🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

بطلان الاعتقاد بل ذلك من أبلغ الاغتيال وأشبه الأشياء بالداء العضال فإن أردت مثال ذلك فاعلم :

أن الخوارج كانوا فرسان الخيل وعبّاد الليل وحملة القرآن وأحلاس الإيمان : فخالفوا عليّا أمير المؤمنين عليه‌السلام في مسائل يجمعها : إنكار التفضيل وجهل منزلته عند الله فقتلهم كرّم الله وجهه في الجنّة قتل الكلاب وصبّ عليهم سوط العذاب ، وكذلك غيرهم من فرق النواصب والروافض ممّن نبّه الله سبحانه على ضلالته بقوله (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً) (١) هكذا ذكره الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه‌السلام وغيره من أئمتنا عليهم‌السلام.

وقد أشار الإمام عليه‌السلام إلى ذكر التفضيل بألفاظ يسيرة وفيها لمن نظر بنور عقله ورفض هواه بصيرة وأيّ بصيرة.

فقال : قالت «العترة عليهم» «السلام والشيعة : وأفضل الأمّة بعد النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّ عليه‌السلام وفاقا للبغدادية فيه وحده».

قال ابن أبي الحديد : اختلفت المعتزلة في التفضيل :

فقال قدماء البصريين كأبي عثمان عمرو بن عبيد وأبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وأبي معن ثمامة بن الأشرس وأبي محمد هشام بن عمرو الفوطي وأبي يعقوب يوسف بن عبد الله الشحام وجماعة من غيرهم : إن أبا بكر أفضل من علي عليه‌السلام ، وهؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة.

وقال البغداديون قاطبة قدماؤهم ومتأخروهم كأبي سهل بشر بن المعتمر وأبي موسى عيسى بن صبيح وأبي عبد الله جعفر بن مبشر وأبي جعفر الإسكافي وأبي الحسين الخياط وأبي القاسم عبد الله بن محمود

__________________

(١) الغاشية (٢ ـ ٤).

٢٠١

البلخي وتلامذته : إنّ عليّا عليه‌السلام أفضل من أبي بكر ثم حكى ابن أبي الحديد عن جماعة من متأخري البصرية أنهم يفضّلون عليّا عليه‌السلام.

واعلم : أنه قد يراد بالأفضل : الأكثر جمعا لفضائل الإمامة والأكثر ثوابا عند الله تعالى والأكثر جمعا لخصال الفضل وهو عليه‌السلام الأفضل فيها كلها.

«ثم» أفضل الأمّة بعد علي عليه‌السلام «الحسن عليه‌السلام ثم الحسين عليه‌السلام ، ثم جماعة العترة عليهم‌السلام» فإن جماعتهم أفضل من جماعة غيرهم وأفضل من أفرادهم.

«ثم أفراد فضلائهم» أي فضلاء العترة عليهم‌السلام فإنّ أفراد فضلائهم أفضل من أفراد فضلاء غيرهم من سائر الناس ، ومعنى الفضل في ذلك كله : أن الله سبحانه زادهم في بصائر العقول وأمدّهم بمواد الزيادة في الفضل لمّا أطاعوه.

وقال «جمهور الفرق» من المعتزلة والمرجئة والخوارج وغيرهم من سائر الناس : «بل» الأفضل بعد النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي عليه‌السلام» ولعل حجتهم الترتيب في الخلافة.

مع أن صاحب المحيط روى بإسناد رفعه إلى أبي حنيفة أنه قال : تفضيل الناس أبا بكر وعمر رأي منهم.

وقال «بعضهم» وهو قول أبي الهذيل وجعفر بن حرب : «بل» أفضل الأمّة بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان».

وتوقف أبو علي وأبو هاشم في الكل ، وقد روي عنهما القول بتفضيل عليّ عليه‌السلام.

وحكى الشيخ أبو القاسم البلخي عن الحسن البصري أنه كان يفضل عثمان على علي عليه‌السلام.

٢٠٢

وقال «بعض العثمانية : بل» الأفضل «أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية» بن أبي سفيان لزعمهم أن عليّا عليه‌السلام غير إمام بل هو باغ ، وهؤلاء في الحقيقة خارجون عن الانتساب إلى العلم والإيمان لتفضيلهم الكفار على وصيّ النبيء المختار.

«جميعهم» أي جميع الفرق التي تقدم ذكرها الناكبة عن مركب النجاة «ثم» بعد الأربعة «سائر العشرة» لما رووه (١) عن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنهم في الجنة وهم :

أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعيد بن زيد.

وهذا الخبر مقطوع بكذبه عند أئمة أهل البيت عليهم‌السلام (٢) [لأنه لا يجوز أن يخبر الله ولا رسوله أن فلانا من أهل الجنة إلّا أن يكون معصوما كالأنبياء وأهل الكساء لما في ذلك من الإغراء بالمعصية في حق غير المعصوم ، ولا خلاف أنّ هؤلاء العشرة غير علي عليه‌السلام ليسوا معصومين] (٣).

قال أبو مخنف في كتاب وقعة الجمل : إنّ عليّا عليه‌السلام قال : (إنّ صاحبة الجمل لتعلم وأولو العلم من أصحاب محمد أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاسألوها عن ذلك وقد خاب من افترى ، فقال الزبير : يا أبا الحسن كيف ملعون من هو من أهل الجنة؟ قال : لو علمت أنكم من أهل الجنة ما قاتلتكم قال له الزبير : أما علمت أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل روى لعثمان بن عفان أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «عشرة في الجنة» قال عليّ : قد سمعته يحدّث عثمان في خلافته ، قال الزبير : أفتراه كذب على رسول

__________________

(١) (ب) لما رووا.

(٢) وغيرهم من علماء الإسلام تمت شرح.

(٣) من قوله لأنه لا يجوز إلى قوله ليسوا معصومين : زيادة ليست موجودة في نسخة المؤلف ولا نسخة المهلّا.

٢٠٣

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ قال له علي عليه‌السلام : لا أخبرك حتى تسميهم لي.

قال الزبير : هم : أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص.

قال له علي : عددت تسعة فمن العاشر؟

قال له الزبير : أنت ، قال له عليّ : أمّا أنت فقد أقررت أنّي من أهل الجنة وأنا بما ادّعيت لنفسك وأصحابك من الجاحدين ، قال (١) له الزبير : أفترى سعيدا كذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟

قال عليّ عليه‌السلام : ما أراه ولكنّه اليقين).

قلنا : قد مرّ من الأدلة على الإمامة في حق علي عليه‌السلام والحسنين وسائر العترةعليهم‌السلام ما يقتضي تفضيلهم على غيرهم عموما وخصوصا.

ونزيد بعض ما لم نذكره هناك [منها : ما رواه مصنف نهج البلاغة عنه عليه‌السلام أنه قال في بعض خطبه : (والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ، ولكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ممّن يؤمن ذلك منه ، والذي بعثه بالحق نبيئا واصطفاه على الخلق ما أنطق إلّا صادقا ، ولقد عهد إليّ بذلك كله وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو ، ومآل هذا الأمر وما أبقى شيئا يمرّ على رأسي إلّا أفرغه في أذنيّ وأفضى به إليّ)].

ومنها : ما رواه الناصر عليه‌السلام في كتاب الإمامة بإسناده إلى أنس ابن مالك قال : دخل علي بن أبي طالب عليه‌السلام على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له : «أنت أخي ووزيري وخليفتي في أهلي وخير من أخلفه بعدي».

__________________

(١) (ض) فقال.

٢٠٤

وروى أيضا بإسناده إلى كثير بن أسعد بن زرارة عن أبيه قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لمّا كانت ليلة أسري بي فأوحى الله عزوجل إليّ في عليّ : أنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين».

ومنها : (ما رواه صاحب المحيط بإسناده إلى ابن أبي اليسر قال :

كنت عند عائشة أم المؤمنين فدخل مسروق فقالت : من قتل الخوارج؟

قال : عليّ عليه‌السلام.

قالت : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «يقتلهم خير أمّتي من بعدي وهو مع الحق والحق معه».

قال : وهذا خبر معروف بين أصحاب الحديث لا يدفعه أحد منهم.

وما رواه أيضا بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «علي بن أبي طالب خير البرية».

وما رواه أيضا بإسناده إلى ابن عباس قال : لمّا زوج النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة من عليّ عليه‌السلام قالت فاطمة عليها‌السلام : يا رسول الله زوجتني من رجل فقير ليس له شيء؟ (١).

فقال النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أما ترضين يا فاطمة أن الله اختار من أهل الأرض رجلين : أحدهما أبوك والآخر زوجك».

وما رواه أيضا عن السيد الإمام أبو طالب الهاروني بإسناده إلى أبي وائل عن جدّه قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «عليّ خير البشر فمن أبى فقد كفر».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما».

__________________

(١) (ض) معه.

٢٠٥

وغير ذلك كثير ممّا تواتر معنى وأفاد العلم قطعا وأجمعت الأمّة على أنه عليه‌السلام أعلم الصحابة وأزهدهم وأورعهم وأشجعهم وقد روي بإسناد صحيح أنه كان يصلي في كل ليلة ألف ركعة ، وحفر سبع مائة بئر لله سبحانه وأعتق ألف مملوك لوجه الله سبحانه.

وقال البستي في المراتب : إنه عليه‌السلام عمر طريق مكة وأخرج بينبع مائة عين واشترى ببعضها ألف نسمة وأعتقها ووقف الباقي إلى يومنا هذا ، وكان مع ذلك يصوم النهار ويصلي في الليل والنهار ألف ركعة ثم نقول على جهة الإجمال لأنّ حصر الفضائل متعذر أو متعسر.

«لنا (١) «لو وزن أعمال الوصي عليّ عليه‌السلام بأعمال من ذكر» (٢) أي من ذكره المخالف بأنه الأفضل «أو» لو وزن «ما ورد فيه» أي في علي عليه‌السلام من الأخبار المفصحة (٣) بالتفضيل والشرف وعظم المنزلة عند الله سبحانه «بما ورد في من ذكروا» تفضيله عليه مع التي وردت فيه عليه‌السلام التي لو وزنت «ممّا لا ينكره المخالف» (٤) فضلا عمّا اختصّ بروايته العترة عليهم‌السلام وذلك «مع» فضيلة عظمى وهي «سابقته» أي سبقه عليه‌السلام إلى الإسلام.

قال الإمام المنصور بالله عليه‌السلام في شرح الرسالة الناصحة : وقد وقع الاتفاق على إيمانهعليه‌السلام ثاني البعثة ، وكانت البعثة بالاثنين.

قال : فإن قالوا : كان إسلامه إسلام إلف ومحبّة لأنه كان صغيرا فلم يكن عن نظر واستدلال فقولهم هذا باطل بوجهين :

أحدهما : قول النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفاطمة عليها‌السلام

__________________

(١) (ض) لنا في الردّ عليهم (ش) قلنا في الحجة عليهم إلخ. وفي أكثر النسخ متعذّر أو متعسّر لو وزن إلخ بدون لنا وقلنا انتهى.

(٢) (ش) من الأخبار الصحيحة المعلومة قطعا المتضمنة للتفضيل انتهى.

(٣) عبارة ابن لقمان فلأنّ المعلوم أنه لو وزن أعمال الوصي عليه‌السلام بأعمال من ذكروا لرجحت عليها قطعا لكثرتها وسعتها تمت شرح ابن لقمان رحمه‌الله تعالى بتصرف يسير.

(٤) لرجحت تمت.

٢٠٦

«زوجتك أقدمهم إسلاما وأكثرهم علما» والضمير عائد إلى جميع الصحابة فلو كان أسلم غير بالغ لما مدحه بذلك.

والثاني : أنه دعاه إلى الإسلام أوّلا ونحن نعلم من حاله أنه يقبح من أحدنا أن يبتدئ في الدعاء إلى الدين بالأطفال قبل ذوي الألباب من الرجال لأنّ ذلك يكون عدولا عن (١) الواجب إلى المندوب ومثل ذلك لا يجوز منّا فكيف يجوز من النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وفي المحيط : والصحيح عندنا أنه أسلم وله ثلاث عشرة سنة وقد يبلغ الإنسان لدون ذلك.

قال السيد أبو طالب عليه‌السلام : الصحيح في مبلغ عمره أنه ما بين خمس إلى ست وستين سنة وهذا يوجب أن يكون له وقت إسلامه أكثر من ثلاث عشرة سنة والعادة جارية أن الإنسان يبلغ في دون هذه المدة.

وذكر القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام أنه كان له ثلاث عشرة سنة.

والمشهور عن الحسن البصري مثله ... إلى أن قال : وإن سلّمنا أنه كان من أبناء سبع سنين وذلك أقل ما قيل فإنه لا يضرّنا كما أنّا نجوّز في ابن سبع سنين أن يكون مكلفا تلزمه معرفة الله تعالى ويكون مثابا ومعاقبا وذلك مذهب جميع أهل العدل لا يختلفون فيه ويقولون: إن خمس عشرة سنة أو الاحتلام أو الحيض إنّما جعل حدّا للأحكام الشرعية.

وأما الأحكام العقلية فلا تتعلق إلّا بكمال العقل. انتهى.

وفي سيرة ابن هشام : قال ابن إسحاق ثم كان أوّل ذكر من الناس آمن برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصلّى وصدّق بما جاءه (٢) من الله تعالى : عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بن عبد المطلب وهو ابن عشر سنين.

وقال في جامع الأصول وهو أول من أسلم من الذكور في أكثر

__________________

(١) (ض) من.

(٢) (ض) بما جاء به.

٢٠٧

الأقوال وقد اختلف في سنّه يومئذ : فقيل : خمس عشرة سنة وقيل ستّ عشرة وقيل أربع عشرة وقيل ثلاث عشرة. انتهى.

[قلت : والمراد : أنّ عليّا عليه‌السلام أوّل من صدّق النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما جاء به لأنه كرّم الله وجهه لم يشبه (١) شرك البتة].

«وكذلك الحسنان عليهما‌السلام» أي وكذلك لو وزن أعمال الحسنين بأعمال من فضلوهم عليهما أو يوزن ما ورد في الحسنين بما ورد في غيرهما ممّا ذكره المخالف (٢).

«وكذلك ما ورد في العترة عليهم» «السلام بما ورد في غيرهم ممّا لا ينكره المخالف» أيضا ممّا يقتضي تفضيلهم وشرفهم من الأخبار والآيات المصرّحة بذلك فضلا عمّا اختصّ به العترة عليهم‌السلام وشيعتهم (٣) «علم ذلك» أي ما ذكرناه من تفضيل علي وسبطيه والعترة عليهم‌السلام على الترتيب المذكور «قطعا» أي علما مقطوعا به لا يختلجه ريب ولا شك ولكن مع تحكيم العقل على الهوى والانقياد لحكم العليّ الأعلى وقد ضربنا صفحا عن ذكر الفضائل وما ورد فيها من الآيات والأخبار لكثرتها وعدم احتمال هذا الموضع لها وقد ذكرنا قسطا منها في الشرح ، وهي بحمد الله معلومة للعلماء وأرباب الدين والورع من الكتاب والسّنّة وسير الأئمة عليهم‌السلام.

(فصل)

«وأفضل أزواج النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خديجة» بنت خويلد «إجماعا» بين العترة عليهم‌السلام وسائر الفرق إلّا من لا يعتدّ به ، وذلك «لسابقتها» إلى الإسلام فإنها أول الناس إسلاما بلا خلاف بين الناس.

__________________

(١) (ض) لم يسمه.

(٢) لرجح تمت.

(٣) لرجح تمت.

٢٠٨

ثم أسلم بعدها عليّ عليه‌السلام قبل أن يسلم أحد من الرجال ولأجل «مواساتها لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» بمالها وكثرة عنايتها بشأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد ورد فيها عن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبار كثيرة منها : «خير نسائها : مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد» رواه عليعليه‌السلام [أخرجه البخاري].

وعن أنس قال قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» وغير ذلك. قالت «العترة» عليهم‌السلام «والشيعة : وأفضل النساء كافة : فاطمة عليها‌السلام» فهي أفضل من أمّها ومن كل النساء. وقال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة : ما خلا مريم ابنة عمرانعليها‌السلام.

«وقال طوائف» من الفرق والنواصب : «بل عائشة أفضل من فاطمة»عليها‌السلام.

قالوا : لأنها كانت أحب نساء النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه ، ولأنه تزوجها بكرا ، ولأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفي في بيتها ، ولأنه نزل في إفكها آيات من القرآن ، ولأنها روت كثيرا من أخبار النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

«لنا» حجة على قولنا : «ما ورد» عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فضلها «من نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» «مريم سيدة نساء عالمها» أي العالم الذي كانت فيه «وأنت سيدة نساء العالمين» أي جميع نساء العالمين.

وروى صاحب البلغة : إجماع أهل البيت عليهم‌السلام على ذلك.

وروى أبو العباس الحسني عليه‌السلام في المصابيح بإسناده إلى عبد الله بن الحسن عليه‌السلام قال: لما نزل قوله تعالى : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) (١) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «نعيت إليّ نفسي»

__________________

(١) النصر (١).

٢٠٩

وعرف اقتراب أجله فدخل منزله ودعا فاطمة عليها‌السلام فوضع رأسه في حجرها ساعة ثم رفع رأسه وقال «يا فاطمة يا بنيّة : أشعرت بأنّ نفسي قد نعيت إليّ ، فبكت فاطمة عند ذلك حتى قطرت دموعها على خده فرفع رأسه إليها ونظر فقال : أما إنكم المستضعفون المقهورون بعدي فلا تبكين يا بنية فإني قد سألت ربي أن يجعلك أول من يلحق بي من أهل بيتي ، وأن يجعلك سيدة نساء أمّتي ومعي في الجنة فأجبت إلى ذلك ، فتبسمت فاطمة عند ذلك ونساء النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينظرن إليها حين بكت وحين تبسّمت فقال بعضهن : ما شأنك يا فاطمة تبكين مرة وتبسّمين مرة؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دعي ابنتي».

وكان وفاتها رضوان الله عليها لثلاث خلت (١) من شهر رمضان سنة إحدى عشرة «و» لنا أيضا «عصمتها» بإجماع العترة وشيعتهم لحديث الكساء وغيره ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إن الله يغضب لغضبها».

وقوله «فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها».

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «كأني أنظر إلى فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور عن يمينها سبعة آلاف ملك وعن يسارها سبعة آلاف ملك وبين يديها كذلك وخلفها كذلك تقود مؤمنات أمّتي إلى الجنة».

قال العنسي : الرواية متظاهرة بأنها في اليوم الرابع من النّذر لمّا دخلت مصلّاها وصلّت ودعت فسمعت حشحشة فإذا بجفنة فيها ثريد ولحم وزعفران ، فلما قرّبت (٢) إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سجد وقال «الحمد لله الذي جعل ابنتي شبيهة مريم بنت عمران ينزل عليها رزقها في المحراب» وغير ذلك.

وأما ما ذكره المخالف من كون عائشة أحب أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فالمحبة للزوجة لا تدل على أفضليتها لجواز أن يكون

__________________

(١) (ض) خلون.

(٢) (ي) قربت.

٢١٠

ذلك من الطباع البشرية لا سيّما ما روي من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إيّاك أن تكونيها يا حميراء».

وكذلك خروجها على عليّ عليه‌السلام يوم الجمل.

وأمّا الآيات النازلة في براءتها من الإفك فذلك تنزيه لرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا فضيلة في ذلك تزيد على غيرها من المؤمنات لأن مضمونها أنها بريئة من المعصية التي قذفت بها ، وكل مؤمنة على تلك الصفة وإلّا لم تكن مؤمنة.

وأما روايتها الحديث فإن الرواية لا تدل على أفضليّة لأنّ الرواية إن صحّت فإنما تدل على العلم ، والعلم بمعزل عن العمل ، ثم إن روايتها للعلم لا تدل على أن غيرها ليس معه من العلم مثل علمها لجواز أن يستغنى عن رواية العالم برواية غيره ، فكثرة الرّواية لا تدل على كثرة العلم إذا لكانت عائشة أفضل من أبي بكر ولكان أبو هريرة وابن عمر أفضل من أبي بكر.

وأمّا أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تزوجها بكرا فلا وجه فيه للفضل.

٢١١
٢١٢

(باب [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر])

«ويجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إجماعا».

قال الإمام المهدي عليه‌السلام : الوجه في ذكر هذا الباب مع مسائل أصول الدين : أنه ممّا يجب على كل مكلف العلم به مع كونه أصلا من أصول الشرائع التي لا يكفي الظن فيها.

قال : فإن قلت : إذا كان هذا أصلا من أصول الشرائع فما وجه اختصاصه بالذكر دون الصلاة والزكاة والحج مع الاشتراك في كونها أصولا للشرائع؟ قال : قلت : إن تلك الأصول العلم بها ضروري لا يفتقر إلى نظر بل كل من علم بنبوّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علم أنها من دينه ضرورة بخلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يعلم وجوبه ضرورة فحسن ذكره مع مسائل أصول الدين. انتهى.

وهو إجماع بين الأمة وإن اختلف في كيفيته هل يجب بالقول والفعل أو بأحدهما لقوله تعالى : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...) إلى قوله تعالى (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ)(١).

وقوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ...) إلى آخر الآية (٢). وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل».

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما من قوم يكون بين ظهرانيهم من يعمل بالمعاصي فلا يغيّروا عليه إلّا أصابهم الله بعقاب» رواه الإمام

__________________

(١) المائدة (٧٨ ـ ٧٩).

(٢) آل عمران (١٠٤).

٢١٣

عبد الله بن الحسين عليه‌السلام في كتاب الناسخ والمنسوخ.

واختلف في الدليل عليه : هل من السمع والعقل معا أو من السمع؟

فعند الجمهور أنه من السمع فقط.

وقال أبو علي : يدل العقل عليه أيضا لأنّ العلم بقبح الفعل يتبعه وجوب المنع منه جبرا ، ولأنّ الإنسان يجد من نفسه أنه لو رأى رجلا يقطّع صبيّا ويعذّبه بأنواع العذاب وعنده رجل كامل العقل ينظر إليه ولا ينهاه أن ذلك ظلم يستقبحه العقل كما يستقبح فعل الرجل بالصبي ولأنه لو لم يجب عقلا وجاز ترك النكير مع التمكّن منه لجاز الرضاء به والرضاء بالقبيح قبيح.

ولأنه كما يجب أن يمتنع هو يجب أن يمنع غيره وللاتفاق على وجوب كراهة القبيح.

وقد أجيب عنها بجوابات قد ذكرتها في الشرح.

وإنّما يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «متى تكاملت شروطهما وهي : التكليف» أي كون الآمر النّاهي بالغا عاقلا لرفع القلم عن الصبي والمجنون.

«والقدرة عليهما» أي لا يكون عاجزا «والعلم» من الآمر الناهي (١) «بكون ما أمر به معروفا وما نهى عنه منكرا ، لأنه إن لم يعلم ذلك لم يؤمن أن يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف».

وذلك لا يجوز إذ الإقدام على ما لا يؤمن قبحه قبيح.

فإن قيل (٢) : كيف يشترط العلم مع أنه قد يجب عليه ذلك في الاجتهاديات وهي لا تفيد إلّا الظن؟

قلنا : إن الاجتهاديات يدخلها العلم وذلك وإن كان مظنونا للمجتهد فإنه يجب عليه قطعا العمل به ، وإذا وجب عليه العمل به قطعا وجب الأمر

__________________

(١) في الشرح من الأمر والنّاهي.

(٢) (ب) قلت.

٢١٤

به والنهي عنه كذلك ، هكذا ذكروه وهو حق والله أعلم.

«وظن التأثير» أي يظن الآمر (١) النّاهي أن لأمره ونهيه تأثيرا في وقوع المعروف وإزالة المنكر وذلك «حيث كان المأمور والمنهي عارفين بأن المأمور به معروف ، والمنهي عنه منكر وإلّا» أي وإن لم يكونا عارفين بذلك «وجب التعريف» بأن هذا معروف فليفعل وهذا منكر فليجتنب.

«وإن لم يظن التأثير لأنّ إبلاغ الشرائع» إلى من تبلغه «واجب» على كل من تمكن من ذلك «إجماعا ، والأصل في ذلك : قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ ...) الآية تمامها : (أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (٢).

وذلك لتبليغ الحجة سواء عمل بها أم لم يعمل «ونحوها» كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ...) الآية (٣).

وقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ...) الآية (٤).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلّا فعليه لعنة الله».

«وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» : «من كتم علما ممّا ينفع الله به ... الخبر».

تمامه : «في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» ونحو ذلك قال عليه‌السلام : «قلت وبالله التوفيق : ويجب أيضا أمر العارف بالمعروف ونهي العارف بالمنكر وإن لم يحصل الظن بالتأثير» وذلك للإعذار

__________________

(١) الآمر والنّاهي.

(٢) البقرة (١٥٩).

(٣) البقرة (١٧٤).

(٤) آل عمران (١٨٧).

٢١٥

إلى الله سبحانه بالخروج من عهدة الواجب وتأكيد الحجة على المأمور والمنهي «لقوله تعالى» : (وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (١).

«والمعذرة إلى الله تعالى لا تكون عمّا لا يجب» فثبت كون الواعظين فعلوا ما يجب عليهم مع أنهم قد قرّروا قول الطائفة التي قالت لم تعظون قوما الله مهلكهم أي لا ينفع الوعظ فيهم فكأنهم قالوا صدقتم لكن ليس ذلك عذرا لنا في السكوت ، لأنه يجب علينا أن نفعل ذلك معذرة إلى الله تعالى أي لنخرج عمّا يجب علينا له تعالى من إلزام الحجة على من عصاه حتى يكون ذلك عذرا لنا في النّجاة من عقابه.

وأما قوله تعالى حاكيا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) فإنه علة أخرى في وجوب الوعظ فكأنهم قالوا : إن الوعظ والتذكير واجب علينا بكل حال إمّا للخروج من عهدة الواجب أو لرجوى ارتداعهم واتعاظهم ويدل على هذا قوله تعالى : (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ ...) (٢).

فلم يخبر الله سبحانه إلّا بنجاة الناهين فقط وروي عن ابن عباس أنه قال : والله ما سمعت الله ذكر أنه نجّى إلّا الفرقة التي نهت واعتزلت ولقد أهلك الله الفرقتين جميعا.

ومثله ذكره القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام في كتاب الهجرة.

«وإنّما يجب ذلك» أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن هو عالم بهما مع عدم ظن التأثير ريث ما يتحول المتمكن من الهجرة إليها» أي في مدة تحول من كان متمكنا من الهجرة إلى الهجرة لأنه إن كان لا تأثير لأمره ونهيه ولم يكن في بقائه مصلحة عامة ولا كان من المستضعفين الذين استثناهم الله تعالى وجب عليه الهجرة من دار العصيان إلى غيرها «لما يأتي إن شاء الله تعالى».

__________________

(١) الأعراف (١٦٤).

(٢) الأعراف (١٦٥).

٢١٦

وقال الإمام المهدي عليه‌السلام في البحر : فإن لم يعلم ولا يظن التأثير فلا وجوب قطعا وفي الحسن وجهان.

قال الإمام يحيى عليه‌السلام : أصحهما الحسن.

وقيل : بل يصير عبثا.

قال : قلنا : الأمر والنهي عمل مقصود للشرع وإن لم يحصل متعلّقه إذ قد أمر الله سبحانه ولم يحصل مأموره. انتهى.

قال عليه‌السلام : «وتجويز ما يقع على الآمر (١) الناهي بسببهما» أي بسبب الأمر والنهي «من نحو تشريد» أي تطريد للآمر النّاهي «وانتهاب مال» له «غير مرخص له في الترك» أي ترك الأمر والنهي «وفاقا لكثير من العلماء لقوله تعالى» حاكيا ومقرّرا (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) أي بسببهما (إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (٢) أي من الأمور التي أراد الله العزم عليها بالجد والجهد.

«وقوله» أي ولقوله «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» مع أن الظن يحصل عند ذلك بوقوع تشريد وانتهاب مال ونحو ذلك.

«وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» «اجعل مالك وعرضك دون دينك ... الخبر أو كما قال» أي هذا لفظ الخبر أو معناه.

وفي بعض الأخبار : «اجعل مالك دون دمك ، فإن تجاوز بك البلاء فاجعل مالك ودمك دون دينك».

والمراد : إن خفت الفتنة في الدين وفساده فاجعل مالك ودمك دون دينك «وكالجهاد» فإنه يجوّز معه ذلك بل الضرر والقتل أيضا ولا يكون ذلك التجويز مرخّصا في إسقاط وجوبه ، أما مع الشك في ذلك أو التجويز

__________________

(١) (ش) الآمر والناهي.

(٢) لقمان (١٧).

٢١٧

المرجوح فلعله إجماع ، وأما مع الظن أو العلم بحصول ذلك فكذلك أيضا عند أكثر أئمتناعليهم‌السلام.

قال عليه‌السلام في كتاب التحذير : قد صحّ لنا عن عيون العترة عليهم‌السلام والجمهور من علماء الأمّة : أن الخشية على المال لا تكون رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قلت : ووجهه : أن المال من رزق الله سبحانه وقد قال تعالى : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (١) فمن ترك شيئا لله سبحانه رزقه الله خيرا منه فهو عليه سبحانه وتعالى في أي موضع يكون العبد فلا يكون إتلافه عذرا في إسقاط الواجب لأن عوضه على الله مع صدق التوكل والتسليم لأمر الله والتشريد كانتهاب المال.

قال الهادي عليه‌السلام في جواب إبراهيم بن المحسّن حيث قال :

وسألته عن رجل ساكن في بلدة وقد ولي أمر البلدة سلطان ظالم والسلطان يقتضي منه جباية من غير طيبة من نفسه وهو يخاف إن خرج من البلد على نفسه التلف الجواب في ذلك :

إن كان مخافته على نفسه مخافة أن يجوع في الأرض أو يعرى ويتلف إذا خرج من تلك البلد (٢) فليس هذا له بعذر لأن الله عزوجل يرزقه في بلده وغيرها ، وإن كان يخاف أن يظفر به سلطان بلده فيقتله إن خرج ولم تكن له حيلة في الانسلال عنه وكان لا محالة واقعا في يده إن خرج فله في ذلك العذر إلى أن يأتيه الله عزوجل بفرج ، وإن قدر وأمكنه أن لا يعمل عملا يأخذ منه فيه السلطان فليفعل ، انتهى.

وأما خوف الضرر بالنفس أو تلفها أو قطع عضو ولم يتمكن من الهجرة فلا شك أن ذلك رخصة في الترك كما سيتضح لك والله أعلم.

__________________

(١) الطلاق (٢).

(٢) (ش) من تلك البلدة.

٢١٨

والأصل في ذلك قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) (١).

وقوله تعالى : (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) (٢).

وقوله تعالى : (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ...) الآية (٣).

ووجه دلالة هذه الآيات : أنه إذا جاز فعل المحظور بهذه الضرورة المذكورة فبالأولى أنه يجوز ترك الواجب وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإجماع على أن ترك الواجب أهون من فعل المحظور.

قال الإمام يحيى عليه‌السلام : ما أباحه الاضطرار أباحه الإكراه لقوله تعالى : (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ).

وقوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) وهي في عمّار وياسر حين أكرها على الكفر.

قال وترك ما أكره عليه أفضل وإن قتل لتفضيله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيمان ياسر لمّا صبر على القتل.

وقال الإمام المهدي عليه‌السلام : الإكراه يكون بوعيد القادر إمّا بقتل أو قطع عضو أو ضرب أو طعن بذي حدّ وهذا مؤثر إجماعا وإمّا بلطم أو ضرب فيشترط في كونه مؤثرا التّضرّر ، وإمّا بالحبس فلا بدّ من كونه كذلك فالساعة ليس بإكراه والسّنة إكراه وما بينهما مختلف (٤) والضّابط التّضرّر ... إلى أن قال حاكيا عن المذهب وأبي حنيفة : ولا يبيح المحظور إلّا الضرب المفضي إلى التلف أو ما في حكمه.

قال كالميتة لا يبيحها إلّا خشية التلف فقيس عليها.

قلت : ما خلا قتل الآدمي وإيلامه [والزنا] فلا يبيحه الإكراه.

قال النجري : لأنّ الإكراه إنّما يستباح به من القبائح ما يمكن خروجه

__________________

(١) النّحل (١٠٦).

(٢) آل عمران (٢٨).

(٣) المائدة (٣).

(٤) فيه تمّت.

٢١٩

عن كونه قبيحا والإضرار بالغير لا يخرج عن كونه قبيحا وأمّا سبّ الآدمي فيبيحه الإكراه لأنه لا يتضرر منه المسبوب مع علمه بالإكراه ولقول علي عليه‌السلام : (فأمّا السّب فسبوني فإنه لكم نجاة ولي زكاة) فعرف من ذلك أن ظنّ القتل ونحوه عذر إجماعا في فعل المحظور غير ما استثني ، وترك الواجب وإن ظنّ الضرر بالنفس موضع اتفاق بين أهل المذهب أنه عذر مبيح لترك الواجب.

وفرق أهل المذهب بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر الواجبات : فقالوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : لا يسقطان إلّا إذا كانا يؤدّيان إلى تلفه أو تلف عضو منه أو مال مجحف أو منكر مساو أو أنكر. ذكره الإمام المهدي عليه‌السلام في الأزهار.

قالوا : كالقتال فإنه يجب مع خشية القتل ولم يتضح لي وجه الفرق لأنه إن صحّ تفسير الضرر بدون ذلك كان كذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يصحّ تفسيره بغير ذلك فالواجبات حينئذ سواء والله أعلم.

وأمّا القتال : فإن كل مقاتل يجوّز أن يغلب وأن يغلب بدليل أن الإمام إذا لم يجد أعوانا لم يجب عليه القتال والله أعلم.

قال عليه‌السلام : «وحصول القدرة» من الآمر والناهي «على التأثير» أي حصلت القدرة على تحصيل ما أمر به والانتهاء عمّا نهى عنه وحصل مع ذلك «ظنّ الانتقال» من المأمور والمنهي «إلى منكر غيره» سواء كان مساويا أو زائدا أو دونه «لا يرخّص في الترك» أي لا يكون عذرا مبيحا لترك الأمر والنهي «لأنّ هذا» الذي حصلت القدرة عليه «منكر معلوم وذلك» أي المنكر الذي ظنّ وقدّر وقوعه بسبب النهي عن هذا المنكر المعلوم «مجوّز مظنون» أي ليس معلوما وقوعه إذ يجوز أن لا يقع إمّا بحصول موت أو أيّ مانع فلا يسقط الواجب المتيقّن المعلوم بالمجوّز المظنون.

وقال الإمام المهدي عليه‌السلام وغيره وهو قول كثير من أهل المذهب : إنه يشترط أن لا يعلم الآمر الناهي ولا يظن أنّ أمره ونهيه يؤدّيان

٢٢٠