🚘

المصابيح

الإمام أبو العباس الحسني

المصابيح

المؤلف:

الإمام أبو العباس الحسني


المحقق: عبدالله بن عبدالله بن أحمد الحوثي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية
الطبعة: ٢
الصفحات: ٦٧٢
🚘 نسخة غير مصححة

قال : ثم لحقنا يحيى بن زيد عليه‌السلام وأرسل إلى عمرو بن زرارة أن انصرف عني فإني لست أريدك ولا أريد شيئا من عملك ، وإنما أريد بلخا وناحيتها ولا أريد مروا فتنح عني.

فقال عمرو بن (١) زرارة : لا والله لا يكون ذلك أبدا إلّا أن تعطي بيدك وتدخل في الأمان ، وإلا قاتلتك.

قال : فكأني أنظر إلى يحيى عليه‌السلام وأسمع صوته من خلفي وهو ينادي : الجنة .. الجنة .. يا معشر المسلمين الحقوا بسلفكم الشهداء المرزوقين (رحمكم الله).

قال : ثم تحمّل عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا.

قال : واستقبلنا عمرو بن زرارة يصيح بأصحابه. قال : فما كانت إلّا إياها حتى قتل عمرو بن زرارة ، وانكشف أصحابه وأخذوا الطريق حتى أتى يحيى بن زيد عليه‌السلام الجوزجان (٢) ، ثم لحق بعد قوم من الزيدية بيحيى عليه‌السلام ، قال : وكانوا قريبا من خمسين ومائة رجل.

[حثه (ع) لأصحابه على الجهاد]

[٥] حدثنا أبو العباس عن ابن محمد التنوخي ، بإسناده عن سلمة بن عامر الهمداني ، قال : لما وافق سلم بن أحوز (غضب الله عليه) يحيى بن زيد عليهما‌السلام أقبل يحيى على أصحابه ، فقال : يا عباد الله ، إن الأجل محضره الموت ، وإن الموت طالب حثيث لا يفوته الهارب ، ولا يعجزه المقيم ، فاقدموا (رحمكم الله) على عدوكم والحقوا بسلفكم ، الجنة .. الجنة ، اقدموا ولا تنكلوا ، فإنه لا شرف أشرف من الشهادة ، فإن أشرف الموت قتل في سبيل الله ، فلتقر بالشهادة أعينكم ، ولتنشرح للقاء الله صدوركم ، ثم نهد (٣) إلى القوم فكان والله أرغب أصحابه في القتل في سبيل الله جل ثناؤه.

__________________

(١) نهاية الصفحة [٢٢٧ ـ أ].

(٢) انظر : تاريخ الطبري (٥ / ٥٣٦ ـ ٥٣٨) ، مقابل الطالبيين ص (١٤٩) الكامل لابن الأثير (٤ / ٢٥٩ ـ ٢٦٠).

(٣) نهد إلى القوم : شرع في قتاله.

٤٢١

[استشهاد يحيى بن زيد عليهما‌السلام]

[٦] حدثنا أبو العباس رحمه‌الله ، بإسناده عن أبي القاسم ، وعن جابر بن عون قالا (١) : قتل يحيى بن زيد بن علي عليهم‌السلام (٢) ، بالجوزجان ، قتله سلم بن أحوز (غضب الله عليه) وكان مع يحيى بن زيد عليهما‌السلام يومئذ مائة وخمسون رجلا ، وكان مع سلم بن أحوز عشرة آلاف رجل ، فقتل يحيى بن زيد عليه‌السلام وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم (٣).

قال جابر بن عون : استشهد يحيى بن زيد عليه‌السلام يوم الجمعة بعد الصلاة (٤) ، فأخذ رأسه (٥) فبعث به إلى نصر بن سيار ، وبعث به نصر إلى الوليد بن يزيد ، وصلب يحيى عليه‌السلام على باب مدينة الجوزجان ، بقرية يقال لها ارعوى (٦) ، قال : وذلك في سنة خمس وعشرين ومائة (٧).

__________________

(١) في (ب) : قال.

(٢) نهاية الصفحة [٢٢٨ ـ أ].

(٣) انظر : مقاتل الطالبيين ص (١٤٩).

(٤) وقيل : كان استشهاده عشية الجمعة ، إحدى ليالي شهر رمضان من سنة (١٢٦ ه‍) ، وقيل : (١٢٥ ه‍) ، انظر : الشافي (١ / ١ / ١٩٠) ، الإفادة (٧١) ، الطبري (٥ / ٥٣٦ ـ ٥٣٨).

(٥) في (ب ، ج ، د) : وأخذ رأسه.

(٦) وقيل : درغويه ، أرعونة ، قال الحميري في معجمه (الروض المعطار في خبر الأقطار) أثناء تعريفه بالجوزجان : وفيها قتل يحيى بن زيد بن علي سنة (١٢٥ ه‍) ، وصلب وأظهرت شيعة ابن العباس لبس السواد لسببه ، وأبوه زيد هو المقتول المصلوب بكناسة الكوفة ، فلما كان في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك ظهر ابنه يحيى بن زيد ، هذا بخراسان بالجوزجان فيها ، فكتب الوليد إلى عامله بالكوفة أن أحرق زيدا بخشبة ففعل ذلك وأذري في الرياح على شاطئ الفرات ، وإليه تنسب الزيدية ، ولما قام يحيى منكرا للظلم وما عم الناس من الجو صير إليه نصر بن سيّار سلم بن أحوز المازني فقتل يحيى في المعركة بقرية يقال لها درغوية ، ودفن هناك ، وقتل بسهم أصاب صدعه فولى أصحابه واحتز رأسه فحمل إلى الوليد ، وصلب جسده بالجوزجان ، ولم يزل مصلوبا إلى أن خرج أبو مسلم صاحب الدعوة العباسية ، فقتل سلم بن أحوز وأنزل جثة يحيى فصلى عليها ودفنت هناك ، وأظهر أهل خراسان النياحة على ابن زيد سبعة أيام في سائر عمائرها في حال أمنهم على أنفسهم من سلطان بني أميّة ، ولم يولد في تلك السنة مولود بخراسان إلّا سمي بيحيى أو زيد ، لما دخل أهل خراسان من الحزن عليهم ، وكان ظهور يحيى في آخر سنة خمس وعشرين أو في سنة ست وعشرين ومائة ، الروض المعطار ص (١٨٢) ، وانظر أيضا : مقاتل الطالبيين ص (١٤٩ ـ ١٥٠) ، المحبر لابن حبيب ط الهند (١٣٦١ ه‍) ص (٤٨٤) ، زهر الآداب للحصري ط القاهرة سنة (١٣٥٠ ه‍) (١ / ١١٩) ، الإفادة (٧٠) وما بعدها ، الحدائق الوردية (مصدر سابق في أول ترجمته) ، تأريخ الطبري (٥ / ٥٣٦ ـ ٥٣٨) ، الكامل لابن الأثير (٤ / ٢٤٧ ـ ٢٤٨) وانظر الفهرس ص (٤٧٣) ، شرح شافية أبي فراس (١٥٤) ، ومروج الذهب (مصدر سابق في أول ترجمته) ، المعارف (٩٥).

(٧) في الإفادة : أنه استشهد يوم الجمعة أحد أيام شهر رمضان من سنة (١٢٦ ه‍) ، وقال : وقيل سنة (١٢٥ ه‍) وصلب بدنه على باب مدينة الجوزجان ، وكان عمره يوم استشهد (٢٨ سنة). وقد دفن بعد صلبه بأنبير ، وقيل : في قرية تقابلها ومشهده معروف بالجوزجان مزور ، الإفادة ص (٧١ ، ٧٢).

٤٢٢

قال جابر : فلم يزل يحيى مصلوبا (١) حتى ظهرت المسودة (٢) بخراسان ، فأتوه فأنزلوه من خشبته فغسلوه وحنطوه وكفنوه ودفنوه ، وولي ذلك منه خالد بن إبراهيم بن داود البكري (٣) وحازم بن خزيمة التميمي (٤) وعيسى بن ماهان (٥).

قال : وكان أبو مسلم (٦) يتتبع قتلة يحيى بن زيد بن علي عليهم‌السلام فقيل له : إن أردت ذلك فعليك بالديوان ، فدعا أبو مسلم بالجرائد ، فنظر من شهد قتل يحيى بن زيد عليه‌السلام فلم يدع أحدا منهم إلّا قتله (٧) ، وأبو مسلم هو صاحب الدولة الذي كان زوال ملك بني أمية على يديه.

__________________

(١) في (أ، د) : فلم يزل مصلوبا.

(٢) هم الذين حاربوا بقيادة أبي مسلم الخراساني من أجل العباسية ، وبما أن لون لباسهم كان أسود لذلك عرفوا بالمسودة في خراسان ، انظر موسوعة الفرق الإسلامية ص (٤٧٠) ، (٧٣).

(٣) قيل : اسمه خالد بن إبراهيم أبو داود البكري من بني شيبان بن ذهل ، انظر : الكامل (٤ / ١٥٩ ، ٢٢٢ ، ٣٠٢ ، ٣١٠ ، ٣١٢ ، ٣١٣ ، ٣٤١ ، ٣٤٣ ، ٣٤٤ ، ٣٥٢ ، ٣٥٧ ، ٣٥٨ ، ٣٥٩ ، ٣٦٣ ، ٣٦٤) ، (٥ / ١٣٧). ومقاتل الطالبيين (١٥٠).

(٤) انظر : المقاتل (١٥٠). المحبر (٤٨٤) ، الكامل لابن الأثير (٤ / ٢٦٠) ، العقد الفريد (٣ / ٣٢٨).

(٥) هو عيسى بن ماهان أبو جعفر الرازي ، عالم السري ، يقال : إنه ولد بالبصرة ، ولد في حدود (٩٠ ه‍) وحدث عن عطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وجماعة. وحدث عنه ابنه عبد الله ، وأبو أحمد الزبيري وغيرهم ، قال ابن معين : ثقة ، وقال أبو حاتم : ثقة صدوق ، وقال غيرهم خلاف ذلك ، توفي في حدود (١٦٠ ه‍) ، انظر : طبقات خليفة (٣٢٤) ، التاريخ الكبير (٦ / ٤٠٣ ـ ٤٠٤) ، تهذيب التهذيب (١٢ / ٥٦ ـ ٥٧) ، سير أعلام النبلاء (٧ / ٣٤٦).

(٦) هو عبد الرحمن بن مسلم ، وقيل : ابن عثمان بن يسار الخراساني ، الأمير أبو مسلم ، صاحب الدعوة وهازم جيوش الدولة الأمويّة ، والقائم بإنشاء الدولة العباسية ، مولده سنة (١٠٠ ه‍) ، انظر : سير أعلام النبلاء (٦ / ٤٨ ـ ٧٣) ، الطبري (٦ / ٤٠٥) (٧ / ١٢٩ ، ١٩٨ ، ٢٢٧ ، ٢٢٩ ، ٢٤٤ ، ٢٥٣ ، ٢٧٠ ، ٢٧٧ ، ٢٩٢ ، ٤٧٩). البدء والتاريخ (٦ / ٧٨ ، ٩٥) ، تاريخ بغداد (١٠ / ٢٠٧) ، موسوعة الفرق الإسلامية ص (٧٣) وما بعدها.

(٧) انظر : مقاتل الطالبيين (١٥٠) ، والمحبر (٤٨٤) ، والكامل لابن الأثير (٤ / ٢٦٠).

٤٢٣

[(١١) الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية)] (١)

(٩٣ ه‍ ـ ١٤٥ ه‍ / ٧١٢ م ـ ٧٦٢ م)

[فضله وزهده وشجاعته (ع)]

[٧] حدثنا أبو العباس رحمه‌الله بإسناده عن غالب بن حفص الأسدي ، قال : سمعت عيسى بن زيد بن علي عليهم‌السلام يقول : لو أن الله جل ثناؤه أخبرنا في كتابه أنه يكون من بعد

__________________

(١) انظر : التحف (٧٧ ـ ٨٥) ، الشافي (١٩٢ ـ ١٩٩) ، طبقات الزيدية (رهن التحقيق) ، الإفادة (٧٣ ـ ٨٠) ، مقاتل الطالبيين (٢٠٦) وما بعدها ، دول الإسلام (١ / ٧٣) ، تهذيب التهذيب (٩ / ٢٥٢) ترجمة رقم (٦٢٨٨) ، تاريخ خليفة (٤٢١ ، ٤٢٣ ، ٤٣٠) ، طبقات خليفة (٢٦٩) ، التاريخ الصغير (١ / ٢٨٧ ، ٢ / ٨٢) ، تاريخ الطبري ، حوادث سنة (١٤٥ ، ١٤٦ ، ١٤٧ ه‍) ، الجرح والتعديل (٧ / ٢٩٥ ت ١٦٠٢) ، الكامل في التاريخ لابن الأثير حوادث سنة (١٤٥ ، ١٤٦ ، ١٤٧ ه‍) ، تهذيب الكمال ترجمة (٥٣٣٨) ، ميزان الاعتدال (٣ / ٥٩١) ، تاريخ الإسلام للذهبي (٦ / ١٢١) ، الوافي بالوفيات للصفدي (٣ / ٢٩٧) ، خلاصة تهذيب الكمال (٣٤٤) ، شذرات الذهب (١ / ٢١٣) ، سير أعلام النبلاء (٦ / ٢١٠ ـ ٢١٨) ، الأعلام (٢٢٠) ، طبقات ابن سعد (٥ / ٤٣٨) ترجمة رقم (١٢٩٣) ، وقال في التقريب : (ثقة) ، التقريب ت (٦٠٢٩) ، التاريخ الكبير (١ / ت ٤١٨) ، والكاشف (٣ / ت ٥٠١٨) ، والميزان (٣ / ت ٧٧٣٦) ، العقد الفريد (٥ / ٣٣١ ـ ٣٣٦ ، ٣٨ ـ ٣٤٠) ، (٧ / ٩٩) ، (٨ / ١٣٩) ، ابن أبي الحديد (١ / ٣٢٣ ـ ٢٢٥) ، مروج الذهب (٢ / ١٦٩ ـ ١٧٠) ، البداية والنهاية (١٠ / ٨٢ ـ ٨٧) ، أخبار فخ الفهرس ص (٣٧١) ، حركة النفس الزكية. محمد سليمان العيدة. الكويت (١٩٨٣ م) ، العباسيون الأوائل : فاروق عمر (١٦٢ ـ ٢١٢) ، بحوث في التاريخ العباسي. فاروق عمر (٩٢ ـ ١١١) ، سياسة المنصور ، حسن فاضل العاني (٢٥٥ ـ ٣٢٤) ، ابن خلدون (٣ / ١٩٠) وفيه أن الإمامين مالكا ، وأبا حنيفة كانا يريان إمامة النفس الزكية أصح من إمامة المنصور ... إلخ ، الجامع الوجيز للجنداري (خ) ، الاستقصاء (١ / ٦٦) ، معجم الشعراء للمرزباني (٤١٨) ، جمهرة الأنساب (٤٠).

٤٢٤

محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبي لقلنا : إن ذلك محمد بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه (١).

[٨] حدثنا أبو العباس بإسناده عن أبي خالد (٢) ، قال : كنت أنا والقاسم بن مسلم السلمي (٣) «نسير» (٤) حتى انتهينا إلى أرض ينبع (٥) ، ونحن نريد محمد بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه فهجمنا عليه وعليه كساءان قد اتزر بواحد والتحف بالآخر (٦).

فقال له القاسم : جعلت فداءك يا أبا عبد الله ، إن الناس يقولون : إن صاحبكم حدث السن ليس له ذلك الفقه.

قال : فرأيته تناول سوطا من الأرض ثم قال : يا قاسم بن مسلم ، ما يسرني أن الأمة اجتمعت علي فكانت كعلاقة سوطي هذا ، وأني سئلت عن باب حلال أو حرام لم آتي بالمخرج منه ، يا قاسم بن مسلم إن أضل الناس من ادعى أمر هذه الأمة ثم يسأل (٧) عن باب حلال أو حرام لم يأت بالمخرج منه (٨).

__________________

(١) الخبر في المقاتل ص (٢٢٣) عن غالب الأسدي ، قال : سمعت عيسى بن زيد يقول : لو أنزل الله على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه باعث نبيا لكان ذلك النبي محمد بن عبد الله بن الحسن.

(٢) في أصولي : أبو خالد. أما سند أبي العباس إلى أبي خالد فهو : أخبرنا أبو زيد العلوي قال : حدثنا محمد بن منصور قال : حدثنا أحمد بن عيسى عن الحسين بن علوان عن أبي خالد الواسطي ، وفي المقاتل : الخبر أخرجه الأصبهاني قال : حدثنا بكار بن أحمد قال : حدثنا الحسن بن الحسين قال : حدثني الحسن بن حماد قال : كان أبو خالد الواسطي ... إلخ. أبو خالد : هو أبو خالد الواسطي ، جامع مسند الإمام زيد وصاحبه ، وقد ورد في أصولي : أبو خلف. وهو تصحيف ، انظر : المقاتل ص (٢٥٨ ـ ٢٥٩).

(٣) القاسم بن مسلم السلمي كان مع أبي خالد الواسطي ، مع محمد بن عبد الله بن الحسن ، وكان من أصحاب زيد بن علي صلوات الله عليه ، وقال في الجرح والتعديل : القاسم بن مسلم ، مولى علي كوفي روى عن أبيه. روى عنه هاشم بن يزيد ، انظر مقاتل الطالبيين ص (٢٥٨ ، ٢٥٩).

(٤) ساقط في (ج).

(٥) عين ماء يمين رضوى لمن كان منحدرا من المدينة إلى البحر على ليلة من رضوى ومن المدينة على سبع مراحل ، وهي لبني حسن بن علي ، وكان يسكنها الأنصار وجهينة وليث ، وفيها عيون عذاب غزيرة ، انظر : معجم البلدان (٥ / ٤٥٠) ، الروض المعطار ص (٦٢١).

(٦) في (أ) : بآخر.

(٧) في (ب) : سئل.

(٨) مقولته في مقاتل الطالبيين ص (٢٥٨).

٤٢٥

وكان محمد بن عبد الله أيدا قويا (١) ، إذا صعد المنبر يتقعقع عنه المنبر (٢) ، وأنه أقل صخرة إلى منكبيه فحزروها (٣) ألف رطل (٤).

[٩] حدثنا أبو العباس بإسناده (٥) عن علي بن عثمان قال : حدثني أبي ، قال : كان من قصة محمد بن عبد الله بن الحسن عليه‌السلام أنه لما ولد سماه أبوه محمدا [إذ] تباشر به آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٦) ، موافقا اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واسم أبيه فأملوه ورجوه وسروا به ووقعت عليه المحبة ، وجعلوا يتذاكرونه في المجالس ، فقال في ذلك شاعرهم (٧) :

ليهنكم المولود من آل أحمد

إمام هدى هادي الطريقة مهتدي

يسوم أميّ الذل من بعد عزها

وآل بني العاص الطريد المشرد

فيقتلهم قتلا ذريعا وهذه

بشارة جدية علي وأحمد

هما أنبئانا أن ذلك كائن

برغم أنوف من عداة (٨) وحسد

أميّ فصبرا طال ما اصطبرت لكم

بنو هاشم آل النبي محمد (٩)

فشاع ذلك من أمر محمد بن عبد الله عليه‌السلام وسرّ به آل محمد ، ونشأ مأمولا في حالاته ، محمودا في منشئه ، فهيما في رأيه ، لبيبا في عقله ، مكرما في أهله ، معظما في الناس ،

__________________

(١) القوي الشديد ، المعجم الوسيط. مادة (آد).

(٢) في (ب ، د) : يتقعقع تحته المنبر.

(٣) أي وزنها.

(٤) انظر الشافي (١ / ١ / ١٩٩) ، مقاتل الطالبيين (٢٢١). ، ومعنى أحزروها : أي قدروها بالتخمين ، حزر الشيء حزرا أي قدرّه بالتخمين فهو حازر ، المعجم الوسيط (مادة : أحرز).

(٥) السند في (ب) حدثنا أبو العباس ، قال : حدثني رجل ثقة من بني هاشم ، قال : حدثني أحمد بن سعيد البغدادي وهو رجل من أهل العلم عن علي بن عثمان قال : حدثني أبي ... إلخ.

(٦) نهاية الصفحة [٢٣٠ ـ أ].

(٧) في (ب ، ج ، د) : وقال الشاعر في ذلك.

(٨) في بعض النسخ : بغاة.

(٩) في مقاتل الطالبيين ص (٢١٧) الشطر الأول من البيت هكذا :

أميّة صبرا طلما اطّرت لكم

٤٢٦

وأبوه عليه‌السلام حيّ ، واستقام حاله (١) وحديثه وسموه المهدي فكان لا يمر بملإ من الناس إلّا أظهروا له التعظيم والإكرام والتبجيل ، وفضّله عبد الله بن الحسن (٢) وأجلّه.

وجعل زوار المدينة من أهل العراق يأتونه للنظر إليه ، ويتحدثون فيه بأمره (٣) ، فقال فيه بعض شعرائهم (٤) :

إن المهديّ قام لنا وفينا

أتانا الخير وارتفع البلاء

وقام به عمود الدين حقا

وولىّ الجور وانكشف الغطاء

بنفسي يثرب من دار هاد

عليها من شواهده (٥) بهاء (٦)

نرى عزّ البهاء عليه فيها

ونور الحق يسطع والضياء

[خروجه (ع)] (٧)

ولما ظهر محمد بن عبد الله يدعو [إلى نفسه] أقام منتظرا ، وبايعه أهل بيته الأكابر

__________________

(١) في (ب ، ج) : واستفاض حاله.

(٢) هو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب والد صاحب الترجمة ، شيخ بني هاشم والمقدم فيهم ، وذا الكثير منهم فضلا وعلما وكرما ، قيل : انتهى كل حسن إلى عبد الله بن الحسن ، وكان يقال : من أحسن النّاس؟ فيقال :

عبد الله بن الحسن ، ويقال : من أفضل النّاس؟ فيقال : له العديد من الفضائل والسجايا ، قتل في محبسه بالهاشمية وهو ابن (٤٥ سنة) وذلك سنة (١٧١ ه‍) ، مقاتل الطالبيين ص (١٦٦ ـ ١٧١) ، الإصابة (٥ / ١٣٣) ، المعارف (٩٣) ، الأغاني (١٨ / ٢٠٤ ، ٢٠٥) ، ولمن اسمه عبد الله بن الحسن انظر مقاتل الطالبيين ص (١٧٨ ، ٤٠٩) وانظر الفهرس ص (٦١٠ ، ٦١١).

(٣) في (أ) : ويتحدثون بأمره.

(٤) الأبيات أورد منها الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة في كتابه الشافي (١ / ١ / ١٩٩) وقال : (وقال فيه بعض شعراء خراسان).

(٥) في (ب ، ج) : شواهدها.

(٦) نهاية الصفحة [٢٣١ ـ أ].

(٧) كان خروجه بالمدينة بعد استتاره دهرا طويلا ، وإنفاذه الدعاة إلى الآفاق ، وظهور دعوته بخراسان ، ومبايعة جمهور أهلها له لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة (١٤٥ ه) ، وروي في غرة رجب. الإفادة (٧٥).

٤٢٧

والأصاغر ، والهاشميون كلهم ، وكان أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (١) ممن يعظمه من قبل أن يكون الأمر منه (٢) ما كان من إفضاء الأمر والدولة «إليه» (٣) ، وتداعي الناس والقبائل وأهل الشرف واستخلف أخاه إبراهيم بن عبد الله عليه‌السلام وجعله على من هو دونه من الهاشميين واتسق الأمر وتلاءمت الدعوة ، وكان يكاتب الناس ، فكتب كتابا إليهم يدعوهم إلى نصرة الحق. قال : وهذه نسخة الكتاب على اختصاره.

[مكاتباته ودعوته]

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الله جل ثناؤه جعل في كل زمان خيرة ، ومن كل خيرة منتجبا (٤) ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته ، فلم تزل (٥) الخيرة من خلقه تتناسخ (٦) أحوالا بعد أحوال حتى كان منها صفوة الله محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ؛ اختصه الله بكرامته وأخرجه من خير (٧) خلقه قرنا فقرنا ، وحالا بعد حال محفوظا مجنبا سوء الولادات ، متّسقا بأكرم الآباء والأمهات ، فلو أن أحدنا في منزلته ، وعند الله في مثل حاله لاصطفاه ولأخرجه من مخرجه تبارك وتعالى ، ولكن نظر إليه برحمته ، واختاره لرسالته ، واستحفظه مكنون حكمته وأرسله بشيرا ونذيرا وداعيا (٨) إلى الله بإذنه «وقائدا إلى الله» (٩) وسراجا منيرا.

ثم قبضه الله إليه حميدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فخلف كتابه الذي هو هدي واهتداء ، وأمر بالعمل بما فيه ،

__________________

(١) انظر مقاتل الطالبيين (ص ٢١٢ ، ٢١٣) ، (٢٠٧) ، (٢٢٧) ، (٢٥٩) ، (١٨٨).

(٢) في (أ) : الأمر فيهم.

(٣) ساقط في (أ).

(٤) في (ب) : منتخبا.

(٥) في (د) : فيزل.

(٦) التناسخ هنا بمعنى انتقال الصفات الوراثية من جيل إلى جيل. انظر معجم الفرق الإسلامية (١٧٨ ـ ١٧٩).

(٧) في (ج) : خيرة.

(٨) نهاية الصفحة [٢٣٢ ـ أ].

(٩) ساقط في (أ).

٤٢٨

وقد نجم الجور وخولف الكتاب الذي به هدي واهتداء ، وأميتت السنة ، وأحييت البدعة ، ونحن ندعوكم أيها الناس إلى : الحكم بكتاب الله ، وإلى العمل بما فيه ، وإلى إنكار المنكر وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونستعينكم على ما أمر الله به في كتابه ، من المعاونة (١) على البر والتقوى.

واعلموا أيها الناس أنكم غير مصيبي الرشد بخلافكم لذرية نبيكم (٢) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووضعكم (٣) الأمر في غير محله ، فعازت لأحدكم (٤) بعد جماحها (٥) ، وتفرقت جماعتكم بعد اتساقها ، وشاركتم (٦) الظالمين في أوزارها لترككم التغيير على أمرائها ، ودفع الحق من الأمر إلى أوليائه ، فلا سهمنا وفيناه ، ولا تراثنا أعطيناه ، وما زال يولد مولودنا في الخوف ، وينشأ ناشئنا في القهر ويموت ميتنا بالذل والقهر والقتل بمنزلة بني اسرائيل ، تذبح أبناؤهم وتستحيا نساؤهم ، ويولد مولودهم في المخافة ، وينشأ ناشئهم في العبودية ، وإنما فخرت قريش على سائر الأحياء بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودانت العجم للعرب بادعائها لحقنا ، والفخر بأبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم منعنا حقه ، ودفعنا عن مقامه ، أما والله لو رجوا التمكين في البلاد والظهور على الأديان ، وتناول الملك بخلاف إظهار التوحيد ، وبخلاف الدعوة إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإذعان منهم بالقرآن ، لاتخذوا أساطير (٧) مختلقة بأهوائهم ، وعبدوا الأوثان بآرائهم ، ولاتخذوا (٨) من أنفسهم زعيما.

فاتقوا الله عباد الله ، وأجيبوا إلى الحق ، وكونوا عليه أعوانا لمن دعاكم إليه ، ولا تأخذوا بسنة بني إسرائيل إذ كذبوا أنبياءهم ، وقتلوا ذريتهم على أنها سنة كسنة تركبونها وعروة بعد عروة تنكثونها وقد قال الله جل ثناؤه في كتابه : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) [الانشقاق : ١٩].

__________________

(١) في (ب ، ج) : على المعاونة.

(٢) في (د ، أ) : لذريته فقط.

(٣) في (د) ووضع.

(٤) في (أ، ب ، ج) : فغارت عين أحدكم.

(٥) في (أ) : جموحها.

(٦) في (ب ، ج ، د) : وشركتم.

(٧) في (أ) أساطير الأولين ونهاية الصفحة [٢٣٣ ـ أ].

(٨) في (أ) : لا تجدوا.

٤٢٩

فاعرفوا فضل ما هداكم الله به وتمسكوا بوثائقه ، واعتصموا بعروته من قبل هرج الأهواء ، واختلاف الأحزاب ، وتنكب الصواب ، فإن كتابي حجة على من بلغه ، ورحمة على من قبله. والسلام (١).

[١٠] حدثنا أبو العباس رحمه‌الله بإسناده عن خالد بن مختار الثمالي قال الحسن بن الحسين : وكان خالد بن مختار خرج مع إبراهيم بن عبد الله وذهب بصره.

قال خالد بن مختار : جاء كتاب من محمد بن عبد الله بن الحسن إلى خواص أصحابه ، وأمرهم أن يقرءوه وهو : (٢)

[كتابه إلى خواص أصحابه]

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد :

فإن الله جل ثناؤه بعظمته ألزم نفسه علم الغيوب عن خلقه لعلمه أنها لا تصلح إلّا له ، ثم أنشأ خلقه بلا عون ، ودبر أمره بلا ظهير ، ابتدع (٣) ما أنشأ على غير مثال من معبود كان قبله ، ثم اختار لتفضيله بعلمه من ملائكته ورسله من ائتمنه على أسرار غيوبه ، لم تلاحظه في الملكوت عين ناظرة ، ولا يد لامسة ، متفرد بما دبر ، ذلكم الله رب العالمين.

إلى أن أخرج محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خير نسله ذوي العزم من الرسل تناسخه دوارج الأصلاب ، وتحفه (٤) طواهر الأرحام ، مبرأ من كل عهر ، مطهرا من كل سفاح ، تؤديه زواكي الأصلاب إلى مطهرات الأرحام ، حتى استخرجه خير جنين ، وأصحبه خير قرين ، أرسله بنور الضياء إلى أهل الظلم والكفر.

__________________

(١) نص دعوته أوردها حميد الشهيد في الحدائق الوردية (١ / ١٥٧ ـ ١٥٨). نسخة مصورة.

(٢) انظر : الحدائق الوردية (١ / ١٥٨ ـ ١٦١).

(٣) في (د ، ج) : ابتداء. وهو تصحيف ، والمعنى أن ما أنشأه بديع النشأة.

(٤) في (د ، أ) : (وعفة) ، ولعله تصحيف ، ومعنى كلمة (تحفه) أي تحويه أو تحتويه طواهر الأرحام.

٤٣٠

وقد نسكوا وذبحوا للأصنام واستقسموا بالأزلام ، مترددون في حيرة الضلالة ، كلما ازدادوا «في ضلالهم جهلا» (١) وفي عبادتهم جهدا ازدادوا من الله بعدا ، حتى تصرمت عنهم مدة البلاء بقيام محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم يدعوهم إلى النجاة ، ويضمن لهم الظفر في الدنيا الماضية وحسن المثوبة في الآخرة ، ويخبرهم عن القرون الماضية كيف نجا من نجا منهم بالاستجابة لرسلهم ، وكيف بعث العذاب على من تولى منهم ، وسألهم أن ينظروا إلى آثارهم وديارهم خاوية على عروشها ، كيف تركوها وما فيها؟ فقال : يا قوم احذروا مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ، فأبوا إلّا التكذيب بالتوحيد ، واستعظموا أن يجعلوا الآلهة إلها واحدا.

فلما أمر أن يجاهد بمن أطاعه من عصاه وكبر عليه مجاهدة الكثير من المشركين بالقليل من المسلمين ضمن الله له عاقبة العلو والظفر ، وشد له أزره وأعانه بابن عمه وابن صنو أبيه ، وشريكه في نسبته (٢) ، ومؤنسه في وحدته من الشجرة المباركة فرعا هما ، دعا فاستجاب له على ضراعة الضرع الصغير من سنه ، حتى سيط الإسلام بلحمه ودمه ، ولم يخشع بين يدي ولاتهم وعزّاهم (٣) إذ هي تدعى ، وغيره خاشع لها عاكف (٤) عليها ، هي لهم منسك ، إلى أن اشتدت على التوحيد أعظمه ، وعظمت في أنحاء الخير هممه ، إليه يستريح رسول الله بأسراره ، فكان هو عليه‌السلام الصديق الأكبر ، الفارس (٥) المشتهر ، وسابق العرب إلى الغاية ، ليس أمامه فيها إلّا الرسول المرسل ، بالكتاب المنزل يصلي بصلاته ويتلو معه آياته ، تفتح لعملهما أبواب السماوات السبع ، يهوي بجبهته مع نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى القبلة المجهولة عند قومه ، ليست تنحى (٦) إصبع يمدها متوسل إلى الله جل ثناؤه غير إصبعه ، ولا ظهر يحنو لله في طاعته قبل

__________________

(١) ساقط في (أ، د).

(٢) في (أ) : نسبه.

(٣) في (ب ، ج ، د) : عزاتهم.

(٤) نهاية الصفحة [٢٣٥ ـ أ].

(٥) في (ب) الفاروق المشتهر.

(٦) في (ب ، ج) : ليست تنحي إليه.

٤٣١

ظهره إلّا ظهر نبيه ، إن ساماهم بشرفه في أوليته سبق عليهم بفارع غصون مجده ، وعواطف شرف من قام عنه من أمهاته ، ثم نشأ في حجر من نشأ ، يؤدبه بالكتاب إذ غيره يباكر عبادة اللات والعزى ، شهد له القلم الجاري بعلمه في حال الفردانية ، إذ هو يسارق الصلوات أهله إذ لا قلم جار ولا شهيد على مطيع ، ولا عاص غيره يكانف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواطنه ، ويستريح إليه بأسراره ، ويستغديه لهممه (١) ، إذ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المستوحش من جماعتهم ، والخائف على دمه منهم ، أين زال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زال معه ، وإن غال (٢) النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر وقاه بنفسه ، فمن يساويه وهذه حاله ـ صلوات الله عليه ـ والحال الأخرى حال القوم في كفرهم بربهم وإنكارهم رسوله ، واختيارهم عبادة أوثانهم ، وعلي بن أبي طالب يعظم ما صغروا ، ويكرم (٣) ما أهانوا حتى دخل من دخل في دين الله رغبة أو رهبة ، ولما (٤) طال على رسول الله تكذيب قومه إياه استشار عليا صلوات الله عليه فقال له : «ما ترى؟ قال : يا رسول ، ها سيفي وكان بالضرب به دونه جوادا ، قال رسول الله : «إني لم أؤمر بالسيف ، فنم على فراشي وقي بنفسك نفسي حتى أخرج فإني قد أمرت بذلك» فنام على فراشه ، ووقاه بنفسه باذلا لمهجته ، واثقا بأن الله تعالى غير خاذله.

ومن يدعى (٥) الفضل عليه إما راصد لرسول الله أو معين عليه ، أو جالس عنه ، همّهم في ذبائح النعم على الأصنام ، والاستقسام بالأزلام ، وأقلام الملائكة تصعد بعمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبعمل علي عليه‌السلام فلما استقرت برسول الله الدار وحل في الأنصار ، أمره الله جل ثناؤه أن يشهر سيف التوحيد وضمن له التأييد ، فجاءت حال المنابذة ، وتدانت الزحوف أيد الله جل ثناؤه رسوله بعلي بن أبي طالب ، فقام إليهم وله خطرات بسيفه ذي

__________________

(١) في (أ، د) : يستغديه بهممه.

(٢) أخذه أمر من حيث لم يدر.

(٣) نهاية الصفحة [٢٣٦ ـ أ].

(٤) في (أ، د) : فلما.

(٥) في (ب ، ج) : ادعى.

٤٣٢

الفقار ، فسألوه عن النسبة ، فانتهى إلى محل اليفاع (١) الذي لا لأحد عنه مرغب ، وأوجل الله قلوبهم من مخافته حتى اجتنبوا ناحيته ، فما زالت به تلك المشاهد مع رسول الله حتى سئمته (٢) رجال قريش ، وحتى تشاغلت نساؤهم بالمأتم ، فكم من باكية أو داعية أو موتور (٣) قد احتشى عليه بفقدانه أباه أو أخاه أو عمه أو خاله أو (٤) حميمه ، يخوض مهاول الغمرات بين أسنة الرماح ، لا يثنيه عن نصرة رسول الله ثنوة حداثة ، ولا ضن بمهجته حتى استولى على الفضل في الجهاد في سبيل الله ، وكان أحب الأعمال إلى الله ، وزرع إبليس ـ عدو الله ـ بغضه في قلوبهم ، فلاحظوه بالنظر الشزر (٥) ، وكسروا دونه حواجبهم ، وراشوا بالقول فيه والطعن عليه ، فلم يزده الله بقولهم فيه إلّا ارتفاعا ، كلما نالوا منه نزل القرآن بجميل الثناء عليه في آي كثير من كتاب الله (٦) ، قد غمهم مكانه في المصاحف ، ومن قبل ما أثبته الله جل ثناؤه في وحي الزبور أنه وصي الأوصياء ، وأول (٧) من فتح بعمله أبواب السماء.

فلما قبض رسول الله كان أولاهم بمقامه ، ليس لأحد مثله في نصرته لرسول الله وأخ ليس لهم (٨) مثله له جناحان يطير بهما في الجنة ، وعم له هو سيد الشهداء في جميع الأمم ، وابنان هما سيدا شباب أهل الجنة ، وله سيدة نساء العالمين «زوجة» (٩).

فلما قبض رسول الله أخذ أهله في جهازه إلى ربه ، واختلفوا فيمن يلي الأمر من بعده ، فقالت الأنصار : نحن الذين آوينا ونصرنا.

__________________

(١) أي إلى محل العلو والارتفاع.

(٢) في (ب) : شتمته.

(٣) موتور : اسم مفعول. أصل الكلمة وتر ، والوتر هو الفر ومعنى الموتور : الوحيد الذي فقد أباه أو أخاه وصار وحيدا فردا.

(٤) نهاية الصفحة [٢٣٧ ـ أ].

(٥) أي بنظرة الاشمئزاز والحقد والتكبر.

(٦) انظر شواهد التنزيل للحسكاني ، ومناقب الكوفي ومصادر أخرى عديدة.

(٧) في (أ) : فأول.

(٨) في (أ) : وأخ ليس له.

(٩) ساقط في (أ).

٤٣٣

فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فأتى أبا بكر وهو بباب رسول الله ينتظر جهازهم له والصّلاة عليه ، فقال له (١) : إنك لغافل عما أسست الأنصار وأجمعوا عليه من الصفقة على يد سعد بن عبادة.

ثم تناول عمر يده فجذبه (٢) فأقامه حتى انتهى إلى سعد وقد عكفوا عليه وازدحموا حوله ، وتكلم أبو بكر فقال : يا معشر الأنصار أنتم الجيران والإخوان ، وقد سمعتم قول رسول الله : «إن هذا الأمر لا يصلح إلّا في قريش» ، وقد علمت العرب أنّا أوسطها دارا ، وأصبحها وجوها وأبسطها ألسنة ، وأن العرب لا تستقيم إلّا علينا» (٣).

فقال عمر : هات يدك يا أبا بكر أبايعك ، فمد أبو بكر يده فضرب عليها ، وضرب عليها بشير بن سعد ، ثم ثلث أبو عبيدة بن الجراح ، ثم تتابعت الأنصار.

فبلغ ذلك عليا عليه‌السلام فشغله المصاب برسول الله عن القول لهم في ذلك ، واغتنموا تشاغله برسول الله فنظر علي لدين الله قبل نظره لنفسه ، فوجد حقه لا ينال إلّا بالسيف المشهور ، وتذكر ما هم به من حديث عهد (٤) بجاهلية ، فكره أن يضرب بعضهم ببعض ، فيكون في ذلك ترك الألفة ، فأوصى بها أبو بكر إلى عمر عن غير شورى ، فقام بها عمر وعمل في الولاية بغير عمل صاحبه ، وليس بيده منها عهد من رسول الله ولا تأويل من كتاب الله ، إلّا رأي توخاه هو فيه مفارق لرأي صاحبه ، فجعلها بين ستة نفر ، ووضع عليهم أمناء أمرهم إن هم اختلفوا أن يقتلوا الأقل (٥) من الفئتين ، وصغّروا من أمرهم ما عظّم الله ، وصاروا سببا لولاة السوء وسدت عليهم أبواب التوبة ، واشتملت عليهم النار بما فيها ، والله جل ثناؤه بالمرصاد (٦) ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم (٧).

__________________

(١) في (أ) : فقال فقط.

(٢) نهاية الصفحة [٢٣٨ ـ أ].

(٣) في (ب ، ج ، د) : وجها وأبسطها لسانا.

(٤) في (د) : لهم به حديث عهد.

(٥) في (ب) : أقل.

(٦) نهاية الصفحة [٢٣٩ ـ أ].

(٧) ساق حميد الشهيد الرسالة في مؤلفه الحدائق الوردية ، (١ / ١٥٧ ـ ١٦١).

٤٣٤

[١١] حدثنا (١) أبو العباس ، بإسناده عن أبي خالد الواسطي ، قال : لقيت محمد بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه قبل ظهوره ، فقلت له : يا سيدي متى يكون هذا الأمر؟

فقال لي : وما يسرك منه يا أبا خالد؟

فقلت له : يا سيدي وكيف لا أسر بأمر يخزي الله به أعداءه ويظهر به أولياءه.

فقال لي : يا أبا خالد ، أنا خارج وأنا مقتول ، والله ما يسرني أن الدنيا بأسرها لي عوضا من جهادهم ، يا أبا خالد ، إن امرأ مؤمنا (٢) لا يمسي حزينا ولا يصبح حزينا مما يعاني (٣) من أعمالهم إنه لمغبون مفتون.

قال : قلت : يا سيدي والله إن المؤمن لكذلك ولكن كيف بنا ونحن مقهورون مستضعفون خائفون ، لا نستطيع لهم تغييرا (٤)؟

فقال : يا أبا خالد ، إذا كنتم كذلك فلا تكونوا (٥) لهم جمعا وانفروا (٦) من أرضهم (٧).

[١٢] حدثنا أبو العباس قال : حدثنا عيسى بن محمد «العلوي» (٨) ، قال حدثنا علي بن الحسين المقري عن عمر والد يحيى بن عمر عن الحسن بن يحيى قال : أخبرني موسى بن جعفر أن موسى بن جعفر أن محمد بن علي بن جعفر ، أخبره بحديث محمد بن عبد الله بن الحسن قال : لما بلغ محمد بن عبد الله وفاة أبيه وأهل بيته ، وكان متغيبا أقبل في خمسين ومائتي رجل حتى

__________________

(١) السند هو هكذا : عن أبي العباس رضي الله عنه قال : أخبرنا أبو زيد العلوي قال : حدثنا محمد بن منصور قال : حدثنا أحمد بن عيسى عن الحسين بن علوان عن أبي خالد الواسطي ، وفي (ب) : حدثنا أبو العباس قال : حدثنا أبو خالد الواسطي. وهو تصحيف.

(٢) في (أ) : امرأ مسلما.

(٣) في (أ، د) : حزينا مما يعاين.

(٤) في (أ) : لا نستطيع لهم غيرا.

(٥) في (أ) : فلا تكثروا.

(٦) في (ب ، د) : وانفذوا.

(٧) أورد الحوار المذكور حميد الشهيد في (حدائقه) ، مصدر سابق (١ / ١٥٧) والتحف شرح الزلف (٨٢).

(٨) ساقط في (د).

٤٣٥

وقف على سجن المدينة فأرسل من فيه (١) وشعارهم : أحد أحد ، وأقبل حتى دخل المسجد ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، يا أهل المدينة فإني والله ما خرجت فيكم وبين أظهركم تعززا (٢) ، ولغيركم كان أعز لي منكم ، ولكني حبوتكم بنفسي مع ما أنه لم يبق مصر من الأمصار يعبد الله فيه إلّا وقد أخذت لي فيه البيعة ، ولا بقي أحد من شرق مع (٣) غرب إلّا وقد أتتني بيعته ، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء المهاجرين والأنصار مع ما قد علمتم من سوء مذهب هذا الطاغية الذي قد بلغ في عتوه وطغيانه أن اتخذ لنفسه بيتا وبوبه بالذهب ، معاندة (٤) لله وتصغيرا لبيته الحرام مع ما سفك من الدماء ، وتناول من الأخيار يعذبهم بأنواع العذاب.

اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك وأخافوا من أمّنت ، وأمّنوا من أخفت ، وقصدوا لعترة نبيك اللهم وكما (٥) أحصيتهم عددا فاقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا (٦).

[١٣] [وحدثنا السيد أبو العباس قال :] قال أبو زيد : وأخبرنا عن عبد الله بن الحسن فيما رواه لنا أحمد بن محمد بن الحسن عن رجالة ، قال : أتيناه وهو في المحمل (٧) وقد حمله أبو جعفر ، فقلنا (٨) له : يا بن رسول الله محمد ابنك المهدي ، فقال : يخرج محمد من هاهنا ؛ وأشار إلى المدينة ؛ فيكون كلحس الثور أنفه حتى يقتل ، ثم يخرج إبراهيم من هاهنا فيكون كلحسة (٩) الثور أنفه «حتى يقتل» (١٠) ولكن إذا سمعتم بالمأثور قد خرج بخراسان فهو صاحبكم.

__________________

(١) في (ب ، ج) : لمن فيه.

(٢) في (أ، ج ، د) : وبين أظهركم لأتعزز.

(٣) نهاية الصفحة [٢٤٠ ـ أ] ، وفي (ب ، ج) : شرق ولا غرب.

(٤) في (ب) : بالذهب معاندا.

(٥) في (أ) : اللهم أو لمّا ، وهو تصحيف.

(٦) الخبر في الحدائق الوردية (١ / ١٦٣ ـ ١٦٤) باختصار.

(٧) انظر مقاتل الطالبيين ص (١٨٤) وما بعدها.

(٨) في (أ) : فقلت له.

(٩) في (أ) كلحس.

(١٠) ساقط في (ب ، ج ، د).

٤٣٦

قال : وكان محمد بن عبد الله يرون أنه الذي جاء فيه الخبر من أمر المهدي لما وقفوا عليه من العلم والخشوع ، وكان يقال له : المهدي ، وصريح قريش (١) ، وفيه يقول القائل :

لئن يك ظني صادقا بمحمد (٢)

يكن فيه ما ترجوا الأعاجم في الكتب

وكان يقال : إنه ولد وبين كتفيه كهيئة البيضة ، ففيه يقول مسلمة بن علي :

وإن الذي تروي الرواة لبين

إذا ما ابن عبد الله فيهم تجردا (٣)

به خاتم لم يعطه الله غيره

وفيه علامات من الفضل والهدى

قال أبو زيد : وذكر حديثا اختصرناه إشفاقا ، وذكرنا منه هذا احتجاجا على من زعم على أن جعفر بن محمد نظر إلى أبي جعفر وقد دعا إلى بيعة محمد بن عبد الله بن الحسن (٤) ، فقال : إنا نجد أن هذا المتكلم آنفا يقتله ، يعني أبا جعفر أنه يقتل محمدا ، فكان هذا من قول من تعلق به يدعوا إلى الجلوس عن إقامة الحق والدعاء إليه ، وإلى التسليم إلى أهل الباطل إذا لم يظفر بهم ، ولكن منع القوم من ذلك خوف الله وإيثار طاعته ظفروا أو ظفر بهم.

[مكاتبات بين النفس الزكية والسفاح]

فكتب أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بن الحسن : من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله ، (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ...) الآية [المائدة : ٣٣ ـ ٣٤].

__________________

(١) قال مؤلف مقاتل الطالبيين : وكان يقال له : صريح قريش لأنه لم يقم عنه أم ولد في جميع آبائه وأمهاته ، مقاتل الطالبيين ص (١٨٤) وما بعدها.

(٢) شطر البيت في (د) : لئن يك ظني صادقا لمحمد ، وهو تصحيف.

(٣) نهاية [٢٤١ ـ أ].

(٤) انظر : مقاتل الطالبيين ص (١٨٥ ـ ٢٢٤ ـ ٢٢٧).

٤٣٧

ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أني أؤمنك وجميع ولدك وإخوانك وأهل بيتك ، على دمائكم وأموالكم (١) ، وأسوّغكم ما أصبتم من دم وأموال ، وأعطيك ألف ألف درهم ، وما سألت من الحوائج ، وأنزلك من البلاد بحيث شئت ، وأخلي من في حبسي (٢) من أهل بيتك ، وأؤمن كل من آواك أو بايعك ، أو دخل في شيء من أمرك ، «ثم» (٣) لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منهم أبدا ، وإن أحببت أن تتوثق لنفسك فوجه إليّ من أحببت يأخذ لك مني الأمان والعهد والميثاق ما تثق به وتطمئن (٤) إليه إن شاء الله. والسلام (٥).

فكتب إليه محمد بن عبد الله بن الحسن : من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن محمد ، (طسم ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ...) إلى قوله تعالى : (ما كانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص : ١ إلى ٦].

وأنا أعرض عليك (٦) من الأمان ما عرضت علي ، وأنت تعلم أن الحق حقنا وأنكم ادعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له (٧) بشيعتنا ، وأن أبانا عليا كان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته دون ولده ، ثم قد علمت (٨) أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا ، ولا شرف مثل شرف أبينا ، وإنا لسنا من أبناء الطلقاء ، ولا العتقاء ، ولا اللعناء ، ولا الطرداء (٩) ، وأنه لا يمتّ أحد من بني

__________________

(١) في (أ، د) : دمائهم وأموالهم.

(٢) في (أ) : وأخلي من في محبسك.

(٣) ساقط في (ب ، ج).

(٤) نهاية الصفحة [٢٤٢ ـ أ].

(٥) نص الرسالة وكذا جواب صاحب الترجمة عليها في الطبري (٦ / ١٩٥).

(٦) في (ب) : وأنا أعرض عليك.

(٧) في (ب) : وخرجتم لهم.

(٨) في (ب) : علمتم.

(٩) الطلقاء هم : الذين دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكة بعد فتحها ، وقال : «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وهم كثر ، والعتقاء أيضا هم الطلقاء. وأما اللعناء فهم : معاوية بن أبي سفيان ، أبو سفيان ، والحكم بن أبي العاص ، ومروان بن الحكم. وأمّا الطرداء فهم : الحكم بن أبي العاص ، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص ، وهما جدّا عبد الملك بن مروان من قبل أمه وأبيه ، وهناك الحاكي وهو الحكم والمخلع بن أبي العاص ، إذ كان يحكي مشية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالتفت يوما فرآه ، فدعا عليه ، فلم يزل مخلج المشية عقوبة من الله تعالى ، انظر : الغدير للأميني (٨ / ٢٤٣) وما بعدها ، (١١ / ٨٨) ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي (٤ / ٦١٢) وصفحات أخرى.

٤٣٨

هاشم بمثل ما نمتّ به من القرابة والسابقة والفضل ، فإنا بنو أم رسول الله في الجاهلية ، وفي الإسلام بنو ابنته دونكم ، وإن الله اختارنا واختار لنا ، فوالدنا من النبيين أفضلهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن السلف أولهم إسلاما علي بن أبي طالب عليه‌السلام ومن الأزواج أفضلهن خديجة بنت خويلد أول من صلّى القبلة رحمة الله عليها ومن البنات فاطمة سيدة نساء العالمين رحمة الله عليها ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وإن هاشما ولد عليا مرتين ، وإن عبد المطلب ولده مرتين ، وأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولدني مرتين وإني من أوسط هاشم نسبا (١) وأصرحهم أما وأبا ، وأنه لم تعرف فيّ سجحة (٢) العجم (٣) ولم تنازع فيّ أمهات الأولاد ، وما زال الله يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار ، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة ، وأنا ابن أهون أهل النار (٤) عذابا ، وأنا ابن خير الأخيار (٥) ، وأنا ابن خير أهل الجنة ، وأنا ابن خير أهل النار.

ولك الله إن دخلت في طاعتي ، وأجبت دعوتي أني أؤمنك على نفسك ومالك ودمك ، وعلى كل أمر أحدثته إلّا حدا من حدود الله ، أو حقا لمسلم أو معاهد (٦) ، وقد علمت ما يلزمك في ذلك ومن ذلك ، وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد والعقد لأنك تعطيني من عهدك ما أعطيته رجالا من قبلي ، فأي أمانك تعطيني : أمان ابن هبيرة ، أم أمان عمك عبد الله بن علي ، أم أمان أبي مسلم ، والسلام (٧).

فأجابه أبو جعفر بالباهتة : من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله.

أما بعد : فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ، فجلّ فخرك بقرابة النساء ، ولم

__________________

(١) نهاية الصفحة [٢٤٣ ـ أ].

(٢) أي لم تعرف فيه لكنة ولهجة وكلام العجم.

(٣) نهاية الصفحة [٢٤٣ ـ أ].

(٤) في (أ، د) : أهل الناس.

(٥) في (ب ، ج ، د) : وأنا ابن خيار الأخيار.

(٦) في (أ، ج ، د) : أو حق مسلم أو معاهد.

(٧) نص رد صاحب الترجمة على السفاح في الطبري ، مصدر سابق (٦ / ١٩٦).

٤٣٩

يجعل الله النساء كالعمومة والآباء ، ولا كالعصبة والأولياء ، لأن الله تعالى جعل العم أبا وبدأ به على الولد الأدنى ، ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن لكانت آمنة أقربهن رحما وأعظمهن حقا ، وأول من يدخل الجنة غدا ، ولكن الله اختار لخلقه على قدر علمه الماضي منهم ، فأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولادتها ، فإن (١) الله لم يرزق من ولدها ذكرا ولا أنثى الإسلام ، ولو كان أحد من ولدها رزق الإسلام بالقرابة لكان عبد الله بن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة ، ولكن الأمر إلى الله ، يختار لدينه من يشاء ، قال الله تعالى : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص : ٥٦].

ولقد بعث الله نبيه محمدا وله عمومة أربعة ، وأنزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء : ٢١٤] ، فدعاهم فأنذرهم فأجابه اثنان أحدهما أبي ، وأبي اثنان أحدهما أبوك ، فقطع الله ولايتهما ولم يجعل بينه وبينهما إلّا ولا ذمة ، ولا ميراثا.

وزعمت أنك ابن أخف الناس عذابا (٢) ، وابن خير الأشرار ، وليس في الكفر بالله صغير ولا في عذاب الله خفيف «ولا قليل» (٣) ، ولا في الشر خيار ، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفخر بالشر ، وسترد فتعلم ، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء : ٢٢٧] (٤).

وأما ما فخرت به من أن فاطمة أم علي وأن هاشما ولده مرتين ، وأن عبد المطلب ولده مرتين ، فخير الأولين والآخرين رسول الله لم يلده هاشم إلا مرة ، ولا عبد المطلب إلّا مرة ، وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا ... إلى آخر ما ذكره (٥).

__________________

(١) نهاية الصفحة [٢٤٤ ـ أ].

(٢) في (ب ، ج ، د) : ابن أخف أهل النار عذابا.

(٣) ساقط في (ب).

(٤) ومعنى ذلك أي مرجع يرجعون إليه بعد الموت ، قال ابن عباس : إلى جهنم وبئس المصير ، انظر : تفسير الخازن (٣ / ٣٣٣ ـ ٣٣٦).

(٥) انظر بقية الرد في تأريخ الطبري (٦ / ١٩٧ ـ ١٩٩).

٤٤٠