🚘

المعاد وعالم الآخرة

آية الله مكارم الشيرازي

المعاد وعالم الآخرة

المؤلف:

آية الله مكارم الشيرازي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
المطبعة: أمير المؤمنين عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-8139-28-8
الصفحات: ٢٦٤
🚘 نسخة غير مصححة

إستفحال الخطيئة في أوساط المجتمعات المعاصرة ، فالآثمون مهما تخلصوا من بعض الأمور فإنّه لايسعهم الخلاص من عذاب الضمير وتأنيبه ، وما هذه الأمراض النفسية المختلفة إلا إنعكاسات لذلك العذاب والتأنيب.

إنّنا لنعرف الكثير من الشخصيات السياسية المعروفة التي تفقد جميع قواها وطاقاتها خلال مدّة قصيرة وتستسلم للموت لمجرّد سقوطها ممّا كانت تحظى به من مقامات ومناصب.

ولعل أحد العوامل المهمّة لذلك هي أنّهم حين كانوا يتصدون للأعمال لم يكونوا يصغون لصوت الضمير ـ تجاه المخالفات التي كانت تسود حياتهم ـ أمّا الآن وقد تبخر ذلك الصخب والنشاط فقد أخذت محكمة الضمير تشدد خناقها عليهم فأخذوا يترنحون على ضربات عذابها الموجع.

هذه بعض النماذج البسيطة التي تتميز بها هذه المحكمة العجيبة والتي أسميناها الضمير.

* * *

فهل يمكن التصديق بوجود مثل هذه المحكمة وبهذه الأجهزة لدى هذا الإنسان الصغير بينما تنعدم مثل هذه المحكمة في هذا العالم الواسع من أجل النظر في أعمالنا صالحها وطالحها؟

أو لا تلفت نظرنا هذه المحكمة الصغيرة إلى باطن هذا العالم العظيم الذي يضم محكمة عظيمة تسع هذا العالم وبعظمة خالقه الجبار ، والتي لا تعرف للعيب والنقص من حدود ، ولابدّ أن يحضرها الجميع يوماً ليرى ما بدر منه من أعمال ربّما يكون نساها إلّاأنّها محفوظة هناك حيث لايضيع شيء ولاينسى شيء ، وعقابها نار أرعب وأوجع من نار الضمير وثوابها أكبر وأعمق من ثوابه ولكل حسب سعيه وعمله؟

٦١

قطعاً مثل هذه المحكمة كائنة في ذلك العالم الكبير والتي يمكننا تسميتها بضمير العالم.

* * *

ولعل هذا هو السبب الذي قرن محكمة الضمير بالحديث عن البعث والقيامة العظيمة التي وردت في القرآن الكريم : (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ* ايَحْسَبُ الِانْسانُ الَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَه) (١)

فقد قرنت المحكمتان مع بعضهما في هذه الآيات القرآنية.

* * *

__________________

(١) سورة القيامة ، الآية ١ ـ ٤

٦٢

القيامة ردود على الألغاز

لو قطعنا رابطة هذه الحياة من عالم ما بعد الموت ، لأصبح كل شيء على هيئة لغز ولتعذر علينا الردّ على أكثر التعليلات.

العالم في عين فرخ!

نريد أن نتعرف على مفهوم الحياة والماضي والمستقبل وكذلك عالم الوجود من زاوية نظر «فرخ» لم يخرج لحدّ الآن من البيضة ويرى العالم : «آه! ياله من سجن صغير ، لا أستطيع تحريك يدي ورجلي ...

لا أدري لم خلقني خالق العالم لوحدي ، ولم خلق الدنيا بهذا الصغر والضيق ، ماذا ينفعه سجن وحيد ، وما عساه أن يحل مشكلة؟

لا أدري مم صنع جدار هذا السجن ، كم هو محكم وأصم لعل سرّ ذلك عدم سراية موج العدم المخيف من خارج هذا العالم إلى داخله ، لا أدري ....

آه! لقد نفد غذائي الرئيسي من الصفار (المح) تماماً والآن أتغذى على الزلال ، ولعله سينفد سريعاً فأموت جوعاً وتنتهي الدنيا بموتى ، ياله من عبث ولغو ودون طائل خلق هذا العالم مع ذلك فهو يستحق منّي الشكر ، فقد منحني العزّة حيث خلقني وحدي وأنا صفوة العالم!

٦٣

قلبي هو مركز هذا العالم وأطراف بدني هي شماله وجنوبه وشرقه وغربه! ... إنّي لأشعر بالفخر والإعتزاز من تصور هذا الأمر ، لكن ما الفائدة فليس هنالك من يشاهد كل هذا المجد ويبارك لهذا الموجود صفوة الخلق!

آه لقد برد الجو فجأة (لقد نهضت الدجاجة بضع لحظات من البيضة من أجل الحب والماء) لقد إجتاح البرد الشديد جميع محيط السجن وقد دبّ في عظمي ، آوه ، إنّ البرد يقتلني ، لقد شع نور عظيم من حدّ العدم في باطن هذا العالم فأضاء جدران سجني ، أظن قد حانت اللحظة الأخيرة للدنيا وقد أشرف كل شيء في هذا العالم على نهايته ، أنّ هذا الضوء الشديد المؤذي وهذه البرودة القارسة تكاد تقتلني.

آه! كم كان عبثياً هذا الخلق وسريعاً لاهدف له ولاطائل من وراءه ، ولادة في السجن ، وموت في السجن ، ثم لا شيء! ...

بالتالي لم أفهم «من أين جئت ، وكيف كان!» ...

آه! يا إلهي ، لقد زال الخطر (عادت الدجاجة ثانية لتنام على البيضة) بدأت تدبّ الحرارة في عظمي ، وقد زال الضوء الخاطف والقاتل ، أشعر باطمئنان كبير ، كم هي لذيذة هذه الحياة!

يا ويلي زلزلة! أصحبت الدنيا كن فيكون (تقوم الدجاجة بتقليب البيوض تحت أقدامها للحصول على حرارة متساوية) لقد هز جميع عظامي صوت ضربة قوية مرعبة ، إنّها لحظة نهاية الدنيا وسينتهى بعدها كل شيء ، أشعر بالدوار وأعضاء بدني ترتطم بجدار السجن ، وكأنّه قدر لهذا الجدار أن يتحطم ويقذف بعالم الوجود بغتة في وادي العدم الرهيب ... إلهي ما الذي يحدث!

آه! ياإلهي ، لقد حسنت الأوضاع وها أناذا أشعر بالإستقرار ؛ فقد زالت

٦٤

الزلزلة ، وعاد كل شيء إلى سكونه ، لم يكن لهذه الزلزلة من أثر سوى أنّها غيرت قطبي العالم فقد أصبح القطب الشمالي جنوباً والجنوبي شمالاً! إلّا أنّ الأوضاع أصبحت أحسن من السابق ، شعرت لمدّة بحرارة شديدة في رأسي وعلى العكس كان البرد دبّ في يدي ورجلي ، والآن عاد الاعتدال والتوازن.

كأنّها لم تكن زلزلة ، بل كانت حركة للحياة! (مرّت عدّة أيّام على هذه الحالة) آه! لقد نفد غذائي تماماً ، حتى أنّي لعقت كل ما في جدار السجن ولم يبق شيء ... خطر ، هذه المرة ، جدي ... إنّها نهاية الدنيا ، وقد فغر الموت والفناء فاه على مقربة منّي. حسناً دعني أموت ، لكن لم يعلم بالتالي الهدف من خلق هذا العالم ومن هذا المخلوق السجين الوحيد؟ ياله من عبث! كم هو لغو! لا طائل من وراءه! ولادة في السجن وموت وفناء في السجن ، «لست راضياً بهذه الخلقة ، كانت مفروضة!».

آه! إنّ الجوع قد أخذ مأخذه منّي ، لقد فقدت توازني والموت يلاحقني ، كأنّ هذا السجن بكل بؤسه هو أفضل من العدم ، جاءني خاطر ، كأنّي بصوت ينطلق من أعماقي إضرب بمنقارك وبشدّة جدار السجن! يالها من فكرة خطيرة! أفيمكن ذلك. هذا إنتحار ، هذا آخر الدنيا ، هنا الحد الفاصل بين العدم والوجود ... لكن لا ، لعل هناك خبراً آخر وأنا لا أعلمه ... أنا محكوم بالموت ، دعني أموت بعد جهد.

لقد إشتد هذا الصراخ في أعماقي وهو يناديني حطم الجدار ... آه! لعلي أمرت بقتل نفسي ... على كل حال ليس لي من سبيل سوى طاعة ذلك النداء الباطني (هنا يشرع الفرخ بالضرب بمنقاره الغطاء الشفاف للبيضة).

إضرب بقوة ... بقوة أشد ... لا تخف! أكثر قوة! ...

٦٥

آوه! تحطم جدار الوجود والعدم ، مرّت من هذه النافذة عاصفة إلى باطنها ، لا نسيم لطيف ومنعش ، لقد تجددت حياتي! لقد تغير كل شيء ، إنّ الأرض والسماء في حالة تبدل وتغيّر ، لابدّ من الطرق بقوة أكثر! لابدّ من تحطيم هذا السجن تماماً ...

آه! يا إلهي ياله من جمال! ... ياله من ساحر! ... ياله من واسع! ياله من كبير!

يالها من كواكب رائعة! ياله من ضياء لطيف! إن عيني تمتلىء بالضوء ، يالها من أزهار! يالها من أنغام! ...

أي أمٍّ حنونة لدي! ... ما هذه الأطعمة المتنوعة والمختلفة! ...

ما أكثر مخلوقات الله! ... آه كم أنا صغير وهذا العالم الكبير! كيف أكون مركز العالم! لست أكثر من ذرة غبار معلقة في فضاء واسع ...

الآن فهمت لم يكن ذلك المكان سجناً ، كان مدرسة ، كان مؤسسة تربوية ، كان وسطاً تربوياً عظيماً أعدني للعيش في هذا العالم الواسع الجميل ، الآن بدأت أفهم المعنى الذي تنطوي عليه الحياة ، وما هدفها وما هي برامجها ومشاريعها ، الآن أستطيع القول بقوة كم كانت قياساتي بسيطة بينما كبيرة جدّاً هي مفاهيم هذا العالم ، وقد كنت في حلقة صغيرة ضمن سلسلة طويلة ، وهناك حوادث لا تعرف بدايتها من نهايتها ، والحال كنت أرى كل شيء منحصراً في تلك الحلقة التي تخلص فيها البداية والنهاية.

الآن عرفت أنّي فرخ صغير ، وأصغر ممّا يتصور.

* * *

كان ذلك شكل عالم الوجود على ضوء رؤية فرخ سجين.

أفلا نتصور كذلك هو الأمر لهذا العالم الذي نعيش فيه إزاء العالم الذي

٦٦

يعقبه؟ هل هناك دليل يقوم على نفي ذلك؟ لقد صور التأريخ مدى الإيرادات الضخمة التي طرحتها المدارس المادية إزاء خلق الإنسان ، وبصورة عامة خلق العالم وكذلك المصائب والمعاناة والآلام والويلات التي يواجهها الإنسان طيلة عمره القصير ، وأفضل نموذج على ذلك ما أورده الشاعر العربي المادي النزعة المعروف «إيليا أبو ماضي» والذي يختتم فيه أحد أشعاره باللازمة «لست أدري». كما نشاهد شبيه ذلك في أشعار الشاعر الفارسي المعروف «بهمني».

إلّاإنّنا نعتقد بأنّ أغلب هذه الإشكالات هي وليدة المطالعات المحدودة في الدنيا المادية لهذا العالم والانقطاع عن الحياة القادمة وعالم ما بعد الموت ، وهي بالضبط كتلك التي أوردها الفرخ الذي لم يخرج بعد من بيضته ، وقد مرّ علينا جانب من شعوره وحسابه للأمور.

طبعا إذا أغضضنا الطرف عن القيامة وحياة ما بعد الموت فسوف لن نمتلك إجابة على كثير من التعليلات ، أمّا إن نظرنا إلى هذه الحياة بصفتها حلقة تكاملية وسط سلسلة طويلة من التكاملات لتغير الحال ولحلت أغلب المسائل العالقة من خلال إرتباط حاضر الحياة البشرية بمستقبلها ، وأمّا قولنا أغلب المسائل ـ لاجميعها ـ فذلك لأنّ بعض هذه المسائل من قبيل الآلام والمصائب والويلات إنّما تنبثق عادة كنتيجة لأعمالنا أو نظامنا الاجتماعي الفاسد أو الحركات الاستعمارية أو الضعف والوهن والكسل ، وهي الأمور التي ينبغي التفتيش عن عواملها في كيفية الأنشطة الفردية والاجتماعية والعمل أجل إزالتها.

* * *

٦٧
٦٨

القيامة في الكتب السماوية

جهد «اليهود» إثر غرقهم في الماديات وسجودهم للثروة في محو آيات القيامة ليتسنى لهم مواصلة أعمالهم دون تأنيب من ضمير.

وأمّا «النصارى» فقد إقتعلوا الآثار التربوية للإيمان بالقيامة على ضوء مسألة الفداء والخلاص بواسطة السيد المسيح عليه‌السلام وصكوك غفران القساوسة.

لقد تضمنت رسالة الأنبياء والمفكرين إلفات إنتباه الإنسان إلى أمرين والإجابة على لغزين ؛ هما بداية الخليقة ونهايتها وبعبارة أخرى : «المبدأ» و«المعاد».

ومن المسلم به أنّ فهم معنى الحياة لايتيسر دون فهم الأمرين المذكورين ، وكذلك يتعذر دون فهمهما المعرفة الواقعية للعالم.

والتربية بمعناها الحقيقي ـ يعني التربية التي لا تقتصر على التشريفات وآداب الضيافة وأسلوب تناول الطعام ومجاملة الأصدقاء وما إلى ذلك ، بل تلك التي تتجاوز سطحية الحياة وتغوص في أعماق حياة الإنسان وروحه ـ فنحتاج إلى حلّ هاتين المسألتين ؛ يعني الإلتفات إلى جهاز المراقبة الذي يحكم الإنسان والتوجه إلى الثواب والعقاب وتكامل الإنسان وسقوطه

٦٩

على ضوء أعماله.

وعليه فليس هناك أي كتاب سماوي ولا نبي إلّاوقد إستندت دعوته إلى الموضوعين المذكورين ، ولكن دفع الجهل وقلّة العلم بالكتب وإمتداد يد التحريف إلى الكتب السماوية قد شوه صورة القيامة عن واقعها الصحيح.

ولا بأس أن نعرض هنا إجمالاً إلى مضامين تلك الكتب وتسليط الضوء على بحث القيامة الوارد فيها بغية إحراز بعض الفوائد.

* * *

الكتب التاريخية بدل الكتب السماوية

ينبغي الإلتفات هنا إلى أنّ الكتب المقدسة لليهود والنصارى اليوم هي كتب مقدسة فقط كما يرونها ، لا أنّها كتب سماوية ، ومن هنا فهم لايصطلحون عليها بالكتب السماوية ، فإنّنا لانجد يهودياً ولانصرانياً واحداً يقول أنّ هذا الكتاب هو ذلك الوحي السماوي الذي نزل على موسى وعيسى عليهما‌السلام ، بل يعترف الجميع بأنّ هذين الكتابين قد خطّا بعد هذين النبيين العظيمين من قبل حواريها وأتباعهما وإن تضمنت هذه الكتب شيئاً من الوحي السماوي ، ومن هنا فقد ورد فيها الكلام عن سيرة المسيح عليه‌السلام وموسى عليه‌السلام وحتى الحوادث التي وقعت بعدهما.

توضيح ذلك :

العهد القديم (الكتاب المقدس لليهود) ويشتمل على ٣٩ كتاباً خمسة منها المسماة بأسفار التوراة ، فنقرأ على سبيل المثال في الفصل الآخير من السفر الخامس ـ والذي يسمى بسفر التثنية ـ فموسى عليه‌السلام عبدالله وقد

٧٠

توفى حسب قول الله في أرض «مواب» وقد دفن في أرض مواب أمام يعور ...»

فهذه دلالة واضحة على أنّهم كتبوه بعد وفاة موسى عليه‌السلام.

وسبعة عشر كتاباً منها تسمى «مكتوبات المؤرخين» حيث جاء فيه كما يفهم من إسمه تأريخ الملوك والسلاطين وما إلى ذلك ، والسبعة عشر كتاباً الباقية تحمل عنوان مكتوبات الأنبياء ورسل بني إسرائيل وسيرتهم وبيان قصار كلماتهم ومواعظهم ومناجاتهم.

وأمّا كتاب العهد الجديد (الكتاب المقدس للنصارى) فيشتمل على ٢٧ كتاباً ، أربعة منها هي الأناجيل الأربعة والتي كتبت من قبل تلامذة السيد المسيح عليه‌السلام أو تلامذة تلامذته.

وإثنان وعشرون منها هي الرسائل التي بعث بها بولس وسائر رجال النصرانية إلى المناطق المختلفة ، والكتاب الأخير هو مكاشفات يوحنا الذي يشرح مكاشفاته على كل حال فإن هناك فارقاً واضحاً بين العهد القديم والجديد ، وهو كثرة الكلام في كتب اليهود عن الدنيا وقلّته وندرته عن القيامة!

والحال ليس الأمر كذلك في الإنجيل فالحديث يبدو كثيراً نسبياً عن القيامة والعالم الآخر الذي يعقب الموت والثواب والعقاب ، حتى صرّح «المستر هاكس» الأمريكي كاتب «قاموس الكتاب المقدس» قائلاً إنّ أفكار اليهود في بعض المسائل المتعلقة بعالم ما بعد الموت مجهولة وغير واضحة تماماً.

وكل الذي يمكن قوله مع أخذ بنظر الاعتبار الوضع الخاص الروحي لليهود هو أنّهم ـ اليهود ـ يشتهرون من بين كافة أقوام العالم بماديتهم وأنانيتهم وركوعهم للثروة دون أي قيد وشرط حتى قيل أن إلههم هو

٧١

المال ، وحين إمتدت أيديهم إلى تحريف كلمات الأنبياء وتعاليمهم فما كان في الدنيا ومادياتها أثبتوه ، وما كان في القيامة وعقاب أصحاب الدنيا والظلمة والآثمة حذفوه منها ، فهم لايقتصرون على تحريف أخبار العالم لصالحهم ، بل لايتورعون حتى عن تحريف كلمات الأنبياء والكتب السماوية! وقد وردت في القرآن الكريم بعض الآيات التي تشير إلى طبيعة اليهود الذين عاصروا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومدى حرصهم على الحياة المادية : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ احْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيوةٍ) (١).

وهذه هي الروحية التي تلمس فيهم اليوم كما الأمس ، كأنّها أصبحت جزءاً من دمهم وطبيعتهم على مرور الزمان ، وهذا مايفسر سلوكيتهم وتشردهم في الماضي ومدى لجاجتهم في العصر الراهن ، ولانرى أنّهم سيخرجون من دوامتهم إلّاأن يعيدوا النظر في حياتهم ويمدوا يد السلام إلى شعوب العالم ولايقتصرون بالقيمة والقدسية على المادة فقط ، على كل حال رغم عدم إهتمام كتب العهد القديم بقضية القيامة فإنّ هناك تعبيرات واضحة يمكن مشاهدتها بهذا الخصوص ، نعرض الآن إلى بعض نماذجها.

١ ـ نقرأ في الكتاب الأول لصاموئيل (الباب ٢ الجملة ٦) :

«إنّ الله يحيي ويميت ويقبر ويبعث». والعبارة ـ كما يفهم منها ـ تدل صراحة على المعاد الجسماني إضافة إلى أصل القيامة ، فالقبر مكان الجسم الذي يتبدل فيه تراباً ، وإلّافالقبر لايضم الروح لتنبعث منه ، وهذا يشبه ما ورد في القرآن : (وَانَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في الْقُبُورِ) (٢)

٢ ـ نقرأ في كتاب يوشع النبي (الباب ٢٦ الجملة ١٩) :

«سيحيى موتاك ويريدون أجسادي ، انهضوا يا من سكنتم في التراب

__________________

(١) سورة البقرة ، الآية ٩٦.

(٢) سورة الحج ، الآية ٧.

٧٢

وانتبهوا وترنموا!». فقد وصفت القيامة في هذه العبارة بأنّها نوع من الإنتباه (شبيه الإنتباه من النوم) وهو الأمر الذي ورد في الروايات الإسلامية «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا».

فتشبيه «الموت» أو «القيامة» بالإنتباه من النوم يعلمنا كثيراً من الأشياء سنتعرض لها لاحقاً إن شاء الله.

ولعل المراد بالعبارة أجسادي (رغم أنّ لكل فرد جسد واحد) الأعضاء والأطراف المختلفة للجسد ، أو الأجساد التي تتغير طيلة العمر وبمرور الزمان.

٣ ـ نقرأ في مزامير داود (المزمور ٢٣ الجملة ٤ إلى ٦) :

«سوف لن أخشى السوء من مشي في وادي الموت لأنّك معي ، سيلحقني كل إحسان ورحمة وأسكن في بيت الله إلى أبد الاباد». حيث تتضح بجلاء من هذه العبارات الرابطة بين الإنسان في عالم ما بعد الموت والأعمال التي بها في هذا العالم ، فستتبعه أعماله أينما حل ولا تنفصل عنه أبداً.

* * *

وهكذا تكون قد وردت إشارات واضحة إلى يوم القيامة في كلمات الأنبياء كداود ويوشع وصاموئيل ، إلّاأنّ اليهود تناسوا القيامة والبعث وكأن ليس هنالك من دنيا بعد هذه الدنيا وحياتها المادية.

* * *

القيامة في الأناجيل

كما ذكرنا سابقاً فإن الأناجيل كانت أكثر صراحة من غيرها بشأن الحديث عن القيامة. وإليك نموذجان منها :

٧٣

١ ـ نقرأ في إنجيل يحيى (الباب ٥ الجملة ٢٧ ـ ٢٨) :

«ستأتي الساعة التي يسمع فيها كل من في القبور ندائه فينهضون ، فمن عمل عمل حسناً له قيامة الحياة ومن عمل عمل سيئاً له قيامة الحساب».

والمراد بقيامة الحياة هو الحياة الخالدة في النعم الإلهية التي تمثل ثواب المحسنين ، والمقصود بقيامة الحساب هو عقاب المسيئين بمقتضى حساب الله وعدله.

وأخيراً فالعبارة ـ بالنظر لذكرها القبور التي تمثل موضوع جسم الإنسان ـ إشارة إلى المعاد الجسماني.

٢ ـ وردت إشارة صريحة إلى قضية الجزاء والثواب يوم القيامة في إنجيل متي ـ وهو أول الأناجيل ـ حيث جاء فيه :

«سيأتى الابن في جلال أبيه ومعه الملائكة وسيجزي كلا حسب عمله».

(إنجيل متي ، الباب ١٦ الجملة ٢٧)

ونظير هذه العبارات التي تتحدث عن الثواب والعقاب والجنّة والنار والحساب في عالم ما بعد الموت ، وهي كثيرة في كتب العهد الجديد والأناجيل.

* * *

ولكن للأسف فقد شوه بعض النصارى الآثمين الآثار التربوية العقائدية والإيمان بالمعاد والقيامة بحيث لم يعد هنالك من دور للعمل الصالح أو السيىء في الفوز بالحياة الخالدة أو العذاب الدائم ، وذلك من خلال البدع الخطيرة التي ابتدعوها من قبيل صكوك الغفران وأنّ المسيح عليه‌السلام صلب ليكفر عنهم سيئاتهم وما إلى ذلك من التحريفات.

* * *

٧٤

القرآن والآخرة

أول إرشاد

لقد كان يوماً بين هذه الذرات المؤلفة لأبداننا مسافة تتجاوز ملايين الكيلو مترات وكانت متناثرة في كل مكان ، فهل يمكن أن ترتبط مع بعضها بعد تشتتها ثانية بعد الموت؟

لقد حدثت هزة عنيفة في وسط الوثنيين فقد تزلزلت دعائهم الوثنية ، فقد ظهر دين جديد ، دين التوحيد ، دين عبادة الله الواحد الأحد والذي أخذ ينتشر بين الناس بالسرعة ويسيطر على أفكارهم ولاسيّما الشباب الذين إستقطبهم بصورة أعمق من غيرهم.

إثر ذلك عقدت الجلسات والندوات الصغيرة والكبيرة ونظمت الاجتماعات في الأوساط العالمية والأندية والأسواق والمسجد الحرام وفي بيوت المشركين بهدف مواجهة هذا الدين والحيلولة دون إنتشاره ونفوذه ، وكان كل فرد يفكر في العثور على نقطة ضعف في هذا الدين الجديد الذي سدد ضرباته لدينهم القديم. وفجأة إنبرى أحدهم من زاوية في المجلس ليقول : (هَلْ نَدُّلُكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ اذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمزَّقٍ انَّكُمْ لَفي

٧٥

خَلْقٍ جَديدٍ* افَتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً امْ بِهِ جِنَّة) (١)

نعم كان الإعتقاد بعالم الآخرة وبعث الموتى ووقوفهم للحساب آنذاك هو نوع من أنواع الجنون أو توجيه التهمة لله سبحانه ، كما أن إنبثاق الحياة من المادة الصماء التي لاروح فيها هو الآخر كان يمثل أمراً جنونياً لايمكن تصوره ، وبالطبع لايبدو هذا النمط من التفكير مستغرباً من أولئك الأفراد ممن يعيشون في «ضلال مبين» ولم يشموا لسنوات مديدة نسيم العلم والمعرفة.

إلّاأنّ الطريف ماينبغي معرفته من القيامة التي أحدثها القرآن الكريم بشأن مسألة يوم القيامة ، حيث إعتمد الأدلة اللطيفة والأمثال الرائعة والمنطق السهل والممتنع الذي يجتمع عليه عوام الناس ممن لاحظ لهم من معرفة وعلمائهم ومفكريهم.

ولعلك لا تشاهد صفحة من القرآن خلت من ذكر عالم الآخرة والحياة بعد الموت والمسائل ذات الصلة ، وهذا بدوره يوضح الأهمية التي أولاها القرآن لهذه المسألة المهمّة.

وبصورة عامة يمكن تقسيم آيات القيامة من حيث الدليل والبرهان إلى سبعة طوائف بحيث تفتح كل طائفة بدورها نافذة على هذه المسألة الكبرى المهمّة وتعد طريقاً واضحاً ومطمئناً.

* * *

الطريق الأول : التذكير بالخلق الأول

(أَفَعَيِينَا بِالْخَلقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) (٢)

__________________

(١) سورة سبأ ، الآية ٧ ـ ٨.

(٢) سورة ق ، الأية ١٥.

٧٦

لقد ذهل ذلك الإعرابي حين وقعت عينه على قطعة عظم متعفن وسط الصحراء ، ولم يكن واضحاً أنّ ذلك العظم لرجل قتل في نزاع قبلي أم توفاه الله سبحانه ، ففكر مع نفسه قليلاً : أنّ محمداً يقول بأنّ هذا العظم البالي سيكتسب الحياة مرّة أخرى ويعود الإنسان شاباً حيوياً طرياً ، يالها من خرافة عجيبة! ...

قسماً بهذه الأوثان سأردّ عليه بهذا الدليل المحكم.

فحمل ذلك العظم وأسرع يطلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فلما رآه قال : (مَنْ يُحيي الْعِظامَ وَهِىَ رَمِيم) (١)

وهنا نزلت الآيات القرآنية كحباب المطر في الربيع على قلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لتجيب بمنطق صريح جذّاب : (قُلْ يُحيِيهَا الَّذي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (٢)

(أَوَ لَيْسَ الَّذي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم) (٣)

كما وردت آية أخرى شبيهة للآية المذكورة : (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعيدُهُ) (٤)

* * *

والآن نتصفح أوراق تأريخ ظهور البشرية فنعود إلى الوراء لنرى بداية الخليقة : ... فجأة قذفت من الشمس كتلة نارية عظيمة أطلق عليها فيما بعد إسم «الأرض» فأخذت فوراً بالدوران حول الشمس ، إلّا أنّها كانّت متقدة ومحرقة بحيث إذا تأملها الناظر لما احتمل إنّها ستصبح يوماً موضعاً لكل

__________________

(١) سورة يس ، الآية ٧٨.

(٢) سورة يس ، الآية ٧٩.

(٣) سورة يس ، الآية ٨١.

(٤) سورة الأنبياء ، الآية ١٠٤.

٧٧

هذه البساتين الغنّاء والأزهار الجميلة والشلّالات والطيور المتنوعة وأفراد الجنس البشري.

ولا ندري على وجه الدقّة كم مضى على تلك اللحظة ، ولعلها تمتد إلى خمسة آلاف مليون سنة! مضت آلاف ملايين السنين والأرض ساخنة ومحرقة.

ثم إتحد غاز الهيدروجين مع الاوكسجين في أجواء الأرض ليكونا بخار الماء ، وبردت الطبقات العليا من الجو بمرور الزمان فاشبعت ببخار الماء فبدأت سيول الأمطار الرهيبة. إلّاأنّ الأرض كانت على درجة من السخونة بحيث لم تخترقها الأمطار ، فكانت تتحول بخاراً قبل ملامستها فترتفع إلى الأعلى ، وهكذا بقيت البحار لسنوات مديدة ـ ربّما ملايين السنين ـ تائهة معلقة ما بين الأرض والسماء!

فلم يكن لها من سبيل إلى الأرض ولا إلى جو السماء ، فكلما حاولت أن تقترب من الأرض لم تدعها الحرارة ، وحين كانت تندفع إلى السماء لم يكن لها القدرة الكافية لحل كل ذلك بخار الماء ، فكانت دائبة الحركة.

إلّاأنّ تلك الحركة أخذت تبرّد الأرض بالتدريج وتحد من جماحها.

فعادت المياه إلى الأرض ، حيث تقبلتها ودعتها تستقر في الحفر ، لكن لم يكن يسمع في الكرة الأرضية سوى صوت الرعد والبرق وزئير الشلّالات وأمواج البحار وصرير العواصف. فلم تتفتح وردة ولابرعم ، كما لم تكن هناك فراشة تلقح الأوراق ولا أصوات لرفرفة أجنحة الطيور التي تحلق على شكل أسراب وجماعات لتحطم حاجز الصوت المرعب لتلك المقبرة ، لا صوت حشرة ولا تغريد بلبل ... كان الصمت سائداً في كل مكان!

وفجأة حدثت ثورة عجيبة وحادثة فريدة فقد ظهرت أولى الكائنات

٧٨

الحية في البحار ، فأخذت النباتات بالانتشار تدريجياً ، ثم أخذت إثر ذلك أولى الحشرات الصغيرة والحيوانات المختلفة تسرح وتمرح في البحار واليابسة.

لكن إلى الآن لا أحد يعلم السبب الذي يقف وراء ظهور الكائن الحي من المادة التي لاحياة فيها ، وكل الذي نعلمه هو أنّ عوامل خفية إتحدت مع بعضها لتكون هذا الإبداع العظيم ، أمّا جزئيات ذلك فما زالت من الأسرار التي لم يقف كنهها العلماء لحدّ الآن.

* * *

وبناءاً على هذا فإنّنا نلاحظ بوضوح أنّ أجزاء من بدننا الفعلي كانت سابقاً متناثرة في زوايا هذه الأرض الواسعة الخالية من الروح والحياة ، ولعل هناك ملايين الكيلو مترات من المسافة بين ذراتها.إلّاأنّ ذلك التناثر وهذه المسافة لم تكن لتمنعها من التجمع يوماً مع بعضها وتشكيلها لبدن الإنسان.

فهل من العجب أن يتكرر هذه العمل مرّة أخرى فتتجمع الذرات التي أصحبت تراباً وتناثرت هنا وهناك لتلبس ثوب الحياة وتعاد الخلقة الأولى؟

فإن رأى الإعرابي ذلك الأمر ضرباً من الجنون ، فما بالنا نحن الذين نعيش في ظل هذا التطور العلمي فنراه عملياً يمكن تحقيقة ، وهو ما عبّر عنه الفلاسفة بقولهم : (حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لايجوز واحد)

* * *

٧٩
٨٠