[توجه الوفد إلى الإمام الهادي (ع) مرة أخرى]

فندم أهل اليمن على ما فرط «منهم» (٤) من مخالفته ، والعدول عن أمره ، وتلاوموا بينهم ، واتفقوا على أن يوجهوا إليه من كل قبيلة رجالا معروفين من خيارهم وصلحائهم فيسألونه العودة إليهم ، ويعلمونه ندمهم على ما فرط منهم ، والتوبة والإنابة مما قد أقدموا عليه من ترك طاعته ، وأنهم قد تعاقدوا وعاهدوا الله عزوجل على أن يأتمروا بأمره ويسارعوا إلى نصرته ويبادروا إلى ما يدعوهم إليه ويبعثهم عليه ويندبهم له من مجاهدة الظالمين ومنابذة الفاسقين.

فقدم الوفد عليه وأدوا إليه ما تحملوا عمن ورائهم من جماعتهم ، وسألوا وتضرعوا وألحوا ، فلم ير الهادي رضي الله عنه أن يتقاعد عنهم ويتأخر عما دعوه إليه وبعثوه عليه ، فصرف الوفد عنه أحسن صرف ، ووعدهم أن يخرج إليهم ولا يتأخر عنهم ، وأقام بعد خروجهم من عنده

__________________

(١) أي مائلين عنه ومنحرفين عما يدعو إليه.

(٢) نهاية الصفحة [٣٦٠ ـ أ].

(٣) أي انصرف عنهم ، وصار إلى بلده الحجاز جبل الرس ، تقول : شمّر في الأمر خف ونهض ، وللأمر تهيأ ، وأشمر الدابة ساقها وأعجلها. وانشمر مطاوع شمره ، أي مرّ جادّا ، انظر معاجم اللغة.

(٤) ساقط في (أ).

٥٧٧

أياما فأصلح من أمره وعهد إلى أهله ، ثم خرج في جماعة من بني عمه وبني أبيه ، وعدة من ثقاته (١) وخدمه حتى وافى أرض اليمن (٢).

[دخوله صعدة وبيعته] (٣)

ونزل منها صعدة واجتمع إليه أهلها ، ومن حولها من خولان وهمدان وبني الحارث بن كعب ، وبني عبد المدان (٤).

وكانت بينهم فتنة عظيمة ، وعداوة قديمة يقتل بعضهم بعضا ، ويغير بعضهم على بعض ، فدعاهم الهادي رضي الله عنه إلى الهدى ، وذكّرهم بأيام الله وزجرهم عما كانوا عليه ، ونهاهم عن الفتنة والمعصية ، ووعظهم بأبلغ المواعظ ، وأحسن الخطاب ، فسارعوا إلى قبول قوله ، وبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإحياء معالم الدين (٥) ، ومجاهدة الظالمين ، ومباينة الفاسقين ، واختلط بعضهم ببعض وصاروا ـ ببركته ـ بعد الفرقة والعداوة المفرطة إخوانا متحابين ، وتداعت إليه قبائل اليمن فبايعه أكثرهم ، وفاء إلى طاعته جمهورهم (٦).

__________________

(١) نهاية الصفحة [٣٦١ ـ أ].

(٢) كان ممن خرج معه محمد بن عبيد الله العلوي ، والإمام عبد الله بن الحسين ـ أخو الإمام الهادي ـ علي محمد بن عبيد الله العلوي ، ومحمد بن سليمان الكوفي ، وغيرهم يطول ، انظر سيرة الإمام الهادي ص (٣٧) وما بعدها.

(٣) قال في سيرة صاحب الترجمة : «قال محمد بن عبيد الله : فوصلنا إلى صعدة لستة أيام خلون من صفر من سنة ٢٨٤ ه‍ ، فقدمنا على خولان وبينهم فتنة عظيمة ، ثم ابتدأ وخطب خطبة عظيمة بليغة ... فبايعوه في موضعه ذلك واختلط الفريقان جمعيا وكبروا ودخلوا بأجمعهم صعدة ، كأن لم يكن بينهم فتنة» ، انظر : سيرة الإمام الهادي ص (٤١ ـ ٤٣).

(٤) خولان : من أشهر قبائل اليمن وتنقسم إلى ثلاثة أقسام : خولان صنعاء ، وحولان صعدة ، وقضاعة وهو المقصود هنا ، انظر : معجم المقحفي (٢٢٨ ـ ٢٣٢) ، الحجري (٢ / ٣١٣ ـ ٣٢٢) ، (٢ / ٤٦٧) وما بعدها. أمّا همدان : فمن أشهر قبائل اليمن وهم ولد ابن أوسلة بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ، قال شرف الدين : (وهي من أمنع القبائل الكهلانية وأكثرها عددا ، وتحتل رقعة واسعة من اليمن تبدأ من شمال صنعاء وتنتهي بصعدة شمالا ، ومن مأرب شرقا إلى البحر الأحمر غربا) ، انظر : معجم المقحفي (٧٢٥ ـ ٧٢٩) ، معجم الحجري (١ / ٣١٣ ـ ٣٢٢) ، تاريخ اليمن الثقافي (١ / ٥٤ ، ٤٦ ، ٦٦) ، صفة جزيرة العرب ص (١٢٦) ، الإكليل (١٠). أمّا بنو الحارث : فهي قبيلة من ولد الحارث بن كعب بن علة بن جلد بن مذحج ، وهو مالك بن زيد بن عمرو بن غريب بن زيد بن كهلان ، وتقع ديارها شمال صنعاء ، وهي خمسة أقسام ، انظر : معجم الحجري (١ / ٢٠٨ ـ ٢١٣) ، تاريخ اليمن الثقافي (١ / ٥٧) اليمن الكبرى (١٦٦) ، معالم الآثار (٢٥) ، معجم قبائل العرب (١ / ٢٢٦ ـ ٢٣٢ ، ٢٣٣) ، المقحفي ص (١٥٥ ـ ١٥٦). أمّا بنو عبد المدان : فهم من أشراف اليمن من بني الحارث بن كعب ، انظر : معجم الحجري (٢ / ٦٩٧ ـ ٧٣٤ ـ ٧٣٨).

(٥) في (أ) : الله.

(٦) انظر : سيرة صاحب الترجمة ص (٤١) وما بعدها.

٥٧٨

[توبة أبي العتاهية]

وتاب أبو العتاهية على يديه ، وفاء إلى طاعته ، وهو ملك صنعاء والشام ، وأكثر مخاليف [و] رساتيق اليمن (١) ، وسلم إليه ما كان في يده من الممالك والأموال والأثاث وتزهد ولم يزل يجاهد معه أعداءه ويحرض ويجد في نصرته وإعزاز دعوته ، حتى استشهد بين يديه في بعض أيامه وحروبه (٢) رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه.

وأقام الهادي إلى الحق عليه‌السلام فيما بينهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويجاهد بمن أطاعه من تولى عنه من الجبارين الظالمين ويقاتل القرامطة والمارقين.

وكان عليه‌السلام إماما سابقا فاضلا (٣) فقيها عالما بكتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاملا بهما ، غير عادل (٤) «عنهما» (٥) إلى غيرهما ، ورعا دينا زاهدا ناصحا جوادا سخيا كريما مبرّزا في جميع الخصال المحمودة المقربة إلى الله جل جلاله.

[مؤلفاته]

وله كتب ومصنفات في الدين والشرع ، منها كتابه الجامع المسمى كتاب الأحكام في الحلال والحرام ، والسنن والأحكام ، قد ضمنه ما يحتاج إليه من (٦) أصول الدين وشرائع الإسلام ما أعلم لأحد من أهل بيت رسول الله كتابا في الفقه أجمع وأكثر فائدة منه ، وغيره من الكتب في الشرائع والأديان (٧).

__________________

(١) ملك صنعاء هو أبو العتاهية ، ورساتيق : المقصود بها محلات وقرى اليمن ، والشام المقصود به شام صعدة.

(٢) في (أ) : وحروبه لصنعاء.

(٣) نهاية الصفحة [٣٦٢ ـ أ].

(٤) أي المائل.

(٥) ساقط في (أ).

(٦) في (أ) : في.

(٧) للإمام الهادي العديد من المؤلفات لا يتسع المقام هنا لسردها تفصيلا.

٥٧٩

[شجاعته وبعض حروبه]

وكان رضي الله عنه شجاعا بطلا مقداما نجدا قويا أيدا ، شديد البطش ، لم يكن في زمانه له شبيه ولا نظير ، ولا في البأس والنجدة مثيل ، ولا عديل ، وله وقائع مشهورة ، وأيام معروفة ومقامات محمودة ، وحروب معلومة ، قتل فيها صناديد الفرسان بيده ، وهزم الجمع الكثير ، والجم الغفير بالقدر اليسير ، وله ضربات مشهورة قد ذاع نبؤها ، وشاع خبرها في القريب والبعيد ، ضرب رجلا من بني الحارث بن كعب في بعض أيامه بسيفه في وسطه فقده نصفين ، وطعن فارسا في بعض حروبه في ظهره وعليه الدرع فأنفذ السنان من صدره ووصل (١) إلى قربوس سرجه فهشمه وحطمه.

وتداعت في بعض مغازيه عليه جماعة لا تحصى كثرة من بني الحارث (٢) وغيرهم وهجموا عليه ، وهو غار غافل وهو في دار من دور قرية تعرف بهجر في نجران (٣) فتفرق عنه أصحابه وخذله أكثرهم ولم يبق معه إلّا نفر (٤) من المهاجرين من أهل طبرستان من الكلارية والديالم (٥) ، فلبس سلاحه وركب فرسه وأمر بفتح باب الدار وخرج منها فحمل على القوم ، فضرب رجلا فأبان رأسه عن جسده ، وطعن آخر فنكسه صريعا ، وطعن آخر فألقاه على

__________________

(١) في (أ) : وأنفذ.

(٢) نهاية الصفحة [٣٦٣ ـ أ].

(٣) هي هجر نجران.

(٤) في (ب) : نفير.

(٥) نسبة إلى كلار ، وكلار مدينة في طبرستان ، وهي مما يلي الترمذ ، وبها أكراد وديلم وهم أهل فروسية ونجدة ، وكان بها جعفر ومحمد ابنا رستم ، وهما صاحبا ثغور طبرستان اللذان أقاما دولة الحسن بن زيد ، والديلم قبيلتان ، وخلفهم قبيل يقال لهم الجيل ، وقبيل يقال لهم الديلم ، والجيل ؛ وهم أهم الجبال خاصة ، انظر الروض المعطار ص (٤٩٤) ، نزهة المشتاق (٢٠٧) ، وياقوت «المعجم» مادة (كلار) ، وتقويم البلدان (٤٣٠) ، مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه تحقيق دي خويه. ليدن ١٨٨٥ م ص (٣٠٣). أمّا الديالمة فنسبة إلى الديلم ، والديلم متحصنون في جبال لهم منيعة وجبالهم ونواحيهم كثيرة المطر والشجر ، وأكثر ذلك في وجه الجبل الذي يقابل البحر ، وطبرستان وهم أهل زروع وسوائم ، وكان الديلم كفارا إلى مدة الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب فداخلتهم العلوية فأسلم أكثرهم.

الروض المعطار (٢٥٥) ، وقد سبق التنويه إلى طبرستان ، وأمّا في وقت الإمام الهادي إلى الحق يحيي بن الحسين رضي الله عنه فقد خرج معه الكثير من أهل الكلارية والديلم وطبرستان إلى اليمن في خرجته الثانية مناصرين له ومؤازرين له في قيامه ضد الظلم ، وإصلاح ما أفسدته العصبية القبلية في اليمن وما قد ظهرت من انتهاكات سلبية لدين الله بظهور القرامطة وعلى رأسهم علي بن الفضل.

٥٨٠