🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

إلى منكر آخر هو مثل المنكر الأول أو أعظم.

«و» أما «حصول الظن بوقوع شيء من ذلك» أي بوقوع منكر آخر ولم تحصل القدرة على إزالة هذا المنكر المعلوم بل كان ذلك «مع عدم ظنّ التأثير» لأمره ونهيه وسواء بقي شاكّا أو ظن عدم التأثير فإنّ أمره ونهيه حينئذ «لا يجوزان لأنهما حينئذ كالإغراء» بفعل ذلك المنكر وهو قبيح ، وأمّا حصول الظن بوقوع المنكر الآخر بسبب النهي عن المنكر المعلوم «مع ظنّ التأثير» لأمره ونهيه فإنهما مع ذلك «لا يجبان قطعا» لأنّ القدرة على التأثير في هذا الموضع لم تحصل وإنّما هي مظنونة وقد عارضها حصول الظن بانتقال المأمور والمنهي بسبب ذلك إلى منكر آخر فتعارض الظّنّان وحينئذ لا يجبان «وفي حسنهما تردد» يحتمل أن يحسنا لحصول ظن القدرة على التأثير ويحتمل أن لا يحسنا لمعارضة ذلك الظن بظن وقوع المنكر فيكون أمره ونهيه سببا في وقوع المنكر فيكون قبيحا ولعله أولى والله أعلم.

(فرع)

«ولا يكونان إلّا بقول رفق أوّلا» أي قول ليّن لأنه أقرب إلى الامتثال «فإن لم يتمّا به» زيد عليه بحسب الحال فيقدّم الوعظ ثم السّب ثم كسر الملاهي ثم الضرب بالعصى ثم بالسلاح لما ثبت من أنه إذا خشي أن يفعل المحظور «وجبت عليه المدافعة عن فعل» ذلك «المحظور» بأيّ ممكن «إلى حد القتل لإجماع العترة عليهم» «السلام على وجوب إزالة المنكر بأيّ وجه».

قال في البحر : وكأنّ ذلك الترتيب ادعى إلى حصول الامتثال قال : فإن احتاج إلى تجييش الجيوش فهو إلى الإمام لا إلى الآحاد إذ هو من الآحاد يؤدّي إلى تهييج الفتن والضّلال.

قال : وقال الغزالي : يجوز للآحاد تجييش الجيوش والحرب.

قال (١) : ولا وجه له.

__________________

(١) أي الإمام المهدي عليه‌السلام.

٢٢١

قلت : وإن أراد المحتسب فالقول واحد «ولا يفعل الأشدّ مع تأثير الأخفّ» كما ذكرناه آنفا من الترتيب لأنّ العدول إلى الأشدّ مع تأثير الأخفّ إضرار مجرد عن النفع والدفع فكان ظلما.

قال الفقيه حميد الشهيد رحمه‌الله : وأمّا حكم المعروف الذي هو فعل فقد ذكروا أنه لا يجوز القتال عليه مطلقا وفي تعليلهم ما يقتضي أن المراد به الشرعي دون العقلي ولا شبهة أنّ ردّ الودائع والمغصوبات إلى أربابها ممّا يجوز أخذه كرها والقتال عليه لمن امتنع من تسليمه.

قال : واعلم : أن المنكر إذا أمكن أن يحال بينه وبين فاعله من دون قتل ولا قتال فإنّ ذلك هو الواجب.

قال : وهل يجوز القتل عليه أو لا؟ فيه خلاف.

فقد ذكر الشيخ أبو علي : أنه من كان مفسدا شرّيرا فإنه يجوز قتله لغير الإمام ، وإليه ذهب الجصاص ، وهو الذي اختاره الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه‌السلام فإنه قال: والذين يؤذون المسلمين ويضرونهم يجوز قتلهم في وقت الإمام وغير وقته.

وذهب السيد المؤيّد بالله عليه‌السلام إلى أنه لا يجوز قتل من هذا حاله بل يجب على المسلمين حبسه.

وقال «بعض سادتنا عليهم» «السلام» وهو السيد الكبير العلّامة أمير الدين بن عبد الله بن نهشل بن المطهر بن أحمد بن عبد الله بن عز الدين بن محمد بن إبراهيم بن الإمام المطهر بن يحيى المظلل بالغمام عليه‌السلام.

وتوفي هذا السيد عقيب وفاة الإمام عليه‌السلام في هجرة حوث رحمه‌الله تعالى في ليلة الثلاثاء تاسع شهر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين بعد الألف فقال : «فإن كان التفكّر في القدر الكافي» في الانزجار عن فعل القبيح من القول وغيره «مخلّا بالمدافعة» أي مانعا لدفع فعل المحظور «بحيث» يقدّر أنه «يفعل المحظور في مدة التفكّر» لو بقي النّاهي متفكرا «في ذلك القدر الكافي (وجب دفعه بغير رويّة» أي بغير تفكّر في القدر الكافي «ولو» كان دفعه «بالأضرّ وهو قوي لعدم حصول الانزجار

٢٢٢

لولاه» أي لو لا دفعه بذلك الأضر.

«و» أما «الحمل على فعل الواجب» أي التكليف «بالإكراه» لفاعله كالإكراه على الصلاة وتسليم الزكاة بالقتال فلا يجوز للآحاد بل «يخصّ الإمام غالبا» أي في أغلب الواجبات احترازا من الواجبات العقلية كما مرّ.

وكذلك يجوز للمحتسب الإكراه على المعاونة على دفع المنكر وأخذ المال لدفع الكفار والبغاة وإنّما اختصّ الحمل على الواجب بالإمام «للإجماع على وجوب ذلك على الإمام وعدم الدليل في حق من عداه».

أي في حق من عدا الإمام.

وأمّا الإكراه على فعل الواجب من دون قتال كالإكراه على فعل الصلاة وعلى تسليم الزكاة من أربابها إلى الفقراء فلا يبعد وجوبه على كل من قدر عليه ، والله أعلم.

(فصل)

«والمحتسب هو المنتصب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» سمّي المحتسب محتسبا لأنه يحتسب في جميع أموره بما يرضي الله تعالى ذكره الأمير الحسين عليه‌السلام.

وهو مأخوذ من الحسب الذي هو كرم الآباء أو كرم النفس كما ذكر أهل اللغة والله أعلم.

وللمحتسب ما للإمام وعليه ما عليه إلّا ما يستثنى وأساس شرائطه :

العقل الوافر وينبني عليه ثلاث خصال : أوّلها : الورع الكامل ، وثانيها : حسن الرأي وجودة التدبير ، وثالثها : العلم بقبح ما ينهى عنه ووجوب ما يأمر به ، وسواء علم ذلك أو قلّد فيه وأمضى فتوى العالم. هكذا ذكره الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه‌السلام قال : ولا يعتبر في الاحتساب المنصب النّبوي بل يجوز الاحتساب لسائر العرب والعجم إلّا المماليك وإن كنّا نقول : إن القائم من المنصب النبوي بذلك أولى.

قال : ولا ولاية للمحتسب على شيء من أموال الله سبحانه ولا يجوز

٢٢٣

له قبضها إلّا أن يأذن له أربابها فيقبضها بيد الوكالة ولا يتعدّى فيها أمرهم وإنّما يأخذ من صميم أموالهم ما يدفع به عنهم.

قال : وليس في وقت المحتسب مؤلّفة من مال رب العالمين.

قال : والذي يجوز له بل يجب عليه : النهي عن المنكر بلسانه وسيفه على مراتبه ، والأمر بالمعروف بلسانه دون سيفه وسدّ الثغور وتجييش الجيوش للدفع عن المسلمين وحفظ ضعفتهم عن شياطينهم بالقول والفعل والدعاء إلى طاعة الله والتأهّب لإجابة دعوة الدّاعي من عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... إلى آخر كلامه عليه‌السلام.

وقد أوضح الإمام عليه‌السلام شروطه بقوله : «وشروطه : العقل» لأنه لا ولاية للصبي والمجنون «والذكورة» فلا يصحّ من المرأة الاحتساب لكونها ممنوعة من مخالطة الناس «والحرية» لأنّ العبد مملوك التّصرف والمنفعة «والتدبير» على حدّ تدبير الإمام ليتم المقصود من انتصابه «والقوة» أي القدرة على ما قام به فلا يكون عاجزا ملولا مهملا للنّاس «وسلامة الحواس والأطراف المحتاج إليها» في مخالطة الناس وتدبير أمورهم وفي الجهاد لا غير ذلك كحاسّة اللّمس والشمّ وثقل السمع والعرج اليسير الذي لا يمنع من القتال ولا ينفّر من الناس «وسلامته من المنفّرات» عن مخالطة الناس كالجذام والبرص وذلك «لما مرّ في الإمامة».

والسادس : «العلم» بما لا بدّ منه من معرفة الأحكام ولو لم يكن مجتهدا «ليصحّ أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر» كما مرّ في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

«و» السابع : «عدم من يصلح للإمامة في ناحيته» بلا مانع من قيامه لأنّ المراد عدم ظهور القائم بالإمامة في ناحيته أو عدم إمكان الاعتزاء إليه.

«و» الثامن : «العدالة المحقّقة» ليوثق به في مصالح المسلمين ولا يشترط أن يكون فاطميّا كما مرّ «ويكفي في انتصابه الصّلاحيّة» فمتى صلح لذلك ودعا الناس إلى إعانته وجب عليهم ذلك كما في انتصاب الحاكم المحكّم «خلافا لمعتبري الخمسة» أي من زعم أن الحاكم لا بدّ أن ينصبه

٢٢٤

للحكم بين الناس خمسة من أهل الصلاح ما لم تضيّق الحادثة وهم : المؤيّد بالله والفقهاء والمعتزلة فقالوا : لا بدّ للمحتسب أن ينصبه خمسة أو أربعة أو ثلاثة أو اثنان أو واحد على خلاف بينهم من أهل الصلاح والدين والعلم وإن لم يصلحوا للاحتساب ولا للحكم «ويجب على المسلمين إعانته على ما انتصب لأجله» من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنصاف المظلومين وتفقّد الضعفاء والمساكين ومجاهدة الكفار والفاسقين وغير ذلك ، كما يجب عليهم ذلك للإمام.

«وله الإكراه على معاونته لدفع المنكر» بالأموال والأنفس «لوجوب دفعه بأيّ ممكن بإجماع العترة عليهم‌السلام على ذلك.

«ويجوز» له أيضا «أخذ المال» من المسلمين «لدفع الكفار والبغاة» عن حوزة المسلمين والمؤمنين «لوجوب دفعهم كذلك» أي بأيّ ممكن.

«وليس له أخذ الحقوق» الواجبة من نحو الزكاة «كرها» ولو للدّفع وقال الأستاذ والقاضي جعفر وابن شروين : يجوز للمحتسب أخذ الحقوق كرها.

«ولا» يجوز له أيضا «إقامة الجمعة ولا الحدود» كقطع يد السارق وجلد الزّاني والقاذف «ولا نحو ذلك ممّا يختص الإمام» كغزو البغاة إلى ديارهم على رأي.

وجوّزه الإمام الحسن بن إسماعيل الجرجاني عليه‌السلام والحاكم وأبو سعد وغيرهما وإنّما كان ذلك إلى الإمام وحده لما روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «أربعة إلى الولاة : الحدّ والجمعة والفيء والصّدقات» ذكره في الشفاء وغيره.

وروي في الشفاء عن الفضل بن شروين أنه يجوز إقامة الحدود على الأحرار والمماليك في غير وقت الأئمة لغيرهم من المسلمين لئلّا تضيع الحدود.

وقال الفقيه حميد الشهيد رحمه‌الله : وقد قيل : إن الإجماع منعقد

٢٢٥

على خلاف هذا القول فلا يعتد به بعد سبق الإجماع له.

«ويجوز للمسلمين» مع المحتسب وغيره : «غزو الكفار إلى ديارهم للسّبي والنّهب» لأموالهم «وإن عدم الإمام في الناحية» وذلك «للإجماع» من علماء الأمّة «على إباحتهما» أي إباحة سبي الكفار ونهبهم ولا دليل على اشتراط الإمام في غزو الكفار إلى ديارهم ولقول علي عليه‌السلام «لا يفسد الجهاد والحج جوز جائر كما لا يفسد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غلبة أهل الفساد».

ولأنه قد روي عن أقوام صالحين أنهم حاربوا وغزوا الكفار مع الفسقة ولم يحفظ عن أحد من السلف إنكار ذلك.

[وقال الهادي عليه‌السلام : إن الله جلّ جلاله عن أن يحويه قول أو يناله حظر الجهاد مع جميع من خلق من العباد إلّا من اصطفى وائتمن على وحيه من عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين هدى الله بهم الأمّة من الضلال والهلكة لما في الجهاد من القتل والقتال وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الحريم وغير ذلك من الأحكام وذلك لا يكون إلّا بإمام مفترض الطاعة.

ولا يكون إلّا من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين استنقذ الله بهم الأمّة من شفا الحفرة وجمع بهم كلمتها وألّف بين قلوبهم من بعد الافتراق والاختلاف فأصبحوا بنعمة الله على الحق مؤتلفين ولما كانوا عليه من الكفر مجانبين ... إلى آخر كلامه عليه‌السلام ، وهو قوي].

٢٢٦

(باب الهجرة)

الوجه في ذكرها : أن لها تعلّقا بأصول الدين.

وتعلّقا بعلم الفروع.

فتعلّقها بأصول الدين من حيث أنها كلام فيما هو سبب في الإكفار والتفسيق في الظاهر وهو الذي يوجد في الدار كما سنذكره إن شاء الله تعالى والتكفير والتفسيق من علم الأصول.

وتعلّقها بالفروع : من حيث أنه يجب علينا إجراء أحكام الكفر والفسق على من حكم الشرع بكفره أو فسقه ، وإجراء الأحكام في ذلك من علم الفروع.

واعلم : أن الهجرة كما ذكره القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام : أمرها عظيم كبير ، وفرضها في كتاب الله تعالى مكرر كثير لا يجهله إلّا جهول ولا ينكره إلّا مخذول ، إلّا أنه قد قطع ذكرها وصغّر (١) أمرها وأمحى (٢) عمودها وحلّ عقودها تحكّم الناس على الله فيها وتظاهرهم بالمخالفة لله عليها والمقام مع الظالمين في دارهم محرّم حكم من الله كما ترون أوّل مقدّم قد جرت به سنّة الله قبلكم في الماضين وسار به من قد مضى قبل رسولكم من المرسلين صلّى الله عليهم في الأمم الذين كانوا فيهم. فكفى بهذا في وجوب الهجرة وما حرم الله من جوار الظالمين والفجرة نورا وبرهانا وحجة وتبيانا ... إلى آخر كلامه عليه‌السلام.

__________________

(١) (ض) وصغّر قدرها.

(٢) (ث) وأمحى بسكون الميم وفتح الحاء.

٢٢٧

و «هي لغة :» أي في لغة العرب : «مأخوذة من الهجر» الذي هو «نقيض الوصل» وهو ظاهر.

«و» هي «شرعا» أي في عرف أهل الشرع : «الرحلة» أي الانتقال «من دار تظاهر أهلها بالعصيان» أي تعاونوا ، والمظاهرة المعاونة مأخوذة من جعل الرجل ظهره إلى ظهر رجل غيره إذا أرادا الاجتماع والمعاونة على فعل.

والمراد هنا : أنهم تعاونوا ولم ينه بعضهم بعضا فكأنهم قد تعاونوا بالعصيان «أو» الرحلة من دار لم يتعاون أهلها على العصيان بل قد نهى بعضهم بعضا ولكنه لم يفد النّهي شيئا بل «ظهر» العصيان «بغير جوار» من المسلمين بل بسلطان وقوة من الظالمين فحينئذ تكون الدار دار كفر إن كان العصيان يوجب الكفر ، أو دار فسق إن كان العصيان يوجب الفسق فتجب الهجرة «إلى مكان خلي عنهما» أي عن صفة الدارين المتقدم ذكرهما.

واعلم : أن الدور ثلاث : ولها أحكام وهي : أن من رأيناه في دار الإسلام وكان مجهول الحال وجب اعتقاد كونه من المسلمين في الظاهر لا في نفس الأمر وحينئذ تجرى عليه أحكامهم ويعامل معاملتهم ومن رأيناه في دار الكفر وهو مجهول الحال وجب اعتقاد كفره في الظاهر لا في نفس الأمر وتجري عليه أحكام الكفار.

قالوا : ومن ثمّ كان معرفتها من فروض الأعيان على كل من يتعلق به شيء من هذه الأحكام إذ لا تقليد في عمليّ يترتب على علميّ فدار الإسلام ودار الكفر ثابتتان إجماعا وإن اختلف في تفسيرهما.

فعند أئمة العترة عليهم‌السلام وبعض المعتزلة وغيرهم : أن دار الإسلام هي : ما ظهر فيها الشهادتان والصلاة ولم يظهر فيها خصلة كفرية ولو تأويلا إلّا بجوار وذمّة من المسلمين كإظهار اليهود والنصارى دينهم في أمصار المسلمين ، فلو ظهر فيها الشهادتان والصلاة وظهر فيها خصلة كفرية كالجبر ونحوه من غير جوار فهي دار كفر.

وكلام المؤيّد بالله عليه‌السلام مؤوّل بمثل هذا.

٢٢٨

وقال أبو القاسم البلخي : العبرة بالغلبة والقوة ، فإن كانت القوة للكفار من سلطان أو رعيّة كانت دار كفر ، وإن كانت للمسلمين فدار إسلام.

قلت : وهو كالأول والله أعلم والدليل عليه : أن الأصل في إثبات الدار : مكّة والمدينة ، فكانت مكّة قبل الفتح دار كفر إذ لم تظهر فيها الشهادتان والصلاة من المسلمين إلّا بجوار من المشركين وظهر فيها الكفر من المشركين بغير جوار.

وكانت المدينة بعد الهجرة دار إسلام إذ كانت بالعكس ممّا ذكر في مكة.

وأما دار الفسق : فهي ثابتة عند الجمهور وهي : ما ظهر فيها العصيان من غير إمكان نكير.

وقيل : لا عبرة بإمكان النكير فإنه إذا ظهر الفسق من غير نكير ولو كان يمكن النكير كانت دار فسق. وبهذا صرّح جعفر بن مبشر.

قلت : إن كان يمكن النكير ويحصل التأثير له لم تكن دار فسق وإن لم يحصل التأثير فهي دار فسق لأنّ النكير وعدمه حينئذ سواء والله أعلم.

وقيل : إنما تكون الدّار دار فسق إذا كان ذلك الفسق من جهة الاعتقاد كدار الخوارج والبغاة على الأئمة ولا عبرة بفسق الجارحة.

وعلّل ذلك : بأن للبغاة أحكاما مخصوصة فيجب أن تعتبر لهم دار منفردة كما في دار الكفر والإسلام.

وقال المؤيّد بالله عليه‌السلام : لا دار للفسق مطلقا سواء كان الفسق بالبغي أو بغيره إذ لا حكم يستفاد منها لساكنها (١).

قلنا : تحريم الموالاة حكم يستفاد منها وكذلك وجوب المعاداة ورد الشهادة وتحريم الصلاة على موتى أهلها وتحريم غسلهم ونحو ذلك.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام : وهي» أي الهجرة من دار العصيان

__________________

(١) بخلاف دار الكفر ودار الإسلام فإنه يستفاد من كلّ منهما أحكام لساكنها تمت.

٢٢٩

«واجبة بعد الفتح» أي فتح مكة ووجوبها باق إلى انقطاع التكليف لوجود علة الوجوب وهي العصيان.

«وقيل» : قد نسخت بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا هجرة بعد الفتح».

وحكي في البحر هذا القول عن المؤيّد بالله عليه‌السلام.

«قلنا المراد» لا هجرة بعد الفتح «من مكة شرفها الله تعالى» لأنه كان من أسلم من مكة قبل الفتح أمر بالهجرة إلى المدينة فأخبر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن حكم مكة بعد الفتح كحكم المدينة «إذ [قد] صارت دار إسلام كالمدينة لا» أنّه أراد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا هجرة بعد الفتح «من ديار الكفّار لما سيأتي» الآن «إن شاء الله تعالى».

والدليل على صحة تأويلنا : ما روي عن معاوية بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». أخرجه أبو داود.

وروى الأسيوطي في الجامع الكبير : «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفّار» قال أخرجه أحمد والطبراني وابن مندة والبيهقي عن عبد الله بن السعدي.

وروى أيضا : «لا تنقطع الهجرة ما دام العدوّ يقاتل» قال : أخرجه البغوي وابن عساكر عن ابن السعدي.

وروى أيضا : «لا تنقطع الهجرة ما تقبّلت التوبة ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب ، فإذا طلعت الشمس من المغرب ختم الله على كل قلب [بما فيه] وكفي النّاس العمل» قال : أخرجه ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن عمرو.

وما روي عن عبد الله بن السعدي قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدوّ» أخرجه النسائي وصحّحه ابن حبان.

٢٣٠

قال عليه‌السلام : وهذا لا شكّ في صحته لموافقته الكتاب من نحو قوله تعالى : (ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا) (١).

والعدوّ يعمّ الكفار وأهل الطغيان والبغاة والمنافقين.

قال : ولأنهم حذفوا الزيادة من الخبر وهي تدل على قولنا ، لأنّ لفظ الخبر : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة» أخرجه بزيادته البخاري ومسلم «ومن كان بين العدوّ فيبعد منه الجهاد».

قال «جمهور أئمتنا عليهم» «السلام : وتجب» الهجرة «من دار الفسق» وهي : ما تظاهر أهلها بالعصيان الذي لا يوجب الكفر ، أو ظهر من غير جوار كما تقدم.

وسواء كان العصيان بالبغي أم بغيره «خلاف الإمام يحيى عليه‌السلام» والفقهاء الأربعة ومن تبعهم فإنهم لا يثبتون دار الفسق ولا الهجرة عنها.

«لنا قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...) إلى قوله تعالى : (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً) (٢) «ولم يفصل» تعالى بين دار الكفر ودار الفسق لأنّ العلة العصيان.

وفي قوله تعالى : (فِيمَ كُنْتُمْ) من التوبيخ لهم بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا : كنّا مستضعفين اعتذارا ممّا وبّخوا به واعتلالا بالاستضعاف ما لا يخفى فبكّتتهم الملائكة بقولهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) (٣). أبلغ تأكيد على وجوب الهجرة.

«و» لنا أيضا : «قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» : «لا يحل لعين ترى

__________________

(١) الأنفال (٧٢).

(٢) النساء (٩٧).

(٣) النساء (٩٧).

٢٣١

الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل» ولم يفصل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين عصيان الكفر وعصيان غيره.

«وبيان الاستدلال به» أي بهذا الخبر : «أن التحريم» أي تحريم غموض العين التي رأت العصيان قبل تغييره أو الانتقال إنّما هو «لأجل العلم» بوقوعه «مع القرب» منه «بحيث يمكن أن يرى المعصية» ممّن فعلها ..

فالمعنى : لا يحل لعين تعلم العصيان لله تعالى بمشاهدة أو نحوها كأن يكون قريبا منه بحيث يمكن أن يراه ) «وإلّا» أي وإلّا يكن المراد ذلك «لقال : حتى تغيّر أو تغمّض» لأن تغميض العين لو كان كافيا في إسقاط الواجب لذكره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان هو الأولى لأنّ في الانتقال والهجرة مشاقّا عظيمة فلا يأمر بها ويحرض فيها بأبلغ تحريض وهو : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فتطرف» أي تردّ جفنا على جفن حتى تغيّر المنكر أو تنتقل مع إمكان فعل يسير يقوم مقام الانتقال والهجرة وهو التغميض ، وفي هذا من المبالغة على إزالة المنكر أو الهجرة ما لا يخفى.

«و» اعلم أنه «من حمل على فعل معصية» أي أكره عليها «وجبت عليه الهجرة إجماعا» من العلماء كافّة.

وكذلك مع أمر الإمام بالهجرة فتجب إجماعا.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام : ومنه» أي ومن الحمل على المعصية : «إعانة سلاطين الجور بالغارة» من الرعية معهم وتكثير سوادهم «وتسليم المال إليهم قسرا» أي الغالب من تسليم المال إليهم إنّما هو بالقسر وإلّا فلو سلّموه بالرضا لكان الحكم واحدا لأنه إعانة لهم على منكر «لما مرّ» من الآية.

وقد أوسع الإمام عليه‌السلام الاحتجاج في هذا في كتابه المسمّى بالتحذير من الفتنة ، وذكر كثيرا من أقوال الأئمة عليهم‌السلام فليرجع إليه فإنه لا يسع جهله.

__________________

(١) (ب) كأن تكون قريبا منه بحيث يمكن أن تراه.

٢٣٢

قال عليه‌السلام حاكيا ومؤكدا لاحتجاجه : «قال المنصور بالله عليه‌السلام في» كتابه المسمّى «المهذب في باب السيرة في أهل الفسق ما لفظه : ونحن لا نشك أن الضعفاء الذين لبّسوهم الحرير» أي هم الذين لبسوهم الحرير «وركبوهم الذكور وسقوهم الخمور فأي عون أعظم من هذا».

وهذا تصريح منه عليه‌السلام بأن هذا الذي وصفه من فعلهم أعظم عونا لسلاطين الجور على العصيان ، وهم إنّما أعطوهم الدراهم والدنانير ونحوها.

«وقال عليه‌السلام» أي المنصور بالله عليه‌السلام «فيه في باب الهجرة ما لفظه : لأنّ أشد المظاهرة وأعظمها تقويتهم بالخراج» أي تقوية سلاطين الجور بتسليم الخراج «وكونهم» أي الرعية «مستضعفين فيما بينهم» أي فيما بين سلاطين الجور «لا يخرجهم عن حكمهم» أي لا يخرج الرعية عن حكم سلاطين الجور الذين أعانوهم بل حكمهم حكمهم في غضب الجبار واستحقاق النار لقوله تعالى : (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «المعين للظالمين كالمعين لفرعون على موسى صلّى الله عليه» رواه الهادي عليه‌السلام في الأحكام.

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة ، فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم» وغير ذلك كثير.

واعلم : أن أعظم الفتن في الدين وأكثر المفاسد وأشدّ الإعانة للظالمين : سكون علماء السّوء بين ظهرانيهم ومواصلتهم فإنه لو لا ذلك لما انتصب للظالمين راية ولا استقامت لهم شوكة لأنّ الأكثر من العوام إنّما يقتدي بعلماء السّوء في ذلك.

وقد روي في الخبر الطويل الذي أخرجه السيد : ظفر بن داعي بن مهدي العلوي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيء صلّى الله عليه

٢٣٣

وآله وسلّم أنه قال : «يا ابن مسعود : لا يجيء هلاك أمّتي إلّا من الفقهاء وعلماء السّوء ومنهم هلاك الدين» ، يا ابن مسعود : قال الله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١).

ولمّا خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين :

عافانا الله وإيّاك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو الله لك ويرحمك ، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله بما فهّمك من كتابه وعلمك من سنّة نبيئه ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله سبحانه : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) واعلم : أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت : أنك أنّست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغيّ بدنوّك ممّن لم يؤد حقّا ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلّما يصعدون فيك إلى ضلالهم ويدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء ، فما أيسر ما عمروا بك في جنب ما خرّبوا عليك ، وما أكثر ما أخذوا منك فيما (٢) أفسدوا عليك من دينك ... إلى آخر الكتاب. ذكر هذا في الكشاف.

وروي عن زيد بن علي عليه‌السلام من رسالته التي كتبها إلى العلماء في وقته ومنها قوله : (عباد الله : إن الظالمين قد استحلوا دماءنا فأخافونا في ديارنا وقد اتخذوا خذلانكم حجة علينا فيما كرهوه من دعوتنا وفيما سفهوه من حقّنا ، وفيما أنكروه من فضلنا ، عباد الله : فأنتم شركاؤهم في دمائنا وأعوانهم على ظلمنا فكل مال لله أنفقوه وكل جمع جمعوه وكل سيف شحذوه وكل عدل تركوه وكل جور ركبوه وكل ذمّة لله أخفروها وكل مسلم أذلّوه ، وكل كتاب نبذوه وكل حكم لله عطّلوه وكل عهد لله نقضوه فأنتم المعاونون لهم بالسكوت عن نهيهم عن السوء.

__________________

(١) الجمعة (٥).

(٢) (ض) في جنب ما أفسدوا وفي (ن) ممّا أفسدوا.

٢٣٤

عباد الله : إن الأحبار والرهبان من كل أمّة مسئولون عمّا استحفظوا عليه فأعدّوا جوابا لله سبحانه عن سؤاله). انتهى.

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه ولا من القرآن إلّا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة من أبدانهم وهي خراب من الهدى ، فقهاؤهم شرّ من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة وفيهم وقعت» رواه عليّ عليه‌السلام ذكره الحاكم في السفينة.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام : ولا رخصة في ذلك» أي لا رخصة في ترك الهجرة «إلّا للمحاط به» من الجوانب بحيث لا يتمكن من الهجرة كالمأسور ونحوه.

«و» إلّا «المستضعفين من الرجال والنّساء والولدان الّذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا» فهؤلاء معذورون «لقوله تعالى : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ...) الآية لعدم تمكّنهم من الهجرة ، والمراد بهم : الفقراء الذين لا يجدون ما يوصلهم إلى دار الهجرة وأهل العجز الذين لا يقدرون على المشي ولا الركوب ، والذي لا يدري أين يتوجه ولا يجد من يدلّه الطريق.

وروى صاحب الكشاف أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة (أو ضمرة بن جندب) لبنيه احملوني فإنّي لست من المستضعفين وإنّي لأهتدي الطريق والله لا بتّ الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة وكان شيخا كبيرا فمات بالتنعيم.

(فصل)

«ويجوز الوقوف في دار العصيان» سواء كانت دار كفر أو غيره «لحبس أو ضعف» أي عدم تمكن من الخروج منها «لما مرّ» من الآية «و» يجوز أيضا الوقوف فيها «لمصلحة عامة» دينية يعود نفعها للمسلمين لا

٢٣٥

دنياوية ولو عامّة وذلك «كوقوف» أي كما جاز وقوف «بعوث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» أي الذين بعثهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بعض من أرسل إليهم فإنّه معلوم وقوفهم «بين الكفار لدعائهم» إلى الإسلام وتعليم الشرائع «ولا بدّ مع ذلك من إذن الإمام إن كان» ثمّ إمام «ما لم تقارن مفسدة» في الدين «من انتشار بدعة» في الدين كأن يقتدي به غيره أو يقع بوقوفه تلبيس بعدم وجوب الهجرة أو أي مفسدة «أو» كان وقوفه يؤدي «إلى خذلان الإمام» وتوهين جانبه «وإلّا» أي وإن لم يخل عن المفسدة «صار» الوقوف حينئذ «كالإغراء» بفعل المفسدة والإغراء بالقبيح قبيح.

٢٣٦

(كتاب المنزلة بين المنزلتين)

ومعنى ذلك الشيء بين الشيئين في العلوّ والانحطاط لأنّ مرتكب الكبيرة له حكم بين الحكمين واسم على ما زعموه بين الاسمين وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى ، ولمّا كان ذلك يستدعي معرفة المنزلتين ذكرهما فقال عليه‌السلام :

(فصل)

قال «أئمتنا عليهم‌السلام والجمهور : والمعاصي صغائر وكبائر».

فالكبائر : ما يستحق فاعلها العقاب الدائم إن لم يتب.

والصغائر : هي التي تكون مكفّرة في جنب الطاعات أو مطلقا.

وقالت الخوارج «والأسفراييني» من المجبرة «وموافقوه : بل» كل المعاصي «كبائر فقط».

أما الخوارج : فلأنّ كل معصية عند بعضهم توجب الكفر وعند بعضهم كل ما ورد فيه وعيد أوجب الكفر ، وعند بعضهم : كل ما ثبت في العقل تحريمه ففعله كفر ولا صغيرة عندهم جميعا.

وأما الأسفراييني : فهذه رواية صاحب الفصول عنه ولعله يقول : إنها كبائر وإن جوز العفو عنها أو عن بعضها ، والله أعلم.

«لنا» : قوله تعالى : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ

٢٣٧

سَيِّئاتِكُمْ) (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) (١) فأفهم قوله تعالى : (كَبائِرَ) أنّ في العصيان صغائر ، وأكده بقوله تعالى : (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ).

وقوله تعالى : (لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها) (٢) وغير ذلك.

فإن قيل : الصغائر : لا يعاقب عليها : فالمراد حينئذ في معنى الآيتين ما اعتقدوه صغيرا وهو في نفس الأمر كبير.

قلنا : لا يمتنع أن يراد بالصغيرة هنا المعنى المصطلح عليه ولكنها تكتب على الكافر والفاسق ويعاقبان عليها لأنه لا صغيرة لهما مغفورة ، ويحتمل : أن تكتب الصّغائر ولا يعاقب عليها والله أعلم.

قالت «الناصرية» وهم أصحاب الناصر الأطروش عليه‌السلام : «وهو ظاهر كلام الهادي عليه‌السلام في كتاب المنزلة بين المنزلتين حيث قال :

وأصحاب الكبائر المنتهكون» أي هم المنتهكون «للمحارم ولم يفصل» الهاديعليه‌السلام بين محرّم ومحرّم.

«و» هو «صريح قول المرتضى عليه‌السلام في» كتاب «الإيضاح ، وقول القاسم بن علي العياني عليه‌السلام في الجزء الثاني من كتاب التنبيه والدلائل».

وهو أيضا قول «بعض البغدادية» فهؤلاء قالوا : «كل عمد» يفعله المكلف «كبيرة» ، والصغيرة : ما صدر عن سهو أو إكراه أو تأوّل أو نحو ذلك.

وروي عن أبي علي أنه قال : ما أقدم عليه العاصي بتأويل أو ترك استدلال فمحتمل للكبر والصغر لا ما أقدم عليه مع العلم بقبحه فإنه كبيرة ، وقد نقلت أقوال الأئمة المذكورين عليهم‌السلام بألفاظها في الشرح.

وقال «بعض الزيدية» كالإمام المهدي عليه‌السلام وغيره «و» هو قول البصرية من المعتزلة ونسبه في الفصول إلى أئمتنا عليهم‌السلام وهو قول

__________________

(١) النساء (٣١).

(٢) الكهف (٤٩).

٢٣٨

«بعض البغدادية والطوسي» وهو مصنف البلغة أبو العباس محمد بن محمد ابن أحمد : «بل بعض العمد ليس بكبيرة».

قالوا : إذ لا مانع من أن يكون في العمد المعلوم قبحه ما هو صغير إذ لم يفرق الدليل المجوّز للصغائر بين العمد وغيره ، وقد ثبت أن في الأنبياء من فعل ما هو ذنب صغير فإمّا أن يقع ذلك منه سهوا فليس بمعصية ولا ذنب ، أو عمدا فهو الذي نقول.

قالوا : فإن قيل : وقع منه لترك الاستدلال؟

قلنا : فترك الاستدلال كان عمدا أو سهوا :

إن كان سهوا فلا ذنب ، وإن كان عمدا فهو الذي نقول والكلام فيه كذلك فتسلسل وهو محال.

قلنا : خطايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليست بعمد ولا مانع من أن تسمّى معصية وذنبا وقد سمّاها الله معصية وخطيئة كما سيأتي إن شاء الله.

قال النجري : اتفقت المعتزلة على أن ذنوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن كان على صفتهم في العصمة : كلها صغائر ، وذنوب الفساق كلها كبائر ، ومن عداهم من المكلفين فإنه يجوز في معاصيهم أن تكون صغائر وأن تكون كبائر إذ كون الذنب صغيرا أو كبيرا بحسب قلة الثواب والعقاب وكثرتهما.

قالوا : ونحن لا نعلم مقاديرهما.

قلت : وهو بناء على الموازنة وسنبطلها إن شاء الله تعالى.

«لنا» حجة على قولنا : أنّ كل عمد كبيرة : «قوله تعالى» (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) (١) «ولم يفصل تعالى» بين عصيان وعصيان في التّوعّد عليه بنار جهنم والخلود فيها.

__________________

(١) الجن (٢٣).

٢٣٩

«وقوله تعالى» : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) (١) «ولم يفصل» أيضا بين عصيان وعصيان فاقتضى ذلك العموم في الآيتين أن كل عصيان لله تعالى يقتضي الخلود في النار.

وخصّصنا الخطأ والنّسيان وما وقع اضطرار إليه بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الأدلة على سقوط عقابها.

«و» أيضا : «لم يغفر الله سبحانه سيّئة من غير توبة إلّا الخطأ والنسيان والمضطر إليه» لقوله تعالى : (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢).

وقوله تعالى معلّما لعباده ومرشدا (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) (٣) ، «واستثنى تعالى المضطر» حين عدّ المحرمات بقوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٤).

«و» من السّنّة : «قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان ... الخبر».

تمامه : «وما استكرهوا عليه».

وأما ما يحكى عن النظام : من أن الخطأ والنسيان غير معفوّين عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعظم درجاتهم وكونهم مأمورين بالحفظ والتّحرّز من السهو بخلاف غيرهم : فقول باطل لمصادمته النص ولأنه يؤدّي إلى تكليف ما لا يطاق والله يتعالى عنه.

«فعلمنا بذلك أنّ الكبير : ما وقع عمدا من غير اضطرار».

فإن قالوا : بل قد ثبت أن الله يغفر بعض الذنوب المتعمدة بغير توبة وذلك فى جنب الحسنات لقوله تعالى : (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) (٥)

__________________

(١) النساء (١٤).

(٢) الأحزاب (٥).

(٣) البقرة (٢٨٦).

(٤) المائدة (٣).

(٥) هود (١١٤).

٢٤٠