المصابيح

الإمام أبو العباس الحسني

المصابيح

المؤلف:

الإمام أبو العباس الحسني


المحقق: عبدالله بن عبدالله بن أحمد الحوثي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية
الطبعة: ٢
الصفحات: ٦٧٢
  نسخة غير مصححة

فانتبه عليه‌السلام وأخبر أهل بيته ، فما رأى أكثر باكيا وباكية فيهم من ليلتئذ.

ثم ودعهم وخرج بمن خرج معه من ولده وإخوته وبني أخيه وبني عمه نحو مكة (١) ، فقدمها وأقام بها خمسة أشهر أو أربعة ، وورد عليه نحو ثمان مائة كتاب من أهل العراقين ببيعة أربعة وعشرين الفا له ؛ فبعث مسلم بن عقيل (٢) رحمة الله عليه ، وكان شجاعا قويا ، فإنه كان يأخذ الرجل فيرمي به فوق البيت ، فخرج مسلم حتى أتى المدينة فاكترى أعرابيين دليلين فأخذا به في البرية ، فمات أحدهما عطشا ؛ وكتب إلى الحسين يستأذنه في الرجوع فأجابه : أن امضي ما أمرتك به (٣).

[قدوم الحسين (ع) الكوفة ومواقف النعمان بن بشير وغيره]

فخرج حتى قدم الكوفة (٤) ، ونزل دار المختار بن أبي عبيد الثقفي (٥) وبايعه من أهلها ثمانية

__________________

(١) يذكر المؤرخون أنه خرج ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة (٦٠ ه‍) ، وهو الصحيح في الإفادة في تاريخ الأئمة السادة (خ) ، وفي الفتوح (٥ / ٣٤) أنه خرج لثلاث مضين من شعبان ، انظر : خطط المقريزي (٢ / ٢٨٥) ، الفتوح (٥ / ٣٤) ، والإفادة (خ) ، المنتظم لابن الجوزي (ج ٥) ، حياة الحسين (٢ / ٣٠٥).

(٢) هو مسلم بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، تابعي من ذوي الرأي والعلم والشجاعة ، كان مقيما بمكة وانتدبه الإمام الحسين السبط بن علي ليعرف على حال أهل الكوفة حسين وردت عليه كتبهم يدعونه ، ويبايعونه ، فرحل مسلم إلى الكوفة فأخذ بيعة (١٨٠٠٠) من أهلها وكتب إلى الحسين بذلك ، فشعر به عبيد الله بن زياد ، وأمير الكوفة يطلبه ، فمنعه الناس ثم تفرقوا عنه فأوى إلى دار امرأة من كندة فأخفته ، ولم يلبث أن عرف مكانه فقبض عليه ابن زياد ، وقتله وهو أول من قتل من أصحاب الإمام الحسين ، وفي الكوفة إلى الآن ضريح يقال : إنه قبره الذي دفن فيه ، وهو معروف باسمه ، استشهد سنة (٦٠ ه‍ / ١٨٠ م) أمة أم ولد يقال لها : حلية ، وكان عقيل اشتراها من الشام فولدت له مسلما ولا عقيب له ، ٤ انظر : مقاتل الطالبيين ص (٨٦) ، (وانظر فهارسه) ص (٦٢٣) ، الجرح والتعديل (٨ / ١٩) ، الكامل لابن الأثير (٤ / ٨ ـ ١٥) ، الأخبار الطوال (٢٣٣) ابن العبرى (١٨٩) ، تاريخ الكوفة (٥٩) ، الأعلام (٧ / ٢٢٢) ، طبقات ابن سعد (٥ / ٢٩).

(٣) انظر : مقاتل الطالبيين ص (٩٩) وما بعدها ، الفتوح (٥ / ٥٣) وما بعدها.

(٤) نهاية الصفحة [٦٧ ـ أ].

(٥) هو المختار بن أبي عبيد الثقفي ، استعمله عمر بن الخطاب على جيش فغزا العراق وإليه تنسب وقعة جسر أبي عبيد ، وكان من كبار ثقيف وذوي الرأي والفصاحة ، والشجاعة والدهاء ، انظر : سير أعلام النبلاء (٣ / ٥٣٨ ـ ٥٤٤) ، المحبر (٧٠ ، ٣٠٢ ، ٤٩١) ، المعارف (٤٠٠) تاريخ الطبري (٥ / ٥٦٩) ، (٦ / ٧ ، ٣٨) وما بعدها ، ٩٣) ، مروج الذهب (٣ / ٣٧٢).

٣٦١

عشر ألفا (١) سوى أهل البصرة ، وحلفوا بأيمان مغلظة ليجاهدون معه بأموالهم وأنفسهم.

فكتب مسلم إلى الحسين يستقدمه ويستحثه فدخل ، رجل ممن يهوى يزيد يقال له عبد الله بن مسلم الحضرمي على النعمان بن بشير (٢) وهو والي الكوفة فأخبره خبره.

وقال : إنك لضعيف.

فقال النعمان : لأن أكون ضعيفا في طاعة الله خير من أن أكون قويا في معصيته.

فكتب بشأنه إلى يزيد ، فاستشار مولى لهم كان لا يخالفه يقال له سرجون (٣).

[اختيار ابن زياد لتولي الكوفة]

فقال : ما لها إلّا عبيد الله بن زياد (٤) ، وكان عامل البصرة ، وكان يزيد واجدا عليه وهمّ بعزله ، فكتب إليه بولايته (٥) على الكوفة مع البصرة ، وأمره أن يدس إلى مسلم حتى يأخذه ،

__________________

(١) هذه البيعة للحسين عليه‌السلام تمت على يد سفيره مسلم بن عقيل ، وقد اختلف المؤرخون في عدد من بايعه ، فقيل : (٤٠) ألفا ، وقيل : (٣٠) ألفا ومن بينهم حاكم الكوفة النعمان بن بشير ، وقيل : (٢٨) ألفا ، وقيل : (١٨) ألفا حسب ما جاء في رسالة مسلم إلى الحسين يقول فيها : وقد تابعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا ، فعجل الإقبال ، وقيل : (١٢) ألفا ، انظر :

شرح شافية أبي فراس (١ / ٩) ، مثير الأحزان لابن نما ص (١١) ، دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي (٣ / ٤٤٤) ، تاريخ أبي الفراء (١ / ٣٠٠) ، تاريخ الطبري (٦ / ٢٢٤) ، حياة الحسين (٢ / ٣٤٧) ، مروج الذهب (٣ / ٤) ، الإصابة (١ / ٣٣٢) الحدائق الوردية (١ / ١١٧).

(٢) هو النعمان بن سعد بن ثعلبة الأمير ابن أخت عبد الله بن رواحة ، مسنده (١٢٤ حديثا) ، ولد سنة (٢ ه‍) ، كان من أمراء معاوية ولاه الكوفة مدة ، ثم ولي قضاء دمشق بعد فضالة ، ثم ولي إمرة حمص ، قيل : قتل بقرية بيرين من قرى حمص سنة (٦٤ ه‍) ، أنظر : طبقات ابن سعد (٦ / ٥٣) ، طبقات خليفة ت (٥٩٣ ، ٩٣٠ ، ٢٨٥٣) ، المجبر (٢٧٦ ، ٢٩٤ ، ٤٢١) ، التاريخ الكبير (٨ / ٧٥) ، المعارف (٢٩٤) ، أخبار القضاة (٣ / ٢٠١).

(٣) هو : سرجون الرومي ، كان مستودع أسرار معاوية ويزيد ومن أدهى الناس ، وقد استشاره بولاية يزيد فتأمل ، وأخذ يطيل التفكير ، فقال له : أرأيت أن معاوية لو نشر أكنت آخذا برأيه فقال اليزيد : نعم فأخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة ، وقال هذا رأي معاوية وقد مات وقد أمر بهذا الكتاب ، انظر : تاريخ ابن الأثير (٣ / ٢٦٨).

(٤) هو عبيد الله بن زياد بن أبيه ، ولي البصرة سنة (٥٨ ه‍) وله (٢٢ سنة) وولي خراسان ، كان قبيح السريرة ، قال : الحسن : وكان عبيد الله جبانا ركب فرأى الناس في السكك فقال ما لهؤلاء ، قالوا : مات عبد الله بن مغفل ، وقد جرت له خطوب ، وأبغضه المسلمون لما فعل بالحسين عليه‌السلام ، انظر : سير أعلام النبلاء (٣ / ٥٤٥ ـ ٥٤٩) ، المحبر (٢٤٥ ، ٢٤٦) ، التاريخ الكبير (٥ / ٣٨١) ، وجيحون : بلدة بين بخارى ، وعلى مرحلة منها.

(٥) نهاية الصفحة [١٩٢ ـ أ].

٣٦٢

فخرج عبيد الله بن زياد حتى أتى الكوفة فدخلها متلثما ، فجعل يمر بمجالسهم يسلم عليهم فيردون عليه وعليك السلام يا بن رسول الله ، وهم يرون أنه الحسين بن علي عليهما‌السلام ، فنزل القصر ودفع إلى حمصيّ أربعة آلاف درهم وقال : تعرف موضع مسلم بن عقيل ، فإذ لقيته فادفع إليه هذا المال وقل له تستعين به على أمرك (١).

فخرج وفعل ورجع إلى ابن زياد فأخبره بتحول مسلم إلى منزل هانئ بن عروة المرادي (٢) ، ودخل على ابن زياد وجوه أهل الكوفة ومعهم عمر بن حريث (٣) ومحمد بن الأشعث (٤) وشريح بن هانئ ، فلما صاروا عنده قال لهم : أين هانئ بن عروة ، فخرج ابن حريث ومحمد بن الأشعث وشريح حتى أتوا هانئا وقالوا : إن الأمير قد ذكرك.

قال : ما لي وللأمير ، فلم يزل به حتى ركب إليه ، فلما رآه قال : أين مسلم بن عقيل؟

__________________

(١) انظر : حياة الإمام الحسين (٢ / ٣٥٤ ـ ٣٥٧) ، البداية النهاية (٨ / ١٥٢) ، الطبري (٦ / ١٩٩ ، ٢٠٠) ، مقتل الإمام الحسين ص (١٦٥) ، المفيد في ذكر السيد الشهيد ص (٢٩) وما بعدها.

(٢) هو : هانئ بن عروة بن الفضفاض بن عمران الغطيفي المرادي أحد سادات الكوفة وأشرافها كان أول أمره من خواص أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، وحدث في أيام معاوية أن والي خراسان كثير بن شهاب ، المذحجي اختلس أموالا وهرب بها إلى الكوفة ، واختبأ عند هانئ فطلبه معاوية ونذر دم هانئ فخرج هانئ إلى أن أتى مجلس معاوية ، وهو لا يعرفه ، فلما نهض الناس ثبت في مكانه ، فسأله معاوية عن أمره ، فعرف بنفسه فدار بينهما حديث ، وقال معاوية : أين المذحجي؟ فقال : هو عندي في عسكرك يا أمير المؤمنين : فقال انظر ما اختانه ، فخذ منه بعضا وسوغه بعضا ، ثم كان عبيد الله بن زياد أمير البصرة والكوفة يبالغ في إكرامه إلى أن بلغه أن مسلم بن عقيل مختبئ عنده ، وكان ابن زياد جادا في البحث عن مسلم بن عقيل ، فدعا بهانئ وعاتبه فأنكر ، فأتاه بالمخبر فاعترف وامتنع عن تسليمه ، وغضب ابن زياد ، وضربه وحبسه ، ثم قتله ، وصلبه بسوق الكوفة سنة (٦٠ ه‍ / ٦٨٠ م) ، انظر : الجامع لبا مطرف (٤ / ٢٠٥ ـ ٢٠٦) ، الجرح والتعديل (٩ / ١٠١).

(٣) عمرو بن حريث ، قال صاحب الجرح : هو عمرو بن حريث مصري ، روى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرسلا ، روى عنه حميد بن هانئ ، وشعيب بن أبي سعيد ، وروى عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن عبيد الله الهذلي عنه. الجرح والتعديل (٦ / ٢٢٦) ، وعمرو هذا هو الذي عقد له ابن زياد راية وأمره على الناس ، ولمزيد حول مواقفه انظر : مقاتل الطالبيين ص (١٠٨) ، المفيد في ذكرى السبط الشهيد ص (٣٨).

(٤) هو : محمد بن الأشعث بن قيس الكندي أبو القاسم الكوفي أمه أخت أبي بكر روى عن أبيه وعمر وعثمان وابن مسعود وعائشة ، روى عنه ابنه قيس والشعبي ، ومجاهد والزهري ، أنظر : التقريب (٥٧٦٠) ، تهذيب الكمال (٥٠٧٤) ، (٢٤ / ٤٩٥).

٣٦٣

قال : والله ما أنا دعوته ولو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ، فرماه بالعمود فشجه.

وبلغ مسلما خبره فخرج ، وأشرف رجال من أهل الكوفة ، فرأوا قومهم وأشرافهم عند ابن زياد فانصرفوا عنه حتى ما أمسى مع مسلم إلّا أربع مائة.

وجاء أصحاب ابن زياد ، فقاتلهم مسلم قتالا شديدا حتى اختلط الظلام فتركوه وحده ، وانقلب يدور في أزقة الكوفة ، فخرجت امرأة فقالت : يا عبد الله ما يقيمك هاهنا؟

قال : اسقيني ماء ، فأتته به ، فشرب وجلس حتى صلّيت العشاء الآخرة ، وخرجت المرأة فقالت : إن مجلسك هاهنا مجلس ريبة.

قال : فيك خير؟

قالت : نعم.

قال : فإني مسلم (١) بن عقيل. فأدخلته منزلها ، فما كان بأسرع من أن دخل ابنها فقال : من هذا؟

فقالت : مسلم بن عقيل ، فخرج حتى أخبر محمد بن الأشعث (٢) ، فخرج ابن الأشعث إلى ابن زياد فأخبره خبره ، فأمره أن يخرج حتى يحيط بالدار ففعل ، وخرج إليه مسلم بسيفه. فقال له ابن الأشعث : ألق سيفك ولك الأمان ، ففعل فأخذه وأتى به ابن زياد فحبسه ، فلما أصبح اجتمع الناس فضرب عنقه ، وأمر بهانئ فشق عرقوباه وجعل فيهما حبل ، وجرّا إلى الكناسة وصلبا فيها (٣).

__________________

(١) نهاية الصفحة [١٩٣ ـ أ].

(٢) في مقاتل الطالبيين : وأصبح بلال بن العجوز التي آوت ابن عقيل فغدى إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه فأقبل عبد الرحمن حتى أتى إلى أبيه وهو جالس فساره ، فقال له ابن زياد : ما قال لك؟ قال : أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا ، فنخسه ابن زياد بالقضيب في جنبه ، ثم قال : قم فأتني به الساعة ، انظر : مقاتل الطالبيين (١٠٥ ـ ١٠٦) ، المفيد في ذكرى الشهيد ص (٣٨) وما بعدها ، الفتوح (٥ / ٨٦ ـ ١٠٤).

(٣) انظر : حياة الحسين (٢ / ٤١١ ـ ٤١٢) ، مناقب آل أبي طالب (٢ / ٩٤) ، المناقب والمثالب ص (٧٢) ، وبعد الصلب أرسل ابن زياد رأس مسلم بن عقيل وهانئ ، وعمارة بن صلحب الأزدي إلى يزيد وأرسل معهم كتاب ، انظر : مروج الذهب (٣ / ٧) ، أنساب الأشراف (ق / ج ١ / ١٥٥) ، مقاتل الطالبيين (١٠٩) ، ابن الأثير (٤ / ١٥) ، مقتل الحسين (٣٦) ، الطبري (٦ / ٢ / ٢١٢) وما بعدها ، الإرشاد (١٩٦) وما بعدها ، تهذيب ابن عساكر (٧ / ٢٤) ، ابن سعد (٤ / ٢٩).

٣٦٤

فهو حيث يقول عبد الله بن الزّبير الأسدي (١) :

فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري

إلى هانئ في السوق وابن عقيل

أصابهما فرخ البغيّ فأصبحا

أحاديث من يسري بكل قبيل (٢)

تري جسدا قد غير الموت حاله

ونضخ دم قد سال كل مسيل

أيركب أسماء الهماليج آمنا

وقد طلبته مذحج بذحول (٣)

وكان مذحج قوم هانئ.

وكان مقتل مسلم يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة سنة سنين ، ويومئذ خرج الحسين من مكة نحو العراق (٤).

__________________

(١) هو عبد الله بن الزّبير ـ بفتح الزاي. الأسدي ، أسد خزيمة كوفي ، شاعر مشهور له نظم بديع ، وهو الذي امتدح معاوية ، ثم أقدم على ابن الزبير فلم يعطيه شيئا فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال : إنا وراكبها ؛ لأن إنا هنا بمعنى نعم ، وقدم العراق على مصعب وله أخبار ، يقال : إنه توفي في زمن الحجاج ، انظر : طبقات خليفة ت (٢٥٩٣) ، الجرح والتعديل (٥ / ٥٦) ، الأغاني (١٣ / ٣٣) ، جمهرة أنساب العرب (١٩٥) ، طبقات فقها اليمن (٥٧) ، تاريخ الإسلام (٣ / ٣٦٤) ، البداية والنهاية (٩ / ٨٠) ، خزانة الأدب (١ / ٣٤٥) ، تهذيب ابن عساكر (٧ / ٤٢٣) ، سير أعلام النبلاء (٣ / ٣٨٣) ، وكان أميرا على ورن في حينه.

(٢) في رواية أصابعهما بغي الأمير.

(٣) جمع هملاج ، وهو نوع من البراذين ، والذحول : جمع ذحل وهو الثأر ، والأبيات في مقاتل الطالبيين ص (١٠٩ ـ ١١٠) مع بعض الاختلاف ، وقد أورد الطبري (٤ / ٢٦٠) ، ثلاثة أبيات منها وقال : وقال شاعرهم في ذلك ، ثم ساق في (٤ / ٢٨٥) الأبيات وقال : ويقال : قاله الفرزدق ، وساق الأبيات إلا أنه ذكر بعد البيت الثالث بيت آخر وهو :

فتى هو أحي من فتاة حيية

وأقطع من ذي شفرتين صقيل

وقد نسب الأبيات في اللسان (٦ / ١٧٤) لسليم بن سلام الحنفي ، والأبيات في ابن الأثير (٤ / ١٦) ، ومقتل الحسين (٣٨) ، الإرشاد (١٩٧) ، وتهذيب ابن عساكر (٧ / ٤٢٤) ، ابن سعد (٤ / ٢٩) ، حياة الحسين عليه‌السلام (٢ / ٣٧٨) ، كما ساق الخبر بطوله مع الشعر في تهذيب ابن عساكر (٤ / ٣٣٩ ، ٩٤٠) ، وكتاب الفتوح (٥ / ١٠٦ ـ ١٠٧) ، وقال فيه فأنشأ رجل من بني أسد وفي الأخبار الطوال ص (٢٤٢) ، أنها لعبد الرحمن بن الزبير الأسدي ، وفي المفيد : وقال شاعرهم يرثي مسلم وهانئ بن عروة ويخاطب نفسه. المفيد ص (٤٤ ـ ٤٥). وقال في مروج الذهب (٢ / ٧٠) إنها لشاعر مجهول ، وكذلك في كتاب الأغاني (٣ / ٣٥) ، وفي جمهرة أنساب العرب (٢٢٨) قال : بأنها للأخطل. وانظر حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة ص (٤٦٣ ـ ٤٦٤).

(٤) في الطبري وكان قتله في يوم عرفة سنة (٦٠ ه‍) وصلب ابن زياد جثته ، وقال : كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة سنة (٦٠ ه‍) ، ويقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة (٦٠ ه‍) من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكة مقبلا إلى الكوفة بيوم ، وقال : وكان مخرج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة (٦٠ ه‍) ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان فأقام بمكة. شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة ثم خرج منها لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل ، انظر : تاريخ الطبري (٤ / ٢٨٦) ، وقيل كان خروج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة ، وقتل يوم الأربعاء لتسع مضين منه ، وكان توجه الحسين عليه‌السلام إلى العراق وخروجه من مكة لثمان مضين من ذي الحجة ، وقال السيد ابن طاوس (رحمه‌الله) خرج الحسين من مكة في اليوم الذي قتل فيه مسلم بن عقيل ، انظر : المفيد في ذكرى السبط الشهيد. ص (٤٤ ، ٤٦). والفتوح (٥ / ١٢٠).

٣٦٥

[خروج الحسين السبط (ع) إلى العراق]

فلمّا هم بالخروج (رضي الله عنه) تلقاه ابن الزبير فقال : إلى أين تذهب ، إلى قوم قتلوا أباك وخذلوا أخاك ، قال : وإنما قالها لأنه كره أن يكون الأمر له (١).

قال : وقدم الحسين عليه‌السلام إلى العذيب (٢) في مائة من ولد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستون فارسا وأربعون راجلا (٣) ، فلقيه رجل من أهل الكوفة من بني أسد يقال له : الحر بن يزيد الرياحي (٤) في ألف فارس قد (٥) وجه ليجعجع ـ أي يضيق ـ وجه الأرض بالحسين عليه‌السلام فصار أمام الحسين يمنعه الخروج نحو الكوفة ، وقال : إنه أمر بذلك ، وجعل يحذره القتال ويعرض عليه المسير إلى عبيد الله بن زياد ويقول : أنشدك الله في نفسك وأهل بيتك (٦).

فقال عليه‌السلام : أبا لموت تخوفني ، ما مثلي ومثلك (٧) إلّا كما قال أخو الأوس وقد خرج يريد نصر رسول الله فقيل : لا تسيرن إلى هذا الرجل فتقتل ، فأنشأ يقول (٨) :

__________________

(١) قال في مقاتل الطالبيين (١١٠) : (ولقية عبد الله بن الزبير في تلك ولم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز ، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز وعلما بأن ذلك لا يتم له إلا بعد خروج الحسين).

(٢) موضع بظاهر الكوفة.

(٣) في (أ) : رجّالا.

(٤) هو : الحر بن يزيد التميمي اليربوعي ، قائد من أشراف تميم أرسله الحصين بن نمير التميمي ، في ألف فارس من القادسية لاعتراض سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي في نصرة الكوفة فالتقى به ، ولما أقبلت خيل الكوفة تريد قتل الحسين وأصحابه أبى الحر أن يكون منهم فأنصرف إلى الحسين فقاتل بين يديه قتالا عجيبا حتى قتل ، انظر : الأعلام (٢ / ١٧٢) ، المسعودي (٥ / ١٤٢ طبعة باريس) ، ابن الأثير (٤ / ١٩) وما بعدها ، سفينة البحار (١ / ٢٤٢) ، البداية النهاية (٨ / ١٧٢) وما بعدها ، تاريخ الطبري حوادث سنة (٦١).

(٥) نهاية الصفحة [١٩٤ ـ أ].

(٦) انظر : مقاتل الطالبيين ص (١١١ ، ١١٢) ، ابن الأثير (٤ / ١٩) ، تاريخ الطبري (٤ / ٣٠٣) وما بعدها ، الفتوح (٥ / ١٣٤) وما بعدها ، المفيد (٦١ ـ ٦٥) ، في رحاب أئمة أهل البيت المجلد (٢) الجزء (٣) ص (٩٥) وما بعدها.

(٧) في (أ، د) : ما مثلي ومثلكم.

(٨) الأبيات في تاريخ الطبري ، وانظر المفيد في ذكر السبط الشهيد ص (٦٢ ـ ٦٣) ، في رحاب أئمة أهل البيت المجلد (٢) الجزء (٣) ص (٩٧).

٣٦٦

سأمضي وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مثبورا وخالف مجرما

فإن مت لم أندم وإن عشت لم ألم

كفى بك ذلا (١) أن تعيش وترغما

وسار عليه‌السلام حتى نزل قصر بني مقاتل (٢) والحر لا يفارقه ، فبينا هم كذلك إذ ورد على الحر كتاب ابن زياد أن جعجع بالحسين وأصحابه حتى يأتيك كتابي هذا ، ولا تخله أبدا إلّا بالعراء (٣).

فقال الحسين عليه‌السلام : ننزل تلك القرية يعني الغاضرية (٤) قال : لا أستطيع ذلك فسار والحر ينازعه حتى انتهى إلى موضع المعركة ، فقال : ما هذا؟

فقالوا : كربلاء.

قال : ذات كرب وبلاء ، ومنعه الحر تجاوزه ، فحطت أثقاله وصبحه عمر بن سعد من غده في أربعة آلاف من الكوفة من قبل ابن زياد (٥).

[استشهاد الحسين السبط (ع)]

وكان من قصته أن عبيد الله بن زياد ولّاه الرّي وأرض دستبى (٦) وأمره (٧) بالمسير ، فخرج

__________________

(١) في (ب ، ج) : كفى بك داء.

(٢) قصر بني مقاتل : كان بين عين التمر والشام ، وقال السكوني : هو قرب القطقطانة وسلام ثم القريات ، منسوب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس معجم البلدان (٤ / ٣٦٤).

(٣) كتاب عبيد الله بن زياد أورده الطبري في تاريخه بلفظ (أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزل إلا بالعراء في غير حصن ، وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتي بإنفاذك أمري والسلام. تاريخ الطبري (٤ / ٣٠٨). المفيد ص (٦٥).

(٤) الغاضرية : منسوبة إلى غاضرة بن أسد وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء. معجم البلدان (٤ / ١٨٣).

(٥) انظر : تاريخ البخاري (٤ / ٣٠٩) ، ففيه ما ذهب إليه المؤلف ، المفيد ص (٦٥) ، وما بعدها ، في رحاب أئمة أهل البيت (٢ / ٣ / ١٠٠) وما بعدها.

(٦) الري : كورة معروفة تنسب إلى الجبل. أقرب إلى خرسان افتتحها ابن كعب الأنصاري في ولاية عمر بن الخطاب ، بها وادي عظيم يقال له : نهر موسى ، انظر الروض المعطار ص (٢٧٨ ، ٢٧٩). أما دستبى ، فكورة كبيرة كانت مقومة بين الري وهمذان ، وقسم منها يسمى دستبى الرازي ، وهو يقارب التسعين قرية ، وقسم منها يسمى دستبي همذان ، وهو عدة قرى ، معجم البلدان (٣ / ١١٦) وما بعدها.

(٧) نهاية الصفحة [١٩٥ ـ أ].

٣٦٧

في أربعة آلاف ، فورد عليه كتاب ابن زياد يسيرة إلى محاربة الحسين ، حتى إذا فرغ منه سار إلى ولايته فاستعفاه ، فقال له : إما أن تسير (١) إلى محاربته أو ترد علينا عهدنا.

فجعل يتقلقل ويقول :

ووالله ما أدري وإني لواقف (٢)

ومهما يكن من حادث سيبين

أأترك ملك الري والري رغبة

أم أرجع مذموما بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها

حجاب وملك الري قرة عين

وغلب عليه الشقاء ، فسار إلى قتله ونزل بنينوى على شط الفرات ، وأرسل إلى الحسين عليه‌السلام بكتاب ابن زياد ، ثم كتب بجواب الحسين ، فكتب إليه مع شمر بن ذي الجوشن أني لم أبعثك لتكف عن الحسين وتمنيه البقاء والعافية ، فإن نزل على حكم أمير المؤمنين (٣) واستسلم فذلك ، وإلّا فاقتله وأوطئ الخيل صدره وظهره (٤) ، فإن أنت أبيت فاعتزل وخل بين شمر وبين العسكر ، فقد أمرناه بأمرنا والسلام (٥).

قال : وخرج ابن زياد حتى عسكر بالنخيلة وبعث الحصين بن تميم إلى عمر بن سعد

__________________

(١) في (أ، ب ، د) : إما تسير.

(٢) وشطر البيت الأول في بعض مصادرنا هكذا :

أفكر في أمري على خطرين

(٣) في (أ) : إن نزل على حكمي.

(٤) في (ب) : ظهره وبطنه.

(٥) في تاريخ الطبري صيغة الكتاب الذي كتبه عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد كالتالي (أما بعد فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا لتقعد له عندي شافعا ، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلى سلمان وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئا ، ولكن على قول لو قد قتلته فعلت هذا به إن أنت قضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخل بين شمر بن ذي الجوشن ، وبين العسكر فإنا قد أمرناه بأمرنا والسلام ، تاريخ الطبري (٤ / ٣١٤) ، وانظر المقاتل ص (١١٤).

٣٦٨

وحجان بن الحر وشبث بن ربعي وشمر بن ذي الجوشن في سبعة آلاف رجل ، وكتب إلى عمر بن سعد يأمره بمنع الحسين وأصحابه الماء ، فبعث ابن سعد ابن الحجاج في خمسمائة فارس حتى أحدقوا بالشريعة (١) ، وحالوا بينهم وبين الماء ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث ، وناداه عبيد الله بن حصين يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء ، والله لا تذوق منه قطرة أو تموت (٢) عطشا (٣).

فقال الحسين : اللهم أمته عطشا.

قال (٤) : فو الله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر فلا يروى ، ثم يعود فيشرب فلا يروى فما زال كذلك حتى لفظ عمته ، فلما أضر بالحسين وأصحابه العطش قام عليه‌السلام فأمر فحفرت آبار وأنبع الله لهم منها ماء عذبا فشربوا منه ودفن ، فلما اشتد بهم العطش وجه أخاه العباس بن علي في خمسة عشر رجلا بالقرب فيهم رجل يقال له رشيد فلحقه أصحاب ابن الحجاج فقتلوه.

فلما قتل الحسين دفن رشيد في موضعه الذي كان فيه ، وكانت فاطمة بنت الحسين تقول : إنه السقاء ، وإن الناس قالوا : هو قبر العباس بن علي وليس كذلك لكنه قبر رشيد.

قال : وزحف عمر بن سعد يومئذ بخيله بعد صلاة العصر نحو الحسين عليه‌السلام وهو

__________________

(١) الخبر في تاريخ الطبري (٤ / ٣١١ ـ ٣١٢) ، في رحاب أئمة أهل البيت (٢ / ٣ ص ١٠٤) ، والمفيد في ذكرى السبط الشهيد ص (٧١) وما بعدها ، وفي المصدرين الأول والثاني ذكروا (... حتى أحدقوا بالشريفة) وفي المفيد ما لفظه. فعند ذلك وضع ابن سعد على المشرعة أربعة آلاف فارس يحرسونها ليلا ونهارا.

(٢) نهاية الصفحة [١٩٦ ـ أ].

(٣) في تاريخ الطبري : (قبل قتل الحسين بثلاث ، قال : ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي ، وعداده في بجيلة فقال : يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا) ، فقال حسين : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا. تاريخ الطبري (٤ / ٣١٢).

(٤) قال : أي حميد بن مسلم راوي خبر ترجمة الحسين بالسند المثبت في أول الترجمة ، وقوله : أورده الطبري في تاريخه (٤ / ٣١٢) هكذا : والله لعدته بعد ذلك في مرضه فو الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر ثم يقيء ، ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى ، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعني نفسه).

٣٦٩

جالس محتبيا (١) ، وسمعت زينب بنت علي (٢) الصيحة فدنت من الحسين عليه‌السلام وهو جالس محتبيا بحمائل سيفه ، ورأسه على ركبتيه فقالت : يا أخي ، فرفع رأسه فقال : إن رسول الله أتاني في نومي هذا وقال : إنك تروح إلينا غدا ، فلطمت وجهها وقالت : يا ويلاه ، فقال : لا ويل لك يا أخية.

[١٨٦] أخبرنا (٣) أحمد بن علي بن عافية بإسناده عن أبي جعفر ، عن أبيه ، علي بن الحسين عليهم‌السلام قال : إني يومئذ مريض ، فدنوت أسمع ما يقول أبي عنده حوي مولى أبي ذر (٤) وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول (٥) :

يا دهر أف لك من خليل

كم بك بالإشراق والأصيل

من طالب وصاحب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل

وكل حي سالك سبيلي

فكررها ثلاثا وفهمت ما قال ، فخنقتني العبرة ، فرددت دمعي ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل.

وأما عمتي فسمعتها ؛ وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع ، فلم تملك نفسها أن

__________________

(١) واحتبى : جلس على أليتيه وضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند.

(٢) هي : زينب بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية سبطة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمها فاطمة الزهراء وشقيقة الحسين والحسين. قال ابن الأثير : إنها ولدت في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زوجها أبوها ابن أخيه عبد الله بن جعفر فولدت له أولادا وكانت مع أخيها حين قتل بكربلاء فحملت إلى دمشق سبية ، وحضرت عند اليزيد ، وكانت ثابتة الجنان ، رفيعة القدر ، خطيبة فصيحة ، انظر : تراجم سيدات بيت النبوة د. عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ ص (٦٣٧) وما بعدها ، الإصابة (٤ / ٣٢١ ت (٥١٠) ، الأعلام (٣ / ٦٦ ـ ٦٧) ، نسب قريش (٤١) ، طبقات ابن سعد (٨ / ٣٤١) ، الدر المنثور (٢٣٣) ، جمهرة أنساب العرب (٣٣).

(٣) السند هو : أخبرنا أحمد بن علي بن عافية قال : حدثنا ابن أبي عروة قال : حدثنا إسماعيل بن بهرام الليثي ، عن الدراوردي ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده.

(٤) في مقاتل الطالبيين جون مولى أبو ذر في تاريخ الطبري : حوي. الطبري (٤ / ٣١٨) ، المقاتل (١١٣).

(٥) الأبيات والرواية في الطبري (٤ / ٣١٨ ـ ٣١٩) ، بلفظها أما في الفتوح (٥ / ١٤٩) والمقاتل ص (١١٣) ببعض الاختلافات ، انظر تاريخ اليعقوبي (٢ / ٤٤) ، وعند لفظ : يقول ـ نهاية الصفحة [١٩٧ ـ أ].

٣٧٠

وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه وقالت : وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضين وثمال الباقين (١) ، فنظر إليها الحسين عليه‌السلام فقال : يا أخية ، لا يذهبن بحلمك الشيطان.

فقالت : بأبي وأمي أبا عبد الله أمستقتل أنت نفسي فداؤك ، فازدادت غصته وترقرقت عيناه ثم قال : لو ترك القطا لنام (٢).

فلطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها ، فقام إليها الحسين فصب على وجهها الماء وقال : يا أخية ، اتقي الله وتعزي بعزاء الله ، فإن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون ، وكل شيء هالك إلّا وجه الله وحده ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة ، فعزاها بنحو هذا وقال : أقسم عليك بأخية لا تشقي عليّ جيبا ولا تخمشيّ علي وجها ، ولا تدعي علي بالويل والثبور.

ثم جاء حتى أجلسها عندي ، ثم أمر أصحابه أن يقربوا بيوتهم بعضا من بعض ويداخلوا الأطناب (٣) بعضها ببعض ويكونوا بينها ، فيستقبلوا القوم من وجه واحد (٤).

[١٨٧] وأخبرنا (٥) محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه عليهم‌السلام أن الحسين (صلوات الله عليه) خطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

أيها الناس خطّ الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، ما أولهني إلى أسلافي

__________________

(١) أي بقية الباقين.

(٢) في تاريخ الطبري (لو ترك القطا ليلا لنام) وهو مثل ، والقطا : طائر معروف ، سمي بذلك لثقل مشيه. ويضرب هذا المثل لمن يهيج إذا تهيج ، انظر : لسان العرب. مادة : (قطا).

(٣) نهاية الصفحة [١٩٨ ـ أ].

(٤) انظر : مقاتل الطالبيين ص (١١٣ ـ ١١٤) ، والطبري في تاريخه (٤ / ٣١٩).

(٥) السند هو : حدثنا محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي قال : حدثنا ابن عبد العزيز العكبري قال : حدثنا الحسين بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن تميم بن ربيعة الرياحي ، عن زيد بن علي ، عن أبيه. والخبر بسنده أخرجه الإمام أبو طالب في أماليه ، انظر تيسير المطالب ص (١٩٩).

٣٧١

اشتياق يعقوب إلى يوسف وأخيه ، وإن لي لمصرعا أنا لاقيه ، كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها عسلان الفلوات (١) ، غبرا غفرا بين كربلاء وبراريس (٢) قد ملأت مني أكراشا جوفا رضا الله رضانا أهل البيت ، فصبرا على بلائه ليوفينا أجر الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله حرمته وعترته ، ولن تفارقه أعضاؤه وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقر بهم عينه ، وينجز لهم عدته (٣) ، من كان فينا باذلا مهجته فليرحل فإني راحل غدا إن شاء الله عزوجل (٤) ، ثم نهض إلى عدوه فاستشهد (صلوات الله عليه).

[١٨٨] أخبرنا (٥) ابن عافية بإسناده عن عبد الله بن الحسن عليه‌السلام أن علي بن الحسين عليه‌السلام قال : صبحتنا الخيل يوم الجمعة ، فدعا الحسين بفرس رسول الله وهو المرتجز ، فركبه ثم رفع يده ، فقال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف به الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو (٦) ، أنزلته بك (٧) ، وشكوته إليك ، رغبة فيه إليك عمن سواك ، ففرّجته وكشفته ، أنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة ، يا أرحم الراحمين.

ثم عبأ أصحابه وعبأ عمر بن سعد كذلك ، فكان أول من رمى ابن سعد ، ثم أصحابه حتى غلب الحسين عليه‌السلام على عسكره ، فركب المسنّاة يريد الفرات ، فقال شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) : ويلكم حولوا بينه وبين الماء.

__________________

(١) أي ذئاب الفلوات.

(٢) في (أ) : ونواويس.

(٣) في (أ، د) : وتنجز لهم عدته.

(٤) انظر : في رحاب أئمة أهل البيت (٢ / ٣ / ١١٢) وما بعدها ، المفيد في ذكر السبط الشهيد ص (٨٨).

(٥) السند هو : أخبرنا ابن عافية قال : حدثنا محمد بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو نعيم عن حسن بن صالح عن جابر عن عبد الله بن الحسن.

(٦) في (ج) : ويشمت فيه العدو.

(٧) نهاية الصفحة [١٩٩ ـ أ].

٣٧٢

ودنا ليشرب ، فرماه حصين بن تميم ـ لعنه الله ـ بسهم فوقع في فمه ، فجعل يتلقى الدم ، ويرمي به إلى السماء ، ويقول : اللهم احصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تذر على الأرض منهم أحدا.

ثم إن شمرا أقبل في الرّجالة نحوه ، فجعل الحسين يشد عليهم ، فينكشفون عنه ، وعليه قميص خز ، وكان (١) عبد الله بن عمار بن عبد يغوث (٢) يقول : والله ما رأيت مكثورا قط قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا منه ، ولا أمضى جنانا ، ما رأيت قبله ولا بعده مثله ، إن كانت الرجال تنكشف عن يمينه وعن يساره انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب.

قال : ومكث طويلا من النهار وكل يتقي أن يقتله ، فإذا شمر يقول : ثكلتكم أمهاتكم ما تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ، فحمل عليه سنان بن أنس بن عمر النخعي في تلك الساعة ، فطعنه بالرمح فوقع ، ثم قال لخولي بن يزيد بن الأصبحي : حز رأسه ، فأراد ذلك فضعف وارتعد. فقال له سنان : فتّ الله عضدك وأبان يدك ، فنزل إليه فذبحه ، ورفع رأسه إلى خولي بن يزيد (٣).

«وروي أنه لما قتل الحسين عليه‌السلام سمع هاتف في الجو يقول :

أترجوا أمة قتلت حسينا

شفاعة جده يوم الحساب» (٤)

__________________

(١) في (أ، د) : فكان.

(٢) في تاريخ الطبري : عن الحجاج بن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي ، وعتب على عبد الله بن عمار بعد ذلك مشهده قتل الحسين فقال عبد الله بن عمار : إن لي عند بني هاشم ليدا ، قلنا له : وما يدك عندهم؟ قال : حملت على حسين بالرمح فانتهيت إليه ، فو الله لو شئت لطعنته ، ثم انصرفت عنه غير بعيد وقلت : ما أصنع بأن أتولى قتله يقتله غيري ، قال : فشد عليه رجالة فمن عن يمينه وشماله ، فحمل على من عن يمينه حتى ابذعروا ، وعلي من عن شماله حتى ابذعروا عليه قميص له من خز وهو معتم ، قال : فو الله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه ، ولا أجرى مقدما ، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب ، تأريخ الطبري (٤ / ٣٤٥).

(٣) الخبر أورده الطبري بتفاصيل أكثر مما هنا. (٤ / ٣٤٥ ـ ٣٤٦) ، وعند لفظ : يزيد ـ نهاية الصفحة [٢٠٠ ـ أ].

(٤) ساقط في (أ).

٣٧٣

[ذكر من استشهدوا مع الحسين (ع)]

عبد الله بن عمير الكلبي ، ويزيد بن حصين (١) ، وعمرو بن قريضة الأنصاري (٢) ، ونافع بن هلال ، ومسلم بن عوسجة ، وحر بن يزيد الرياحي الذي كان يجعجع به ، وحبيب بن مطهر ، وأبو ثمامة الصائدي ، وسعيد بن عبد الله الحنفي ، وزهير بن القين ، وحويّ مولى أبي ذر الغفاري ، وبشر بن عمرو الحضرمي ، وعبد الرحمن بن عبد الله الكوفي ، وسويد بن عمرو بن أبي المطاع ، وعبد الله ، وعبد الرحمن ابنا أبي عذرة الغفاري ، وسيف بن حارث بن سريع ، ومالك بن عبدوس (٣) ، وحنظلة بن أسعد الشيباني ، وشوذب مولى شاكر ، وعباس بن أبي شبيب الشاكري ، ويزيد بن يزيد أبو الشعثاء الكندي ، وأنس بن الحارث الكاهلي ، وعمرو بن خالد الصدائي ، وخباب بن حارث السلماني ، وسعد مولى عمرو بن خالد ، ومجمع بن عبد الله الصائدي ، والحجاج بن مسروق الجعفي ، وابن عمه زيد بن معقل الجعفي.

[من استشهد من أهل بيته عليه‌السلام]

ومن أهل بيته عليه‌السلام علي بن الحسين بن علي عليه‌السلام الأكبر ، وكان أول من خرج فشدّ على الناس بسيفه وهو يقول :

أنا علي بن الحسين بن علي

نحن ورب الناس أولى بالنبي

تا الله لا يحكم فينا ابن الدعي (٤)

__________________

(١) ورد الاسم في (أ، د) : زيد بن حصين.

(٢) ورد الاسم في (أ، د) : عمر بن فريضة الأنصاري.

(٣) ورد في (د) : مالك بن عبد سويع ، وفي (أ) : مالك بن عيدروس.

(٤) البيت في تاريخ الطبري هكذا :

أنا علي بن الحسين بن علي

نحن ورب البيت أولى بالنبي

تا لله لا يحكم فينا ابن الدعي

وعند لفظ : الدعي نهاية الصفحة [٢٠١ ـ أ].

٣٧٤

فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصرع وقطعوه بأسيافهم ، ثم عبد الله بن مسلم بن عقيل ، ثم عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، ثم عبد الرحمن ، وجعفر ابنا عقيل ، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل ، والقاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ضربه عمرو بن سعيد بن نقيل بالسيف على رأسه فوقع الغلام ، وقال : يا عماه ، فوقف عليه الحسين عليه‌السلام قتيلا ، فقال : عزّ والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك.

ثم عبد الله بن الحسين بن علي ، وكان صغيرا في حجر الحسين عليه‌السلام فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه به ، فتلقى الحسين عليه‌السلام دمه فملأ كفيه ، فلما خرج المختار أخذ هذا الأسدي الذي رماه فذبحه بالسهم ونصبه ، وأمر أن يرمى بالسهام فرمي حتى مات.

ثم أبو بكر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رماه عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم فقتله فلذلك قيل :

وعند غنيّ قطرة من دمائنا (١)

وفي أسد أخرى تعد وتذكر

ثم عبد الله وجعفر وعثمان ومحمد بنو علي بن أبي طالب عليه‌السلام ثم غلام من آل الحسين بن علي بن أبي طالب في أذنه درّتان يقال : إن هانئ بن الحضرمي قطعه بالسيف ، ثم العباس بن علي بن أبي طالب ، وكان يقاتل قتالا شديدا ، فاعتوره الرجالة (٢) برماحهم فقتلوه ، فبقي الحسين عليه‌السلام وحده ليس معه أحد.

[١٨٩] أخبرنا (٣) إسماعيل بن سنبذا ، بإسناده عن الشعبي قال : قال الحسين بن علي عليه‌السلام : إني رأيت كأن كلابا (٤) تنبح عليّ ، وكأن أشدها عليّ كلب أبقع ، وكان شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) أبرص.

__________________

(١) شطر البيت في (ب) :

وعند عني قطرة من دائنا

(٢) في (أ، د) : الرجال.

(٣) في (ب) : حدثنا سفيان بن عيينة عن مجالد.

(٤) نهاية الصفحة [٢٠٢ ـ أ].

٣٧٥

[١٩٠] أخبرنا (١) ابن سنبذا ، بإسناده عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أن الحسين لما قتل أخذ رأسه رجل من أهل الشام ، فأتى به ابن زياد (لعنه الله) فوضعه بين يديه وجعل يقول (٢) :

أوقر ركابي فضة وذهبا

فقد قتلت الملك المحجبا

قتلت خير الناس أما وأبا

وخيرهم إن ينسبون نسبا (٣)

فقيل له : قد علمت أنه خير الناس أما وأبا فلم قتلته؟ فأمر بقتله غيظا عليه لقوله ومدحه الحسين عليه‌السلام (٤).

__________________

(١) السند هو : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن شنبذين قال : حدثنا عمرو بن ثور ، قال : حدثنا الفريابي قال : حدثنا سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه.

(٢) في ابن الأثير (٤ / ٣٥) ، والطبري (٤ / ٣٤٧) ، أن سنان بن أنس قاتل الحسين قال هذه الأبيات عند ما ـ أقبل ووقف على باب عمر بن سعد بن أبي وقاص إذ نادى بأعلى صوته وكان شجاعا شاعرا ، فقال عمر بن سعد بعد سماعه الأبيات : أشهد أنك لمجنون ما صحوت قط أدخلوه علي فلما أدخل حذفه بالقضيب ثم قال مجنون أتتكلم بهذا الكلام أما والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك. وفي مقاتل الطالبيين (... لما أدخلوا على يزيد ـ لعنه الله ـ أقبل قاتل الحسين بن علي يقول وساق الأبيات ، ثم قال وضع الرأس بين يدي يزيد (لعنه الله) في طشت فجعل ينكته على ثناياه بالقضيب وهو يقول :

نفلق هاما في رجال أعزة

علينا وهم كانوا أعق وأظلما

وقد قيل : إن ابن زياد (لعنه الله) فعل ذلك ، وقيل : إنه تمثل أيضا ، والرأس بين يديه بقول عبد الله بن الزبعرى :

ليت أشياخى ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

قد قتلنا القوم من أشياخهم

وعد لنا ببدر فاعتزل

انظر : تاريخ الطبري (٤ / ٣٤٧ ، ٣٥٢) ، تاريخ ابن الأثير (٤ / ٣٥ ، ٣٧) ، العقد الفريد (١٣١٤ ه‍) (١ / ١٩٣) ، الإرشاد (٢٢٤) وما بعدها ، والاستيعاب (١ / ٤٤٣) ، الحيوان (٥ / ٥٦٤) ، سيرة ابن هشام (٣ / ١٤٤) ، مقاتل الطالبيين ص (١١٩) ، سير أعلام النبلاء (٣ / ٣٠٩) ، ترجمة الإمام الحسين ، والبيت الذي ذكره اليزيد (لعنه الله) (نفلق هاما).

هو للحصين بن الحمام بن ربيعة المري الذبياني شاعر فارسي جاهلي كان سيد بني سهم بن مرة ، ويلقب مانع القيم ، هو ممن نبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية والبيت قصيدة مطلعها :

جزى الله أفناء العشيرة كلها

برارة موضوع عقوقا وقائما

وهي من المفضليات ص (٦٤ ـ ٦٩) ، وفي الفتوح (٥ / ٢٢١) : وأرسل عمر بن سعد بالرأس إلى عبيد الله بن زياد فجاءه الرجل بالرأس واسمه بشير بن مالك حتى وضع الرأس بين يديه ، وجعل يقول :

املأ ركابي فضة وذهبا

أنا قتلت الملك المحجبا

ومن يصلى القبلتين في الصبا

وخيرهم إذ يذكرون النسبا

قتلت خير الناس أما وأبا

قال : فغضب عبد الله بن زياد من قوله ثم قال : إذا علمت أنه كذلك فلم قتله؟ قال : والله لا نلت مني خيرا ، ولا لحقتك به ، ثم قدمه وضرب عنقه.

(٣) عجز البيت ساقط في (أ، د).

(٤) انظر سير أعلام النبلاء (٣ / ٣٠٩) ، والطبراني (٢٨٤٦) ، مجمع الزوائد (٩ / ١٩٣).

٣٧٦

[عمره (ع) عند استشهاده]

[١٩١] أخبرنا (١) ابن عافية بإسناده ، عن جعفر بن محمد قال : قتل الحسين عليه‌السلام وهو ابن ثمان وخمسين سنة.

قال ابن الزبير : وحدثني محمد بن الحسن المخزومي أنه قتل يوم عاشوراء وعليه جبّة خز دكناء قد صبغ بالسواد وهو ابن ست وخمسين سنة وعشرة أشهر وخمسة أيام.

[١٩٢] أخبرنا (٢) ابن سنبذا بإسناده عن أبي جعفر عليه‌السلام قال بعث ابن زياد (لعنه الله) برأس الحسين وبعلي بن الحسين وزينب والنسوة ، وهن أربع عشرة أحسبه قال : أو أقل إلى يزيد كأنهن السبايا ، فلما وضع رأسه بين يديه جعل ينكث ثناياه بالقضيب ، ويقول (لعنه الله) :

نفلق هاما من رجال أعزة

علينا وهم كانوا أعق وأظلما

وكان عنده أبو برزة (٣) ، فقال : ارفع قضيبك فو الله لطال ما رأيت (٤) فاء رسول الله على فيه يلثمه.

__________________

(١) السند في (ب) : أخبرنا سفيان بن عيينة ، وهو تصحيف ، والسند هو : أخبرنا ابن عافية ، قال : حدثنا ابن أبي عروة ، قال : حدثنا إسماعيل بن بهرام الليثي ، عن الدراوردي ، عن جعفر بن محمد.

(٢) السند هو : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن شنبذين قال : حدثنا عمرو بن ثور قال : حدثنا الفريابي قال : حدثنا سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه.

(٣) هو أبو برزة الأسلمي نضلة بن عبيد على الأصح ، وقيل : نضلة بن عمرو ، وقيل خلاف ذلك ، روى عدة أحاديث وعنه ابنه المغيرة ، وحفيدته منية بنت عبيد ، وأبو عثمان النهدي ، وغيرهم نزل البصرة ، وأقام مدة مع معاوية ، قال ابن سعد : أسلم قديما ، وشهد فتح مكة ، توفي بالبصرة ، وقيل : بخراسان ، وقيل : بمفازة بين هراة وسجستان ، وقيل : شهد صفين مع علي ، وقال الحاكم : توفي سنة (٦٤ ه‍) ، انظر : سير أعلام النبلاء (٣ / ٤٠ ـ ٤٣) ، طبقات ابن سعد (٤ / ٢٩٨) ، (٧ / ٩ ، ٣٦٦) ، تاريخ بغداد (١ / ١٨٢) ، أسد الغابة (٢ / ٩٣) ، (٣ / ٢٦٨) ، (٥ / ١٩ ، ١٤٦) ، تهذيب الأسماء واللغات (١ / ٢ / ١٧٩) ، الإصابة (ت ١١٧ ، ٨٧١٨) ، تهذيب التهذيب (١٠ / ٤٤٦).

(٤) نهاية الصفحة [٢٠٣ ـ أ].

٣٧٧

ثم جهزهم وبعث بهم إلى المدينة ، فلما دخلوها خرجت امرأة من بني هاشم (١) ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها وهي تقول :

ما ذا تقولون إن قال النبي لكم

ما ذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بشر في ذوي رحم

__________________

(١) في تاريخ الطبري : امرأة من بني عبد المطلب (٤ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤) ، وانظر مقاتل الطالبيين ص (١٢١) ، وفي الفتوح (٥ / ٢٤٥) ، ثم جعل على بن الحسين يقول :

ما ذا تقولون إن قال النبي لكم

ما ذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلى بعد منقلبى

منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم

ما كان هذا جزائى إذ نصحتكم

أن تخلفونى بسوء في ذوي رحم

وفي الإرشاد وكشف الغمة (خرجت أم لقمان بنت عقيل بن أبي طالب (رحمة الله عليهم) حين سمعت بنعي الحسين عليه‌السلام حاسرة ومعها أخواتها أم معافى وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل بن أبي طالب (رحمة الله عليهم) تبكي قتلاها بالطف وهي تقول الأبيات ، ثم سرد الأبيات بنفس ما هنا.

٣٧٨

[(٨) الإمام الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (أبو محمد الرضا)] (١)

(... ـ نحو ٩٠ وقيل : ٩٧ ، ٩٩ ه‍ / ... نحو ٧٠٨ م)

[جهاده (ع) تحت لواء عمه الحسين (ع)]

[١٩٣] أخبرنا محمد بن جعفر القرداني بإسناده عن أبي مخنف لوط بن يحيى أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام قاتل بين يدي عمه الحسين عليه‌السلام وهو فارس ، وله يومئذ عشرون سنة ، وقيل : تسع عشرة سنة ، وأصابته ثمان عشرة جراحة حتى ارتث (٢) ووقع في وسط القتلى ، فحمله خاله أسماء بن خارجة الفزاري (٣) ، ورده إلى الكوفة وداووا جراحه ، وبقي عنده ثلاثة أشهر حتى عوفي وسلم ، وانصرف إلى المدينة ، فبنى بعد انصرافه بسنة بفاطمة بنت الحسين بنت عمه ، وكان عمه الحسين زوجه إياها فولد له منها عبد الله ، وإبراهيم والحسن بنو حسن بن حسن وأم كلثوم وزينب.

__________________

(١) انظر : طبقات ابن سعد (٥ / ٣١٩) ، سير أعلام النبلاء (٤ / ٤٨٣ ـ ٤٨٧) وفيه أنه توفي سنة (٩٩ ه‍) وقيل : في (٩٧ ه‍) ، نسب قريش لمصعب (٤٦) ، طبقات خليفة ت (١٢٠٤٥) ، تاريخ البخاري (٢ / ٢٨٩) ، المعارف (٢١٢) ، الأعلام (٢ / ١٨٧) ، الجرح ، والتعديل القسم الثاني من المجلد الأول ص (٥) ، تهذيب ابن عساكر (٤ / ١٦٥) ، تهذيب الكمال ص (٢٥٥) ، تاريخ الإسلام (٣ / ٣٥٦) العبر (١ / ١٩٦) ، تهذيب التهذيب (٢ / ١٦٣) البداية والنهاية (٩ / ١٧٠) خلاصة تذهيب التهذيب (٧٧) ، وله أخبار طويلة في تأريخ ابن عساكر.

(٢) ارتث فلان حمل في المعركة مثخنا ضعيفا من قولهم : هم رثة الناس لضعفائهم شبهوا برثة المتاع.

(٣) هو : أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، الأمير أبو حسان ، وقيل : أبو هند الفزاري الكوفي ، من كبار الأشراف وهو ابن أخي عيينة بن حصن أحد المؤلفة قلوبهم روى عن علي عليه‌السلام وابن مسعود ، وعنه ولده مالك ، وعلي بن ربيعة ، توفي سنة (٦٦ ه‍) ، انظر سير أعلام النبلاء (٣ / ٥٣٥ ـ ٥٣٧) ، المجبر (١٥٤) ، مشاهير علماء الأمصار ت (٥٣٢) ، الكامل لابن الأثير (٤ / ٢٦٠) ، تاريخ الإسلام (٢ / ٣٨٥) ، فوات الوفيات (١ / ٦٨ / ١٦٩) ، البداية والنهاية (٩ / ٤٣) ، النجوم الزاهرة (١ / ١٧٩) ، تهذيب ابن عساكر (٣ / ٤٤ ، ٤٩).

٣٧٩

[بيعته وخروجه]

[١٩٤] أخبرنا (١) علي بن الحسين بن سليمان البجلي بإسناده عن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام أن مبدأ بيعة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي (٢) ولّاه الحجاج سجستان ، فسار إليه في جيش عظيم حتى اجتمع له ثلاثون ألفا ، فخلع عبد الملك والحجاج وهمّ بأن يدعو إلى نفسه ، فقال له من معه من علماء الكوفة والبصرة : هذا أمر لا يلتئم إلّا برجل من قريش ، فراسلوا علي بن الحسين والحسن بن الحسن ، فأما علي بن الحسين فامتنع ، وأما الحسن بن الحسن فقال : ما لي رغبة عن القيام بأمر الله ، ولا زهد في إحياء دين الله ولكن لا وفاء لكم تبايعونني ثم تخذلونني ، فلم يزالوا به حتى أجابهم ، وورد عليه كتاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث هو والذين معه بالبيعة وأيمانهم المغلظة وأنهم لا يخالفونه فبايعهم ، وخرج إليه منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو البحتري الطائي (٣) والشعبي وأبو وائل شقيق وعاصم بن ضمرة السلولي (٤) ، ومن أهل البصرة محمد بن سيرين (٥) وعبد الرحمن بن الشخير (٦) ، والحسن البصري

__________________

(١) لعل السند : أخبرنا علي بن الحسين بن سليمان البجلي ، عن أحمد بن سلام ، عن محمد بن سعيد الرازي ، عن إدريس بن محمد ، عن عبد الرحمن بن أبي أحمد بن دو كان ، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن.

(٢) نهاية الصفحة [٢٠٤ ـ أ].

(٣) هو : سعيد بن فيروز ، أبو البختري الطائي ، مولاهم الكوفي أحد العباد ، حدث عن أبي برزة الأسلمي ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبي سعيد الخدري ، وأرسل عن علي وابن مسعود ، روى عنه عمرو بن مرة ، وعطاء بن السائب ويونس بن خباب ، ويزيد بن أبي زياد ، وحبيب بن أبي ثابت ، وثقه يحيى بن معين ، وكان مقدم الصالحين القراء الذين قاموا على الحجاج في فتنة بن الأشعث فقتل أبو البختري في وقعة الجماجم سنة (٨٢ ه‍) ، انظر : طبقات ابن سعد (٦ / ٢٩٢) ، طبقات خليفة ت (١١٠٧) ، سير أعلام النبلاء (٤ / ٢٧٩) ، تاريخ البخاري (٣ / ٥٠٦).

(٤) هو : عاصم بن ضمرة السلولي ، روى عن الإمام علي عليه‌السلام. روى عنه أبو إسحاق الهمذاني ، قال أحمد بن حنبل : عاصم بن ضمرة أعلى من الحارث ، وقدم يحيى بن معين كذلك عاصم بن ضمرة على الحارث الأعور. وثقه علي بن المديني ، الجرح (٦ / ٣٤٥ ت ١٩١٠).

(٥) هو الإمام محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري الأنس البصري ، مولى أنس بن مالك ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ، وقيل : في خلافة عمر ، سمع أبا هريرة ، وعمران بن الحصين ، وابن عباس ، وعدي بن حاتم ، وابن عمر ، وعبيدة السلماني ، وشريحا القاضي ، وأنس بن مالك ، وغيرهم ، روى عنه قتادة وأيوب ، ويونس بن عبيد ، وابن عون ، وخالد الحذاء ، وهشام بن حسان ، وغيرهم. قيل : أنه أدرك ثلاثين صحابيا. توفي لتسع مضين من شوال سنة (١٢٠ ه‍) ، انظر : طبقات ابن سعد (٧ / ١٩٣) ، الزهد لأحمد (٣٠٦) ، الحلية (٢ / ٢٦٣) ، تاريخ بغداد (٥ / ٣٣١) ، وفيات الأعيان (٤ / ١٨١) ، سير أعلام النبلاء (٤ / ٦٠٦) ، تذكرة الحفاظ (١ / ٧٣) ، مرآت الجنان (١ / ٢٣٢) ، شذرات الذهب (١ / ١٣٨).

(٦) لم أقف عليه ولعله مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي العامري أبو عبد الله البصري ، توفي سنة (٩٥ ه‍) ، انظر : التقريب (٦٧٢٨) ، تهذيب الكمال (٦٠٠١) (٢٨ / ٦٧) ، الجرح (٨ / ت ١٤٤٦) ، الكاشف (٣ / ت ٥٥٧٢) ، تهذيب التهذيب (١٠ / ١٧٣ ت (٧٠١٦) ، وانظر ترجمة والده في تهذيب التهذيب (٥ / ٢٥١) ت (٣٤٩٠).

٣٨٠