🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

«ولا شك في» وقوع «خطايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» أي الصغائر على جهة السهو والخطإ لا على جهة العمد كما سيأتي إن شاء الله تعالى بخلاف الملائكةعليهم‌السلام فإنهم لا يعصون الله البتّة كما أخبر الله عنهم.

ولنا قوله تعالى : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (١) والمعلوم أنّ كونه ملكا صفة زائدة على النبوّة في المرتبة كما في الصّفتين اللتين قبلهما (٢).

«و» لنا أيضا «قوله تعالى حاكيا» عن إبليس (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا) مِنَ الْخالِدِينَ (٣).

أي إلّا كراهة أن تكونا ملكين ، هذا تأويل صاحب الكشاف.

وقال الهادي عليه‌السلام : تقديره إلّا أن لا تكونا ملكين.

قال عليه‌السلام : ومن ذلك قوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) (٤) أي الذين لا يطيقونه قال لأنّ العرب قد تحذف (لا) : وهي تريدها وتثبتها وهي لا تريدها.

والمعنى : لو لا علم إبليس أن آدم وحوّى يعلمان أن مرتبة الملائكة فوق مرتبتهما لم يرغبهما ببلوغ تلك المرتبة بأكلهما الشجرة.

«و» لنا أيضا قوله تعالى : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) (٥) أي ولا من هو أعلى منه درجة وهم الملائكة المقربون الكروبيّون الذين هم أعلى منزلة عند الله كجبريل وميكائيل وإسرافيل.

قلت : ويمكن أن يراد بالمقرّبين جميع الملائكة والله أعلم.

__________________

(١) الأنعام (٥٠).

(٢) (أ) قبلها.

(٣) الأعراف (٢٠).

(٤) البقرة (١٨٤).

(٥) النساء (١٧٢).

٢١

ونزول الآية للردّ على النصارى في غلوّهم في عيسى صلوات الله عليه وإنكارهم أن يكون عبدا لله حين وفد أهل نجران إلى النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقصة مشهورة.

«وبيان الاستدلال بها» أي بهذه الآية «أن ذلك» أي قوله تعالى (وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) «ترقّ» أي صعود «من درجة إلى درجة أعلى منها ، يعرف ذلك العالم بأساليب أهل اللسان العربي» لأنه «يقال : لا يأنف فلان من تعظيم العالم ولا من هو أعظم منه» أي ولا من هو أعظم من ذلك الفلان فإنه لا يأنف من تعظيم العالم ومن هذا قول الشاعر :

وما مثله ممّن يجاود حاتم

ولا البحر ذو الأمواج ينأج زاخره

أي ما مثل الممدوح ممّن يغالبه في الجود لا حاتم ولا من هو أعظم من حاتم في الجود وهو البحر ذو الأمواج المضطربة.

وممّا يدل على أفضليتهم أيضا : قول الوصي في النهج : (منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافّون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان.

ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره.

ومنهم الحفظة لعباده والسّدنة لأبواب جنانه.

ومنهم الثابتة في الأرض السّفلى أقدامهم والمارقة من السماء العلياء أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم (١) متلفّعون تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزّة وأستار القدرة ، لا يتوهّمون ربهم بالتصوير ، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدّونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنّظائر).

وللمخالفين شبه قد ذكرناها في الشرح.

«ونبيئنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل من سائر الأنبياء صلوات الله

__________________

(١) (ض) وهم متلفعون.

٢٢

عليهم ، لأدلّة» كثيرة «لا يسعها هذا الكتاب» منها : الإجماع على ذلك.

و «منها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أنا أول من يقرع باب الجنة وأنا أول من تنشق عنه الأرض ، وأنا أول شافع مشفّع يوم القيامة».

ونحو هذه الأخبار كثير متوارد في معنى واحد وهو أنه أعلى الناس مرتبة يوم القيامة ، فاقتضى أنه أفضلهم. ذكر هذا كله الإمام المهدي عليه‌السلام في الغايات.

قلت : ولأن الله سبحانه خصّه بفضيلة عظمى وهو أنه خلق من نور كما روي عن جابر أنه قال : يا رسول الله : أخبرني عن أول شيء خلقه الله ... الخبر المتقدم في ذكر اللوح.

(فصل)

في ذكر المعجز وحقيقته :

«والمعجز» في اللغة : ما يجعل غيره عاجزا.

وقد يفسر بأنه كل فعل يقدر عليه بعض القادرين دون بعض.

يقال : أعجزني هذا الفعل أي لم أقدر أن أفعل مثله.

والمعنى : أن ظهور قدرة فاعله عليه كان سببا للحكم بعجزي عنه لا أنه سبب عجزي وإنما سبب العجز عدم القدرة.

وأما حقيقته في الاصطلاح فهو «ما لا يطيقه بشر» ليدخل ما يطيقه غير البشر من الملائكة والجن ، لأن النبيء لا يكون إلّا من البشر والمعجز أمارة بصدقه فإذا جاء بما يخرق عادة البشر كفى ذلك في صدق دعواه «ولا يمكن التّعلم لإحضار مثله» خرج بذلك السحر والطلسمات والشعبذة فإنه يمكن التعلّم لإحضار مثلها.

وحقيقة السّحر : هو أن يرى الأمر في الظاهر على خلاف ما هو عليه

٢٣

نحو أن يرى غير الحيّ حيّا ونحو ذلك.

وقوله «ابتداء» ليدخل في حدّ المعجز ما لا يمكن التعلّم للإتيان بمثله إلّا اتّباعا لمبتدئه ومنشئه وهو القرآن فإنّا نقدر على الإتيان به اتّباعا لمنشئه وهو الله تعالى ، ولا نقدر على الإتيان بمثله ابتداء ولهذا قال عليه‌السلام : «سواء دخل جنسه في مقدورنا كالكلام» فإن كلام الله تعالى الذي هو القرآن معجز وهو من جنس الكلام الذي يتكلم به الإنسان «أم لا» يدخل جنسه في مقدورنا «كحنين الجذع» إلى النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومجيء الشجرة وعودها وقلب العصا حيّة وغير ذلك.

والشعبذة هي الحيل التي تعسر معرفة كيفيتها إلّا باستنباط ونظر ومعرفة خواص أو بتعلم ممّن تقدم منه استنباط لذلك ونظر.

ولفظها اسم لتخييل (١) مخصوص وهو يمكن تعلمها بخلاف المعجز.

«ولا يصحّ» أن يكون «نبيء بلا معجز» لأنه لا يدل على صدقه إلّا المعجز «خلافا للحشوية» فإنهم جوّزوا أن يكون الشخص نبيئا من غير معجز ولا وحي أيضا ولا شريعة لا جديدة ولا إحياء مندرسة بل تكون له تنويرات وإلهام يفارق بها سائر البشر.

«قلنا : المعجز شاهد بصدقه وإذا عدم الشاهد لم يحصل التمييز بين» النبيء «الصادق الأمين ، وبين» المتنبّئ «نحو مسيلمة» الكاذب «اللعين».

وإذا كان كذلك كان تلبيسا للهدى بالباطل والهراء «والله عدل حكيم لا يلبس خطابه بالهراء» وهو الكلام الباطل «والافتراء» وهو تعمد الكذب والزور.

«بلى يجوز (٢) أن» يكون نبيء بلا معجز ولكن «يشهد بنبوّته نبيء قبله» فإنا لو فرضنا ذلك لجاز من جهة العقل «لحصول الشهادة» الصادقة «على صدقه» وهي شهادة ذلك النبيء.

__________________

(١) (ب) لتحييل بالحاء المهملة.

(٢) (ض) بل يجوز.

٢٤

«وشرطه» أي شرط المعجز «إمّا أن يدعيه النبيء قبل حصوله ويقع على حسب دعواه نحو قوله تعالى حاكيا» عن موسى صلوات الله عليه في مخاطبته لفرعون لعنه الله : (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) (١) أي شيء (٢) ظاهر يصدّقني فيما ادّعيت من الرسالة ، فكان ما حكاه الله سبحانه من قوله : (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) (٣).

«أو» لم يكن ذلك المعجز قد ادّعاه ذلك النبيء ولكنه «كان معرّفا بالنبوءة كخبر الثعلب» المعرّف بنبوّة نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : روى أبو طالب عليه‌السلام بإسناده إلى أبي ذر رحمه‌الله قال : كنا عند النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتاه أعرابي على ناقة (٤) له ، فأجلسه النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمامه وقال له : «حدّث الناس ما كان من أمر ثعلبك». فقال :

أنا رجل من أهل نجران كنت أحطب من واد يقال له السّيّال فبينا أنا كذلك إذ أنا بهاتف وهو يقول :

يا حامل الجرزة من سيّال

هل لك في أجر وفي نوال

وحسن شكر آخر الليالي

أنقذك الله من الأغلال

ومن سعير النار والأنكال

فامنن فدتك النفس بالإفضال

وحلني من وهق الحبال.

قال : فالتفتّ فإذا ثعلب مربوط إلى شجرة. فقال الثعلب :

يا حامل الجرزة للأيتام

عجبت من شأني ومن كلامي

أعجب من السّاجد للأصنام

مستقسما للكفر بالأزلام

هذا الّذي في البلد الحرام

نبيء صدق جاء بالإسلام

وبالهدى والدّين والأحكام

__________________

(١) الشعراء (٣٠).

(٢) بشيء.

(٣) الشعراء (٣٢ ـ ٣٣).

(٤) (ض) زيادة فنزل عنها.

٢٥

... الخبر بطوله.

«وإلّا» أي وإن لم يقع عقيب الدعوى ولا كان معرّفا بالنبوّة «فهو آية من آيات الله مصادفة» للنبوّة «وليس بمعجز لعدم اختصاصها» أي الآية «بوقته» لأنّ كثيرا من الآيات تظهر في غير وقت نبيء فلعل هذه الآية كذلك فلا نعلم حينئذ أنها إنما جعلها الله سبحانه شاهدة بصدقه.

«ويجوز تراخيه» أي تراخي حصول المعجز «عن وقت الدعوى ولو بأوقات كثيرة» وذلك «إن أخبر به» النبيء «فوقع» ذلك المعجز كما أخبر «إذ صارا» مع التراخي «معجزين» الأول بوقوعه كما أخبر إن كان ممّا لا يطيقه بشر.

والثاني إخباره بالغيب.

«ويجوز» أن يكون المعجز «متقدّما» على النبوءة «إن كان معرّفا بالنبوّة كقوله تعالى حاكيا عن عيسى عليه‌السلام : (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) «وهو في المهد».

فإنّ نطق عيسى عليه‌السلام في المهد بهذا الكلام الذي حكاه الله سبحانه معجزة له.

وقال أبو القاسم «البلخي : ويجوز كذلك» أي تقدم المعجز على النبوّة «إرهاصا» أي توطية وتمهيدا للنبوّة وإعلاما بها.

ويقول : إنه لا يكفي في دعوى النبوّة بل لا بدّ من معجز عقيب الدعوى واحتجّ بقصة الفيل فإنها عقيب (١) مولده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقصة الغمامة فإنها كانت تظل النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتدور معه أينما دار «وظاهره» أي ظاهر قول أبي القاسم «الإطلاق» أي سواء كان معرّفا بالنبوّة أو لا.

قال عليه‌السلام : «قلت وبالله التوفيق : لا دليل» على أن المتقدم معجز إن لم يعرّف بالنبوّة «لما مرّ» من أنه يجوز أن يكون آية مصادفة ولم يقصد بها تصديق النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أما قصة الغمامة فهي (٢)

__________________

(١) (أ) عام مولده.

(٢) في (أ) فلعلها كالمعرّفة وفي (ض) كالمعرّفة.

٢٦

معرفة بالنبوّة ، وكذلك حنين الجذع وتسبيح الحصى في كفه ، ونبع الماء من بين أنامله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاختصاصها به صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وقالت «البصرية : لا يجوز تقدمه وظاهره الإطلاق» أي سواء كان معرّفا أو لا قالوا لأنه يكون عبثا والعبث قبيح.

قال عليه‌السلام : «قلت وبالله التوفيق : قد حصلت الشهادة بنبوءته».

من ذلك المعجز المتقدم «كالمقارن» للدعوى «إن عرّف» بالنبوّة مع أنه لو لم يعرف بالنّبوّة فلا وجه لجعله قبيحا لأن جهل من جهل وجه الحكمة فيه لا يصيره عبثا ، ولكنه لا يكفي في صدق دعوى النبوّة والله أعلم.

قال «أئمتنا عليهم‌السلام والبهشمية» أي أتباع أبي هاشم «ولا يجوز» ظهور المعجز «لغير نبيء» إذ يكون فيه تلبيس للمحقّ بالمبطل وذلك قبيح.

وقالت «الإمامية : بل يجب ظهوره للإمام» لأنه عندهم كالنبي أو أعظم لأنه لا بدّ أن يعلم الغيب كما يأتي ذكره عنهم إن شاء الله تعالى وقال «عبّاد» بن سليمان «بل يجوز ظهوره على حجج الله في كل زمان».

قال الإمام المهدي عليه‌السلام : يعني على أشخاص صالحين جعلهم الله حجة على خلقه ، أي يلزمهم اتباعهم لما يظهر لهم من الكرامات دلالة على أنهم محقون غير مبطلين.

قال : وعندهم لا يخلو الزمان من حجة على أهله.

وقالت «الملاحمية» أي الشيخ محمود بن الملاحمي ومن تبعه «وهو ظاهر كلام» الإمام «المهدي» أحمد بن يحيى «عليه‌السلام والحشوية : بل يجوز» ظهوره «للصالحين» كما قد وقع ذلك كثيرا.

قال الإمام المهدي عليه‌السلام : أما ظهوره على الصالحين فلا يمتنع عندي فيما لا يدخله بعض لبس لا الخوارق الباهرة كفلق البحر وقلب العصا حية لما فيه من حطّ مرتبة الأنبياء.

٢٧

قال : وكذلك لو أخبر به على القطع وعيّن وقت وقوعه لم يجوّز وقوعه مطابقا لدعواه لما فيه من حطّ مرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأما غيره ممّن جوّزه على الإطلاق فقالوا : ليس ذلك حطّا من مرتبة الأنبياء ، فتعظيمهم بالمعجزات تعظيم للأنبياء ، كما أن إكرام خادم الإنسان إكرام لذلك الإنسان.

وقالت «الأشعرية : بل يجوز للكفار ومن يدّعي الربوبية» كفرعون والنمرود لأنه لا يقبح عندهم منه جلّ وعلا قبيح «لا» من يدعي «النبوّة كاذبا» كمسيلمة.

قالوا : لأنه يكون تصديقا للكاذب في دعوى النبوءة وفيه هدم الشرائع وهذا منهم مناقضة ظاهرة إذ قد حكموا بأنه لا يقبح من الله قبيح ، وأنه يجوز إثابة الكفار وتعذيب الأنبياء.

«قلنا :» ردّا على الجميع «جميع ذلك» الذي ذكر من ظهور المعجز على غير الأنبياء «تلبيس وتشكيك بتصديق الأنبياء صلوات الله عليهم ، لأن الكفار يقولون» للنبي «لا نصدقك لأنه قد أتى بمثل هذا المعجز من ادّعى الربوبية وهو كاذب» فيمكن أن تكون دعواك مثله «و» قد أتى بمثله أيضا «من ادّعى الإمامة» وليس بنبي فما يؤمننا أن تكون غير نبيء «أو» من ادّعى «الصلاح» وليس بنبي ولا إمام فما يؤمننا أن تكون مثله.

«أو» من ادّعى «كونه محقا في حجته» التي يحتج بها وقوله الذي يدعيه فما يؤمننا أن تكون كذلك.

«فلعل المعجزة» التي ظهرت «كانت لبعضها» أي لبعض الأمور التي تقدم ذكرها «لكنك تجاريت» على الله تعالى «بالكذب» فيما ادّعيت «طمعا في نيل الدرجة العلياء وهي النبوءة».

وإذا جوزنا هذا من قولهم لم تقم حجة لنبي على قومه في تكذيبهم إيّاه ، والتبس المحق بالمبطل.

«والله تعالى عدل حكيم لا يفعل ذلك» لأنه ضد الحكمة.

«وأيضا» فإن المعجز «لا يكون معجزا إلّا إذا كان معرّفا بالنبوّة ولم

٢٨

يقع» أي التعريف فيما جوزوه على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام البتة «أو» كان حصول ذلك المعجز «بعد الدعوى للمعجز والدعوى للمعجز لا يكون إلّا بعد الوحي» من الله سبحانه إلى النبيء «إن الله سيفعل له ذلك المعجز ، وليس الوحي إلّا للأنبياء عليهم» الصلاة و «السلام إجماعا».

فثبت بذلك أن المعجز لا يكون إلّا للأنبياء عليهم‌السلام.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام : وكرامات الصالحين من نحو إنزال الغيث وإشفاء المريض وتعجيل عقوبة بعض الظالمين الحاصلة بسبب دعائهم» أو تغيّظهم وحرج صدورهم «ليست بمعجزات» لهم وإن كانت خارقة للعادة «لعدم حصول شرط المعجز فيها» وهو التعريف أو وقوعه بعد الدعوى مطابقا كما مرّ «وإنما هي إجابة من الله تعالى لدعائهم» وتكريم وتشريف لهم من الله سبحانه لما هم عليه من خالص الإيمان واتّباع ما يرضي الرحمن «لأن الله سبحانه قد تكفل لهم بالإجابة» لقوله تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (١) كما ورد به الأثر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولما في ذلك من المصالح العظيمة ورفع منار الإسلام والتطاف كثير من الناس بسبب ذلك وغير ذلك ممّا لا يخفى مع زوال الوجه المقتضي للقبح.

قال عليه‌السلام : «ولعل مراد الإمام المهدي عليه‌السلام بما مرّ» من قوله : إنه يجوز ظهور المعجز على الصالحين «هذه الكرامات» التي ذكرناها وسمّاها معجزا على سبيل التسامح.

قلت : وهذا حق وقد دلّ عليه قوله فيما سبق.

«فإن ادّعاه» أي المعجز أحد لادّعائه النبوّة وهو «كاذب كفى» في تكذيبه «تخلفه» أي عدم وقوعه.

«وقيل : يجب حصول النقيض إذا كان ادعى إلى تكذيبه» لما فيه من اللطف وإلّا لم يجز لجريه مجرى العبث وهذا هو قول الإمام المهدي عليه‌السلام.

__________________

(١) غافر (٦٠).

٢٩

وقيل : بل يجب حصول النقيض مطلقا ، ومن ذلك قصة مسيلمة الكذاب فإنه لما نقل إليه وإلى أصحابه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصق في بئر في المدينة كان ماؤها مالحا فعذب.

فقال أصحاب مسيلمة : افعل لنا في هذه البئر كما فعل محمّد.

فبصق فيها ، قيل : فغار ماؤها فيبست. ذكره الإمام المهدي عليه‌السلام. قال : وأصحابنا يمنعون صحة هذه الرواية.

وقالت «البهشمية : لا يجوز» حصول النقيض «لأن تخلف مراده كاف» فالزيادة عبث.

«قلنا : لا يجب» حصول النقيض «لعدم دليل الوجوب» ولو كان ادعى إلى تكذيبه «مع حصول الكفاية بالتخلّف» واللطف غير واجب عليه تعالى «ولا منع» (١) من حصول النقيض «لأنه حسن» ولا وجه لقبحه.

واعلم : أنه لا بدّ للرسول والنبيء من معجز يأتي به الملك يدل على صدقه أنه رسول إلى الرسول والنبيء.

وقد قيل : إن النبيء يعرف الملك المرسل إليه ضرورة.

وقال الإمام أحمد بن سليمان عليه‌السلام في كتاب الحقائق : والذي دلّ محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أن جبريل عليه‌السلام رسول من الله إليه : ما أراه من المعجزة الخاصة لنفسه لأنه لو لم يره معجزة لنفسه لم يتحقق صدقه ، كما أنه لا يتحقق صدق النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا بمعجزة.

فأول ما نزل جبريل إلى النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي عليهم‌السلام قال : (نزل إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جبريل صلّى الله عليه وعليه جبّة من سندس بأعلى الوادي وهو يرعى غنما لأبي طالب ، فأخرج له درنوكا من درانيك الجنّة فأجلسه عليه ثم أخبره أنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) (ض) ولا يمنع.

٣٠

وسلّم وأمره بما أراد أن يأمره به ، فلمّا أراد جبريل عليه‌السلام أن يقوم أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطرف ثوبه ثم قال له «ما اسمك؟ فقال جبريل» فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلحق بالغنم فما مرّ بشجرة ولا مدرة إلّا سلّم عليه يقول : السلام عليك يا رسول الله. قال في الحقائق : ومن معجزات جبريل صلّى الله عليه الخاصة له ما روي أن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى جبريل صافّا في الهوى قد سدّ الأفق).

قال عليه‌السلام : وروي أن جبريل جاءه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخرجه إلى البقيع وانتهى به إلى مقبرة ، فإذا جثوة في التراب فضربها برجله وقال : قم بإذن الله ، فانتفض التّراب فإذا هو شخص قد صار حيّا وهو يقول : يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ، ثم ضربها فعادت إلى ما كانت عليه.

وانتهى به إلى جثوة أخرى فضربها فقام صاحبها وهو يقول : الحمد لله ثم ضربها فعادت إلى ما كانت عليه.

فقال : يا محمد فعلى هذا يبعثون.

فإن قيل : فالملك بما يعرف أوامر الله ونواهيه ورسالته من عند الله؟

فالجواب ما رواه الهادي عليه‌السلام حيث قال : واعلم هداك الله أن القول فيه عندنا : كما قد روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه سأل جبريل عن ذلك فقال : آخذه من ملك فوقي ويأخذه الملك من ملك فوقه ، فقال «كيف يأخذه ذلك الملك ويعلمه فقال جبريل عليه‌السلام :

يلقى في قلبه إلقاء ويلهمه الله إيّاه إلهاما».

وكذلك هو عندنا أنه يلهمه الملك الأعلى إلهاما فيكون ذلك الإلهام من الله إليه وحيا ، كما ألهم تبارك وتعالى النحل ما تحتاج إليه وعرفها سبيلها ... إلى آخر كلامه عليه‌السلام.

واعلم : أنه يجوز أن يرسل الله نبيئين في زمان واحد والعقل يحكم بجواز ذلك وحسنه كما قد وقع كإبراهيم ولوط عليهما‌السلام.

٣١

فإنّ لوطا أرسل إلى المؤتفكات وهي خمس قرى على ما رواه أهل التفسير ورسالة إبراهيم صلوات الله عليه إلى من سواهم.

وكموسى وهارون عليهما‌السلام.

(فصل)

في ذكر نبوءة نبيئنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعجزاته.

اعلم : أن صحة نبوءته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معلومة لا ريب فيها عند العقلاء كافة.

وإنّما عاند كثير من الكفار بعد أن علموا صدقه بالآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات التي لا يمكن دفعها إلّا بالمعاندة والمكابرة.

«ومعجزات نبيئنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كثيرة».

روى الحاكم أنها ألف معجزة.

وروى الإمام يحيى عليه‌السلام ومحمود بن الملاحمي أنها ثلاثة آلاف معجزة وأرادوا بذلك ما ظهر له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حال الطفولة بل من حال الحمل به إلى أن توفّي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وقال القاضي عياض في الشفا : اعلم : أن معجزات نبيئنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع كثرتها لا يحيط بها ضبط.

فإنّ واحدا منها وهو القرآن لا يحصى عد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر. واختلف في المتواتر منها :

فقال «أئمتنا عليهم» «السلام والبغدادية : وقد تواتر منها مع القرآن كثير : كحنين الجذع».

وذلك أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخطب إلى جذع نخل من قبل أن ينصب له المنبر ، فلمّا نصب وتحول إليه النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حنّ الجذع كما يحنّ الفصيل فما سكن حتى التزمه النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وفي أمالي أحمد بن عيسى عليه‌السلام قال محمد : حدثني أحمد بن

٣٢

عيسى عن الحسين عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهم‌السلام.

قال : كان في المسجد جذع نخلة يستند إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا خطب الناس يوم الجمعة.

فقال يوما : «من يصنع لي منبرا؟ فقال رجل : أنا أصنعه ، فقال : اجلس ، فقام آخر فقال : أنا أصنعه فقال ـ : اجلس ، فقام آخر فقال : أنا أصنعه إن شاء الله تعالى ، فقال : اصنعه فإنّ المستثنى معان موفّق إن شاء الله تعالى ، انطلق فاصنع لي منبرا مرقاتين والثالثة التي أجلس عليها لكي أتبيّن من خلفي ومن عن يميني ومن عن شمالي ويسمع الناس صوتي ، فلما جاء به أمره فوضعه في مقدّم المسجد فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر فسلّم على الناس ثم قال : آمين ثلاث مرات ، ثم نزل من المنبر إلى جذع النخلة فضمّها إليه ثم صعد المنبر فقال : أيها الناس إن جبريل أتاني فاستقبلني ثم قال : يا محمد من أدرك أبويه أو أحمدهما (١) فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ، ومن أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين ، فقلت آمين ، ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين.

وأما النخلة حين احتضنتها فإنها حنّت حنين الناقة إلى ولدها لفراقي إيّاها ، فلما احتضنتها دعوت الله يسكن ذلك منها ولو لا ذلك لحنّت حتى تقوم الساعة».

وأخرج البخاري عن ابن عمر : كان النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب إلى جذع النخلة ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنّ الجذع فأتاه فمسح يده (٢) عليه.

وأخرج أيضا عن جابر بن عبد الله : كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل ، فكان النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا خطب يقوم على جذع منها ، ولما وضع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا

__________________

(١) في (ض) النسخ ولم يرضهما وهي زيادة ليست من الحديث.

(٢) (ض) بيده.

٣٣

كصوت العشار حتى جاء النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوضع يده عليه فسكت (١).

ومنها : تكليم العضو المسموم في غزوة خيبر.

ومنها انفجار الماء من بين أصابعه ، وإشباع الخلق الكثير من اليسير غير مرة : كصاع جابر بن عبد الله الأنصاري وعناقه أكل منه ألف رجل ومجيء الشجرة تخد الأرض ، وتسبيح الحصى في كفه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغير ذلك.

وقال «أبو علي وأبو هاشم» وغيرهما : «لم يتواتر منها» أي من معجزاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إلّا القرآن وحده».

وقالوا : «وإلّا لشاركنا الكفار في العلم به» أي لو تواتر غير القرآن لعلمه الكفار مثلنا إذ التواتر لا يختص المسلمين دون غيرهم.

«قلنا» جوابا عليهم «عدم علمهم» أي الكفار «لا يقدح في التواتر» ولا يبطله لو فرضنا أنهم لم يعلموا ذلك «كمن لا يعلم صنعاء ، وقد تواتر لكثير» من الناس فجهل بعض الناس لا يقدح في التواتر كما ذلك مقرّر في موضعه من أصول الفقه.

ولقد كثر العجب من الشيخين ومن تبعهما حيث شرطوا في صحة تواتر معجزاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علم اليهود والنصارى وسائر الكفار بها ، مع جحدهم جميعا لمعجزاته وتصميمهم على أنها سحر وجحد اليهود والنصارى صفته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المذكورة في التوراة والإنجيل ، وتحريفهم الكلم عن مواضعه.

وقد أكذبهم الله جميعا في القرآن بقوله عزوجل (وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) (٢).

وقوله عزوجل : (يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) (٣).

__________________

(١) (ض) فوضع يده عليها فسكتت.

(٢) طه (١٣٣).

(٣) البقرة (١٤٦).

٣٤

وقوله تعالى : (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) (١) فكيف يصحّ إقرار الكفار بمعجزاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع جحدهم لنبوءته ومكابرتهم للعقول.

وكيف اشترطوا علم الكفار في معجزاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون غيرها من الأخبار المتواترة؟

وكيف يصحّ (٢) عندهم تواتر القرآن الكريم لأن الكفار لم يصدّقوا به ولم يشاركونها في العلم به على هذه الصفة والترتيب وعدم الزيادة والنقصان فهذه جهالة كبيرة؟

قال «أئمتنا عليهم» «السلام والبصرية» من المعتزلة وهو قول أكثر المفسرين كابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن عمرو بن العاص وأنس وجبير بن مطعم وحذيفة ومجاهد وإبراهيم وغيرهم : «وانشقاق القمر» الذي ذكره الله سبحانه في القرآن «قد وجد» وهو «معجزة» للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قال ابن عباس : انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.

وفي الكشاف عن أنس : أن الكفار سألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آية فانشق القمر مرتين.

وكذا عن ابن عباس وابن مسعود.

وعن ابن مسعود : رأيت حراء بين فلقي القمر. انتهى.

وفي البخاري بإسناده إلى ابن مسعود قال : انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرقتين : فرقة فوق الجبل وفرقة دونه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «اشهدوا».

وفي رواية له عن ابن مسعود أيضا : انشقّ القمر ونحن مع النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصار فرقتين فقال لنا «اشهدوا اشهدوا» وفي

__________________

(١) الأنعام (٣٣).

(٢) (أ) صحّ.

٣٥

رواية له أيضا عن ابن عباس قال : انشقّ القمر في زمن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وفي رواية عن أنس قال : سأل أهل مكة أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر. وفي رواية له عن أنس أيضا قال انشقّ القمر فرقتين.

قلت : أما رواية مرتين فلعلها سهو أو تحريف من الناسخ والله أعلم.

«خلافا للبلخي» أي أبي القاسم البلخي وأبي الحسين «الخياط» وهو أستاذ البلخي فقالا : نقطع (١) بأنه لم يقع وإنما يقع يوم القيامة وروي أيضا عن عطاء والحسن قالوا : لو وقع لكان متواترا مشهورا عند المخالف والمؤالف لعظم موقعه وكونه من الخوارق الباهرة.

«لنا» حجة عليهم «قوله تعالى» (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (٢) «والظاهر» من قوله (وَانْشَقَّ») «المضي» لأنه فعل ماض ولا وجه للعدول عن الظاهر.

ولقوله تعالى بعدها (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (٣).

«و» لنا أيضا «أخبار كثيرة» تقضي بذلك :

«منها : حتى رأى عبد الله بن مسعود جبل حراء من بين فلقيه».

كما سبق ذكره.

وأما قول البلخي : إنه لو وقع لم يقع التّمالي على دفعه وإنكاره :

فنقول : قد تمالت اليهود على إنكار كلام عيسى صلوات الله عليه في المهد ، وإحياء الموتى.

وأيضا : فإن المشركين لمّا كذبوا وجعلوا ذلك سحرا لم يختلفوا به (٤) ولا بنقله بل جعلوه وراء ظهورهم مخافة أن يكبر أمر النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنه كان ليلا.

__________________

(١) (ب) يقطع.

(٢) القمر (١).

(٣) القمر (٢).

(٤) (ض) يحتفلوا به.

٣٦

وقد أخبرني الشريف الفاضل هاشم بن حازم الواصل من مكة من أولاد الشريف أبي نميّ : أن موضعا في جبل أبي قبيس يسمّى : منشق القمر تسمية مشهورة عندهم ولا يعرفون ما وجهها لأن في الروايات أن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام على جبل أبي قبيس ونادى القمر فأقبل يركض من السماء حتى وقف على الكعبة واستدار وتكامل ضوؤه ونوره ثم نزل من السماء فطاف بالكعبة سبعة أشواط ثم أتى إلى النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : السلام عليك يا سيد الأولين والآخرين أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك محمد رسول الله صلّى الله وسلّم عليك ، ثم دخل في كمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأيمن وخرج من كمّه الأيسر ثم مضى نصفه شرقا ونصفه غربا ثم عرج السماء فطلع (١) هذا النصف من المشرق وهذا من المغرب والتأما وصارا (٢) قمرا مضيئا نيّرا ... الخبر.

واعلم : أنه لما كان نبيئنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاتم النبيين وأنه لا نبيء بعده أنزل الله عليه القرآن وجعله الحجة على خلقه ومعجزته الكبرى الباقية إلى انقطاع التكليف.

ولا خلاف بين الأمّة أنه كلام الله وأن محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء به ، وأنه معجزته الكبرى.

واختلفوا في وجه إعجازه :

فقال «أئمتنا عليهم» «السلام والجمهور من غيرهم : وإعجاز القرآن في بلاغته الخارقة للعادة» التي لا يقدر عليها المخلوق قال الحاكم : وفيه الإعجاز من وجوه :

منها : النظم وذلك أنه كلام ليس بشعر ولا خطبة ولا سجع فأتى بنظم لم يوجد مثله في كلام المتقدمين ولا قدر أحد في أيامه ولا بعده على ذلك. انتهى.

__________________

(١) (ض) وطلع.

(٢) (ب) فصارا.

٣٧

والفصاحة في عرف اللغة : يوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم.

فيقال : كلمة فصيحة ، وكلام فصيح ، ومتكلم فصيح.

وبسط الكلام في ذلك في كتب المعاني والبيان.

والبلاغة يوصف بها الكلام والمتكلم فيقال : كلام بليغ ومتكلم بليغ ومعنى بلاغة الكلام : إيراده فصيحا مطابقا لمقتضى الحال من إيجاز وإطناب ومساواة مؤكّدا أو غير مؤكّد محسّنا بأي وجوه التحسين.

ولا شكّ أن ألفاظ القرآن المركبة حاصلة فيها حقيقة الفصاحة والبلاغة وذلك يعلم بالضرورة عند تتبع ألفاظه ومعرفة أساليب العرب في كلامها فيعلم كل عالم بلغة العرب مفرغ قلبه لاستماعه ومصغ إليه بكل لبّه ومتدبّر لعجائبه أنه ليس بكلام البشر إذ لا يساويه ولا يدانيه كلامهم ولا يقدر أحد منهم أن يأتي بمثله.

«وقيل» بل وجه إعجاز القرآن «للإخبار بالغيب» كقوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (١) فأخبر أنهم لا يفعلون وكان كما قال ، وقوله تعالى : (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ) (٢) وكان كما قال.

«وقيل» بل وجه إعجازه «كون قارئه لا يكل» عن تلاوته «وسامعه لا يمل» عن سماعه وهذا معلوم بالضرورة فإنه لا يزداد على كثرة تلاوته وترديده في كل وقت إلّا حلاوة في قلوب أهل الإيمان بخلاف غيره فإن تكريره يثقل على الألسن.

«وقيل» بل وجه إعجازه «سلامته من التناقض والاختلاف» مع كثرة أمثاله وقصصه وأحكامه فلو كان من البشر لجاز فيه التناقض والاختلاف كما قال تعالى : (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (٣).

«وقيل» بل وجه إعجازه «أمر يحسّ به ولا يدرك» بوصف ولا تعبير وكأنه يريد حلاوة تلاوته واستماعه.

__________________

(١) البقرة (٢٤).

(٢) الروم (٣ ـ ٤).

(٣) النساء (٨٢).

٣٨

«وقيل» بل وجه إعجازه «صرفة» مخصوصة «عن معارضته» أي صرف الله الخلق عن معارضته.

وهذا قول إبراهيم النظام وأبي إسحاق النصيبيني من المعتزلة ، واختاره الشريف المرتضى من الإمامية.

قال في الشامل : فإن عند هؤلاء أن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوّة بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من التحليل والتحريم ، والعرب إنما لم يعارضوه ليس لكونه معجزا في نفسه وإنّما صرفهم الله عن معارضته مع إمكانها وصحتها منهم وسلبهم العلم بما قال فهذا محصول مذهب أهل الصّرفة.

«قلنا» في الجواب على أهل هذه الأقوال : «تحدّى الله به» أي بالقرآن «فصحاء العرب» جميعا.

ومعنى التّحدي : هو طلب الفعل ممّن عرف عجزه عنه إظهارا للعجز عن معارضته مأخوذ من (حدي) الإبل وهو حثّها على السير بكلام مخصوص يسمونه حديا. كذا ذكره في الغايات.

«فعجزوا» أي العرب «عن معارضة ما لا إخبار فيه بغيب من السّور» حيث قال تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١) وفي آية : (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٢).

وقوله : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (٣).

والدليل على عجزهم علمنا ضرورة قوة دواعيهم إلى إبطال أمر النبيء

__________________

(١) البقرة (٢٣).

(٢) هود (١٣).

(٣) الإسراء (٨٨).

٣٩

صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلّا لما قاتلوا وقتلوا.

فلو قدروا على المعارضة لكانت أهون عليهم من القتال.

وعلمنا أيضا ضرورة أنهم يعلمون أن أمره يبطل بالمعارضة إذا حصلت وأنه يبطل الفضل الذي ادّعاه على غيره.

فعلمنا حينئذ أنها لم تقع المعارضة البتة ، وأنهم عجزوا عنها.

فإن قيل : قد نقلت معارضة مسيلمة المتنبّئ :

روي أن مسيلمة قال في معارضته : إنا أعطيناك الجواهر فصلّ لربك وجاهر ولا تطع كل شيخ فاجر.

وقال : يا ضفدع بنت ضفدعين نقي في الماء ما تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين ، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ، ولكن قريشا قوم يجهلون.

قلنا إن هذا وأمثاله من جملة الهذيان الذي تمجّه الآذان وتعافه الأفهام وتسخر منه جميع الأنام ، ويعرفه كل ذي عقل قويم ولبّ سليم والمعارضة إنما تكون بالشيء الذي يشبه المعارض فيشتبه المتعارضان حتى يحصل الغرض المقصود وهو بطلان الفضل.

«وليس ذلك» أي عجزهم عن المعارضة «إلّا لبلاغته» وفصاحته «و» أما «الإخبار بالغيب» فهو «معجزة أخرى» مضافة إلى معجزة البلاغة كما سبق ذكره.

«والأمور المذكورة في سائر الأقوال» وهي كون قاريه لا يكل وسامعه لا يملّ ، والأمر الذي يحسّ به ولا يدرك ، والصّرفة التي ذكروها «إنما كانت كذلك» أي كما قالوا «لأجل بلاغته أيضا» فلما بلغت بلاغته الغاية التي عجز عنها المخلوق صار قاريه لا يكل وسامعه لا يملّ لما ذاقه فيه من الحلاوة والأخذ بمجامع القلوب.

(فصل)

«ونبيئنا» محمد «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» رسول من الله «صادق

٤٠