🚘

المصابيح

الإمام أبو العباس الحسني

المصابيح

المؤلف:

الإمام أبو العباس الحسني


المحقق: عبدالله بن عبدالله بن أحمد الحوثي
الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية
الطبعة: ٢
الصفحات: ٦٧٢
🚘 نسخة غير مصححة

[قصة بحيرى : جرجيس النصراني] (١)

ثم خرج به في جماعة من قريش ، حتى إذا كانوا بأرض بصرى بين مكة والشام أشرف بحيرى الراهب من صومعته ، وقد كان قرأ الكتب السالفة ، وعرف بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفته فرآهم مقبلين من مكة على رءوسهم سحابة تسير إذا ساروا وتقف إذا وقفوا ، فقال : ما هذه السحابة إلّا على رأس نبي.

وأمر من عنده باتخاذ الطعام ، ونزل القوم عند شجرة حذاء باب الدير ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع عمه تحت الشجرة وقد مال فيؤها عليه ، ووقفت السحابة عليها ، وبحيرا ينظر (٢) ، فقال لهم : معاشر قريش أجيبوني إلى الطعام؟ ـ وأبو جهل في العير ـ فقال : ما عهدنا هذا منه.

وأجابوه وأشرف بحيرا فإذا السحابة على الشجرة وفيؤها مائل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : هل تخلف عن طعامي أحد منكم؟

قالوا : نعم غلام يتيم يقال له محمد.

قال : إنه لا بأس على أمتعتكم فهلموه ، فدعوا رسول الله عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجاء إلى جنب عمه أبي طالب ، وجعل بحيرا يتفسر فيه العلامات التي عرفها ، فلما فرغوا خلا بحيرا بأبي طالب ، ثم قال : يا شيخ ما هذا الغلام منك؟

قال : ابني.

قال : لا ينبغي أن يكون له أب ولا أم ولا جد في الأحياء.

قال : صدقت ، ابن أخي.

قال : اتق الله واحذر عليه أعداءك اليهود ، ثم بكى بحيرى بكاء شديدا وقام إلى

__________________

(١) خبر بحيرى النصراني أورده الكثير ممن صنفوا في السيرة النبوية ومناقبه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. انظر : السيرة الحلبية (١ / ١١٧) ، الخصائص للسيوطي (١ / ٨٣ ـ ٨٦) ، سيرة ابن هشام (١ / ٢٠٣) ، دلائل النبوة لأبي نعيم ص (١٢٥) ، الوفاء (١ / ١٣١) ، الاكتفاء (١ / ١٩١) ، شرح المواهب (١ / ١٩٠) ، سيرة ابن إسحاق (١ / ٢ / ٥٣ ـ ٥٩) ، البداية والنهاية (٢ / ٢٢٩ ـ ٢٣٠).

(٢) في (ج) : وبحيرا انظر فيها.

١٢١

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه ، فقبل ما بين عينيه (١).

فلما انصرفوا قافلين إلى مكة انصرف به أبو طالب ، وقام بأمره كأتم قيام (٢) ، حتى نشأ رسول الله ووقعت الحرب (٣) بين قريش وكنانة وقيس عيلان (٤) بسوق عكاظ (٥) في أخبار وأشعار لهم ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين ظهرانيهم قد عصمه الله ـ تعالى ـ من كل دنس ومن كل شرك (٦).

__________________

(١) انظر : السيرة الحلبية (١ / ١١٧ ـ ١٢٢) ، دلائل النبوة (٢ / ٢٤ ـ ٢٩) ، الكامل لابن الأثير (٢ / ٢٣) ، السيرة النبوية لابن هشام (١ / ١٨٩ ـ ١٩٥) ، الخصائص (١ / ٨٥٩ ، طبقات ابن سعد (١ / ٩٦ ـ ١٠٠) ، دلائل النبوة لأبي نعيم (١٢٥).

(٢) لأبي طالب مواقف نحو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سواء في طفولته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بعدها توضيح بعض تلك المواقف :

أ ـ كان شيخ الأبطح الذي حامى وناصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحدب عليه منذ طفولته ؛ إذ نصره بيده ولسانه وواجه المصاعب ، والمشاق العظيمة في سبيل الدفاع عنه ، والذود عن دينه ورسالته ، بل لقد تخلى حتى عن مكانته في قومه ، وتحول إلى الاتجاه المضاد ، وهو العداء لهم ولسائر أهل بلده.

ب ـ هو الذي وقف الموقف الذي لا يقارن من جبابرة قريش وفراعنتها حينما جاءه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد ألقت عليه قريش أشلاء ناقة ، فأخذ السيف وأمر حمزة بأن يأخذ السلاح ويتوجه إلى القوم.

ج ـ كان يتحمل الجوع والفقر والمحاصرة الاقتصادية ، بل هو من بذل أمواله وكل ما لديه في سبيل دين ابن أخيه.

د ـ جاهد بيده ولسانه وبكل ما لديه من إمكانات مادية ومعنوية في سبيل نصرة ابن أخيه ، وما قصة قول النبي : «والله لو وضعوا الشمس ... إلخ» ، إلّا دليلا واضحا ومؤكدا حول ذلك ، انظر : منية الراغب (٧٥) ، السيرة الحلبية (١ / ٢٩١ ، ٢٩٢) ، البحار (١٨ / ٢٠٩) ، الغدير (٧ / ٣٨٨ ، ٣٥٩) ، (٨ / ٣ ـ ٤) ، أبو طالب مؤمن قريش ص (٧٣) ، ثمرات الأوراق (٢٨٥ / ٢٨٦) ، نزهة المجالس (٢ / ١٢٢) ، الجامع لأحكام القرآن (٦ / ٤٠٥ ـ ٤٠٦) ، تأريخ اليعقوبي (٢ / ٢٤ ـ ٢٥) ، الصحيح من سيرة المصطفى (٣ / ٢١٦ ـ ٢٥٩).

(٣) تلك الحرب هي ما سميت بحرب الفجار ، وقد هاجت تلك الحرب وعمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشرين سنة. انظر : الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (١٩ ص / ٧٤ ـ ٨٠) ، طبقات ابن سعد (١ / ١٠١ ـ ١٠٣) ، السيرة الحلبية (١ / ١٢٧ ـ ١٢٩) ، السيرة النبوية لابن هشام (١ / ١٩٥ ـ ١٩٨) ، أما ما قاله أبو طالب من أشعار بعد تلك القصة فقد ساق ذلك ابن إسحاق في كتابه (المبتدأ والمبعث والمغازي) (١ / ٢ / ٥٥ ـ ٥٧).

(٤) كنانة ، وقيس عيلان : فكنانة بن خزيمة ، قبيلة عظيمة من العدنانية ، وهم بنو كنان بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، كانت ديارهم بجهات مكة ، وقد قدمت طائفة منهم مصر سنة (٥٤٥ م) ، وتنقسم إلى عدة بطون منها : قريش عبد مناف بن كنانة ، بنو مالك بن كنان ... إلخ. انظر : معجم قبائل العرب (٣ / ٩٩٦ ـ ٩٩٧) ومصادره. أمّا قيس عيلان : فشعب ينتسب إلى قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، واسم عيلان الناس ، وتشعبت قيس إلى ثلاث بطون : من كعب وعمرو وسعد بنيه الثلاثة وغلب اسم قيس على سائر العدنانية حتى جعل في المثل في مقابل عرب اليمن قاطبة فيقال : قيس ، ويمن ، انظر : معجم قبائل العرب (٣ / ٩٧٢).

(٥) هي : صحراء مستوية لا علم فيها ولا جبل ، كان فيها نصب من الأنصاب التي كانت في الجاهلية ، وهي بأعلى نجد وقريب من عرفات ، وسوق عكاظ قرية كالمدينة جامعة ، لها مزارع ونخيل ومياه كثيرة ، لها سوق في يوم الجمعة ، وكانت عكاظ ومحنة وذو المجاز أسواق لمكة في الجاهلية ، وكانت عكاظ من أعظم أسواق العرب تنزلها قريش وهوازن وغطفان وأسلم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف العرب ، وكانت تقوم في النصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر. انظر : الروض المعطار (٤١١ ـ ٤١٢) ، معجم ما استعجم (٣ / ٩٥٩) ، معجم البلدان (٤ / ١٤٢).

(٦) انظر : السيرة الحلبية (١ / ١٢٢ ـ ١٢٥) ، دلائل النبوة للبيهقي (٢ / ٣٠ ـ ٤٢) ، الخصائص الكبرى للسيوطي (١ / ٨٨ ـ ٨٩).

١٢٢

[تجارته (ص) لخديجة]

ثم إن أبا طالب أقبل عليه ذات يوم فقال : يا ابن أخي هذه خديجة بنت خويلد (١) تستعين بالرجال كل سنة مع غلامها ميسرة ، فهل لك أن تخرج معه فتنتفع من ناحيتها؟

فأجمع رأي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ذلك وأتى مع عمه إلى خديجة فدعت ميسرة وقالت : إني أجعل لكل رجل خرج معك إلى الشام بكرا ، وهذا ابن عمي محمد قد جعلت له بكرين ، فأحسن صحبته فقد عرفت شرفه وخطره (٢) في بني هاشم (٣).

فتهيأ ميسرة وخرج برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تجار مكة فيهم السائب بن أبي السائب (٤) وكان

__________________

(١) هي : خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ، وسيدة نساء العالمين ، أم القاسم ، وهي ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشية الأسدية ، أم أولاد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأول من آمن به من النساء وصدقه قبل كل أحد ، ومناقبها جمة ، وهي ممن كمل من النساء ، وكانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة ، وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يثني عليها ، ويفضلها في حبه لها في حياته وبعد مماتها على سائر نسائه ، توفيت قبل أن تفرض الصلاة ، وقيل : توفيت في رمضان ، ودفنت بالحجون عن (٦٥ سنة) ، انظر : طبقات ابن سعد (٨ / ٥٢) ، (١ / ١٣١ ، ١٣٣) ، الاستيعاب (٤ / ١٨١٧) ، سير أعلام النبلاء (٢ / ١٠٩ ـ ١١٧) ، الإصابة (٤ / ٢٨١ ـ ٢٨٣) ، ترجمة (٣٣٥) ، حلية الأولياء (٢ / ٢٤٤) ، أسد الغابة (ت ٦٨٧٤) ، شذرات الذهب (١ / ١٤) ، تأريخ بغداد للخطيب (٧ / ١٨٥) ، (٩ / ٤٠٤) ، الطبراني في الكبير (١١ / ٤١٥) ، صحيح البخاري (٤ / ٢٠٠ ، ٥ / ٤٧) ، عبد الرزاق (حديث ٢٠١٩) ، مسلم كتاب الفضائل ، سنن البيهقي (٦ / ٣٦ ، ٣٦٧) ، تاريخ الإسلام (٢) ، صحيح السيرة (٢ / ١٠٥ ـ ١٣٤) ومصادره.

(٢) نهاية الصفحة [٢٧ ـ أ].

(٣) أورد الخبر وقصة خروجه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمرة الثانية مع تجارة خديجة تفصيلا كل من : صاحب كتاب السيرة الحلبية (١ / ١٣٢ ـ ١٣٧) ، وابن هشام في السيرة النبوية (١ / ١٩٨ ـ ٢٠١) ، طبقات ابن سعد (١ / ١٠٣ ـ ١٠٥) ، تاريخ الطبري (٢ / ٣٤) ، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢ / ٢٤) ، السيرة الشافية (٢ / ٢١١) ، دلائل النبوة للبيهقي (٢ / ٢٦٥). وأغلب من ألّف أو صنف في سيرة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

(٤) هو : السائب بن أبي السائب ، واسم أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، اختلف في إسلامه فذكر ابن إسحاق أنه قتل يوم بدر كافرا ، قال في الاستيعاب : (وقد ذكرنا أن الحديث فيمن كان شريك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هؤلاء مضطرب جدا ، منهم من يجعل الشركة مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للسائب بن أبي السائب ، ومنهم من يجعلها لأبي السائب أي أبيه ، ومنهم من يجعلها لقيس بن السائب ، ومن يجعلها لعبد الله بن السائب ، وهذا اضطراب لا يثبت به شيء ولا تقوم به حجة ، والسائب بن أبي السائب من جملة المؤلفة قلوبهم ، وممن حسن إسلامه منهم). انظر : الاستيعاب (٢ / ١٤٠ ـ ١٤١) ترجمة (٨٩٧) ، الإصابة (ت ٣٠٧٢) ، أسد الغابة (ت ١٩١١) ، السيرة الحلبية (١ / ١٣٦ ـ ١٣٧).

١٢٣

شريكا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلذلك قال له بعد ما بعث : ألم تكن شريكي في الجاهلية؟

قال : بلى بأبي أنت وأمي فنعم الشريك ، كنت لا تماري ولا تداري.

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فانظر الأخلاق الحسنة التي صنعتها في الجاهلية فاصنعها في الإسلام ، أقري الضيف ، وأحسن إلى اليتيم ، وأكرم الجار» (١).

[زواجه (ص) بخديجة]

[١٢] أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحديدي بإسناده عن سعيد بن جبير قال : كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد الحرام ، فاجتمعن فيه في يوم عيدهن ، فأتاهن يهودي فقال : معاشر نساء قريش ، يوشك أن يبعث فيكم نبي ، فأية امرأة منكن استطاعت أن تكون له أرضا يطؤها فلتفعل.

فحصبنه وطردنه ، ووقع ذلك القول في قلب خديجة عليها‌السلام (٢) ، وكان لها غلام يقال له : ميسرة ، يختلف بالتجارة ، وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج معه في سفره ، وكان إذا دنا من مكة بعث إلى خديجة فأعلمها بما كان في سفرهم ، وكان لها مشرفة (٣) فكانت إذا كان أوقات قدومه تجلس فترى من يطلع من عقبة المدينة ، فجلست فيها في يوم صائف فطلع رجل من العقبة في يوم حار وأقبل على رأسه سحابة قدر ما تظله لا ترى في السماء سحابة غيرها.

فلما نظرت قالت : لئن (٤) كان ما قال اليهودي حقا ما أظنه إلّا هذا الرجل.

__________________

(١) أخرجه أبو نعيم عن مجاهد ، واستدل به السيوطي في الخصائص الكبرى (١ / ٩١) ، وصاحب السيرة الحلبية (١ / ١٣٦ ـ ١٣٧) ، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢ / ١٤٠ ـ ١٤١) ، الإصابة في الترجمة (٣٠٧٢) ، أسد الغابة (ت ١٩١١). جميعهم بدون : «فينظر الأخلاق ... وأكرم الجار». والذي أوردوه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «نعم الخليط أو الشريك ، كان أبو السائب لا يشاري ولا يماري». وقد اختلفت الروايات في ذلك.

(٢) انظر السيرة الحلبية (١ / ١٣٩).

(٣) المشرفة : المكان المرتفع العالي.

(٤) نهاية الصفحة [٢٨ ـ أ].

١٢٤

فلما انتهى إليها أخبرها بما كان في سفرهم ، فقالت له : ألا تتزوج (١).

فقال لعمه أبي طالب : اخطب لي.

قال : من؟

قال : خديجة بنت خويلد.

فقال : سأقضي ما في نفسك.

فلقي أباها فذكر ذلك له ، فقال : حتى أنظر.

فلقيها فذكر ذا مال قد ماتت امرأته. فقال : يا خديجة فلان يخطبك.

قالت : ذهب شبابه وساء خلقه يدل بماله لا حاجة لي فيه.

وذكر لها غلاما من قريش قد ورّث له أبوه مالا.

قالت : حديث السن سفيه العقل لا حاجة لي فيه.

فقال : محمد بن عبد الله.

قالت : أوسط الناس في قريش نسبا وصهرا ، وأصبحهم وجها ، وأفصحهم لسانا أعود عليه بمالي.

فأرسل إليهم أن هلموا ، فقال أبو طالب : اذهب أنت يا حمزة معه فأنت صهر القوم.

فمروا إلى علي عليه‌السلام فقالوا له : انطلق معنا يا علي حتى نزوج محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : أنظروني حتى آخذ بردي ونعلي ، ففعلوا.

فلما دخلوا عليه ، قالوا : تكلموا.

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الحمد لله الذي لا يموت ...» ثم تكلم فزوجوه.

وقد روينا أن أبا طالب زوجه (٢).

__________________

(١) في (ب ، ج) : ألا تتزوج يا محمد.

(٢) انظر : سيرة ابن هشام (١ / ٢٠١) ، أعيان الشيعة (١ / ٢٢٠) ، السيرة الحلبية (١ / ١٣٧ ـ ١٤١) ، المناقب (١ / ٤٢) ، تاريخ اليعقوبي (٢ / ٢٠) ، الأوائل لأبي هلال العسكري (١ / ١٦٢) ، تاريخ الخميس (١ / ٢٦٤) ، المواهب اللدنية (١ / ٣٩) ، بهجة المحافل (١ / ٤٨) ، السيرة النبوية لدحلان (١ / ٥٥) ، الكافي (٥ / ٣٧٤ ، ٣٧٥) ، البحار (١٦ / ١٤) ، السيرة لابن كثير (١ / ٢٦٣) ، الصحيح من سيرة المصطفى (٢ / ١٠٧) وما بعدها ، النهاية والنهاية (٢ / ٢٣٩) وما بعدها.

١٢٥

[خطبة أبي طالب في تزويج خديجة]

[١٣] أخبرنا (١) محمد بن جعفر القرداني قال : حدثنا محمد بن عبد الله الجبائي يرفعه عن جعفر بن محمد عليه‌السلام قال : لما أراد رسول الله تزويج خديجة أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخلوا على ورقة بن نوفل ، وأرسلوها فأظهرت رغبة ، ولا طفت أباها حتى أجابها.

فقال أبو طالب : الحمد لله (٢) رب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم ، وذرية إسماعيل ، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا ، وجعلنا الحكام على الناس ، وبارك لنا في بلدنا ، ويخرج فينا نبيا خاتما آمنا به واتبعنا هديه ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به ، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه ، ولا عدل له في الخلق ، ولئن كان مقلا في المال فإن المال ورق حائل ، وظل زائل ، وهو بإذن الله كفء ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه كذلك ، والصداق ما أرادت وشاءت (٣).

فقالت خديجة : الصداق عليّ وفي مالي ، فمر (٤) عمك فلينحر ناقة وليولم للناس بها.

__________________

(١) سند المؤلف إلى جعفر بن محمد عليه‌السلام عن طريق محمد بن جعفر القرداني هو : أخبرنا محمد بن جعفر القرداني قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا مسعد بن صدقة عن جعفر بن محمد. ولم نقف على سند للمؤلف عن القرداني عن محمد بن عبد الله الجبائي إلى الإمام جعفر الصادق.

(٢) نهاية الصفحة [٢٨ ـ أ].

(٣) في السيرة الحلبية (١ / ١٣٨ ـ ١٣٩) الخطبة هكذا : (الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معدّ ـ أي معدنه ، وعنصر مضر أي أصله ـ وجعلنا حضنة بيته ـ أي المتكفلين بشأنه ـ وسواس حرمه ـ أي القائمين بخدمته ـ وجعله لنا بيتا محجوجا ، وحرما آمنا ، وجعلنا حكام الناس ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلّا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا ، وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل ، وأمر حائل ، وعارية مسترجعة ، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطر جليل ، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة ، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثنتي عشرة أوقية ونشا).

(٤) قولها : (فمر عمك) التفات منها إلى خطبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان مهرها : اثنتي عشرة أوقية ونشا ، أي عشرون درهما ، والأوقية أربعون درهما ، وكانت الأواقي والنش من ذهب كما قاله المحب الطبري ، وبذلك يكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي ، وقيل : أصدقها عشرين بكرة ، وقد أولم عليها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنحر جزورا ، وقيل : جزورين ، وأطعم الناس ، وأمرت خديجة بنت خويلد جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف ، وفرح أبو طالب فرحا شديدا ، وقال : (الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ، ودفع عنا الغموم) ، وهي أول وليمة أولمها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. انظر السيرة الحلبية (١ / ١٣٩).

١٢٦

فقال أبو طالب : اشهدوا عليها. وقالت قريش : عجبا أتمهر النساء الرجال!؟

فغضب أبو طالب ، وكان ممن يهاب ويكره غضبه فقال : أما إذا كان مثل ابن أخي هذا طلبته النساء بأغلى الأثمان. ونحر أبو طالب ناقة ، ودخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأهله. فقال رجل من قريش يقال له عبد الله (١) :

هنيئا مريئا يا خديجة قد جرت

لك الطير فيما كان منك بأسعد

تزوجته خير البرية كلها

ومن ذا الذي في الناس مثل محمد

به بشر الله المسيح (٢) بن مريم

وموسى بن عمران كأقرب موعد

أقر به الكتاب طرا بأنه

رسول من الرحمن هاد ومهتدي

[١٤] وأخبرنا (٣) أحمد بن محمد بن بهرام قال : حدثني غير واحد أن عمرو بن أسد

زوج خديجة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ وتزوجها (٤) وهو ابن خمس وعشرين سنة وقريش تبني الكعبة.

وقال ابن جريج : وهو ابن سبع وثلاثين.

وقال عمرو بن أسد (٥) : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة هو الفحل لا تقرع أنفه (٦).

__________________

(١) في (ب ، ج) عمر.

(٢) في (أ) : به بشر الله عيسى بن مريم.

(٣) في (ب ، ج) : حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بإسناد الرواة.

(٤) نهاية الصفحة [٣١ ـ أ].

(٥) هو عمرو بن أسد ، من خزيمة من عدنان ، جد جاهلي يقال : إنه أول من عمل الحديد من العرب ، من عقبة سماك بن مخرمه صاحب مسجد سماك بالكوفة ، وهو الذي يقول فيه الأخطل :

نعم المجير سماك من بني أسد

انظر : سير أعلام النبلاء (٥ / ٧٣) ، سبائك الذهب (٥٨) ، نهاية الأرب (٣٠١) ، القاموس المحيط للفيروزآبادي مادة (سمك).

(٦) السيرة الحلبية (١ / ١٣٧ ـ ١٣٩).

١٢٧

[بدء نزول الوحي على رسول الله (ص)]

[١٥] أخبرنا (١) أحمد بن سعيد الثقفي يرفعه عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه تنبأ وهو ابن أربعين سنة (٢).

[١٦] [أخبرنا عبد الله بن محمد الجوزجاني ، قال : حدثنا الحسن بن العلاء ، قال : حدثنا نمير عن يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده] (٣) أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ، ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها ، فلا يمر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحجر ولا شجر إلّا قال : السلام عليك يا رسول الله ، فيلتفت حوله وعن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلّا الشجر والحجارة (٤) ، فمكث كذلك ما شاء الله يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث ، ثم جاءه جبريل عليه‌السلام بما جاءه من كرامة الله وهو بجبل حراء في شهر رمضان (٥).

[١٧] أخبرنا (٦) محمد بن جعفر الأنماطي يرفعه عن ابن عباس قال : أقام

__________________

(١) السند هو : أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي ، قال : حدثنا أحمد بن الأزهر ، قال : حدثنا عبد الرزاق عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك.

(٢) الخبر أخرجه الإمام أبو طالب في الأمالي الاثنينية (خ) ، كما أن خبر مبعثه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّه أربعين خبر مجمع عليه. انظر : البداية والنهاية (٣ / ٢) وما بعدها ، السيرة الحلبية (١ / ٢٢٤) ، وينظر نفس المصدر (١ / ٢٣٤) زيادة للفائدة.

(٣) في أصولي : أخبرنا عبد الله بن محمد الجوزجاني يرفعه عن بعض أهل العلم ، والسند هو ما أثبتناه.

(٤) انظر : السيرة الحلبية (١ / ٢٢٣) ، والبداية والنهاية (٣ / ٢ ـ ١٦).

(٥) انظر : السيرة الحلبية (١ / ٢٣٣ ـ ٢٦٣) ، السيرة النبوية لابن هشام (١ / ٢٤٩ ـ ٢٥٥) ، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢ / ٢٩ ـ ٣٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٢ / ٣٠٦ ـ ٣٠٨) ، دلائل النبوة (٢ / ١٣١) وما بعدها ، سيرة ابن إسحاق (١ / ٣ / ١٠٩ ـ ١١٩) ، البداية والنهاية (٣ / ٢) وما بعدها.

(٦) للخبر سند آخر كما في أمالي الإمام أبي طالب ص (٤٥) وهو رواية ـ وبسنده المشار إليه ص (٣٨) ، قال : أبو سعيد عبد الله بن محمد بن بدر الكرخي قال : حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد ، قال : حدثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة ، قال : حدثنا روح ، قال : حدثنا هشام ، قال : حدثنا عكرمة عن ابن عباس ، قال : بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأربعين سنة فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، ثم أمره بالهجرة فهاجر عشرا ، وتوفي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو بن ثلاث وستين سنة ، وسند الأنماطي إلى ابن عباس لعله : أخبرنا أبو أحمد الأنماطي ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا الواقدي ، قال : حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن ابن عباس.

١٢٨

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، وفي المدينة عشرا ، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة (١).

وفي غير هذا الحديث (٢) : أنه قرن معه إسرافيل ثلاث سنين ، لا يظهر شيئا مما أنزل الله ، ثم قرن معه جبريل (٣) وأمر بإظهاره في قوله عزوجل : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر : ٩٤] (٤) ، ثم نسخت آية القتال الإعراض (٥) عنهم.

فنزل جبريل عليه‌السلام بالقرآن عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة ؛ فما ذكرت فيه الأمم والقرون والأنبياء فإنه نزل بمكة ، وكل ما فبه الفرائض والجهاد والحدود فبالمدينة (٦).

وقيل : أفصح العرب بنو معاوية بن بكر (٧) ، الذين أرضعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

«فنزل القرآن بلغتهم ؛ إذ كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعلم فيها» (٨)

__________________

(١) اختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحي إليه ، فقال أنس وبن عباس من رواية أبي سلمة عنه ، وعائشة : إنه أقام بمكة عشر سنين ، ومثلهم قال من التابعين ابن المسيب والحسن ، وعمرو بن دينار ، وقيل : أقام ثلاثة عشرة سنة ، قال ابن عباس من رواية أبي حمزة وعكرمة أيضا عنه : ولعل الذي أقام عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة ، فإنه بقي سنين يسيرة. الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢ / ٧٦) ، وانظر : البداية والنهاية (٣ / ٤) وما بعدها ، أمالي أبي طالب ص (٤٥).

(٢) في (أ، د) : الخبر.

(٣) عن داود بن أبي هند ، عن عامر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة ، وكان معه اسرافيل ثلاث سنين ، ثم عزل عنه إسرافيل وأقرن به جبريل عشر سنين بمكة وعشر سنين مهاجره بالمدينة ، فقبض رسول الله وهو ابن ثلاث وستين سنة. اينظر : طبقات ابن سعد (١ / ١٤٩ ـ ١٥٠) ، السيرة الحلبية (١ / ٢٣٦) ، دلائل النبوة (٢ / ١٣٢) ، البداية والنهاية (٣ / ٤) ، الخصائص الكبرى للسيوطي (١ / ١٢٣).

(٤) انظر : الخصائص الكبرى للسيوطي (١ / ١٢٣) ، دلائل النبوة (١ / ٣١٦).

(٥) نهاية الصفحة [٣١ ـ أ] آية القتال هي قوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ، انظر تفسير الطبري (٤ / ١٩٩ ـ ٢٠٠).

(٦) أخرج البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس قال : (بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأربعين سنة ، فمكث بمكة (١٣) يوحى إليه ، ثم أمر بالهجرة ، فهاجر عشر سنين ، ومات نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن (٦٣) سنة) ، وأخرجه أيضا البخاري في : (٦٣) مناقب الأنصار (٤٥) باب هجرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حديث (٣٩٠٢) ، فتح الباري (٧ / ٢٢٧). انظر : دلائل النبوة للبيهقي (٢ / ١٢٩) وما بعدها ، السنن الكبرى للبيهقي أيضا (٤ / ٢٩٣) ، الخصائص الكبرى للسيوطي (١ / ١١٨ ـ ١٢٢).

(٧) بنو معاوية بن بكر : بطن من هوازن من قيس عيلان ، من العدنانية ، وهم بنو معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ، وفيهم بطون كثيرة منهم : بنو نصر بن معاوية بنو خشم بن معاوية ، بنو سلول ، بنو مرة بن صعصعة ، وبنو عامر بن صعصعة بن معاوية ، ومعاوية بن بكر : جد جاهلي ، مات قتيلا ، فجعل عامر بن الظرب العدواني ديته مائة من الإبل. قال ابن حزم : وهي أول دية قضى فيها بذلك من نسله بنو نصر بن معاوية ، وغيرهم ، وهم كثيرون جدا. انظر : معجم القبائل العربية (٣ / ١١١٧) ، الأعلام (٧ / ٢٦٠) ، تاريخ ابن خلدون (٢ / ٣١٠) نهاية الأرب للنويري (٢ / ٣٣٥) ، جمهرة الأنساب (٢٥٢ ، ٢٥٧).

(٨) ساقط في (أ).

١٢٩

[ترائي جبريل لرسول الله عليهما‌السلام]

[١٨] حدثنا الحسن بن إبراهيم الحداد المؤذن ، يرفعه عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول :

«يأتيني جبريل عليه‌السلام على صورة (١) دحية الكلبي» (٢) قال أنس : وكان دحية الكلبي رجلا وسيما جميلا سمينا أبين (٣).

[١٩] أخبرنا (٤) محمد بن عبد الكريم ، بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم أخبره ، قال : «إن جبريل عليه‌السلام ليأتيني كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب بيض مكفوفة باللؤلؤ والياقوت ، رأسه كالحبك ، وشعره كالمرجان ، ولونه كالثلج ، أجلى الجبين برّاق الثنايا ، عليه وشاحان من در منظوم ، جناحاه أخضران ورجلاه مغموستان في الخضرة».

[٢٠] أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحديدي «قال : حدثنا الحسن بن داود الجعفري» (٥) بإسناده عن آبائه ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن الحسين عليهما‌السلام قالت : كان جبريل

__________________

(١) في (ب ، ج) : في صورة.

(٢) الحديث أخرجه ابن سعد في طبقاته والنسائي في سننه عن ابن عمر قال : كان جبرائيل يأتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم على صورة دحية الكلبي ، وأخرجه الطبري عن أنس أيضا. انظر : الخصائص الكبرى للسيوطي (١ / ١٢١) كما أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٣٧٨) ، وقال : رواه الطبراني في الأوسط ، كما أخرجه أحمد (٢ / ١٠٧) ، وابن حجر في الإصابة (٣ / ١٩١) عن النسائي وصحح إسناده.

(٣) هو : دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي ، صاحب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم ورسوله بكتابه إلى عظيم بصرى ليوصله إلى هرقل ، روى أحاديث ، حدث عنه منصور بن سعيد الكلبي ، ومحمد بن كعب القرظي ، وعامر الشعبي ، وغيرهم شهد اليرموك ، وكان على رأس كردوس ـ أي كتيبة ـ وسكن المِزّة ، قال ابن سعد : أسلم دحية قبل بدر ولم يشهدها وكان يشبه بجبريل ، بقي إلى زمن معاوية. انظر : سير أعلام النبلاء (٢ / ٥٥٠) وما بعدها ، طبقات ابن سعد (٤ / ٢٤٩) ، تاريخ خليفة (٧٩) ، التاريخ الكبير (٣ / ٢٥٤) ، الجرح والتعديل (٣ / ٤٣٩) ، الاستيعاب (٢ / ٤٦١) ، أسد الغابة (٢ / ١٥٨) ، تهذيب الكمال (٣٩٦) ، تاريخ الإسلام (٣ / ٢٢٢) ، تهذيب التهذيب (٢ / ٢٠٦ ـ ٢٠٧) ، الإصابة (٢ / ١٩١) ، تهذيب ابن عساكر (٥ / ٢٢١).

(٤) في (أ) : أخبرنا الرواة عن وهب عن ابن عباس ، ثم صحح الناسخ السند في الحاشية.

(٥) ساقط في (ب ، ج ، د).

١٣٠

عليه‌السلام يأتي منزل فاطمة الزهراء صلوات الله عليها ـ فإذا ارتفع ضرب بجناحيه فيتناثر زغب ريشه ، فكانت فاطمة عليها‌السلام تأخذه فتجمعه وتعجنه بعرق (١) رسول الله (٢) [٣٢ ـ أ] صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم فتفوح منه رائحة المسك ، فهو عندنا إلى يومنا هذا.

[٢١] [أخبرنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني ، عن عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن نافع ، عن ابن عمر] (٣) ، قال : كان على الحسن والحسين عليهما‌السلام تعويذان حشوهما زغب ريش جناح جبريل عليه‌السلام.

[ترائي جبريل لرسول الله ز) ظ ط (ا ا) خل ض ز (غ كظحب ظ]

[٢٢] أخبرنا علي بن الحسين بن سليمان البجلي ، بإسناده عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبي معمر السعدي ـ وكان قد أدرك عليا عليه‌السلام ـ في قوله تعالى : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) [النجم : ١٣ ، ١٤] قال : إنما يعني به محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم أنه رأى جبريل عليه‌السلام عند سدرة المنتهى التي لا يجاوزها خلق من خلق الله تعالى ، فرأى محمد جبريل عليه‌السلام في صورته «مرتين» (٤) هذه المرة قبلها مرة أخرى ، فلم يره في هذه الصورة التي رآه فيها محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم غير ملائكة الله المقربين الذين لا يعلم خلقهم وصورهم إلّا الله رب العالمين (٥).

وذكر (٦) علي عليه‌السلام أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم قال : «رأيت جبريل في صورته وله ستة أجنحة :

__________________

(١) في (أ، د) : فتجمعه بعرق.

(٢) نهاية الصفحة [٣٢ ـ أ].

(٣) ورد في الأصل : أخبرنا إسحاق قال : حدثنا إسحاق قال : قال حدثنا أنيس بإسناده عن ابن عمر. للتوثيق والفائدة.

(٤) ساقط في (أ، ب ، د).

(٥) أخرجه الطبري في تفسيره بروايات عدة انظر (١١ / ٥٠٨) وما بعدها الأحاديث (٣٢٤٤٥) وحتى (٣٢٤٨٧) ، تفسير ابن كثير والشوكاني والقرطبي والطبرسي ، وتيسير المنان ، في تفسير الآيتين (١٣ ، ١٤) من السورة.

(٦) القائل هنا : أبو معمر السعدي محدثا بخبر آخر بنفس السند السابق للخبر السابق.

١٣١

جناحان ارتدى بهما ، وجناحان اتّزر بهما ، وجناح خارج في المشرق في الهواء ، وجناح خارج في المغرب في الهواء ، وقد ملأ الآفاق» (١).

[٢٣] أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن عبيد الأسدي بإسناده عن «زرّ» (٢) ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رأيت جبريل عليه‌السلام له ستمائة (٣) جناح ، يتناثر من ريشه تهاويل الدّر والياقوت» (٤).

[٢٤] أخبرنا (٥) عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي بإسناده عن عبد الله بن مسعود «في قوله تعالى» (٦) : (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) [النجم : ١٨] (٧) قال : رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق.

وفي حديث عبد الرحمن عن ابن مسعود قال : رأى جبريل في حلة رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض (٨).

[ذكر نزول الوحي على النبيين وتوقيفه]

[٢٥] أخبرنا (٩) إسحاق بن إبراهيم الجديدي بإسناده عن أبي ذر الغفاري قال : قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟

__________________

(١) في (د) : وقد ملأ الآفاق كلها ، والحديث في تفسير الطبري (١١ / ٥٠٨) وما بعدها الأحاديث (٣٢٤٤٥) وما بعدها.

(٢) ساقط في (ج).

(٣) نهاية الصفحة [٣٣ ـ أ].

(٤) الحديث أخرجه السيوطي في الخصائص (١ / ١٢٠) ، وأورد روايات عدة حول الموضوع ، كما أخرجه أحمد في مسنده عن ابن مسعود قال : (رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم جبريل في صورته ...). والطبري في تفسيره (١١ / ٥١١). حديث رقم (٣٢٤٧١).

(٥) السند هو : حدثنا ابن أبي حاتم ، قال : حدثنا أبو زرعة ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن سمعان ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود.

(٦) ساقط في (أ، د).

(٧) انظر تفسير الطبري (١١ / ٥١٨ ـ ٥١٩) ، الأحاديث (٣٢٥٢٨ ـ ٣٢٥٣٢).

(٨) الخبر نقله السيوطي في الخصائص (١ / ١٢٠) ، وقال : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال : رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم جبريل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض ، تفسير الطبري (١١ / ٥١٣) ، حديث (٣٢٤٨٠).

(٩) السند هكذا : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الجديدي ، قال : حدثنا عبد الله بن يونس الرازي ، قال : حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر الغفاري.

١٣٢

قال : «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا جما غفيرا».

قال : قلت : يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟

قال : «ثلاثمائة وثلاثة عشر ، جما غفيرا» (١).

قال : قلت : كثير طيب.

قال : قلت : يا رسول الله من كان أولهم؟

قال : «آدم».

قال : قلت : يا رسول الله نبي مرسل؟

قال : «نعم ، ثم قال : يا أبا ذر ، أربعة سريانيون : آدم وشيث وأخنوخ وهو إدريس صلوات الله عليهم وهو أول من خط بالقلم ، ونوح ، وأربعة من العرب : هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر».

وقال : «أول الأنبياء من بني اسرائيل موسى وآخرهم عيسى ، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد» (٢).

قلت : يا رسول الله كم كتاب أنزل؟

قال : «مائة كتاب وأربعة كتب ، «أنزل على آدم عشر صحائف» (٣) ، وأنزل على شيث خمسون صحيفة ، وأنزل على إدريس ثلاثون صحيفة ، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف ، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وأنزلت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان».

__________________

(١) في (أ) : «مائة وثلاثة عشر جما غفيرا» ، وفي الرواية التي أخرجها الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر : (النبيون مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي ، والمرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر» ، وفي روية أخرى أخرجه أحمد في المسند ، والطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي في الأسماء عن أبي أمامة : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا ... إلخ. وستأتي. الإشارة إلى مصادره.

(٢) انظر البداية (٢ / ١٥١ ـ ١٥٢) ، منتخب كنز العمال (٤ / ٤٦٧ ـ ٤٨٧).

(٣) ساقط في (أ).

١٣٣

[مواعظ وأمثال من صحف إبراهيم عليه‌السلام]

قلت : يا رسول الله ، ما كانت صحف إبراهيم؟

قال : «كانت أمثالا كلها : أيها الملك المسلط (١) والمبتلى المغرور ، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر.

وكان فيها أمثال : وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر فيها في صنع الله تعالى ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب ، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث : تزوّد لمعاد ، أو مرمّة لمعاش ، أو لذة من غير محرم ، وعلى العاقل أن يكون بصيرا في زمانه ، مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه ، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا فيما يعنيه» (٢).

[٢٦] أخبرنا (٣) أحمد بن سعيد الثقفي بإسناده عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم قال : «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان ، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان ، وأنزل القرآن (٤) لأربع وعشرين خلت من رمضان» (٥).

__________________

(١) نهاية الصفحة [٣٤ ـ أ].

(٢) أخرجه الطبري في تأريخه (١ / ١١٦) وما بعدها ، وابن كثير في البداية والنهاية (٢ / ١٥١ ـ ١٥٢) ، صاحب كنز العمال (٤ / ٤٦٥) وما بعدها.

(٣) السند هو : أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي ، قال : حدثنا أحمد بن أبي روح البغدادي ، قال : حدثنا محمد بن مصعب القرقساني ، قال : حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار ، عن واثلة بن الأسقع.

(٤) في (ب) : الفرقان.

(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٤ / ١٠٧) حديث رقم (١٦٥٣٦) ، عن واثلة بن الأسقع بلفظه ، كما أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية (٣ / ٦) ، والمتقي الهندي في المنتخب (١ / ٦٠٧) ، الطبراني في الكبير (٢٢ / ٧٥) حديث (١٨٥) ، كما أخرجه ابن عساكر ، وقال الهيثمي في المجمع : فيه عمران القطان ، ضعفه يحيى ، ووثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد (١ / ٢٠٢).

١٣٤

[٢٧] أخبرنا محمد بن عبد الكريم بن مالك بإسناده عن وهب قال : أنزلت التوراة على موسى من بعد صحف إبراهيم بسبعمائة عام ، وأنزل الزبور على داود بعد التوراة بخمسمائة عام ، وأنزل الإنجيل على عيسى بعد الزبور بألف عام ومائتي عام ، وأنزل الفرقان على محمد بعد الإنجيل بستمائة وعشرين عاما.

[تلقي الملائكة الوحي قبل بلوغه الأرض]

[٢٨] [أخبرنا علي بن الحسين بن سليمان البجلي ، قال : حدثنا محمد بن يحيى التستري ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن عمر بن موسى بن الوجيه ، عن زيد بن علي ، عن آبائه ، عن علي] (١) في قوله تعالى : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) [الشورى : ١٥] وقد يرسل الرسول بوحي منه إلى رسل السماء ، فتبلغ رسل السماء رسل الأرض ، وقد يخلق الكلام فيما بينه وبين رسل الأرض من غير أن يرسل الكلام مع رسل السماء إلى رسل الأرض ، وقد يخلق الكلام فيما بينه وبين رسل السماء من غير مشافهة (٢) رسل السماء أحدا من خلقه ، وقد قال نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم لجبريل عليه‌السلام : «كيف تأخذ الوحي من رب العالمين؟

قال : آخذه من إسرافيل.

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أين يأخذه إسرافيل؟

قال : يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين يقال له ناجابيل.

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أين يأخذه ذلك الملك؟

قال : يقذف في قلبه قذفا ، فاكتفي بما وصفت لك من كلام الله فإن كلام الله ليس ينحو نحوا واحدا ، منه ما يجيء في المنام وذلك قوله لإبراهيم عليه‌السلام حيث قال : (يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى

__________________

(١) في أصولي : أخبرنا علي بن الحسن بن سليمان البجلي بإسناده عن علي عليه‌السلام. وقد أثبتنا السند توثيقا للخير.

(٢) في (أ) : مسافته.

١٣٥

فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) [الصافات : ١٠٢] ، وقال تعالى لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ) [الفتح : ٢٧] ، وقال : (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء : ٦٠].

[٢٩] أخبرنا (١) أحمد بن سعيد ، بإسناده عن الزهري عن علي بن الحسين عليه‌السلام أن ابن عباس قال : بينما النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال : «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟»

قال : كنا نقول : يموت عظيم أو يولد عظيم.

قال : «فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياة (٢) أحد ، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء ويستخبر أهل سماء سماء حتى ينتهى الخبر إلى هذه السماء ، فتخطف الجن ويرمون ، فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يفرقون منه ويذبذبون ويرمون» (٣).

وفي غير هذا الحديث : إنه لم يكن يرمى بها قبل مبعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم (٤).

[ذكر بعض دلائل نبوته (ص)]

[٣٠] أخبرنا (٥) علي بن الحسين البجلي بإسناده عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عن جده ، عن أبيه الحسين بن علي عليهم‌السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه خطب الناس وقال : (أنا

__________________

(١) السند هو : أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي ، قال : حدثنا محمد بن يحيى النهلي ، قال : حدثنا محمد بن بكار بن الزيات ، قال : حدثني أبو معشر ، قال : حدثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري ، عن علي بن الحسين عليه‌السلام أن ابن عباس قال.

(٢) نهاية الصفحة [٣٦ ـ أ].

(٣) أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية عن علي بن الحسين عن ابن عباس (٣ / ١٩) ، (١ / ٢٩ ـ ٣٩). وصاحب الحلية في ترجمة علي بن الحسين (٣ / ١٤٣) وقال : صحيح ، أخرجه مسلم في صحيحه عن الأوزاعي ويونس ومعقل وصالح بن كيسان ... إلخ.

(٤) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٣ / ١٩) ، (١ / ٢٩ ـ ٣٩).

(٥) السند هو هكذا : أخبرنا علي بن الحسن بن سليمان البجلي ، قال : حدثنا أحمد بن صالح الضميري ، قال : حدثنا أحمد بن زنبور المكي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيه الحسين بن علي.

١٣٦

وضعت كلكل العرب ، وكسرت قرن ربيعة ومضر ، ووطئت جبابرة قريش (١) ؛ لقد وضعني الله في حجر المصطفى وأنا ابن أربع سنين ، يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده وعرقه ، ويقبلني فأمص ريق حكمته ، وآكل في قصعته وألعق أصابعه حتى كان يمضغ الشيء ويلقمني من فيه ، وأنا أصف لك من علاماته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

لقد قرن الله به أكرم ملائكته وأقربها إليه ، ومنه يكون الوحي إسرافيل عليه‌السلام كان معه ليله ونهاره ، ولقد كان يرفع رأسه نحو السماء ، ولما أتاه الوحي من أول الليل إلى آخره كأنما ينتظر شيئا ، فأنا أول من رأى نور الوحي وشم ريح النبوة.

[أولا : قصة بقرة آل ذريح]

هذه بقرة آل ذريح صاحت في أول ما أتاه الوحي بلسان الآدميين صياحا (٢) عاليا ، وقد اجتمع القوم ليوم عيدهم ، فجاءت تعدو حتى وقفت على الجمع وهي تقول : يا أهل ذريح صائح يصيح من بطن هذا القبيل ، هاشم وما هاشم هشم الثريد ليوم عصيب ، لا إله إلّا الله محمد رسول الله ، جاءه الوحي المبين كلام رب العالمين ، يغلب القبيل ويذبح الضليل ، ويؤذّن بأذان إبراهيم الخليل ، بعث بالذبح والذبيح ، والملك الفسيح ؛ ها هو ذا عجلوا قول :

__________________

(١) لا خلاف بين المسلمين كافة ـ إلّا النواصب ـ أن الدّين إنما مهدت قواعده وشيدت أركانه بسيف أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، فلم يسبقه في ذلك سابق ولا لحق به لاحق ، ولا ينكر ذلك إلّا منافق ، طبقا لما قاله فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحبك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق» ، وله العديد من المواقف ، ففي يوم الهجرة ، نام في مكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي غزوة بدر برز لصناديد كفرة قريش ؛ إذ بارز الوليد بن عتبة ، وكان شجاعا جريئا فقتله كما قتل العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه الناس ، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله ، ثم طعن ابن عدي ثم نوفل بن خويلد ، وفي غزوة أحد جعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم لواء المسلمين بيد أمير المؤمنين ، وكان لواء الكفار بيد طلحة بن أبي طلحة ، فضربه علي عليه‌السلام فندرت عينه ، وصاح صيحة عظيمة ، وسقط اللواء من يده ، كما دافع عن النبي بكل شجاعة وبطولة لا تقارن ، وفي الخندق كان له ذلك الموقف الذي لا ينسى بقتله عمرو بن عبد ود ، وفي غزوة خيبر كان الفتح على يديه كما هو المشهور ، وفي غزوة تبوك خلفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله وسلّم على المدينة ، وقال : «إن المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك» إلى غير ذلك من المواقف الشهيرة اكتفينا بما سبق خشية التطويل.

(٢) نهاية الصفحة [٣٧ ـ أ].

١٣٧

لا إله إلّا الله تدخلوا الجنة ، جنة المأوى ، فو الله ما شعرنا إلّا بآل ذريح قد أقبلوا حتى وقفوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأسلموا على يديه ، فكانوا أول العرب إسلاما.

وكنت عنده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أتاه ثلاث بهائم فسلموا عليه : بقرة وجمل وذئب.

[ثانيا : قصة بقرة بني سالم]

أما البقرة فكانت في نخل بني سالم (١) ، فلما بصرت برسول الله أقبلت إليه تلوذ به.

فقالت : يا بني سالم جاءكم رسول رب العالمين ، أحاكمكم (٢) إليه فإنه قاضي الله في أرضه (٣) ورسوله إلى خلقه ، ثم قالت البقرة : يا رسول الله ، وضعت لهؤلاء اثني عشر بطنا ، واستغنوا بي فأكلوا (٤) من زبدى وشربوا من ألباني ، ولم يتركوا نسلي ، وهم الآن يريدون ذبحي ، فآمن بنوا سالم ، وقالوا : والذي بعثك بالحق ما نريد معها شاهدا.

[ثالثا : قصة الذئب]

وأما الذئب فإنه أقبل إلى رسول الله فشكى إليه الجوع وقال : يا رسول الله ، إنما بعثك الله رأفة ورحمة ، وليحيي بك العباد والبلاد فاقسم لي شيئا (٥) أناله ، فدعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الرعاة وقال : «افرضوا للذئب شيئا». فبخلوا ولم يفعلوا ، ثم عاد فشكى عليه من الغد الجوع وأعاد الكلام ، فدعا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الرعاة ثانيا وقال : «افرضوا للذئب شيئا» فلم يفعلوا (٦) ، ثم عاد إليه من الغد.

__________________

(١) بنو سالم : قسم من حرب إحدى العشائر النجدية التي تتجول في نجد وتدخل العراق ، وقيل : بنو سالم فرع من قبيلة حرب بين مكة والمدينة ، وهم فرعان : بنو ميمون والمراوحة المشهورون بالحوازم ، وفي الرحلة الحجازية : بنو سالم من قبائل نجد بين المدينة وقصيم ، والنخيل : اسم جنس النخلة ، قيل : موضع بنجد من أرض غطفان مذكورة في غزاة ذات الرقاع ، ولعل المقصود بها هنا الموضع القريب من مكة بالحجاز فيه نخل وكروم. انظر : معجم قبائل العرب (٢ / ٤٩٦) ، معجم البلدان (٥ / ٢٧٦ ، ٢٧٧).

(٢) في (ب) : لأحاكمنكم.

(٣) في (أ، ج ، د) : الأرض.

(٤) في (ب) : واستغنوا بي أكلوا.

(٥) نهاية الصفحة [٣٨ ـ أ].

(٦) في (د) : فبخلوا ولم يفعلوا ، انظر : شفاء القاضي عياض (١ / ٣١٠ ـ ٣١٣) ، الخصائص للسيوطي (٢ / ٦١ ـ ٦٣) ، مناقب أمير المؤمنين للكوفي (١ / ٤٧ ـ ٥١) ، وفي رواية عن ابن عباس غير ما هنا.

١٣٨

[رابعا : قصة الجمل]

وأما الجمل فإنه أقبل إلى رسول اللهو ضرب بجرانه (١) الأرض ورغى وبكى ساجدا.

فقال القوم : سجد لك الجمل نحن أحق أن نسجد لك.

قال : «اسجدوا لله عزوجل ، ولو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (٢) ، جاءني يشكو أربابه» ، فبعثني مع الجمل لأنصفه إذ أقبل صاحبه أعرابي فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما بال هذا البعير يشكو أربابه»؟

قال : يا رسول الله ما يقول؟

قال : «يقول : انتجعتم عليه صغيرا حتى صار عودا كبيرا ، ثم إنكم أردتم نحره».

قال : والذي بعثك بالحق نبيا (٣) ما كذبك.

قال : «يا أعرابي : إما أن تهبه لي وإما أن تبيعه مني».

قال : يا رسول الله ، أهبه لك. فكان الجمل يأتي علوفة الناس فيعتلف منها لا يمنعونه ، فلما قبض رسول الله مات ، فأمرت بدفنه (٤) كيلا تأكله السباع.

__________________

(١) جرن الثمر في الجرين ، أي في المربد ، ومن المجاز ضرب الإسلام بجرانه ، أي ثبت واستقر ، وهو من المجاز المنقول من الكناية من قولهم : ضرب البعير بجرانه. وألقى جرانه إذا برك ، ويقال : ألقى فلان على هذا الأمر جرانه إذا وطن عليه نفسه. أساس البلاغة مادة (جرن).

(٢) أخرجه الترمذي في جامعة (٣ / ٤٦٥ ح / ١١٥٩) ، وقال : حديث حسن ، ولفظه : «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» ، وخبر معجزة الجمل أيضا أخرجه صاحب المصنف أبو بكر بن أبي شيبة حديث (١١٨٠٢) وما بعده ، في فضائل النبي من كتاب الفضائل (ج ١١ / ٤٨٨ ط (١) ، وينظر الحديث (١١٧٦٨) (١١ / ٤٧٣) ، والدارمي في سننه (حديث (١٨) من سننه (١ / ١١) أشار إليها البيهقي بأسانيد وبزيادات كثيرة في كتابه دلائل النبوة (٦ / ٢١ ، ٢٨ ـ ٣٠) ، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٣٢٥ ـ ٣٢٦) ، وابن كثير في البداية والنهاية (٦ / ١٣٦) ، ومجمع الزوائد (٩ / ٤ ، ٧ ـ ٨) ، والسيوطي في الخصائص الكبرى (٢ / ٥٦) ، وينظر أيضا ما رواه أحمد في مسنده (١ / ٤٦٢) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٣ / ١ : ١٠٦) ، وأبو نعيم عن الطيالسي في دلائل النبوة (١١٤) ، وابن هشام في السيرة (٢ / ١٠٠) والبيهقي في دلائل النبوة (٢ / ٤٩١).

(٣) في (أ، ج ، د) : والذي بعثك بالنبوة.

(٤) في (أ، ج ، د) : مات الجمل فأمرت بدفنه.

١٣٩

[خامسا : قصة تسعة نفر من حضر موت]

وكنت معه إذ قال : يأتينى تسعة نفر من حضر موت ، يسلم ستة ولا يسلم ثلاثة.

فوقع في قلوب كثير من كلامه (١) ما وقع ، فقلت أنا : صدق رسول الله هو كما قلت يا رسول الله.

فقال لي : «أنت الصّدّيق ، ويعسوب المؤمنين وإمامهم ، وأول المؤمنين إيمانا ، وأنت الهادي والوزير» (٢) ، فلما أصبح صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقبل (٣) الرهط من حضر موت حتى دنوا منه وسلموا عليه ، وقالوا : يا محمد اعرض علينا الإسلام ، فعرضه عليهم (٤) فأسلم ستة ولم يسلم ثلاثة ، وانصرفوا ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أما أنت يا فلان فستموت بصاعقة من السماء ، وأما أنت يا فلان فتخرج في طلب إبلك فيلقاك ناس من كذا فيقتلونك» ، فوقع في قلوب ناس من ذلك ما وقع ، فقلت أنا : صدقت يا رسول الله ، فقال : «صدّق الله قولك يا علي».

فما كان حتى أقبل الستة الذين أسلموا ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما فعل أصحابكم الثلاثة»؟

قالوا : والذي بعثك بالحق نبيا ما جاوزوا ما قلت.

__________________

(١) في (أ، ج ، د) : في قلوب كثير من الناس من كلامه.

(٢) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ١٠٢) ، والمناوي في فيض القدير (٤ / ٣٥٨) في الشرح ، وفي الإصابة (٢ / ٢٧٤) ، والطبراني عن سلمان وأبي ذر معا ، والبيهقي وابن عدي عن حذيفة ، وفي ينابيع المودة (١ / ٨٠) ، بروايات عديدة ، وابن المغازلي في المناقب (٦٥ ، ١٠٤) ، وأسد الغابة (١ / ٨٤ رقم ٩٢) ، (٣ / ١٧٤) حديث (٢٨١١) ، والكوفي في المناقب (انظر فهارسه) ، المستدرك على الصحيحين (٣ / ١٣٧) (١٤٨) حديث (٤٦٦٨) ، والمحب الطبري في الرياض النضرة (٢ / ١٧٧) ، وابن الأثير في أسد الغابة (١ / ٦٩) ، (٣ / ١١٦) ، وابن حجر في الإصابة (٤ / القسم الأول / ٣٣) ، حلية الأولياء (١ / ٦٦ ، ٦٣) ، والمتقي الهندي (٦ / ١٥٦) أو (١١ / ٦١٦) حديث (٣٢٩٩٠) ، و (١١ / ٦١٩) حديث (٣٣٠١٠ ، ٣٣٠١١) ، كما رواه الطبراني والبزار عن أبي ذر وحده ، وينظر أيضا في مضمون الحديث ـ أي أنه عليه‌السلام سيد المسلمين وأمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وفاروق الأمة ، ويعسوب الدين ـ انظر : الرياض النضرة (٢ / ١٥٥ ، ٢٠٧) ، كنز العمال (٦ / ١٥٣ ، ٣١٩ ، ٣٩٤) ، حلية الأولياء (١ / ٦٣ ، ٦٤ ، ٦٦) ، تأريخ بغداد (٤ / ٢١٩) ، (١١ / ١١٢) ، (١٣ / ١٢٢) ، الإصابة (٧ / القسم الاول / ١٦٧) ، مجمع الزوائد (٩ / ١١٢ ، ١٥٨) ، الصواعق المحرقة (٧٥ ـ ٧٦) ، أسد الغابة (٥ / ٢٨٧) ، الاستيعاب (٢ / ٦٥٧) ، نور الأبصار (٧٣) ، مستدرك الصحيحين (٣ / ١٢٩). أما كونه وزير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فينظر : كنز العمال (١٣ / ١٣١ ح ٣٦٤١٩) ، الكامل لابن الأثير (١ / ٤٨٧) ، تفسير الخازن (٣ / ٣٧١) ، جامع الأحاديث للسيوطي (١٦ / ٢٥١) ، نسيم الرياض للخفاجي (٣ / ٣٥) ، الرياض النضرة (٣ / ١٠٦) ، الدر المنثور (٥ / ٥٦٦) ، التفسير الكبير للرازي (١٢ / ٢٦) ، نور الأبصار (٧٧) ، طبقات ابن سعد (١ / القسم الأول / ١٢٤) ، الإصابة (١ / القسم ٤ / ٢١٧) ، وغير ذلك يطول.

(٣) نهاية الصفحة [٣٩ ـ أ].

(٤) في (أ، ج ، د) : فعرض عليهم.

١٤٠