🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

«وأيضا : الواو في قوله تعالى «والراسخون في العلم» «ظاهرة في العطف» أي في كونها واو العطف كما هو أصل وضعها ولا وجه يقتضي العدول عن الظاهر.

«وإن سلّم عدم ظهوره» أي الواو «كذلك» أي في العطف «فمتشابه» أي فالواو من المتشابه «لاحتماله» أن يكون واو «الحال و» أن يكون واو «الاستئناف» أي يكون ما بعده مستأنفا أي غير معطوف على ما قبله «مع» احتمال أن يكون واو «العطف» فهذه ثلاثة معان تحتملها الواو فيكون من المتشابه.

«فيلزمهم أن لا يحتجّوا بها لكونهم لا يعلمون تأويلها» لزعمهم أن المتشابه لا يعلم تأويله إلّا الله.

«قالوا» أي مخالفونا في هذه المسألة : «ورد» عن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «الوقف على الجلالة» في قوله تعالى : (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ) (١) وذلك يدل على انقطاع ما قبل الواو عمّا بعدها ، فدلّ ذلك على أن الواو للاستئناف.

«قلنا : الوقف لا يمنع العطف بدليل صحة الوقف على أوساط الآي إجماعا» بين العلماء.

«وإنما يمنع» العطف «دليل الإضراب عن الكلام السابق» أي عن الحكم الثابت للكلام السابق «واستئناف ما بعده» أي كون ما بعده منقطعا معنى عمّا تقدم نحو أن يكون بين الكلامين كمال الانقطاع أو لا جامع بينهما أو يفسد المعنى مع تقرير العطف أو نحو ذلك على ما هو مقرر في موضعه من علم المعاني ، «وهو» أي دليل الإضراب «معدوم هنا» فبقيت الواو على معناها الأصلي وهو العطف.

قلت : إن صحّ أن الوقف مأثور عن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيحتمل أن يكون للفرق بين علم الله سبحانه وعلم عباده ، أو لأجل أن تكون هذه الآية من المتشابه الذي يمتحن الله به المكلفين والله أعلم.

__________________

(١) آل عمران (٧).

٦١

قال «القاسم» بن إبراهيم «والهادي والمرتضى والحسين بن القاسم العياني» والإمام أحمد بن سليمان «عليهم‌السلام : وفواتح السّور» أي الحروف المقطعة التي في أوائل السور «نحو آلم» وكهيعص وطه ويس «ممّا استأثر الله تعالى بعلم معانيها» دون خلقه.

قال «القاسم» وكذا الهادي «عليهما‌السلام : ويجوز أن يطلع الله بعض أوليائه على معانيها».

قال عليه‌السلام : «قلت : بل الأظهر أنها» أي فواتح السور «باقية على معانيها الوضعية» من كونها حروف (١) الهجاء «أقسم الله بها كإقسامه بالنّجم والسّماء ونحوهما» كالليل والنهار والعصر وغير ذلك «بدليل صحة العطف على كثير منها بمقسم به مثلها نحو» قوله تعالى : (ق وَالْقُرْآنِ) (٢) المجيد فهذا قسم بالقرآن المجيد بلا شك فيكون المعطوف عليه وهو قوله تعالى : (ق) قسما مثله لوجوب مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم الثابت له. ومثل هذا ذكره الحسين بن القاسم العياني عليه‌السلام ، وحكاه الطوسي في البلغة عن علي عليه‌السلام.

«وجواباتها» أي الفواتح المذكورة المقسم بها «إمّا مذكورة» نحو قوله تعالى : (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (٣) وقوله تعالى : (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٤) الآية وكذلك (٥) قوله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ...) إلى قوله (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (٦).

«أو» تكون جواباتها «مقدّرة» حذفت لنوع من الفصاحة والبلاغة «لدلالة سياق الكلام عليها» نحو قوله تعالى : (الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) (٧) تقديره : أقسم بالم إن القرآن لحقّ لا ريب فيه ، وإنه لهدى للمتقين ،

__________________

(١) (ض) من كونها أسماء حروف الهجاء.

(٢) ق (١).

(٣) القلم (١ ـ ٢).

(٤) يس (١ ـ ٣).

(٥) (أ) وذلك كقوله تعالى.

(٦) الليل (١ ـ ٤).

(٧) البقرة (١ ـ ٢).

٦٢

وكقوله تعالى : (وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ) (١) والمعنى لننتقمنّ ولنهلكنّ ، ونحو ذلك ممّا يدل عليه سياق الكلام «وذلك» أي حذف جواب القسم «جائز إجماعا» بين علماء العربية «لثبوت هذه القاعدة» أي حذف الجواب (٢) لما يدل عليه ونحو ذلك لما يدل عليه «لغة» أي في لغة العرب ، بل ذلك يزيد الكلام فصاحة.

قال في الكشاف : واعلم أنّك إذا تأملت ما أورده الله عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء وهي : الألف واللّام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون ، في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.

ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف بيان ذلك : أن فيها من المهموسة نصفها : الصاد والكاف والهاء والسين والحاء.

ومن المجهورة نصفها : الألف واللّام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون.

ومن الشديدة نصفها : الألف والكاف والطاء والقاف.

ومن الرّخوة نصفها : اللّام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون.

ومن المطبقة نصفها : الصاد والطاء.

ومن المنفتحة نصفها : الألف واللّام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون والقاف.

ومن المستعلية نصفها : القاف والصاد والطاء.

ومن حروف المنخفضة نصفها : الألف واللّام والميم والرّاء والكاف

__________________

(١) الفجر (١ ـ ٧).

(٢) (ث) أي حذف جواب القسم.

٦٣

والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون.

ومن حروف القلقلة نصفها : القاف والطاء.

ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها.

فسبحان الذي دقّت في كل شيء حكمته.

وقد علمت أن معظم الشيء وجلّه ينزّل منزلة كله وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته.

فكأنّ الله عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إيّاهم. انتهى.

(فصل)

«وهو» أي القرآن «كلام الله اتفاقا» يريد أنّ لله تعالى كلاما اتفاقا.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام والجمهور : وهو» أي كلام الله تعالى الذي هو القرآن «هذا المسموع» المتلوّ في المحاريب الذي يحرم على الجنب لمسه.

وقالت «الأشعرية : بل» كلام الله «معنى» ثابت «في نفس المتكلم» الذي هو الله تعالى وسوّوا في ذلك بين الشاهد والغائب ، فإن الكلام عندهم صفة ذاتية للمتكلم كالقادر والعالم والحيّ ، وليس من قبيل الحروف ولا الأصوات.

وقال الإمام يحيى عليه‌السلام : أجمع المسلمون على وصف الله سبحانه وتعالى بكونه متكلّما ولكن اختلفوا في فائدة وصفنا له بذلك :

فعندنا وهو قول المعتزلة : أن فائدته هو أنه تعالى خلق هذه الحروف والأصوات في جسم من غير أمر زائد على ذلك ، وكونه متكلّما عندنا وعندهم يجري مجرى الأوصاف الاشتقاقية التي لا يعتبر فيها إلّا مجرد الفعل لا غير كقولنا : خالق ورازق.

وأما الأشعرية فزعموا أن الكلام يطلق بالاشتراك على أمرين :

٦٤

أحدهما : على المعنى القائم بالنفس.

وثانيهما : على هذه الحروف المسموعة ، وزعموا أن معنى كونه تعالى متكلما هو اختصاصه بصفة حقيقية مغايرة لوجود هذه الحروف والأصوات قائمة بذاته كالقادرية والعالمية ، وزعموا أن هذه الحروف دالة على هذه الصفة.

وقالت «المطرفية بل» كلام الله معنى «في نفس الملك» الأعلى المسمّى ميخائيل وليس بحرف ولا صوت وهو بناء منهم على أن صفة الجسم هي الجسم.

«قالوا» أي قالت المطرفية والأشعرية : «وهذا» أي المتلوّ في المحاريب «عبارة عنه» أي عن الذي في نفس المتكلم والملك وهذه روايته عليه‌السلام ، والعنسي عن الأشعرية ، ولعله قول بعضهم ، وبعضهم يقول :

هو مشترك كما سبق والله أعلم.

«لنا قوله تعالى» (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) (١) ومعلوم أن المراد به هذا المتلو «والمعنى» الذي زعمته الأشعرية والمطرفية «ليس بمسموع».

وأيضا : فإن المعلوم من دين النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه كان يدين بذلك ويقول هو كلام الله ووحيه والإجماع على ذلك من الصحابة والتابعين وغيرهم.

«قالوا : ذلك» أي الكلام المسموع «مجاز» عن الحقيقة وهو المعنى القائم بالنفس.

قالت الأشعرية : لأنه لا يشتق اسم الفاعل إلّا من المعنى القائم بنفس الفاعل فيقال : أسود لما حلّ فيه السواد وأبيض لما حلّ فيه البياض فكذلك متكلم لمن حلّ فيه الكلام.

«قلنا» قولكم هذا : «خلاف المجمع عليه عند أهل اللسان العربي»

__________________

(١) التوبة (٦).

٦٥

فإنهم لا يطلقون لفظ متكلم إلّا على من أوجد الكلام وفعله لأنه اسم اشتقاقي لا يعقل في إطلاقه إلّا بوجود الفعل كالمنعم والمكرم والضارب والقاتل فوجود الفعل أصل في معقولية الاسم المشتق وهذا حقيقة وضع الحقيقة ، «ولعدم الاحتياج إلى نصب القرينة» الدالة على أنّ المراد به خلاف ما وضع له «عند إطلاقه على المسموع فصحّ أنه كلام الله» حقيقة.

ثم نقول : ذلك المعنى الذي زعمتموه القائم بالنفس لا دليل عليه وما لا دليل عليه وجب نفيه.

وإن فرضنا وجوده فلا يخلو : إمّا أن تثبت هذه التعلّقات أعني الأمر والنهي والخبر والاستخبار والدعاء وسائر وجوه الكلام له أو لا ، فإن لم تثبت له فهو باطل لأن حصوله من دون هذه التعلّقات محال لأن هذه التّعلّقات أصل في معقول حقيقة الكلام فيستحيل أن يكون هذا المعنى الذي أوجب صفة المتكلمية حاصلا قائما بالنفس من دونها ، وإن كانت هذه التعلّقات ثابتة معه فهو باطل لأن هذه الصفة المتكلمية عندهم ثابتة في الأزل فيلزم أن يكون قوله تعالى : (وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ) (١).

وقوله تعالى : (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ ... وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (٢) وسائر الأخبار والقصص كذبا لا محالة لأنّ الإخبار عن وقوع ما لم يقع في الماضي يكون كذبا ، وهو (٣) معنى ما ذكره الإمام يحيى عليه‌السلام وقد بسطت من ذلك في الشرح.

«وإن سلم» (٤) أن الكلام المسموع مجاز «لزم أن يجعلوا للتفاسير ما له من الأحكام» من تحريم لمسها وقراءتها على الجنب والحائض «إذ هى عبارة عنه» أي عن كلام الله الذي هو بزعمهم قائم بذاته فكما أنّ هذا المتلوّ عبارة عنه كذلك التفاسير فيلزم أن يكون حكمهما سواء «ولا قائل بذلك» أي باستواء حكميهما.

__________________

(١) الصافات (٧٥).

(٢) النساء (١٦٣).

(٣) (ب) وهذا وفي نسخة فهذا.

(٤) (ب) ولو سلّم.

٦٦

وأما قول الأشعرية : إن اسم الفاعل لا يشتق إلّا من المعنى القائم بنفس الفاعل فباطل ، إذ المعلوم عندنا وعندهم وعند أهل القبلة كافة وأهل اللغة أنّ الله سبحانه يسمّى خالقا ورازقا ، والخلق والرزق غير قائم بذاته ، وأنّ من بيّض شيئا أو سوّده يسمّى مبيّضا ومسوّدا لفعله البياض والسواد وهما غير قائمين بذاته.

قالت «العدلية» جميعا «وغيرهم : وهو» أي القرآن الذي هو كلام الله «محدث» لأنه مخلوق أوجده الله تعالى بعد العدم وقالت «الأشعرية والحشوية : بل هو قديم» بناء على ما مرّ لهم.

قالت «الحشوية : وهو هذا المتلوّ» في المحاريب فهو مع كونه حروفا وأصواتا له أوّل وآخر ووسط ، قديم عندهم.

وذهبت المطرفية إلى أن هذا القرآن لا يوصف بقدم ولا حدوث.

وذهبت الكرامية إلى أنه محدث غير مخلوق بمعنى أنهم منعوا من وصفه بمخلوق. حكى ذلك كله في المحجة.

«قلنا : يلزم» من قول الأشعرية والحشوية وجود «الثاني مع الله سبحانه» في الأزليّة والإلهيّة وهو محال «كما مرّ» في مسألة نفي الثاني.

«وإن سلّم» ما ذكروه على استحالته «فما جعل أحد القديمين» وهو كلام الله سبحانه بزعمهم «كلاما و» القديم «الآخر» وهو الله سبحانه وتعالى «متكلّما بأولى من العكس» وهو جعل الله سبحانه كلاما والكلام متكلّما لاشتراكهما في القدم ، وإن أحدهما لم يسبق الثاني.

«وأيضا : هو» أي القرآن الذي هو كلام الله «مرتّب منظوم» أي بعضه بعد بعض منظوم من حروف مؤتلفة (١) «وما تقدم» من الأشياء على غيره «دلّ على حدوث ما بعده» لأن المحدث ما سبقه في الوجود غيره.

قال العنسي : وأيضا القرآن هو الأصوات والحروف التي تسمع عند

__________________

(١) (ب) مؤلفة.

٦٧

القراءة وهي ممّا لا يبقى وكل ما لا يبقى فهو محدث لما ثبت أن القديم يجب بقاؤه لا يتغير ولا يفنى.

قال : فإن قيل : هذا يقتضي أن القرآن غير باق مع المسلمين ولا موجود مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأن الحروف لا تبقى وهذا قول خارج عن قول المسلمين.

قلنا : وما تعني بقولك : إنّ القرآن موجود؟

إن أردت أنّ عين ما أحدثه الله تعالى من الكلام باق إلى الآن فذلك لا يصحّ لأنه أصوات وحروف وهي من قبيل ما لا يبقى.

وإن أردت أن ما يسمع عند القراءة يلزم أن لا يسمّى كلام الله ولا القرآن فقد بيّنا أنّ التّسمية راجعة إلى عرف اللغة والشرع وقد ورد بذلك أما اللغة : فلأنهم يسمّون ما سمع (١) من قصيدة امرئ القيس وخطبة أمير المؤمنين : كلام امرئ القيس وخطبة أمير المؤمنين.

وإن كان العقل يقضي أنّ ذلك قد عدم وإنّما سمع غيره.

وأمّا الشرع : فلما بيّنا أنّ المسموع من أيّ قارئ كان من برّ أو فاجر مسلم أو كافر سمّاه الشرع قرآنا وكلام الله كما قال تعالى : (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) (٢).

وإن كان المسموع هو عين فعل القارئ ، ولهذا يتعلّق به المدح والذمّ والأمر والنهي. انتهى كلام المحجة.

قلت : هو فعل القارئ من جهة الحكاية والاتّباع وهو فعل الله حقيقة من جهة الابتداء والاختراع فالمدح والذمّ والأمر والنهي يتعلّق به من جهة حكايته ، والتسمية حقيقة لغوية من جهة ابتدائه وحكايته ، والعقل يحكم بذلك ، واللغة جارية بذلك.

__________________

(١) (ض) ما يسمع.

(٢) التوبة (٦).

٦٨

فأصلها وعرفها هنا واحد لأن القرآن عرض خلقه الله واخترعه وجعله عرضا يحتاج إلى محل.

وجعل لنا القدرة بما ركّب فينا من القوة والآلات على اتّباعه والنطق بحروفه وترتيبه ونظمه.

قال الإمام أحمد بن سليمان عليه‌السلام في الحقائق :

اعلم : أن النطق بالكلام على وجهين : حكاية ، ومبتدأ :

فالمبتدأ ما ينطق به الإنسان ويبتدعه من نفسه من الكلام.

والحكاية : هو (١) ما ينطق به من كلام غيره ، ومن ذلك القرآن ففعله فيه الحكاية إذا تلاه ، والمحكيّ هو فعل الله.

وكذلك ما حكي من كلام المتكلمين فذلك الكلام لمن ابتدعه وهو مفعول له لمّا حكاه ، كما أن البنّاء والنجّار (٢) والصانع والنّساج فعلهم التأليف والحركة والسكون ، وفعل الله الأجسام وهي مفعولهم (٣).

وكذلك القراءة لهم فعل والقرآن مفعول لهم وهو فعل الله وهو عرض. انتهى. وهو معنى ما ذكرنا.

رجع الكلام إلى الاستدلال على حدوث القرآن فنقول :

الذي سبق ذكره هو دليل على حدوثه.

«وقد» أكّده السمع حيث قال تعالى : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (٤) «... الآية ونحوها» كقوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ، (٥) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (٦) وغير ذلك.

__________________

(١) (ب) هي.

(٢) (أ) والنحات.

(٣) (ض) وهي مفعول لهم.

(٤) الأنبياء (٢).

(٥) الزخرف (٣).

(٦) الشعراء (٥).

٦٩

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي» وغير ذلك.

(فصل)

والثاني من الأدلة :

«السّنّة» وهي «لغة» أي في لغة العرب : «الطريقة والعادة» يقال : سلك القوم سنّة آبائهم أي طريقتهم وعادتهم قال الهذلي :

فلا تجزعنّ من سنّة أنت سرتها

فأوّل راض سنّة من يسيرها

 «و» هى «دينا» أي في الحقيقة الدينية التي نقلها الشارع إلى أصول الدين : «الملّة» يقال : سنّة النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أي ملّته ودينه.

وقوله «عشر من سنن المرسلين» أي من ملّتهم ودينهم.

«و» السّنّة «عرفا» أي في عرف أهل الشرع : «نقل خبر النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمره ونهيه» إلى من لم يسمعه منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

«و» كذلك «الإخبار عن فعله» صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنه يجب علينا الاقتداء به في فعله إذا عرفنا وجهه على ما هو مقرّر في موضعه.

«و» كذلك الإخبار عن «تقريره» صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن رآه يفعل فعلا ولم ينهه فإنّه دليل على أنّ ذلك الفعل غير محرّم ، وليس المراد أن نفس النقل والإخبار هو السّنّة.

وإنما المراد خبره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنقول وأمره ونهيه وفعله وتقريره.

«و» السّنّة «في عرف الفقهاء» أي أهل علم الفروع : «ما لازمه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من النفل» وأمر به وبيّن أنه غير واجب كرواتب الفرائض ، وهذا هو المؤكّد ، وإن لم يأمر به فمسنون غير مؤكّد ، وإن

٧٠

لم يلازمه فمستحب والله أعلم.

«والمبحوث عنه هنا» أي في هذا الموضع : «هو الأول من الأخيرين» وهو نقل خبر النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنه الذي يصلح دليلا وطريقا إلى العلم والعمل.

وأما معرفة كيفية دلالته وما يشترط فيه فموضعه كتب أصول الفقه.

«فمن عاصر النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفاه ما تلقّاه منه» ويراه (١) «من غير مئونة» أي من غير تحمّل مشقة ويسقط عنه بذلك تكاليف كثيرة.

«ومن كان نازحا عنه» بأن يكون في بلاد بعيدة «أو تراخت به الأيّام عن إدراك زمنه» أي لم يكن في عصر النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لزم» ذلك النازح والمتأخر عن مدته (٢) لزوما «على الكفاية» إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر «البحث والتفتيش في صحة ما روى عنه» صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته ليتّبع ما يصحّ ويترك ما لا (٣) يصحّ «لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «ألا وإنّه سيكذب عليّ ... الخبر» هو في خطبة الوداع :

«أيها الناس : إنّي امرؤ مقبوض وقد نعيت إليّ نفسي ، ألا وإنّه سيكذب عليّ كما كذب على الأنبياء من قبلي ، فما أتاكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو منّي وأنا قلته ، وما خالفه فليس منّي ولم أقله».

«و» اعلم «أنه لا خلاف في صحة» الخبر «المتواتر» نقله عن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

«وهو ما نقله جماعة» عن جماعة «يحيل العقل تواطؤهم على

__________________

(١) (ب) ورآه وفي الشرح الكبير وكذا ما يرا من أفعاله وتقريراته.

(٢) (ض) عن زمنه.

(٣) (أ) ما لم.

٧١

الكذب» لكونهم مختلفي الدّيار منقطعي الأسباب لا حامل لهم على الايتلاف ، «ثم كذلك» أي ثم نقله جماعة قبلهم عن جماعة كذلك حتى رفعوه «إلى النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» فلم ينقصوا عن العدد المعتبر في ذلك لا في الوسط ولا في الطرفين ويكون إسنادهم إلى ضروريّ محسوس.

فما كان كذلك فهو معلوم الصحة ، ومعنى (ثمّ) هنا التّرتيب في الدّرج لا في الواقع.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام : والمعتبر في العدد ما حصل به العلم» اليقين وهو سكون النفس وطمأنينتها ولا عبرة بعدد معيّن إذ قد يكثر العدد ولا يحصل به العلم كما في قصة عائشة حين نبحتها كلاب الحوأب.

وقصة يحيى بن عبد الله عليه‌السلام حين شهدوا عليه زورا أنه عبد لهارون اللعين.

«واشترط غيرهم» أي غير أئمتنا عليهم‌السلام «عددا محصورا على خلافات بينهم» في تعيين أقل ذلك :

فقيل : عشرة ، وقيل : اثنا عشر ، وقيل : عشرون ، وقيل : أربعون ، وقيل : سبعون ، وقيل : ثلاث مائة وبضع عشرة وقيل غير ذلك.

«قلنا : حصول العلم ثمرته» أي ثمرة العدد «فاعتبرناها» إذ هي المقصود «دون العدد» فلا ثمرة لتعيينه «لعدم الفائدة» فيه من دون العلم.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام : (ولا يحصل) العلم (بالأربعة خاليا عن السّبب».

ويحصل بالخمسة عند الجمهور ، وتوقف الباقلاني فيها (١).

وقالت «الظاهرية : بل يحصل العلم بخبر الواحد مطلقا» أي سواء قارنه سبب بصدقه أو لا.

__________________

(١) (أ) ناقص فيها.

٧٢

وقال «النظام» من المعتزلة : يحصل العلم بخبر الواحد «إن قارنه سبب» بصدقه وإلّا فلا.

«وقيل» بل يحصل العلم «بأربعة» مطلقا.

وتردد في ذلك الباقلاني.

«قلنا : يجوز الكذب على الواحد والأربعة» ولا يحصل اليقين بخبرهم من دون سبب.

وأما مع السبب فقال الإمام عليه‌السلام في الجواب المختار : إنه يفيد العلم ، قال : وهو قول المؤيّد بالله والمنصور بالله عليهما‌السلام وفي رواية : والإمام يحيى والإمام محمد بن المطهر والسيد محمد بن جعفر عليهم‌السلام ، وغيرهم من أهل مذهبنا.

قال : وقد وقع بالتجربة عند كثير من العقلاء.

قال : وقال الإمام المهدي عليه‌السلام وغيره : إنه يفيد العلم إذا وقع بحضرة خلق كثير لا حامل لهم على السكوت لو علموا كذبه.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام والأكثر : ولا يشترط» في عدد التواتر «العدالة» بل يصحّ من الكفار والفساق أيضا.

وقال «أبو الهذيل وعبّاد» بن سليمان : «بل لا بدّ من العصمة» في جماعة التواتر.

وقالت «الإمامية : يكفي معصوم واحد» وهو الإمام بناء على مذهبهم من عصمة الإمام وكونهم يرجعون إليه في كل الأحكام.

«لنا : حصول العلم بالبلدان» القاصية «والملوك» البعيدة والماضية «بخبر من ليس كذلك» أي من ليس بعدل ولا معصوم كالفساق والكفار.

«وقد يحصل العلم بخبر بعضهم» أي بعض عدد التواتر إذا أخبر «عن نفسه» بأنه رأى أو سمع «وعنهم» أي عن عدد التواتر بأن يقول : رأينا أو سمعنا نحن يا هؤلاء القوم «ولو كان» ذلك البعض المخبر عن نفسه وعنهم «واحدا» وذلك حيث أخبر ذلك البعض عن نفسه وعنهم «بحضرتهم» أي في حضور عدد التواتر «فسكتوا» ولم يكذّبوه «بشرط عدم الحامل لهم على

٧٣

السكوت» من خوف أو غيره ، وإنما أفاد العلم «للعادة القاضية بإنكاره لو كان كذبا» لأنّ العقلاء لا يرتضون الكذب لأنفسهم من غير ضرورة.

وعبارة الفصول : (وما أخبر به واحد بحضرة خلق كثير ولم يكذّبوه وعلم أنه لو كان كذبا لعلموه ولا حامل لهم على السكوت فهذا صدق قطعا للعادة) ومثلها في المعيار.

«و» قد يحصل العلم أيضا «بخبرهم» أي بخبر عدد التواتر «أو» بخبر «بعضهم كذلك» أي إذا أخبر عن نفسه وعنهم بحضرتهم «عن أمور شتّى» أي مختلفة اللفظ ولكن «مؤدّاها» أي هي (١) مؤدّية وموصلة «لمعنى واحد وذلك كوقائع الوصيّ» علي بن أبي طالب «عليه‌السلام الدالة على شجاعته» فإنها وقائع كثيرة متفرقة في أحد وبدر وحنين وخيبر وجميع مواطن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن بعده في وقت خلافته كوقعة الجمل ووقائع صفين والنهروان وغير ذلك.

وكل موطن يروى له فيه من فضيلة الشجاعة ما لم يكن لغيره.

وكذلك ما يروى عنه كرّم الله وجهه في الجنة من العلم والحلم والجود وسائر الخلال المحمودة ، فإنه قد روي من طرق كثيرة وإن اختلفت الوقائع والكائنات فمؤدّاها واحد حتى صارت هذه الأمور في حقّه عليه‌السلام معلومة بالتواتر المعنوي.

«ويسمّى» النوع «الأول» من هذه الأنواع الثلاثة بالتواتر وهو ما نقله جماعة عن جماعة «ضروريّا» لأن العلم يحصل عنده بضرورة العقل.

قالوا : يخلقه الله تعالى عند تمام شروطه «في الأصحّ».

وهو قول أكثر المعتزلة ، وحكاه ابن الحاجب عن الجمهور.

وعند البغدادية هو استدلالي لأنه يقف على نظر واستدلال.

«ويسمّى الثاني» منها وهو ما أخبر به بعضهم بحضرة الخلق الكثير كما سبق «استدلاليّا» لأن العلم منه يحصل بنظر واستدلال اتفاقا.

__________________

(١) (أ) ناقص هي.

٧٤

«و» يسمّى «الثالث» وهو خبر الجماعة عن جماعة وخبر بعضهم عن نفسه وعنهم عن أمور متفرقة مؤدّاها واحد «معنويّا» لأن الذي تواتر وعلم قطعا هو معنى تلك الأخبار المتفرقة.

«وهو» أي المتواتر على أنواعه «مفيد للعلم» اليقين ، «خلافا للسّمنية» وهم فرقة من عبدة الأوثان وكذلك السّوفسطائية ، وقد منع أهل العلم مناظرتهم لتجاهلهم وإنكارهم الضرورات (١).

«قلنا : العلم بحصول العلم به» أي بالتّواتر «ضروري» أي يعلم كل عاقل بضرورة عقله أنه يحصل له العلم اليقين بمضمون الخبر المتواتر وإنكاره عناد.

«وكل عدد حصل العلم بخبره لا يجب اطراده» في كل قضية يخبر بها ذلك العدد المعيّن «في الأصحّ» من الأقوال لاختلاف الأحوال والأسباب الموجبة للعلم.

وقيل : يجب اطراده إذا استووا في القدر والصفة ، وهو الذي ذهب إليه أكثر المعتزلة.

«وما نقله واحد» أو من لم يبلغ حد التواتر «وتلقته الأمّة بالقبول فلا خلاف في صحته» أي في وجوب العمل به لأنّ تلقي الأمّة له بالقبول يجري مجرى إجماعهم.

قال مصنف الفصول :

وإنّ التّلقّي بالقبول على الّذي

به يستدلّ المرء خير دليل

وما أمّة المختار من آل هاشم

تلقّى حديثا كاذبا بقبول

قال في الفصول : وهو قطعي عند أكثر أئمتنا عليهم‌السلام وأبي هاشم وبعض المحدثين والقاضي والغزالي : كالمتواتر.

قال : وقال الجمهور : بل ظني.

__________________

(١) (ب) الضروريّات.

٧٥

قال أبو طالب : بل قطعي في ابتداء الحكم لا في نسخه للمعلوم.

وذلك «كخبر السفينة» وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ... الخبر» وقد تقدم والراوي له أبو ذر وابن عباس.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام والجمهور من غيرهم : ويفيد العلم لعصمة جماعة الأمّة» لقوله تعالى : (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (١) .. الآية وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا تجتمع أمّتي على ضلالة» وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا تزال طائفة من أمّتي على الحق ظاهرين».

وللأدلة القاضية بعصمة العترة عليهم‌السلام كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

«وما تلقّته العترة عليهم» «السلام» وهم الأربعة المعصومون ثم أولاد الحسنين عليهم‌السلام في كل عصر «بالقبول فصحيح يفيد العلم قطعا».

فتحرم مخالفته في العلميّات والعمليّات لأنه يجري مجرى إجماعهم.

ولا وجه لمن فرق بين العلميات والعمليات إلّا دعوى إصابة المجتهدين في العمليات دون العلميات وذلك باطل لما سيأتي إن شاء الله تعالى وإن سلّمنا إصابة المجتهدين أيضا فلا يصلح ذلك وجه فرق أيضا فافهم وهذا الذي ذكرناه من إفادته العلم «عند العترة عليهم» «السلام والشيعة وأبي علي وأبي عبد الله البصري» وغيرهم وروي عن الإمام يحيى عليه‌السلام : أنه أجاز أن يفتي المجتهد بخلاف إجماع العترة عليهم‌السلام إذا وافق غيرهم من الأمّة ، وذلك باطل لما سيأتي إن شاء الله تعالى.

«لعصمة جماعتهم» أي جماعة العترة «بشهادة آية التطهير» وهي قوله

__________________

(١) النساء (١١٥).

٧٦

تعالى : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (١).

والمراد بأهل البيت أهل الكساء لما سيأتي إن شاء الله تعالى.

والمراد تطهيرهم من المعاصي ، وإذا أراد شيئا كان.

وشهادة «آية المودّة» وهي قوله تعالى : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (٢).

والله لا يأمر بمودّة أحد على الإطلاق إلّا مع العلم بعصمته لقوله تعالى : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ...) الآية (٣).

«وخبري : السّفينة اللّذين تقدّم ذكرهما في أول الكتاب «وغيرهما» من الآيات والأخبار الدالة على أنهم لا يفارقون الحق (٤) ولا يخرج عن أيديهم «ممّا لا خلاف في صحته» نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي أبدا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» ووجه دلالته أنه لا يكون في تركه للعترة فائدة إلّا متى كان قولهم حجة لنا وعلينا لأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان هو الحجة في حياته فلا يفهم من قوله (تارك فيكم) إلّا أن يكون المتروك وهو العترة بدلا عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما كان كافيا فيه ، وهو كان الحجة لله سبحانه على الخلق فيكون المتروك العترة عليهم‌السلام كذلك.

وقد قيل : إن الآيات التي تدل على فضل أهل البيت عليهم‌السلام وعصمتهم خمس مائة آية (٥٠٠ آية) والله أعلم.

__________________

(١) الأحزاب (٣٣).

(٢) الشورى (٢٣).

(٣) المجادلة (٢١).

(٤) (ض) لا يفارقون الحق ولا يفارقهم.

٧٧

والعترة في أصل اللغة : نسل الرجل وذرّيّته لأنها مشتقة من العتيرة وهي الكرمة التي يخرج منها العنقود فيكون الرجل كالشجرة وذريته كالثمرة المتولدة من أصلها.

واعلم : أنه لا خلاف بين أهل البيت عليهم‌السلام أن المراد بآية التطهير أهل الكساء وأولاد الحسنين عليهم‌السلام إلى يوم القيامة ، وآل النبيء هم أهله ، فالآل والأهل واحد بدليل تصغيره على أهيل.

وقد روى الحاكم أبو سعيد المحسن بن كرامة في كتاب تنبيه الغافلين عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزل قوله تعالى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) كان النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأتي باب فاطمة وعلي سلام الله عليهما سبعة أشهر يقول في وقت كل صلاة : «الصلاة يرحمكم الله إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا».

وروى الحاكم المحدث الكبير أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني رحمه‌الله في كتاب شواهد التنزيل روايات كثيرة تفيد التواتر على أن المراد بأهل البيت أهل الكساء عليهم الصلاة والسلام :

منها : رواية أنس بن مالك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يمر بباب فاطمة رضوان الله عليها ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول : «الصلاة يا أهل البيت إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا».

ومنها : رواية جابر بن عبد الله الأنصاري : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دعا عليّا وابنيه وفاطمة وألبسهم من ثوبه ثم قال : «اللهم هؤلاء أهلي «هؤلاء أهلي.

وفي بعضها : عن جابر قال : نزلت هذه الآية على النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس في البيت إلّا فاطمة والحسن والحسين وعلي (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) فقال النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «اللهم هؤلاء أهلي».

٧٨

ومنها : رواية الحسن ابن البتول صلوات الله عليهما قال : لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإياه في كساء لأم سلمة خيبري ثم قال «اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».

وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي لا يتسع لها هذا الموضع.

ثم اعلم : أنّ الآية الكريمة قد أفادت التطهير لجماعة ذرية الحسنين عليهما‌السلام إلى يوم القيامة لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخبر المشهور «إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» فدلّ ذلك على استمرار ملازمة العترة عليهم‌السلام للكتاب ، وعدم مفارقتهم له إلى آخر أيام الدنيا ، وكذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إنّي تارك فيكم» كما سبق ذكره قريبا ، وقد بسطت في هذا الموضع في الشرح فليرجع إليه فإنه لا غنية عنه ، وإنّما تركناه لطوله.

وإذا ثبت ما ذكرناه من تطهير أهل البيت عليهم‌السلام وعصمتهم عن المعصية ومخالفة الحق : ثبت أنّ إجماعهم حجة قطعية تحرم مخالفتها ، وقد صرّح بذلك خبر السفينة وهو «أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى».

وهو في الحقيقة الحجة في كون إجماع الأمّة حجة كما أشار إلى ذلك الإمام شرف الدين عليه‌السلام بقوله شعرا :

إجماعنا حجة الإجماع وهو له

أقوى دليل على ما النقل ينميه

فإن قيل : قد ثبت كون علي عليه‌السلام من أهل الكساء لإدخال النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّاه معهم تحت الكساء فيلزم أن يكون أولاده من غير فاطمة عليها‌السلام كأولاد الحسنين داخلين في معنى الأهل والعترة؟

قلنا : إنّما كان أولاد فاطمة عترة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهلا لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم إلّا ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما» ونحوه.

٧٩

وليس كذلك أولاد علي عليه‌السلام من غير فاطمة عليها‌السلام.

قال عليه‌السلام : «وما نقل» من الأخبار «آحاديّا» (١) أي لم يبلغ ناقله حد التواتر «فله تفاصيل فيها خلافات» كثيرة مذكورة «في كتب الأصول».

قال في الفصول : التعبّد بخبر الواحد جائز عند أئمتنا عليهم‌السلام والجمهور ، ثم اختلفوا في وقوعه :

فعند أحمد وابن سريج وأبي الحسين والقفّال : يجب عقلا وسمعا قالوا : لأنّ العقل يحكم بوجوب دفع الضرر المظنون كالمعلوم ، وعند أئمتنا والطوسي والأشعرية : يجب سمعا فقط والعقل مجوز.

وقالت البغدادية والإمامية والظاهرية والخوارج : ممتنع سمعا لقوله تعالى : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (٢) ونحوها.

وإن جاز عقلا ، وقيل : ممتنع عقلا.

قال الجمهور : ودليل التعبّد به قطعي.

قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه‌السلام : وهو إجماع الصحابة ومن بعدهم ، وللعمل به شروط مذكورة في كتب أصول الحديث (٣).

«وأصحها قول من يوجب العرض على الكتاب» أي عرض الخبر الآحادي على القرآن.

وهذا قول القاسم والهادي وولده المرتضى والقاسم بن علي العياني عليهم‌السلام وغيرهم.

قال المرتضى عليه‌السلام في جواب من سأله ما لفظه : وقلت لأيّ معنى لم ندخل الأحاديث في أقوالنا؟

فلسنا ندخل من الحديث ما كان باطلا عندنا وإنّما كثير من الأحاديث

__________________

(١) (أ) آحادا.

(٢) الإسراء (٣٦).

(٣) (ض) أصول الفقه ظن.

٨٠