أصل الشيعة وأصولها

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

أصل الشيعة وأصولها

المؤلف:

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء


المحقق: علاء آل جعفر
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام علي عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-50-7
الصفحات: ٤٤٢

اخلُفني في قَومي وَأصْلحْ وَلا تَتَّبِع سَبيلَ المُفسِدينَ ) (١).

نعم تلك هي خلاصة البعد الأوضح في استخلاف موسى لهارون بإذن الله سبحانه ، وهي عين ما ترتَّب بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي عليه‌السلام ، لم يستثن منه إلا منصب النبوة ، كما يشير الى ذلك هذا الاستثناء الوحيد ...

والملفت للنظر أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان كثيراً ما ينبِّه الأُمة إلى التشابه بين علي وهارون عليهما‌السلام في أكثر من مناسبة ، ومن ذلك ما رواه الهيثمي في موارده من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في ايضاح علة تسميته للحسن والحسين والمحسن أبناء علي بن ابي طالب عليهم‌السلام بهذه الأسماء : انَّما سميتهم باسماء ولد هارون : شبر وشبير ومشبر (٢).

٣ ـ حديث الثقلين :

ثم لا يخفى على باحث عن الحقيقة دلالة حديث الثقلين الذي نص فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على وجوب اتباع أهل بيته لأنهم عدول للقرآن ، تُسئل الأُمَّة عن طاعتها وانقيادها لهم ، كما تسئل في ذلك عن القران.

فقد روت المصادر المختلفة قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المبيِّن لأُمَّته على طول التأريخ سبيل نجاتها ، والحبل الذي يعصمها من الضلال والانحراف ، حيث قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا أيها الناس إنَّما أنا بشر يوشك أنْ يأتي رسول ربي فاُجيب ، وأنا تارك فيكم الثقلين : أوَّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، وأهل بيتي. ، اذكركم الله في أهل بيتي.

__________________

(١) الأعراف ٧ : ١٤٢.

(٢) موارد الظمآن : ٥٥١|٢٢٢٧.

٤١

وفي لفظ اخر : إنِّي تارك فيكم ما أنْ تمسكتم به لن تضلوا (١) بعدي : كتاب الله عزَّ وجلَّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (٢).

٤ ـ غدير خم :

لا اُغالي بشيء إذا جزمت بأنَّ في التعرُّض لايراد واقعة غدير خم وشجونها ضمن هذه الاسطر المتواضعة ، ومع هذه العجالة التي تحاول أنْ تنأى بهذا الكتاب عن الاسهاب والاسترسال ، فيه الكثير من البخس الذي ترددت كثيراً أنْ لا أتحمله ولا أخوض غماره ، محيلاً القارئ الكريم إلى ما استفاض فيه العديد من علمائنا ومفكرينا ، وناقشوا من خلال كتبهم البعيدة الغور والمدى أبعاد ودقائق هذه الواقعة الشهيرة التي تجاوز عدد رواتها من الصحابة المائة صحابي ، وقريب من ذلك مَنْ رواها مِنَ التابعين.

بلى انْ فهم واقعة الغدير ، والقطعية الحاصلة فيها بثبوت الأمر الالهي بتنصيب علي عليه‌السلام خليفة لرسول اللهّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تتطلَب من الباحثين عن الحقيقة جهداً حيادياً منصفاً ، بعيداً عن التفسيرات الجاهزة

__________________

(١) ينبغي للمسلم التأمُّل بروية في عبارة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه لادراك حقيقة ما يعنيه صلى‌الله‌عليه‌وآله من قرانه بين اتّباع أهلِ هذا البيت الطاهر عليهم‌السلام ، وبين الهداية التي لا ضلال يُخاف معها ، وإعتبار اتّباعهم سلوكاً للسبيل والصراط القديم المؤدي إلى رضا الله تعالى.

نعم يجب التأمُّل والتدبر في ذلك ، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يلقي الكلام جزافاً ولا على عواهنه ، بل هو الرسول الكريم المبلِّغ عن الله تبارك وتعالى ، والذي لا ينطق قطعاً عن الهوى بنصّ القرآن ألكريم.

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٦٦٢ و ٦٦٣ صحيح مسلم ٤ : ١٨٧٣|٢٤٠٨ مسند أحمد ٣ : ١٧ و ٥ : ١٨١ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٠٩ ، أُسد الغابة ٢ : ١٢ ، السيرة الحلبية ٣ : ٣٣٦ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٦٣ الصواعق المحرقة : ٢٣٠

٤٢

للبعض الذي جهد في أنْ يحتوي البحر بكفه ، معاندة للحق ، وتجنِّيا على الآخرين.

فقد استفاضت المصادر التأريخية والحديثة وغيرها ، ومن الفريقين ، في ذكر هذه الواقعة الشهيرة الحادثة بعد صدور رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من حجة الوداع ، وحيث تذكر تلك المصادر انه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد استرسل مع الركب العظيم الزاحف في صحراء الجزيرة وجوِّها اللاهب ، وحيث كان الجميع ـ كما هو مألوف عند جميع الحجاج في كلُّ زمان بعد انتهاء مناسك حجهم ـ يستعجل الخطا نحو منزله لما بلغ به من الانهاك والاعياء ، والشوق للقاء الأهل بعد هذا السفر الطويل والشاق ... عشرات الآلاف من حجّاج بيت اللهّ الحرام يستحث آخرهم أوَّلهم لاجتياز ما تبقى من المسافة الطويلة الممتدة نحو الافق البعيد ... وعلى حين غرة والركب العظيم يجتاز وادي خم (١) إذا بمنادي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يدعو الناس اليه للاجتماع ، في هذا الجو القائض ، وعلى هذه الأرض الملتهبة ، حتى روي أنَّ المسلمين كان يضعون ثيابهم تحت أرجلهم من شدة سخونة رمل الصحراء.

يقول الراوون من الصحابة : أنَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بدوحات فقممن ، ثم خاطب المسلمين ـ المتسائلين عن الأمر الخطير الذي حبسهم من أجله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ بقوله : ... أليس تشهدون أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله؟ وأنَّ جنَّته حق وناره حق؟ وأنَّ الموت حق ، وأنَّ البعث حق بعد الموت ، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنَّ الله يبعث من في القبور؟

__________________

(١) واد بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير ، عنده خطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله . معجم البلدان ٢ : ٣٨٩.

٤٣

قالوا : بلى نشهد بذلك.

فقال : اللهم اشهد ، ثم قال : ايُّها الناس إنَّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم. ثم أخذ بيد علي عليه‌السلام وقال : فمن كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ... (١)

يقول البرّاء بن عازب وغيره من الصحابة : أنَّ عمر بن الخطّاب لقي علياً بعد ذلك فقال له : هنيئاً لك يابن أبي طالب فقد أصبحت وأمسيت مولى كلُّ مؤمن ومؤمنة (٢).

نعم كذا تناقلته المراجع المختلفة وإنْ حصل بعض التباين في كيفية السرد ، إلّا أنَّ ما أوردنا كان القاسم المشترك بين جميع تلك الروايات ، فراجع.

والغريب الذي تمجه النفوس المنصفة أنَّ من لم يرقه وضوح هذا الأمر في استخلاف علي عليه‌السلام أخذ يتخبَّط ويتوسَّل بما يتصوَّره حلاً لارضاء هواه وهوى أسياده في نفي هذا الدليل القطعي المؤيد لما تذهب اليه الشِّيعة وتؤمن به ، فأخذ يتأوَّل بعيداً عن الحق في تفسير هذه الأقوال الواضحة ، فأوقع نفسه في الحرج الشديد.

__________________

(١) يعد استعراض المصادر التي أوردت واقعة الغدير ، وبأسانيدها وطرقها الكثيرة هنا امراً مستعسراً ، كما ان ايراد البعض دون الباقي بخساً لا ينبغي أنْ لا نتحمله ، ولذا فإنًي اُحيل القارئ الكريم إلى الكتب المختصة التي تناولت بالتفصيل والاسهاب ما استطاعت حصره واثباته من تلك الطرق والوسائط ، والتي يُعد كتاب الغدير للشيخ عبدالحسين أحمد الأميني (ت ١٣٩٠ هـ ) من أوسعها وأشملها ، فراجع.

(٢) انظر : مسند احمد ٤ : ٢٨١ ترجمة الامام علي عليه‌السلام من تأريخ دمشق ٢ : ٥٠|٥٤٨ و ٥٤٩ و ٥٥٠ ، البداية والنهاية ٥ : ٢١٠ الفصول المهمة : ٤١ ، الحاوي للفتاوى ١ ١٢٢ ، ينابيع المودة : ٣٠ ٣١ ، تذكرة الخواص : ٢٩ الرياض النضرة ٣ : ١٢٧ ، الخطط للمقريزي : ٢٢٣ ، كفاية الطالب : ٦٢.

٤٤

ثم أقول بتجرًّد كامل : هل يمتلك ذلك البعض المعاند تفسيراً مقنعاً عن علَّة جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعشرات الآلاف من المسلمين الذين أنهكتهم مراسم الحج ، ووعثاء السفر ، والشوق العارم للاهل والاولاد غير أمر الخلافة والوصاية؟ بل هل ترتضي العقول بتفسير سطحي ساذج لا معنى له لتبرير هذه المعاندة للحق ، والمخالفة له؟ إنَّه مجرد تساؤل.

٥ ـ تبليغ سورة براءة :

لكثر ما تساءلت تارة في نفسي واُخرى مع أحد محادثي عن سر غفلة البعض في ادراك مغزى هذه الواقعة التي لم يختلف اثنان في تفاصيلها ودقائق منقولاتها ، رغم اتفاقهم على نتائجها وما ترتَّب عليها ، وذلك ما ينبغي أنْ يلتفت اليه الجميع.

ولعل الحق المستوحى من استقراء أطراف القضية يشير بوضوح إلى أنَّ هناك من يسلِّم بها ككل متكامل باعتبارها من الأدلة المثبتة لاستخلاف علي عليه‌السلام ، دون التأمًّل في مفرداتها ودقائقها ، حين يتجاهل الطرف الآخر حتى مجرد التأمُّل في شكلها الخارجي المظهري ، وهنا يكمن السر في هذه الغفلة محل التساؤل.

ولنشرع أوَّلاً في استعراض تفاصيل هذه الواقعة كما اتفق الجميع على نقلها :

فبعد نزول الأمر الالهي القاطع بحجب المشركين عن بيت الله الحرام ، حيث يجب أنْ لا يدخله بعد إلّا مسلم ، وأنْ لا يطوف بعد ذلك في البيت عريان ... الخ كما هو في سورة براءة ، أرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر بهذه السورة ، وأمره أنْ يبلغها الناس في مكة.

تقول المصادر المختلفة : إن ابا بكر سار بها ثلاثاً ، ولم يحدث شيء ، حتى نزل الأمر الالهي لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنْ يلحق علي عليه

٤٥

السَّلام أبا بكر ويأخذ منه السورة ويتولى هو تبيلغها نيابة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... فكان كما أراد الله تعالى ، وعاد أبو بكر ـ متوجِّساً باكياً ـ إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال له : يا رسول الله ، أحدث فيَّ شيء؟

فاجابه صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا ، ولكن اُمرتُ أنْ لا يُبلِّغ عني إلّا أنا أو رجل منِّي (١).

كذا تتفق المصادر المتعددة في ايرادها تفاصيل هذه الواقعة الشهيرة ، وهي بلا شك دليل واضح على أنْ لا مُبلِّغ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله غير علي عليه‌السلام ، باستقراء الأدلة السالفة ، بيد أنَّ في هذه الواقعة محطات كثيرة للتوقف والتأمُّل والمراجعة ...

فقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر ( اُمرتُ ) يدل دلالة قطعية على أنَّ مصدر هذا الأمر هو الله تبارك وتعالى ، وذلك لا خلاف فيه ، حيث كان أمر التنحية والتنصيب أمراً الهياً محضاً أراد منه الله جل اسمه أنْ يبيِّن فيه للأمَّة مَنْ يُبلِّغ عن رسوله أحكام السماء وشرائعها ، وأنَّه هو الممثِّل الحق لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله دون غيره من الصحابة والمسلمين ، وكذا هي مشيئة السماء.

ثم لِمَ تُرك أبو بكر هذه الأيام الثلاثة بطولها قاطعاً الفيافي والوديان ، متحمِّلاً وعثاء السفر ومشقة الطريق ، طالما أنَّ مشيئة السماء أنْ لا يُبلِّغ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلا علي عليه‌السلام ، هل كان الأمر يتطلَّب تفكيراً وتدبراً من السماء ، أم أنَّ هناك تأخيراً في التبليغ والابلاغ؟ كلا وألف

__________________

(١) سنن الترمذي ٥ : ٦٣٦|٣٧١٩ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٣٢ ، مسند أحمد ١ : ٣ ، ٣٣١ ، ٣ : ٢١٢ ، ٢٨٣ و ٤ : ١٦٤ ، ١٦٥ ، مجمع الزوائد ٩ : ١١٩ ، تفسير الطبري ١٠ : ٤٦ ، البداية والنهاية ٧ : ٣٥٠ ، الخصائص للنسائي : ٨ ، الفصول المهمة : ٤٠ ، الصواعق المحرقة : ١٨٨.

٤٦

كلا لأن في ذاك خلاف محض مع عقيدة كلُّ المسلمين ، فلا يقول به أحد ... إذن فلماذا؟

٦ ـ نصوص اخرى :

ثم وقسراً للنفس على تجنب الاسهاب في الحديث عن النصوص التي تزخر بها اُمهات الكتب وراجع الحديث ، استعرض ايجازاً نتفاً من تلك النصوص ، محيلاً القارئ الكريم إلى مصادرها ، إنْ ابتغى الاستزادة :

أ ـ روى ابن حجر في صواعقه عن أبي سعيد الخدري : أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال في تفسير قوله تعالى ( وَقفُوهُمْ إنَّهُم مَسؤولونَ ) (١) : عن ولاية علي بن أبي طالب (٢).

ب ـ وروت المصادر المختلفة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله : لكلِّ نبي وصي وارث ، وإنَّ وصيي ووارثي علي بن أبي طالب (٣).

ج ـ وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أوصي مَنْ آمن بي وصدَّقني بولاية علي ابن أبي طالب ، فمن تولاه فقد تولاني (٤).

د ـ وقال أيضاً صلى‌الله‌عليه‌وآله : من أحب أنْ يحيا حياتي ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليتولَّ علي بن أبي طالب ، فإنَّه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلكم في ضلالة (٥).

__________________

(١) الصافات ٣٧ : ٢٤.

(٢ ) الصواعق المحرقة : ٢٢٩.

(٣) انظر : ترجمة الامام علي عليه‌السلام من تأريخ دمشق ٣ : ٥ ، ميزان الاعتدال ٢ : ٢٧٣ ، الرياض النضرة ٢ : ٢٣٤ ، ينابيع المودة : ٧٩ ، كفاية الطالب : ٦٢٠ ، المناقب للمغازلي : ٢٠٠

(٤) ترجمة الامام علي عليه‌السلام من تأريخ دمشق ٢ : ٥٩٧ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٥٩ ، المناقب للمغازلي : ٢٣٠.

(٥) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٨ ، لسان الميزان ٢ : ٣٤ ، حلية الأولياء ٤ : ٣٤٩ ،

٤٧

هـ ـ وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام : أنت أخي ووارثي.

قال : وما أرث منك؟

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما ورَّث الأنبياء من قبلي (١).

و ـ وروى أنس بن مالك : أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له :

يا أنس ، أوَّل من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين ، وسيد المسلمين ، ويعسوب الدين ، وخاتم الوصيين ، وقائد الغر المحجَّلين.

قال أنس : فجاء علي فقام اليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مستبشراً فاعتنقه وقال له : أنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبيِّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي (٢).

ز ـ وروى عمران بن الحصين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : إنَّ علياً مني وأنا منه ، وهو ولي كلُّ مؤمن بعدي (٣).

وغير ذلك ، فإنَّ للمستزيد مزيد ، فمن ابتغى الكثير فإنَّ عليه استقراء ما كُتب عن هذا المبحث المهم ، ولن يعسر عليه ذلك طالما تجرَّد البعض عن الفهم المسبق الخاطئ ، وتدارس الأمر بحيادية علمية لا تبتغي غير الحق ، والحقيقة فحسب.

__________________

مجمع الزوائد ٩ : ١٠٨ ، ترجمة إلامام علي عليه‌السلام من تأريخ دمشق ٢ : ٩٨ ، ٦٠٣١ ، ٦٠٤ ، ٦٠٥.

(١) ترجمة الامام علي عليه‌السلام من تأريخ دمشق ١ : ١٠٨ ، الرياض النضرة ٢ : ٢٣٤ ، تذ كرة الخواص : ٢٣ ، ينابيع المودة : ٥٦ ، فرائد السمطين ١ : ١١٥ ـ ١٢١.

(٢) ميزان الاعتدال ١ : ٦٤ ، حلية الاولياء ١ : ٦٣ ، ترجمة الامام علي عليه‌السلام من تاريخ دمشق ٢ : ٤٨٧ ، كفاية الطالب : ٢١٢ ، مطالب السؤول : ٢١.

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٦٣٢ / ٣٧١٢ ، مسند أحمد ٤ : ٤٣٨ ، مستدرك الحاكم ٤ : ٤٣٨ ، الخصائص للنسائي : ٢٣ ، أُسد الغابة ٤ : ٢٧ ، الرياض النضرة ٣ : ١٢٩ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ٩ : ١٧١.

٤٨

وقفة مع رزية الخميس :

لم يسعني وأنا أطوي هذه الأسطر الأخيرة من حديثي هذا إلّا أنْ اُشير إلى حدث بقي حتى يومنا هذا محل تساؤل بين عموم المسلمين ، يتفاوت التصريح به بين الهمس المتواري خجلاً ، ، وبين عبارات الاستهجان المندفعة كالبركان المتفجِّر ، أو كالسيل الهادر ، وللاثنين ما يعتذر به ، فالأوَّل يجد بشاعة الحدث تلقي غمامة سوداء على مُثُلٍ بقي طوال عمره مؤمناً بها ، ومدافعاً عنها ، والثاني يحمِّل أصحاب هذا الأمر الكثير ممّا أصاب هذه الأُمة من التبعثر والتشتُّت والتمزُّق ، وهي حقيقة لا يسع منصف الاعراض عنها ما جهد في تبريرها. وهنا يكمن أصل الداء.

لقد اتفق المسلمون مع اختلاف مشاربهم وتشتُّت مذاهبهم على جملة اُمور اعتبروها من مسلَّمات الدين التي لا مناص لمسلم من الاعتقاد بها والتعبُّد بمضامينها ، ومن ذلك الاستجابة المطلقة وغير المترددة ولا المجتهدة قبالة النص الثابت الصدور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحيث تتأكَّد وجوبية الالتزام والتنفيذ ، وحرمة المخالفة والمعارضة حين الحضور المقدَّس لصاحب الرسالة صلى‌الله‌عليه‌وآله ( مَا كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إذا قَضى الله وَرَسُولُهُ أمراً أنْ يَكُونَ لهمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْص اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاًَ مُبين ) (١).

وممّا لا ريب فيه أنَّ العلة في هذا التحريم واضحة بيِّنة تتمثَّل أوضح أبعادها في رد حكم الله تبارك وتعالى وإرادته ، لأنَّ الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس إلا ممثِّلا لارادة السماء ، مجسِّدا لمشيئتها ، مبلِّغا لأوامرها. ومن

__________________

(١) الأحزا ب ٣٣ : ٣٦.

٤٩

هنا يُشدَّد النكير على المخالفين ، بل وحتى على المجتهدين قبالته.

ونحن هنا لسنا بمعرض تقليب الشجون ، ومحاكمة المتخلِّفين والمخالفين ، قدر ما توخينا منه اماطة القذى عن بعض العيون في تحاملها على الشِّيعة نتيجة تُبنّيها للنصوص المتواترة باستخلاف علي عليه‌السلام.

وتجُّنباً للاسهاب لنتأمَّل ما أورده أصحاب الصحاح في متون كتبهم المختلفة حول هذه الواقعة ، ولنشرع أوّلاً برواية البخاري عن ابن عبّاس ، قال : لما حضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي البيت عمر بن الخطاب ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ، فقال عمر : إنَّ النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله!!.

قال : فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قرَّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قاله عمر ، فلمّا كثر اللغو والاختلاف عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لهم : قوموا عني. فكان ابن عبّاس يقول : إنَّ الرزية كلُّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبين أنْ يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (١).

وفي صحيح مسلم وغيره برواية سعيد بن جبير : قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي. فتنازعوا ، وما ينبغي عن نبي التنازع ، وقالوا : ما شأنه؟ أهجر!! استفهموه؟

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : دعوني ، فالذي أنا فيه خير (٢).

وامّا أحمد بن حنبل فقد روى في مسنده عن جابر قوله : أنَّ النبي صلى

__________________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٢١٩|٣٠ ، وانظر كذلك : صحيح مسلم ٣ : ١٥٩|٢٢ ، مسند أحمد١ : ٣٢٤ ، البداية والنهاية ٥ : ٢٠٠.

(٢) صحيح مسلم ٣ : ١٢٥٧|١٦٣٧ ، وانظر كذلك : مسند أبي يعلى ٤ : ٢٩٨ ، مسند أحمد ١ : ٢٢٢ ، البداية والنهاية ٥ : ٢٠٠ ، تاريخ الطبري ٣ : ١٩٣.

٥٠

الله عليه وآله دعا عن موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده ، فخالف عمر بن الخطاب حتى رفضها (١).

أقول : لنتجنَّب ما أمكننا الخوض في غمار الشجون والتأسُّف جهدنا ، ولنتسائل لعل في التساؤل والبحث عن الجواب تتحقق غاية مبتغي المعرفة ، وهو ما يريده المنصفون خلاصة لجهدهم :

١ ـ ما كان ذلك الكتاب الذي أغاض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اعراض بعض أصحابه عنه ، وجهدهم في منعه عن كتابته ، رغم ما صرَّح به من أنَّ الأمَّة لن تضل بعده أبداً؟ هل كان أحكاماً شرعية ، وقد ثبت أنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يدخر جهداً في توضيح كلُّ تلك الأحكام للمسلمين طيلة حياته ، ثم ما كان يمكن لتلك الصحيفة المحدودة أنْ تحويه من أحكام ، وفي تلك الساعات الأخيرة من حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله !! وكيف غفل هو صلى‌الله‌عليه‌وآله عنها ـ طالما هي من الأهمية بهذا الشكل ـ طيلة حياته ليتذكرها في هذه اللحظات الأخيرة؟

٢ ـ لِمَ انبرى بعض الصحابة وعلى رأ سهم عمر بن الخطاب ـ كما تذكر ذلك المراجع المختلفة ـ إلى اتهام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالهجر والهذيان مباشرة بعد مطالبته صلى‌الله‌عليه‌وآله بتلك الصحيفة؟ أما كان يجب عليهم أنْ يستجيبوا للرسول الذي أمرهم الله تعالى بوجوب الانقياد إلى أوامره دون مراجعة ومعارضة ، أو على أدنى الاستجابة مسائلته بماهية ذلك الكتاب أمام الملأ الحاضرين؟

٣ ـ هل تأمَّل البعض مبلغ التوهين الذي مُنيَ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من قِبل اولئك الصحابة ، حيث نبذوه ـ وهو المبلِّغ عن الله تعالى ،

__________________

(١) مسند أحمد ٣ : ٣٤٦.

٥١

ومن لا ينطق عن الهوى ـ بالهجر وأمام الحاضرين المفجوعين به ، حتى سرت مقولتهم سريان النار في الهشيم ، وتلقَّفها اليهود والمنافقون وغيرهم من أعداء الدين فطفقوا يطبِّلوا لها ويزمِّروا؟

٤ ـ وأخيراً ، أما يحق لنا ان نتساءل ويتساءل معنا الجميعِ : لِمَ لم ينبس أحدٌ من اولئك الصحابة ببنتَ شفة رداً على ابي بكر ، واعتراضاً عليه ، واتهاماً اياه بالهجر ، رغم انه اوصى بعمر خليفة من بعده حين غلبه الوجع وانشبت المنية فيه اظفارها؟! بل هلّل ذلك البعض وكبرَّ خلاف ما بدا عليه حين اراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كتابة عهده باستخلاف علي عليه‌السلام.

فاي الاثنين أملك لعقله دون الآخر ، بل وايهما رسول لله تعالى دون الثاني؟! انه مجرد تساؤل لا غير.

نعم وأقول بوضوح كما هو ينبغي أنْ لا يخفى على الجميع : إنِّها الوصاية بعلي عليه‌السلام لا غير ، وكان المتصدِّين لمنع اثباتها أدرى بها من غيرهم ، وذلك ليس بخاف على المتتبعين المتفِّحصين لأبعاد هذه الواقعة وما تلاها.

٥٢

الوقفة الأخيرة :

وأخيراً ونحن نحط رحالنا وأزوادنا في فناء محطتنا الأخيرة ، بعد هذا الاستطراق المتعجِّل والمتلاحق الخطا في تبيان جملة من الشوارد السانحة في مفهوم الأمامة الذي لا يزال البعض يصمه ضجيج مكاء وتصدية مبتغي بعثرة وحدة المسلمين عن ادراك حقيقتها بالشكل الذي تقول به الشِّيعة ، فانحاز عن عدم تدبُّر في خانة من كانوا ولا زالوا يعملون حرابهم في جسد وبنيان هذا الدين الواحد ، والمجتمع الواحد.

بلى وما أقوله ينبعث من صميم القلب لا شغافه ، وصدقاً ، لا رياءً ومخاتلة وخداعاً : إنَّ الرباط المقدَّس الذي يجمعنا كمسلمين أعظم وأقوى من أنْ يعتريه الذبول أو يتخلله الوهن ، وذلك ما ينبغي أنْ لا يغرب عن الجميع ، أو يتناساه أحد. فرباط الأُخوَّة الاسلامية الذي أمرنا الله تعالى أنْ نعتصم به ـ إذ قال جلَّ اسمه : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذكُروا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم إذْ كننتُمْ أعداءً فَألَّفَ بَينَ قُلُوبكًمْ فَأصبَحتُمْ بنِعْمَتِهِ إخواناً وَكُنتُمْ على شَفَا حُفرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأنْقَذَكُمْ مِنها كَذَلِكَ يبَيِّنُ اللهُ لَكُم آياتِهِ لَعَلَّكمْ تَهتَدونَ ) (١) ـ حتم لا يسع مسلم الاعراض عنه قطعاً ، ولا تجاهله في آن ما ، لأنّا ندرك جميعاً أنَّ علة ما نعاينه من مصائب أحاطت بالمسلمين في بقاع شتى من هذه المعمورة يكمن في استرخائهم أمام حالة التبعثر والتمزُّق والتكفير التي تعمل على تأجيجها سرائر بغيضة تتبرقَّع بشعارات ممجوجة تحاول جاهدة التمويه على بصماتها المشخَّصة البادية على جسد هذه الأُمَّة النازفة من طعناتهم المتلاحقة المعاندة.

__________________

(١) آل عمران ٣ : ١٠٤.

٥٣

إنَّ دعواتنا المتواصلة بوجوب فهم عقائد الشِّيعة بشكل سليم ـ دون التقوقع في الحدود المصطنعة التي رسم ويرسم أبعادها الاخرون ممَّن تدفعهم الى ذلك اغراض ومآرب خاصة ، أو ممَّن يعتمدون في ترتيب أحكامهم على الفهم السطحي والساذج لتلك العقائد ـ هي أنجع المسالك في طريق السعي نحو التقريب الذي كان ولا زال يدعو اليه المخلصون من رجال هذا الأُمَّة ، شيعة وسنة ، عسى الله تعالى أنْ يلم شتات هذه الأُمَّة لتكون مصداق قوله سبحانه : ( خيرَ اُمَّةٍ اُخرِجَتْ لِلنَّاس تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُومِنونَ بالله ) (١).

واذا كان البعض ممن لا يروقه التصريح ويتعمَّد المواربة والمخاتلة في الاشارة الى مواطن الداء التي أبتليت بها الاُمَّة ، تصوُّراً منه أنَّ ذلك أنجع الطرق المؤدية نحو التقريب والتقارب ، والوحدة والتآلف ، فانَّ ذلك وهمٌ تصوًّره حالة الانخداع بالاختلاف المضخَّم والمبالغ فيه من قبل مُروِّجي هذا الاختلاف والمزمِّرين له ، فيضطر المصلحون الى تجاوز هذه العثرات دون تأمُّل ونظر باعتقاد كبر حجمها ، وتعاظم قدرها ، ويسير على منوالهم الاخرون وهم يكتنزون في مخيلتهم اعتبار سعة الهوة ، وبعد المسافة بين الفريقين ، وذلك هو أس الداء ، وأصل العلة.

نعم ، إنَّ ما يلتقي به الجميع هو اكبر واعظم من أنْ نتجاوزه لنفترض استحالة الالتقاء والتقارب ، والاشارة المشخِّصة لموطن الاختلاف ايسر سبيل لادراك ماهية ذلك الاختلاف ، وكيف يمكن أن نتجاوزه وصولاً الى تلث الأمنية الغالية على قلوب المخلصين من هذه الأُمَّة المنهكة القوى ، والمستلبة العز والكرامة التي منحها اياه هذا الدين العظيم ، فتخاذلت عنه ،

__________________

(١) آل عمران ٣ : ١١٠.

٥٤

واعرضت عن سبيله ، فكان ما نراه اليوم من نكوص عظيم لا تصدقه العقول ، ولا تحتمله القلوب.

كنّا ولا زلنا اخوة الدين الواحد الذي جاء به ذلك الرسول الاُمّي صلى‌الله‌عليه‌وآله الى تلك الشعوب الغارقة في وحل الانحراف والرذيلة ، فجعلها اُمَّة من خير الأُمم ، تحمل النور والهداية الى اصقاع الأرض ونواحي المعمورة ، وما كان ذلك إلّا بصدق النية ، وقوه العزيمة ، فلم لا نكون من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، ولننفض عن كاهلنا وهم التنافر والاختلاف المقيت؟ انها دعوة صادقة لانفسنا كما هي للآخرين.

والله الموفِّق للسداد ، انَّه نعم المولى ونعم النصير ، والحمد لله أولاً وآخراً.

٥٥

ترجمة المؤلف :

هو الشَّيخ محمَّد بن الحسين ابن الشَّيخ علي بن محمَّد رضا بن موسى ابن الشَّيخ الأكبر جعفر ـ صاحب كشف الغطاء ـ ابن الشَّيخ جعفر بن يحيى ابن سيف الدين المالكي الجناجي النجفي.

يعود رحمه الله تعالى برحمته الواسعة بنسبه إلى احدى قبائل العراق المعروفة ، وهي قبيلة بني مالك ، التي تنتهي إلى أحدى خواص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وهو مالك بن الحارث الأشتر رحمه الله تعالى.

كان الكثيرون من هذه القبيلة المعروفة يستوطنون نواحي مدينة الحلِّة وأطرافها ، وخصوصاً بلدة جناجه المعروفة سابقاً باسم قناقية ، وحيث كان أجداد المترجم يُعدون من وجهاء تلك البلدة وأعيانها ، حتى هاجر جدُّه الاعلى الشَّيخ خضر بن يحيى منذ ما يقارب من مائتين وتسعين عاماً إلى مدينة النجف الأشرف المزدهرة بحوزتها العلمية وعلمائها الأفذاذ ، فاشتغل بالدرس والتحصيل وتلقي العلوم الدينية بجد ومثابرة أهَّلته لأنْ يتفوق على الكثيرين من أقرانه ويتقدم عليهم بشكل ملحوظ أقرَّ به أساتذته وزملاؤه في الدرس ، مما مهد له السبيل للتخطي نحو مصاف الاساتذة والمدرسين الذين يشار لهم بالبنان ، ويحظون بالثناء والتقدير.

وكان رحمه الله تعالى مشهوراً بالتقوى والصلاح ، والزهد والورع ، شاع صيته في الأفاق فتوافد الجميع عليه مقرِّين بفضله ، ومعترفين بمكانته ، فاستطاع أنْ يضع حجر الأساس لاسرة شريفة سمت بها منازل العلم والتقوى لأنْ تتسنَّم بحق زعامة المرجعية الدينية الشِّيعية لسنين طوال.

٥٦

نعم ، فاذا كانت مدينة النجف الأشرف ، وبالأخص حوزتها العلمية قد عرفت بالشيخ خضر عالماً فاضلاًَ ، وتقياً مصلحاً أخذ العلم على يد كبار أساتذتها ، وابتز اقرانه بجده واجتهاده ، فانَّها قد شهدت من بعده وعلى يد أبنائه وأحفاده الكثير من العطاء الذي طوَّقت أفضاله رقاب عموم الشَّيعة خاصة وباقي المسلمين عامة.

وهكذا فقد كانت هجرة الشَّيخ خضر رحمه الله تعالى إلى النجف الأشرف قبل ما يقارب من المائتين والتسعين عاماً انعطافاً كبيراً في حياة هذه الأسرة الشَّريفة ، ورفداً عظيماً لمسار الحوزة العلمية ودورها في قيادة عموم الطائفة الشِّيعية في جميع العالم.

وكان الشَّيخ خضر قد خلَّف أربعة من الأبناء ، أشهرهم العلامة ، الشَّيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء ، وحاله وسمو منزلته لا تخفى على أحد ، بل هو كالشمس في رابعة النهار ، تُشد اليه الرحال ، وتقصده أفاضل الرجال ، وتتزود من علمه أكثر جموع الطلبة والدارسين والباحثين.

واذا كان والده الشَّيخ خضر قد وضع أساس هذه الأسرة الشَّريفة في جنبات مدينة العلم ، وقبلة الدارسين والباحثين عن صفو علوم أهل بيت العصمة عليهم‌السلام ، فانَّ الشَّيخ جعفر رحمه الله تعالى قد أشاد لعائلته صرحاً شامخاً ، وشرفاً منيفاً ، ومكانة عالية ، واسماً ميموناً ، حتى طغى اسم أشهر مؤلَّفاته ، وهو كشف الغطاء ، على اُسرته وأحفاده ، فاُسموا بآل كاشف الغطاء ، منذ ذلك اليوم ، وحتى يومنا هذا ، بل وأمسوا لا يُعرفون بغيره ، ولا يرتضون سواه ، فكان خير إرث تركه لهم ، إرث عظيم لا تُقاس به الكنوز ولا القطائع.

ومن ثم فانَّ البنيان الشامخ لهذه الأسرة الطيبة المباركة كان لابدَّ له من

٥٧

أنْ يرثه ويتبوأ عرش سيادته بعد رحيل سيِّده الأكبر الشَّيخ جعفر الذي تُعد خلافته من مشاق الأُمور التي تستدعي بوريثه جهداً مضاعفاً ، وسعياً متواصلاً لينال تلك الحبوة الرفيعة التي امتطى ناصيتها ذلك الجد الأكبر.

والحق يقال : إنَّ الأنظار بقيت شاخصة متفحصة مع تقادم السنين بحثاً عن ذلك الوريث المبارك الذي تسمو به همته ، وجده واجتهاده نحو ذلك المكان المنيف الشامخ ، حتى أتت الأيام بذلك الموعود المبارك من قِبل أحد أحفاده النجباء وهو الشِّيخ محمَّد بن الحسين رحمه الله تعالى ـ صاحب الترجمة ـ فاستطاع أنْ يرتقي هذا المرتقى الصعب ، بجدارة وقدرة ، وسعي واجتهاد ، بل وأنْ تثنى له الوسادة من قِبل الجميع ، ويقرُّ بفضله القاصي والداني ، وأنْ يملأ الدنيا باقواله ومواقفه ، وبحوثه ومؤلفاته ، وسعيه ومثابرته ، بل وأنْ يخلِّف الكثير الكثير من الآثار الخالدة الدالة على عظيم ما كان عليه ، علماً وفضلاً ، ايماناً وتقوى ، فرحمه الله تعالى برحمته الواسعة ، وأسكنه فسيح جنانه.

٥٨

ولادته ونشاته :

ولد رحمه الله تعالى عام ( ١٢٩٤ هـ ـ ١٨٧٧ م ) في مدينة النجف الأشرف ، وقد أرَّخ الشاعر موسى الطالقاني رحمه الله تعالى ولادته بقوله :

سُرورٌ بهِ خُصَّ أهلُ الغري

فَعَمً المَشارِقَ وَالمَغربينِ

بِمولَدِ مَنْ فِيهِ تَمَّ الهَنا

وَقَرتْ بِرُؤيتَهِ كلُّ عَينِ

وَقَد ْبُشِّرَ الشَرْعُ مذْ أرَّخُوا

سَتُثنى وَسائِدُهُ لِلحُسينِ (١)

فنشأ في بيت تفوح من جنباته عبقات العلم والسؤدد والشرف ، بيت يطفح بالعلماء والفضلاء ، والأساتذة النجباء ، فاشتد عوده واستقام ، وامتدت عروقه بعيدة في تلك الأرض الخصبة المعطاءة ، فكان بحق خير خلف لخير سلف ، ونعم الابن لتلك الأُسرة الطاهرة.

لم يتجاوز أعتاب عامه العاشر حتى كان ينهل من علوم العربية وفنونها كالبلاغة والمعاني والبيان ، فوجد فيه أساتذته ميلاً واستعداداً كبيراً للاستزادة من هذه العلوم الرائعة والفنون العظيمة ، فتولوه بالاهتمام والرعاية حتى استطاع تجاوز جميع تلك المراحل دون أي تردد أو تلكؤ ، بل وأنْ يكون مع الأيام أديباً بارعاً لا يدانيه أحد ، واُستاذاً ماهراً يُشار له بالبنان.

ولم تقعد به توجهاته نحو دراسة اللغة العربية وتخصصاتها المتعددة عن دراسة غيرها من العلوم كعلم الرياضيات المتشابك ، فاندفع في طلب معرفته ، وفهم بعض أبعاده بما تيسر له الظرف والامكان بتلهُّف وشغف ، إلّا

__________________

(١) ديوان الشاعر : ٢٦٠.

٥٩

أنَّ النظام الدراسي المتبَّع في نشأته واعداده كان ينأى به بعيداً عن التخصص بهذا العلم البعيد الغور ، والواسع الأبعاد.

ومن هنا فإنَّ شيخنا المرحوم كاشف الغطاء ما أنْ أتم دروسه الأولية في علوم العربية وآدابها ـ والتي أظهر فيه تفوقاً ملحوظاً ، وبراعة متميِّزة دون باقي أقرانه كما أسلفنا ـ حتى شرع بدراسة الفقه والأُصول وفق الاسلوب المتبع في الحوزة العلمية ، فأتَمَّ دراسة السطوح وهو في باكورة شبابه ، مما أهَّله لمواصلة دراسته المتقدمة والعالية عند كبار أساتذة الحوزة انذاك مع أخيه الشَّيخ أحمد كاشف الغطاء رحمه الله تعالى ، فاستشف فيه أساتذته تلك العبقرية الفذة ، والذكاء الوقاد ، والعزيمة الراسخة التي تؤهِّل صاحبها لامتطاء ذرى المجد ، وناصية الرقي ، فتتبعوه بالتوجيه والرعاية ، والصقل والتهذيب ، وأسبغوا عليه الكثير من الاهتمام والاعتناء ، حتى وفقوا ـ بفضل الله تعالى ـ في ذلك غاية التوفيق ، وخرَّجوا من مدراس بحثهم رجلاً عالماً فاضلاُ ، بارعاً حكيماً ، مظهراً لعظمة المذهب ، مدافعاً عن حرمه ، فكان كما قال الشَّيخ محمَّد جواد مغنية رحمه الله تعالى برحمته الواسعة : من العلماء الذين هم أندر من الكبريت الأحمر ، من اُولئك العلماء المتميِّزين الذين لم يتحددوا في علائقهم مع مقلِّيديهم وأتباعهم فحسب ، بل التقوا بالعالم ، ونقلت عنهم فئات شتى في الشرق والغرب ، وعرف بهم البعيد أنَّ في الشِّيعة معجزات من العبقرية ، وأنَّ مذهب التشيُّع يقوم على اقوى وأمتن أساس (١).

__________________

(١) مجلة العرفان | المجلد ٤٧ | الجزء العاشر | صفحة ٩٣٨.

٦٠