أصل الشيعة وأصولها

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

أصل الشيعة وأصولها

المؤلف:

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء


المحقق: علاء آل جعفر
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام علي عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-50-7
الصفحات: ٤٤٢

الله بعد ذلك امراً.

هذا مجمل القول في اُمَّهات الحلال والحرام من المأكول والمشروب ، وهناك بنات فروع كثيرة لا يتسع لشرحها صدر هذه الرسالة الوجيزة.

٣٠١
٣٠٢

الحدود :

عقوبات عاجلة على جنايات خاصِّة ، الغرض منها حفظ نظام الاجتماع ، وقطع دابر الشرِّ عن البشر.

حد الزنا

كلُّ بالغ عاقل وطأ امرأة لا يحلُّ له وطؤها شرعاً ، عالماً عامداً وجب على ولي الأَمر أن يحدَّهُ بمائة جلدة ، ثم بالرجم بالحجارة إن كان محصناً ، أي عنده من الحلال ما يسدُّ حاجته ، وإن لم يكن محصناً فبالجلد وحده ، ويحلق رأسه ، وينفى عن البلد سنة.

ثم إن كانت هي راضية حُدَّت أيضاً بهما إن كانت محصنة ، وإلّا فبالجلد وحده.

وإذا زنى باحدى محارمه النسبية أو الرضاعية ، أو بامرأة أبيه ، أو بمسلمة وهو ذمي ، أو أكره امرأة على الزنا كان حدُّه القتل.

ويثبت الزنا باقراره أربع مرات ، أو بأربعة شهود عدول ، أو ثلاثة رجال وامرأتين.

ولو شهد رجلان وأربع نسوة ثبت الجلد دون الرجم ، ولا يثبت بأقل من ذلك ، ولو شهد ثلاثة أو اثنان حدَّ واحد القذف ، ويشترط اتفاق شهادتهم من كلِّ وجه ، والمشاهدة عياناً.

ولو اقرَّ بموجب الرجم ثم انكر سقط ، ولو أقرَّ ثم تاب تخيَّر الامام ، ولو تاب بعد البينة لم يسقط ، ولو زنى ثالثا بعد الحدين قُتل.

ولا تُجلد الحامل حتى تضع ، ولا المريض حتى يبرأ.

٣٠٣

حد اللواط والسحق

لا شيء من المعاصي والكبائر أفظع حداً وأشد عقوبة من هذه الفاحشة والفعلة الخبيثة ، حتى أنَّ التعذيب بالاحراق بالنار لا يجوز بحال من الأَحوال إلا في هذا المقام.

وحدُّ اللائط أحد امور يتخيَّر ولي الأمر فيها : القتل ، أو الرجم ، أو إلقاؤه من شاهق تتكسر عظامه ، أو إحراقه بالنار. ويقتل المفعول به أيضاً إن كان بالغاً مختاراً ، وإن كان صغيراً عزِّر.

ويثبت اللواط بما ثبت به الزنا ، وكذا السحق ، وتجلد كلٌّ من الفاعلة والمفعولة مائة جلدة ، ولا يبعد الرجم مع الاحصان.

ويجلد ( القوّاد ) خمسة وسبعين جلدة ، ويُحلق رأسه ، ويشهر ، وينفى. ويثبت بشاهدين وبالاقرار مرتين.

حد القذف

يجب أن يحدَّ المكلَّف إذا قذف المسلم البالغ العاقل الحر بما فيه حدّ ـ كالزنا واللواط أو شرب الخمر ـ بثمانين جلدة ، ويسقط ذلك بالبيِّنة المصدِّقة ، أو يصدقه المقذوف.

ويثبت بشهادة العدلين أو الاقرار مرتين.

ولو واجهه بما يكره : كالفاسق ، والفاجر ، والأَجذم ، والأَبرص ، وليس فيه ، كان حكمه التعزير.

ومن ادعى النبوَّة ، أو سب النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو أحد الأَئمة

٣٠٤

سلام الله عليهم ، فحكمه القتل.

حد المسكر

من شرب خمراً أو فقاعاً أو عصيراً قبل ذهاب ثلثيه ، أو أي نوع من المسكرات ـ من أنواعه الحديثة أو القديمة ـ عالماً عامداً بالغاً ، وجب أن يُحدَّ ثمانين جلدة عارياً على ظهره وكتفه ، ولو تكرر الحدُّ ولم يرتدعُ قتل في الرابعة. ولو شربها مستحِلاً فهو مرتد يجب قتله.

وبائع الخمر يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل.

حد السّرقة

إذا سرق الرجل البالغ العاقل من الحرز ـ وهو المصون بقفل وصندوق أو نحو ذلك ـ ما قيمته ربع مثقال من الذهب الخالص ، وجب ـ بعد المرافعة عند الحاكم ، والثبوت بالاقرار مرتين ، أو البينة ـ أن تقطُع أصابعه الأَربع من يده اليمنى ، فإن عاد بعد الحدِّ قطعت رجله اليسرى من وسط القدم ، فإن عاد ثالثاً خلِّد في السجن ، فإن سرق فيه قتل.

ولو تكررت السَّرقة قبل الحدِّ كفى حدٌّ واحدٌّ ، والطفل والمجنون يعزّران ، والسّارق يغرم ما سرق مطلقاً ، ويُكتفى في الغرامة الإقرار مرَّة ، وشهادة العدل الواحد مع اليمين.

والوالد لا يُقطع بسرقة مال ولده ، والولد يُقطع.

٣٠٥

حد المحارب

كلُّ من شهر سلاحاً في بلد أو بر أو بحر للإخافة والسلب والنهب ، وجب على ولي الأمر حدُّه مخيراً بين : قتله ، وصلبه ، وقطعه من خلاف ـ بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ـ أو نفيه من الأرض وفق الأية الشريفة : ( إنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبُونَ ) (١) إلى اخرها.

وإذا نُفي الى بلد كُتب بالمنع من مواكلته ومعاملته ومجالسته الى أن يتوب.

واللص الذي يهجم على الدار محارب ، فإن قتل فدمه هدر.

ومن كابر امرأة على عرضها ، أو غلاماً ، فلهما دفعه ، فإن قتلاه فدمه هدر.

ويعزر المختلس ، والمحتال ، وشاهد الزور بما يراه الحاكم من العقوبة التي يرتدع بها هو وغيره.

حدود مختلفة

من وطأ بهيمة وجب تعزيره ، فإن كان بالغاً وتكرر منه ذلك قُتل في الرابعة ، ثم إن كانت مأكولة اللحم حرم لحمها ولحم نسلها بعد الوطء ، وتُذبح ، وتحرق ، ويغرم قيمتها لصاحبها ، ولو اشتبهت اُخرجت بالقرعة. ولو كانت غير معدَّة للأكل كالخيل ونحوها بيعت في بلد آخر ويتصدَّق بثمنها ،

__________________

(١) المائدة ٥ : ٣٣.

٣٠٦

ويغرم لصاحبها قيمتها إن لم تكن له. ويثبت بشهادة العدلين أو الإقرار مرتين.

ومن زنى بميتة كمن زنى بحيَّة ، وتغلظ العقوبة هنا ، ولو كانت زوجته أو مملوكته عُزِّر. ويثبت بأربعة كالزنا بالحي ، وكذا اللواط.

ومن استمنى بيده عُزِّر.

وللانسان أن يدفع عن نفسه وحريمه وماله ما استطاع بالأَسهل ، فإن لم يندفع فبالأَصعب متدرجاً.

ومن اطلع على دار قوم فزجروه فلم ينزجر فرموه بحجارة أو نحوها فقضت عليه ، فدمه هدر.

٣٠٧
٣٠٨

القصاص والدّيات :

قتل النفس المحرَّمة من أعظم الكبائر ، وهو الفساد الكبير في الأَرض ، ومن قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ، وكذا الجناية على طرف.

ثم إنَّ الجناية مطلقاً على نفس أو طرف : إمّا عمد ، أو شبيه العمد ، أو خطأ محض.

والعمد واضح ، وشبيه العمد أن يكون عامداً في القتل مخطئاً في قصده ، كمن قصد الفعل ولم يقصد القتل فقتل اتفاقاً ، فلو ضربه بما لا يقتل غالباً للتأديب فمات ، أو سقاه دواء فقضى عليه فهو من شبيه العمد.

وأمّا الخطأ المحض فهو ما لم يقصد فيه القتل ولا الفعل ، كمن رمى طائراً فأصاب انساناً ، أو رفع بندقيته فثارت وقتلت رجلاً ، ومن أوضح انواعه فعل النائم ، أو الساهي الذي لا قصد له أصلاً ، وفعل المجنون ، والصبي غير المميز ، بل والمميِّز ، لأن عمد الصبي خطأ شرعاً.

ولو قصد رجلاً فاصاب آخر وكلاهما محقون الدم فهو عمد محض ، أمّا لو كان القصد الى غير المحقون فأصاب المحقون فهو من شبه العمد ، ولا فرق في جميع ذلك بين المباشرة والتسبيب ، إذا أثَّر في انتساب الفعل اليه ، كما لا فرق في الإنفراد والإشتراك.

ولا قصاص إلّا في العمد المحض ، أما الخطأ وشبيه العمد ففيه الدية. ويُشترط في القصاص بلوغ الجاني ، وعقله ، فلا يقاد الصبي وإن بلغ عشراً ، لا بصبي ، ولا ببالغ ، ولا مجنون وإن كان أدوارياً اذا جنى حال جنونه ، لا بعاقل ولا بمجنون ، فإن عمدهما خطأ فيه الدية على العاقلة.

أما المُجنى عليه فالأقَوى اشتراط البلوغ والعقل فيه أيضاً ، فلو قتل البالغ صبياً فالدية ، وقيل : يُقاد به ، وكذا المجنون.

٣٠٩

ويُشترط اختياره إن كان في طرف ، أمّا في إلنفس فلا أثر للاكراه ، إذ لا تقية في الدماء ، فلو اُكره على القتل قُتل ، ويُحبس المكره حتى يموت. وأن يكون المُجنى عليه معصوم النفس ، فلو كان ممَّن أباح الشارع دمه فلا قصاص. وأن لا يكون الجاني أباً أو جداً وإن علا ، فإنَّه لا يُقاد الأَب أو الجد بالولد ، بل عليهما الديَّة لباقي الورثة.

ولا يُقاد المسلم إلّا بالمسلم ، كما لا يقاد الحر إلا بالحر ، ويُقاد الحر بالحرة ويردُّ وليها على أهله نصف ديَّته ، لأن ديَّته ضعف ديتها ، وتُقاد الحرة بالحر ، ولا يدفع أهلها شيئاً ، لأن الجاني لا يجني بأكثر من نفسه.

وديَّة الحر المسلم مائة من الابل ، أو مائتان من البقر ، أو ألف شاة ، أو مائتا حلة ، كلُّ حلة ثوبان ، أو ألف دينار ( خمسمائة ليرة عثمانية ) ، فإذا أرضى أولياء الدم بها سقط القصاص ، ووجب دفعها اليهم في مدة سنة.

وفي شبه العمد تتعيَّن الديَّة ، وتستوفى مدة سنتين ، وكذلك في الخطأ ، ولكن في ثلاث سنوات ، كلُّ سنة ثلث.

وجناية الطرف ـ كقطع يده أو رجله ، أو فقأ عينه وما أشبه ذلك ـ إن كانت عمداً فالقصاص ( العَيْنَ بالعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ بِالسِّنِ وَالجُروحَ قِصاصٌ ) (١).

وإن كانت خطأ أو شبهة فلكل واحد من الأعظاء أما الديَّة أو نصفها أو أقل من النصف. وكل مفرد في الانسان كالأَنف والذكر ففيه تمام الدية ، وكلُّ مثنى كالعينين واليدين والرجلين ففي واحد النصف وفي كليهما تمام الديَّة. والديَّة في شبه العمد على الجافي ، وفي الخطأ على العاقلة ، والتفاصيل موكولة إلى الموسوعات ، كما إنَّنا لم نذكر كثيراً من كتب الفقه وأبوابه كالبيوع

__________________

(١) المائدة ٥ : ٤٥.

٣١٠

مثل : السلف ، والصرف ، وبيع الثمار ، وبيع الحيوان ، ومثل : الاجارة ، والرهن ، والعارية ، والوديعة ، والمزارعة ، والمساقاة ، والمسابقة والضمان ، والحوالة ، والكفالة ، والإقرار ، والكفّارات ، وكثير من أمثالها.

ولم يكن الغرض هنا إلّا الإشارة واللمحة ، والنموذج والنفحة ، وما ذكرناه في هذه الوجيزة هو رؤوس عناوين من عقائد الإمامية وفقهائها ، وهو أصغر صورة مصغَّرة تحكي عن معتقداتها ومناهجها ، في فروعها واُصولها ، وقواعدها وأدلَّتها ، وثقافة عقولها ومداركها ، وسعة علومها ومعارفها.

فيا علماء الدين ، ويا رجال المسلمين ، هل رأيتم فيما ذكرناه عن هذه الطائفة ما يوجب هدم الاسلام ، أو ما هو مأخوذ من اليهودية والنصرانية ، أو المجوسية والزرادشتية؟!

وهل في شيء من تلك المباحث ما فيه شذوذ عن أصل قواعد الاسلام ، وخروج عن منطقة الكتاب والسنة؟! ليحكم المنصفون منكم والعارفون ، وليرتدع عن إفكهم الجاهلون.

وعسى أن يجمع الله الشمل ، ويلم الشعث ، وتزول الوحشة ، ويتحد الاخوان تحت راية القرآن ، ويعيدوا مجدهم الغابر ، وعزَّهم الداثر ، وأنَّهم لن ينالوا ذلك ، ولن يبلغوا العزَّ والحياة ، حتى يميتوا بينهم النزعات المذهبية ، والنزعات الطائفية.

ولا زلتُ أقول : يلزم أن تكون المذاهب عندنا محترمة ، ونحن فوق المذاهب ، نعم ، وفوق ذلك كله ما هو البذرة والنواة لحياة الأمم ، هو أن يخلص كلُّ لأَخيه المودة ، ويبادله المحبة ، ويشاركه في المنفعة ، فينفعه وينتفع به ، ولا يستبد ويستأثر عليه ، فيحب لأخيه ما يُحب لنفسه ، جداً وحقيقة ، لا مخادعة ومخاتلة.

وتحقُّق هذه السجايا بحقائقها وإن أوشك أن يُعد ضرباً من الخيال ،

٣١١

ونوعاً من المحال ، ولكن ليس هو على الله بعزيز ، ولا يأس من روح الله ، وأن يبعث في هذه الأمة اليائسة من لدنه روحاً جديدة ، فتحيا بعد الموت ، وتبصر بعد العمى ، وتصحو بعد السكر إن شاء الله تعالى.

٣١٢

الخاتمة :

ممّا يُشنِّع به الناس على الشِّيعة ويزدرى به عليهم أيضاً أمران :

الأوَّل : قولهم بـ ( البداء ) تخيُّلاً من المشنِّعين أنَّ البداء الذي تقول به الشِّيعة هو عبارة عن أن يظهر ويبدو لله عزَّ شأنه أمراً لم يكن عالماً به (١)!! وهل هذا إلّا الجهل الشَّنيع ، والكفر الفظيع ، لاستلزمه الجهل على الله تعالى ، وأنَّه محلٌّ للحوادث والتغيُّرات ، فيخرج من حظيرة الوجوب إلى مكانة الإمكان ، وحاشا الإمامية ـ بل وسائر فرق الإسلام ـ من هذه المقالة التي هي عين الجهالة بل الضلالة ، اللّهمَّ إلا ما يُنسب إلى بعض المجسِّمة من المقالات التي هي أشبه بالخرافات منها بالديانات ، حتى قال بعضهم فيما ينسب إليه : اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عمّا شئتم.

أما البداء الذي تقول به الشِّيعة ـ والذي هو من أسرار آل محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وغامض علومهم ، حتى ورد في أخبارهم الشريفة أنه : ما عبد الله بشيء مثل القول بالبداء ، وأنَّه : ما عرف الله حق معرفته ولم يعرفه بالبداء (٢) ، الى كثير من أمثال ذلك ـ فهو : عبارة عن إظهار الله جلَّ شأنه أمراً يُرسم في ألواح المحو والإثبات ، وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقرَّبين ، أو أحد الأنبياء والمرسلين ، فيُخبر المَلكُ به النَّبي والنبيُّ يخبر به اُمَّته ( ثم ) (٣) يقع بعد ذلك خلافه ، لأنَّهُ جلَّ شأنه محاه وأوجد في الخارج

__________________

(١) راجع ما كتبناه في مقدَّمتنا التحقيقية حول تحريف أحد الكتَّاب لهذه العبارة بصلافة عجيبة.

(٢) اُنظر كتاب الكافي ١ : ١١٣ ( باب البداء ).

(٣) في نسخنا : لم ، ومعها لا يستقيم السياق ، فاثبتنا ما رأيناه صواباً.

٣١٣

غيره.

وكلّ ذلك كان جلَّت عظمته يعلمه حقّ العلم ، ولكن في علمه المخزون المصون الذي لم يُطلع عليه لا ملَك مقرَّب ، ولا نبي مُرسَّل ، ولا ولي مُمتحَن ، وهذا المقام من العلم هو المعبَّر عنه في القرآن الكريم بـ ( أمِّ الكتاب ) المشار اليه وإلى المقام الأوَّل بقوله تعالى : ( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتْ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ) (١).

ولا يتوهم الضيف أنَّ هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع ، فإن في ذلك حكماً ومصالح تقصر عنها العقول ، وتقف عندها الألباب.

وبالجملة : فالبداء في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع ، فكما أن لنسخ الحكم وتبديله بحكم اخر مصالح وأسرار بعضها غامض وبعضها ظاهر ، فكذلك في الإخفاء والإبداء في عالم التكوين ، على أن قسماً من البداء يكون من إطلاع النفوس المتصلة بالملأ الأعلى على الشيء وعدم اطلاعها على شرطه أو مانعه ، ( مثلاً ) اطلع عيسى عليه‌السلام أن العروس يموت ليلة زفافه ولكن لم يطلع على أن ذلك مشروط بعدم صدقة أهله.

فاتفق أن امه تصدقت عنه ، وكان عيسى عليه‌السلام أخبر بموته ليلة عرسه فلم يمت ، وسئل عن ذلك فقال : لعلكم تصدقتم عنه ، والصدقة قد تدفع البلاء المبرم (٢). وهكذا نظائرها.

وقد تكون الفائدة الامتحان وتوطين النفس كما في قضية أمر إبراهيم بذبح اسماعيل.

__________________

(١) الرعد ١٣ : ٣٩.

(٢) روى نحوها الشيخ الصدوق في أماليه : ٤٠٤|١٣ ، فراجع.

٣١٤

ولولا البداء لم يكن وجه للصدقة ، ولا للدعاء ، ولا للشفاعة ، ولا لبكاء الأَنبياء والأولياء وشدة خوفهم وحذرهم من الله ، مع أنَّهم لم يُخالفوه طرفة عين ، إنَّما خوفهم من ذلك العلم المصون المخزون الذي لم يَطَّلع عليه أحد ، ومنه يكون البداء.

وقد بسطنا بعض الكلام في البداء وأضرابه ، من القضاء والقدر ، ولوح المحو والإثبات ، في الجزء الأول من كتابنا ( الدين والاسلام ) فراجع إذا شئت.

الثاني : من الأُمور التي يُشنِّع بها بعض الناس على الشِّيعة ويزدرى عليهم بها قولهم ( بالتقية ) جهلاً منهم أيضاً بمعناها وبموقعها وحقيقة مغزاها ، ولو تثبَّتوا في الأَمر ، وتريثوا في الحكم ، وصبروا وتبصَّروا لعرفوا أنَّ التقية التي تقول بها الشِّيعة لا تختص بهم ، ولم ينفردوا بها ، بل هو أمر ضرورة العقول ، وعليه جبلَّة الطباع ، وغرائز البشر. وشريعة الاسلام في اُسس أحكامها ، وجوهريات مشروعيتها ، تماشي العقل والعلم جنباً إلى جنب ، وكتفاً إلى كتف ، رائدها العلم ، وقائدها العقل ، ولا تنفك عنهما قيد شعرة ، ومن ضرورة العقول وغرائز النفوس : أنَّ كلّ انسان مجبول على الدفاع عن نفسه ، والمحافظة على حياته ، وهي أعز الأَشياء عليه ، وأحبها إليه.

نعم قد يهون بذلها في سبيل الشّرف ، وحفظ الكرامة ، وصيانة الحقِّ ، ومهانة الباطل ، أمّا في غير أمثال هذه المقاصد الشريفة ، والغايات المقدسة ، فالتغرير بها ، وإلقاؤها في مظان الهلكة ، ومواطن الخطر ، سفه وحماقة لا يرتضيه عقل ولا شرع ، وقد أجازت شريعة الاسلام المقدَّسة للمسلم في مواطن الخوف على نفسه أو عرضه إخفاء الحقِّ ، والعمل به سرَّاً ، ريثما تنتصر دولة الحقِّ وتغلب على الباطل ، كما أشار اليه جلَّ شأنه

٣١٥

بقوله : ( إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً ) (١) ، وقوله : ( إلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمانِ ) (٢).

وقصة عمار وأبويه ، وتعذيب المشركين لهم ولجماعة من الصحابة ، وحملهم لهم على الشرك وإظهارهم الكفر مشهورة (٣).

والعمل بالتقية له أحكامه الثلاثة :

فتارة : يجب ، كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة.

واخرى : يكون رخصة ، كما لو كان في تركها والتظاهر بالحقِّ نوع تقوية له ، فله أن يضحي بنفسه ، وله أن يُحافظ عليها.

وثالثة : يحرم العمل بها ، كما لو كان ذلك موجباً لرواج الباطل ، وإضلال الخلق ، وإحياء الظلم والجور.

ومن هنا تنصاع لك شمس الحقيقة ضاحية ، وتعرف أنَّ اللوم والتعيير بالتقية ـ إن كانت تستحق اللوم والتعيير ـ ليس على الشِّيعة ، بل على من سلبهم موهبة الحرية ، وألجأهم إلى العمل بالتقية.

تغلَّب معاوية على الأُمَّة ، وابتزها الامرة عليها بغير رضا منها ، وصار يتلاعب بالشَّريعة الاسلامية حسب أهوائه ، وجعل يتتبَّع شيعة علي ، ويقتلهم تحت كلِّ حجر ، ويأخذ على الظنة والتهمة (٤) ، وسارت على طريقته العوجاء ،

__________________

(١) آل عمران ٣ : ٢٨.

(٢) النحل ١٦ : ١٠٦.

(٣) راجع : التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي ٦ : ٤٢٨ ، مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ الطبرسي ٣ : ٣٨٧ ، جامع البيان للطبري ١٤ : ١٢٢ ، التفسير الكبير للرازي ١٩ : ١٢٠ ، الكامل في التأريخ لابن الاثير ٢ : ٦٠.

(٤) روى ابن ابي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة ( ١١ : ٤٤ ) عن ابي الحسن علي ابن محمَّد بن أبي سيف المدائني في كتاب الاحداث : أنَّ معاوية بن ابي سفيان كتب نسخة إلى عماله بعد عام الجماعة [ بل هو والله عام تفرق المسلمين وضياعهم ] : أن برئت الذمة

٣١٦

وسياسته الخرقاء الدولة المروانية ، ثم جاءت الدولة العبّاسية فزادت على ذلك بنغمات ، اضطرت الشِّيعة الى كتمان أمرها تارة ، والتظاهر به اُخرى ، زنة ما تقتضيه مناصرة الحقِّ ، ومكافحة الضلال ، وما يحصل به إتمام الحجة ، وكي لا تعمى سبل الحقِّ بتاتاً عن الخلق ، ولذا تجد الكثير من رجالات الشيعة وعظمائهم سحقوا التقية تحت أقدامهم ، وقدَّموا هياكلهم المقدَّسة قرابين للحقِّ على مشانق البغي ، وأضاحي في مجازر الجور والغي.

أهل استحضرت ذاكرتك شهداء ( مرج عذراء ) ـ قرية من قرى الشام ـ

__________________

ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته [ عليه وعليهم آلاف التحية والسَّلام ]. فقامت الخطباء في كلِّ كورة وعلى كلِّ منبر ، يلعنون علياً ويبرأون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته [ اي في اهل ذلك البيت الطاهرين الذين وأذهب الله عنه الرجس وطهَّرهم تطهيراً ، اولئك الذين جعل الله تعالى أجر الرسالة والهداية مودتهم ، اولئك الذين جعلهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عدلاء القرآن ... و .. و ، ولكنك تجد من يعد معاوية من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله العدول ، وخليفة له ، بل ويترَّحم عليه ، وتلك والله اُم المصائب ، وعظيمة العظائم ].

واضاف : وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها مِن شيعة علي عليه السَّلام ، فاستعمل عليها [ أي معاوية بن هند ] زياد بن سمية ، وضم اليه البصرة ، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف ... فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الايدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم ، وشرَّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : أن لا يجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة!!.

ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : اُنظروا من قامت عليه البينة أنَّه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان ، واسقطوا عطائه ورزقه!!.

وشفع ذلك بنسخة اخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم [ أي أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ] فنكِّلوا به ، واهدموا داره ....

٣١٧

وهم أربعة عشر من رجال الشِّيعة ، ورئيسهم ذلك الصحابي الذي أنهكه الورع والعبادة حجر بن عدي الكندي الذي كان من القادة في فتح الشّام؟.

قتلهم معاوية صبراً ، ثم صار يقول : ما قتلتُ أحداً إلا وأنا أعرف فيما قتلته خلا حجر ، فإنِّي لا أُعرِّف بأي ذنب قتلته (١)!!

نعم أنا أعرف معاوية بذنب حجر ، ذنبه ترك العمل بالتقية ، وغرضه اعلان ضلال بني اُميَّة ، ومقدار علاقتهم من الدِّين.

وهل تذكرت الصحابي الجليل عمرو بن الحمق الخزاعي ، وعبدالرحمن بن حسّان العنزي الذي دفنه زياد في ( قس الناطف ) حيَّاً (٢)؟

أتراك تذكرت ميثم التّمار ، ورشيد الهجري ، وعبدالله بن يقطر الذين شنقهم ابن زياد في كناسة الكوفة (٣)؟

__________________

(١) راجع تاريخ الطبري ٥ : ٢٥٣ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٤٧٢ وغيرهما تجد هذه المأثرة الخالدة من مآثر معاوية بن هند في قتله للصالحين والخيرين من رجال الأُمّة ، وهداتها ، واحكم بعد ذلك بما تشاء ..

(٢) روى الطبري في تاريخه ( ٥ : ٢٧٦ ) ، وابن الاثير في الكامل ( ٣ : ٤٥٦ ) وغيرهما ، واللفظ للاول : ثم أقبل ( أي معاوية بن هند ) على عبد الرَّحمن العنزي فقال له : ايه يا أخا ربيعة ، ما قولك في علي؟ قال : دعني ولا تسألني فإنَّه خير لك ، قال : والله لا أدعك حتى تخبرني عنه.

قال : أشهد أنَّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، ومن الأمرين بالحقِّ ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس.

قال : فما قولك في عثمان؟

قال : هو أوَّل من فتح باب الظلم وارتج أبواب الحق.

قال : قتلت نفسك ، قال : بل اياك قتلت ...

فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه : أمّا بعد فإنَّ هذا العنزي شر من بعثتُ!! فعاقبه عقوبته التي هو أهلها ، واقتله شر قتلة!!.

فلما قُدم به على زياد بعث به إلى قس الناطف ، فدُفن به حياً.

(٣) نعم ، إنَّ التأريخ يحدثنا بوضوح عن وحشية وقساوة الدول المتلاحقة وظلمها للشِّيعة بشكل

٣١٨

هؤلاء ـ والمئات من أمثالهم ـ هانت عليهم نفوسهم العزيزة في سبيل نصرة الحقِّ ، ونطحوا صخرة الباطل وما تهشَّمت رؤوسهم حتى هشَّموها ، وما عرفوا أين زرع التقية وأين واديها ، بل وجدوا العمل بها حراماً عليهم ، ولو سكتوا وعملوا بالتقية لضاعت البقية من الحقِّ ، وأصبح دين الاسلام دين معاوية ويزيد وزياد وابن زياد ، دين المكر ، دين الغدر ، دين النفاق ، دين الخداع ، دين كلِّ رذيلة ، وأين هذا من دين الاسلام الذي هو دين كلِّ فضيلة ، اُولئك ضحايا الاسلام ، وقرابين الحقِّ.

ولا يغيبنَّ عنك ذكر ( الحسين ) وأصحابه سلام الله عليهم ، الذين هم سادة الشُّهداء ، وقادة أهل الإباء.

نعم ... هؤلاء وجدوا العمل بالتقية حراماً عليهم ، وقد يجد غيرهم العمل بها واجباً ، ويجد الآخرون العمل بها رخصة وجوازاً ، حسب اختلاف المقامات ، وخصوصيات الموارد.

يخطر على بالي من بعض المرويات : أنَّ مسيلمة الكذّاب ظفر برجلين من المسلمين ، فقال لهما : إشهدا أنّي رسول الله وأن محمّداً رسول الله.

فقال أحدهما : أشهد أنَّ محمَّد رسول الله وانَّك مسيلمة الكذّاب. فقتله ، فشهد الآخر بما أراد منه فأطلقه.

__________________

لا تصدقه العقول ، حتى لقد نالهم من الظلم والقتل الذريع المتلاحق الذي أجبرهم على اللجوء إلى التقية ـ التي أباحها الشارع المقدَّس عند الضرورة ـ حفاظاً على البقية الباقية منهم ، وليس لهم من دون ذلك حيلة ولا ملجأ ، وكان ينبغي أن يُلقى اللوم على من أجبرهم على اللجوء الى هذا الامر الا اليهم. وأنا أدعوك أخي القارئ الكريم إلى مطالعة كتاب « الشيعة والحاكمون » للشَّيخ محمَّد جواد مغنية رحمه الله تعالى للاطلاع عن كثب على بعض جوانب المأساة التي أحاطت بالشِّيعة ابان تلك العصور.

٣١٩

ولما بلغ خبرهما إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أمّا الأوَّل فقد تعجَّل الرواح الى الجنة ، وأما الآخر فقد أخذ بالرخصة ، ولكل أجره (١).

فيا أيُّها المسلمون ، لا تحوجوا إخوانكم الى العمل بالتقية وتعيِّروهم بها ، ونساله تعالى أن يختم لنا ولكم بالحسنى ، ويجمع كلمتنا على الحق والهدى إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

__________________

(١) انظر : مجمع البيان في تفسير القرآن ١ : ٤٣٠ ، تفسير الحسن البصري ٢ : ٤٢٨.

٣٢٠