🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

قال ابن أبي الحديد : في هذا الحديث عجب لأنها قالت : أنت ورثت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم أهله؟ قال : بل أهله وهذا تصريح بأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موروث يرثه أهله وهو خلاف قوله : لا نورث «وإلّا» أي وإن لم يكن خبر علي والحسنين عليهم‌السلام وأم أيمن المتضمن إثبات حق لآدمي مقبولا لكونه دليلا لا شهادة «لزم مثل ذلك في كل خبر يثبت حقّا لآدمي لم يتواتر نقله كحق الشفعة للجار» فكان يلزم أن لا يقبل وهو مقبول «لأنّ كل حقّ ثبت بالسّنة لم يثبت لأحد معينا كان كفاطمة عليها‌السلام أو غير معين كخبر الشفعة إلّا بخبر» راو «واحد أو أكثر أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أثبته له به» أي بالخبر «لا بالشهادة» أي لا أنّ ذلك الحق يثبت بالشهادة على النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى يعتبر فيها الاثنان أو رجل وامرأتان «إجماعا بين الناس» على ذلك.

وطريق الشهادة وطريق الأخبار مختلفان ولو كانت الحقوق إنما تثبت بالشهادة على النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه أثبتها لما قبل النّساء وحدهنّ ولا ما أخبر به واحد فقط أو رجل وامرأة ، «ولو لم يكن» من هذه الأخبار التي تثبت الحقوق «إلّا خبر معاذ» بن جبل «الذي قبله أبو بكر ، وذلك أنه» أي معاذ «قدم برقيق» أي عبيد «من اليمن» بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «وهم من هدايا اليمن» أي ممّا أهدي له حال توليه في اليمن «فهمّ أبو بكر بأخذه» أي بأخذ ذلك الرقيق «عملا بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» «هدايا الأمراء غلول» أي محرّمة عليهم لأنها من قبيل الرشوة «فقال معاذ : طعمة أطعمنيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» أي أذن لي فيها وأباحها لي «فأقرّه أبو بكر على ذلك» وصدّقه وعمل به ، «وأخذت منه» أي من هذا الخبر «العلماء : أنه إذا أذن الإمام لعامله في الهدايا حلّت له».

فأيّ فرق بين قوله وقول فاطمة عليها‌السلام : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنحلني فدكا؟

١٨١

إلّا أن فاطمة أكدت خبرها برواية علي عليه‌السلام والحسنين عليهم‌السلام وأم أيمن رضي الله عنها ، وكونها وبعلها وولداها معصومين فكيف ساغ لأبي بكر أن يقول لها : هات الشهود على دعواك ، ولم يقل لمعاذ : هات الشهود على دعواك؟

«و» كذلك «خبر عمر : أن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعده إذا جاء مال البحرين» وهما الحساء والقطيف وما حولهما من الجهات «بكذا وكذا» كأنّه كناية عن حثيتين «فصدّقه أبو بكر» في خبره هذا «وحثى له» أي لعمر «حثية فعدّها فإذا هي خمس مائة درهم وقال : خذ مثلها» أي مثل هذه الخمس مائة.

وذكر رزين بن معاوية العبدري في جامعه ما لفظه : عن جابر قال قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا» فلم يقدم حتى قبض فأعطانيه أبو بكر انتهى.

ومثله أخرج البخاري [إلّا أنه قال : هكذا وهكذا].

وفي رواية له أيضا : هكذا ثلاثا فأمر أبو بكر مناديا فنادى : من كان له عند النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدة أو دين فليأتنا فأتيته فقلت له : إنّ النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدني فحثى لي ثلاثا. انتهى.

«وإذا كان خبر فاطمة عليها‌السلام دليلا كما تقرر ثبت الحق لفاطمة عليها‌السلام» في فدك «بالدليل لا بالشهادة ، ولم يثبت لأبي بكر لا بدليل أنه بقي» موروثا «ولم ينحله فاطمة سلام الله عليها حتى كان الأولى به» للخبر الذي رواه «ولا بشهادة» أتى بها على صحة دعواه وهذا «إن سلّمنا صحة خبره» وهو : «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ، ما خلفناه صدقة» «أو معناه» أي معنى لفظ خبره «إذ القضاء بما يثبت بالدليل حقّ ، وبما لم يثبت به باطل عقلا وشرعا» وذلك واضح.

ولنا أيضا : تجرم أمير المؤمنين عليه‌السلام من أخذ فدك وتشجّيه من ذلك.

١٨٢

قال في كتابه إلى عثمان بن حنيف : بلى قد كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته ، السماء فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين ونعم الحكم الله تعالى ، وما أصنع بفدك وغيرها ... إلى آخر كلامه عليه‌السلام ، وهذا كلام شاك متظلّم.

«قالا» أي الإمام يحيى والإمام المهدي عليهما‌السلام : «لم ينقضه الوصيّ عليه‌السلام» حين ولي الأمر ، ولو كان حكم أبي بكر باطلا لنقضه وقبض فدكا.

«قلنا : إن سلّم» ذلك وأنه لم يتصرف في فدك من جملة ما أمره إليه «فحقّ له ولبنيه» أي هو حق لهم «إن شاءوا أخذوه وإن شاءوا تركوه».

وتركه عليه‌السلام حقّه وحق بنيه وهو الإمام المالك للتصرف على جميع الخلق لا يقتضي صحة حكم أبي بكر في ذلك ، لأنه الناظر في مصالح المسلمين وذلك واضح.

(فصل)

«وإمامة الحسن عليه‌السلام بعد أبيه علي عليه‌السلام بلا فصل».

«وإمامة الحسين عليه‌السلام بعد أخيه الحسن عليه‌السلام بلا فصل».

لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما».

وهذا الخبر ممّا أجمعت الأمّة عليه. ذكره المنصور بالله عليه‌السلام وغيره من أئمة أهل البيت عليهم‌السلام وغيرهم وهو نص صريح في إمامتهما ، ولأنهما أفضل الأمّة بعد أبيهما وأكملها علما وعملا وورعا ونجدة وغير ذلك ممّا يوجب لهما الإمامة من العقل والنّقل ممّا لا يحتمله هذا الموضع.

ومع ذلك : قد خالفت الخوارج في إمامة الحسن عليه‌السلام واليزيدية في إمامة الحسين عليه‌السلام :

١٨٣

أمّا المخالفون في إمامة الحسن عليه‌السلام : فهم أربع فرق : فرقة زعمت : أنه ليس بإمام لأنّه كفر مع أبيه بالتحكيم ولم يتب.

وفرقة : زعمت أنه كان إماما ثم كفر بتسليم الأمر إلى معاوية.

وفرقة : زعمت أن معاوية هو الإمام لأنّ الحسن سلم إليه الأمر طائعا.

وهؤلاء هم المتسمّون بأهل السنة والجماعة لتسميتهم العام الذي وقع فيه صلح معاوية عام الجماعة.

والعام الذي أجرى فيه معاوية سبّ عليّ كرّم الله وجهه في الجنّة في جميع الآفاق عام السّنة.

وفرقة : زعمت أن معاوية هو الإمام لأنه غلب ، وطريق الإمامة هي الغلبة. هكذا حكاه القرشي في المنهاج.

قلنا : أما قول من قال إنّ الحسن عليه‌السلام كفر مع أبيه : فقول صادر ممّن مرق من الدين ، وما كان كذلك فلا يلتفت إليه لأنّ كل المسلمين لم يختلفوا في أن عليّا عليه‌السلام لم يكفر ولم يفسق ، أجمع أعداؤه وأولياؤه على ذلك.

وأما صورة التحكيم : فإن جمهور أصحابه عليه‌السلام ألجئوه إليه وهو غير راض مع أن الحكمين لو حكما بحكم الله تعالى وحكم رسوله لأوجبا له الإمامة ولمن سواه الدخول تحت طاعته ، ومن وقف على التواريخ علم ذلك قطعا.

وأما صلح الحسن عليه‌السلام لمعاوية : فإن الحسن عليه‌السلام لمّا علم ضعف أصحابه وخديعة اللعين معاوية لعبيد الله بن العباس وغيره مع ما كان يرى من خذلانهم لأبيه عليه‌السلام وإقبال الناس على الدنيا ورفض الآخرة : رأى في المصالحة في ذلك الوقت خيرا والصلح جائز للأئمة ، بل وللأنبياء صلوات الله عليهم.

وقد علم النّاس كافة أنه عليه‌السلام طعنه الجرّاح بن سنان الأسدي في مظلم ساباط من أرض المدائن بالخنجر في فخذه فوجأه به حتى خالط

١٨٤

أربيته فقال الحسن عليه‌السلام : أقتلتم أبي بالأمس ووثبتم عليّ اليوم زهدا في العادلين ورغبة في القاسطين والله لتعلمنّ نبأه بعد حين ، فمرض عليه‌السلام شهرين.

وروي من غير جهة : أن الحسين عليه‌السلام قال للحسن عليه‌السلام : أجادّ أنت فيما أرى من موادعة معاوية؟

قال : نعم ، قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ثلاثا ، فقال الحسن : إنّي أذكّرك الله يا أخي أن تفسد عليّ ما أريد وتردّ عليّ أمري ... إلى أن قال : إنّا اليوم يا أخي في سعة وعذر كما وسعنا العذر يوم قبض نبيئنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فسكت الحسين عليه‌السلام.

وأمّا من قال : بإمامة معاوية لأجل الغلبة أو لأجل تسليم الحسن عليه‌السلام له حقّه : فمعاوية لا يشتبه فيه الحال عند المسلمين أنه لا يصلح للإمامة لكفره وفسقه وعدم إذن الشارع له بالإمامة وأن تسليم الحسن عليه‌السلام له ليس إلّا على وجه الإكراه والغلبة وذلك لا يصلح طريقا إلى الإمامة.

وكذلك القول مع من ذهب إلى إمامة يزيد بن معاوية بنص أبيه عليه وبغلبته للحسين عليه‌السلام.

قالت «العترة» عليهم‌السلام «والشيعة : والإمامة بعد الحسين عليه‌السلام : في سائر العترة عليهم» «السلام فقط» دون غيرهم من سائر الناس.

وقال «سائر الفرق : بل وفي غيرهم على اختلاف الآراء كما مرّ» من حكاية أقوالهم في ذكر المنصب.

«قلنا» الإمامة اختصاص من الله سبحانه لبعض من الخلق معيّن موصوف معلوم لهم لتثبت به الحجة ويحصل المقصود من قيامة كما قد تكرر ذكره ، ولم يرد ذلك إلّا في العترة عليهم‌السلام و «لا دليل عليها» أي الإمامة «في غيرهم» كما مرّ ذكره.

«ولنا» تأكيد لقولنا : الكتاب والسّنة والإجماع وحجة العقل.

١٨٥

أمّا الكتاب : فقوله تعالى في إبراهيم عليه‌السلام (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (١).

ووجه الاستدلال بها : أنه قد وقع الإجماع على إجابة دعوة إبراهيم عليه‌السلام إلّا من استثناه الله تعالى من أهل الظلم من ذريته ولم تقع العصمة بعد أهل الكساء إلّا لجماعة العترة عليهم‌السلام من جملة ولد إبراهيم عليه‌السلام فكانوا أهلا للإمامة بتأهيل الله لهم.

وهذه الآية دالّة على إمامة العترة عليهم‌السلام كما هي دالّة أيضا على إمامة علي والحسنينعليهم‌السلام لأنه قد ثبت أنّ الأفضل أولى بالإمامة من المفضول.

فإن قيل : إن جماعة الأمّة أيضا معصومة فهلّا كانت الإمامة فيهم كافة؟

قلنا : إنما كانت جماعة الأمّة معصومة لدخول العترة عليهم‌السلام في جملتهم لما تقدم ذكره في إجماعهم من الحجة على ذلك ولما سيأتي إن شاء الله تعالى.

فإن قيل : فيلزم من هذا أن يجب أن يكون الإمام معصوما [ولم يشترطوا ذلك]؟

قلنا : لا يلزم ذلك لأن المعصوم لا طريق إليه إلّا الوحي ، ولم يرد الوحي بعصمة رجل بعينه بعد أهل الكساء عليهم‌السلام ، فلو شرطت العصمة لبطلت الإمامة أصلا والله أعلم.

ولنا من الكتاب أيضا : قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً

__________________

(١) البقرة (١٢٤).

١٨٦

عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (١) أي : ولاة وحكّاما على الناس كما كان الرسول كذلك.

وقوله تعالى : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (٢).

وهاتان الآيتان مختصتان بالعترة عليهم‌السلام.

والسابق بالخيرات : هو الإمام الشاهر سيفه في جهاد أعداء الله.

وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٣) والمراد بأولي الأمر هم الذين قد علمتموهم بصفاتهم التي لا تخفى عليكم على لسان نبيئكم ، لأنّ الله سبحانه لا يأمر إلّا بطاعة معلومة كما كانت طاعة الله وطاعة رسوله معلومة.

وروى الإمام الناصر عليه‌السلام عن جعفر بن محمد عليهما‌السلام لمّا سأله أبو مريم عن ذلك فقال : هم علي والحسن والحسين وذريتهما عليهم‌السلام. ذكر ذلك أبو القاسم البستي في كتابه الباهر. وقوله تعالى : (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (٤) روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني رحمه‌الله بإسناده إلى جعفر بن محمد عليهما‌السلام قال : هي ولايتنا أهل البيت لا ينكرها أحد إلّا ضالّ ، ولا ينتقص عليّا إلّا ختّال.

«و» أما السّنّة فمنها : «قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا ... الخبر» تمامه : «كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

__________________

(١) الحج (٧٧ ـ ٧٨).

(٢) فاطر (٣٢).

(٣) النساء (٥٩).

(٤) يوسف (١٠٨).

١٨٧

وأولاد الحسنين عليهم‌السلام هم عترته كما مرّ تحقيقه ، والخبر مفيد للإمامة لأنّ المعنى أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ترك في أمّته من يقوم مقامه فيما تحتاج إليه الأمّة ، وأن الله سبحانه قد أخبره أن العترة لا تفارق الكتاب إلى يوم القيامة ففيه دلالة على عصمة العترة عليهم‌السلام وعلى إمامتهم لأنه لا معنى لتركهم في أمّته إلّا لكونهم قائمين مقامه في معنى الإمامة ، وكونهم شهداء على الناس وعلى أنه لا تخلو الأرض من مجتهد منهم صالح للإمامة لئلّا تبطل حجج الله سبحانه.

ولقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» «وهو» أي هذا الخبر «متواتر مجمع على صحته» عند المخالف والمؤالف.

ولو كانت الإمامة جائزة في غير العترة عليهم‌السلام لبطل معنى هذا الخبر.

«وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» : «مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى ، ومن قاتلنا آخر الزمان فكأنّما قاتل مع الدجال».

«وهذا الخبر أيضا لا خلاف في صحته بين علماء آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيعتهم وأهل التحقيق من غيرهم».

«وبيان الاستدلال بهما : أنهما نصّ في وجوب تقديم العترة عليهم» «السلام» على جميع الناس «في جميع أمور الدين ومن جملتها الإمامة» بل هي معظم الدين وأكبره ، ولأنّ الإمام يهدي أمّته إلى الرشاد كالسفينة فهم الهادون والمتّبعون ولو كانت الإمامة في غيرهم لكانوا تابعين لذلك الغير منقادين له ولم يكونوا كسفينة نوح بل يكون ذلك الغير كسفينة نوح وبطل معنى الخبر.

«وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» : «ومن قاتلنا آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال» «إشعار آخر بالإمامة» لأنّ المعنى : أن من نازع أهل البيت عليهم‌السلام في الإمامة وبغى عليهم بالمقاتلة فكأنما قاتل مع الدجال.

١٨٨

«و» لنا أيضا : «ما تواتر معنى» أي تواتر معناه وإن اختلف اللفظ «من رواية المؤالف والمخالف من الأخبار المنبئة بالإمامة نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبّه الله على منخريه في قعر جهنم».

ورواية الهادي عليه‌السلام : «من سمع واعيتنا أهل البيت فلم ينصره لم يقبل الله له توبة حتى تلفحه جهنم» والواعية : الصوت المؤذن (١) بالقتال.

والمراد : من سمع دعوة داعي أهل البيت عليهم‌السلام لأن دعوته للناس إلى إجابته مؤذنة بالقتال.

ومن ذلك : ما رواه الهادي عليه‌السلام أن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله».

وروى الإمام المنصور بالله عليه‌السلام في الشافي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال «إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإسلام : وليّا من أهل بيتي موكّلا يعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله».

وروى الإمام أحمد بن سليمان عليه‌السلام في حقائق المعرفة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «ما بال أقوام من أمّتي إذا ذكر عندهم آل إبراهيم استبشرت قلوبهم وتهلّلت وجوههم وإذا ذكر أهل بيتي اشمأزّت قلوبهم وكلحت وجوههم ، والذي بعثني بالحق نبيئا : لو أنّ الرجل منهم لقي الله بعمل سبعين نبيئا ثم لم يلقه بولاية أولي الأمر من أهل بيتي ما قبل الله عزوجل منه صرفا ولا عدلا» وما رواه في كتاب الحكمة الدرية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «إنّ الله تعالى جعل عليّا لي وزيرا إلى قوله : وهو وهما والأئمة من بعدهما من ولدهما حجج الله على خلقه».

__________________

(١) قوله (الصوت المؤذن) تفسير للواعية فلا يتوهم أنه من الحديث تمت.

١٨٩

وروى صاحب المحيط بإسناده إلى فضل بن الزبير قال : سمعت زيد بن علي عليهما‌السلام يقول : (كل راية رفعت ليست لنا ولا تدعي إلينا فهي راية ضلالة).

وروى العنسي عن زيد بن علي عليهما‌السلام أنه قال : (حق علينا أهل البيت إذا قام الرجل منّا فدعا إلى كتاب الله وسنّة رسول الله وجاهد على ذلك فاستشهد ومضى : أن يقوم آخر يتلوه يدعو إلى ما دعا إليه حجّة الله عزوجل على أهل كل زمان إلى أن تنقضي الدنيا).

وروى صاحب المحيط أيضا بإسناد رفعه إلى سفيان بن خالد الأعشى قال : دخل نفر من أهل الكوفة على زيد بن علي عليهما‌السلام.

فقالوا : يا بن رسول الله : أنت المهدي بلغنا أنه يملؤها عدلا؟

قال : لا ، قالوا : فنخشى أن تكون علينا مفتاح بلاء.

قال : ويحكم وما مفتاح بلاء؟ قالوا : تهدم دورنا وتسبى ذرارينا ونقتل تحت كل حجر.

قال : ويحكم أما علمتم أنه ما من قرن ينشو إلّا بعث الله منّا رجلا أو خرج منّا رجلا حجة على ذلك القرن علمه من علم وجهله من جهل.

وغير ذلك من الأخبار المنبئة بالإمامة كثير تركناها اختصارا «و» أما حجة «الإجماع» فقد وقع «من طوائف الأمّة على صحتها» أي الإمامة «فيهم» أي في العترة عليهم‌السلام وادّعى بعض : تشريك غيرهم وهو باطل بما مرّ من أنها لا تكون إلّا بدليل شرعي وإذن من الله سبحانه لمن يقوم بها ، ولم يأذن بها لغيرهم ، ولما تقدم ذكره من الأخبار المشيرة بالحصر ولإجماع العترة المعلوم على حصر الإمامة فيهم دون غيرهم من سائر الناس ، وإجماعهم حجة قطعية كما سبق تحقيقه.

وأمّا دعوى الإمامية باختصاصها لمعيّنين من أولاد الحسين عليه‌السلام : فهي باطلة لا أصل لها كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قال المنصور بالله في شرح الرسالة الناصحة : ولم نعلم بين العترة

١٩٠

الطاهرة اختلافا في ثبوت الإمامة لمن قام من ولد أحد البطنين الطاهرين الحسن والحسين عليهما‌السلام وهو جامع لخصال الإمامة إلى أيّام المأمون وتصنّع في عمل مذهب الإمامية يريد بذلك فرق الشيعة والعترة انتهى.

قال في المحيط : فإن قيل : أليس قد ذهب بعض الناس إلى أن الإمامة تصحّ في جميع أولاد عليّ عليه‌السلام مع ترك القول بالنص فلم ادّعيتم إطباق من لا يقول منهم بالنص على ما ذهبتم إليه فجوابنا : أن الذي نصّ [على] هذا القول لا يعتد بخلافه لأنه أحدث هذا القول بعد سبق الإجماع والإطباق على ما ذكرناه فهو من الشواذ التي يحكم بسقوطها ، على أنا لا نعلم أن القائل بهذا القول هل كان بلغ في العلم المبلغ الذي يعتد بخلافه لو خالف في الموضع الذي يسوغ فيه الخلاف فكيف إذا خالف بعد الإجماع؟ انتهى.

قلت : وقد أجبنا على صاحب هذا القول فيما سبق عند ذكر المنصب وأما حجة العقل فهي : أن الله سبحانه بعث الرسل لحاجة الخلق إليهم والإمامة فرع النبوءة كما سبق ذكره فلا يجوز أن تكون بعد النبوءة إلّا في موضع مخصوص معروف للخلق وإلّا فسد التدبير وضاع الخلق.

وكما أن النبوءة لا تكون إلّا في أرفع المواضع وأشرفها فكذلك الإمامة لا تكون إلّا في أرفع المواضع وأشرفها وهو معدن الرسالة لتكون أقطع للحجة وأبلغ في المعذرة ، ولا أقرب إلى النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أولاده وذريته مع ما خصّهم الله به من الشرف والفضل فكانوا أحق بالإمامة من غيرهم ، وفيما ذكرناه إن شاء الله تعالى كفاية لمن أراد الفائدة.

والأدلّة على اختصاص العترة عليهم‌السلام بالإمامة كثيرة مذكورة في الكتب البسيطة المرفوضة في هذا الزمان.

«وأما خلاف ابن الراوندي» حيث قال : إن الإمامة تستحق بالميراث وأنها لبني العباس دون غيرهم : «فلا يعتد به لأنّ الإجماع قد سبقه ولخروجه من الأمّة باشتهار زندقته» أي كفره وإلحاده إذ قد رويت عنه أنواع من الكفر قد ذكرنا بعضها في الشرح.

١٩١

قال «أئمتنا عليهم» «السلام وشيعتهم : وطريقها» أي الإمامة أي الطريق إلى كون الشخص إماما تجب طاعته «بعد الحسنين عليهما‌السلام: القيام والدّعوة» ممّن جمع شرائطها التي تقدم ذكرها.

ومعنى ذلك أنّه ينصب نفسه لمحاربة الظالمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويشهر سيفه وينصب رايته ويبث الدّعاة للناس إلى إجابته ومعاونته وعلى هذا إجماع العترة عليهم‌السلام وشيعتهم رضي الله عنهم وقالت «الإمامية : بل» طريقها «النص».

قالوا : والنص على وجهين : جملي وتفصيلي :

أمّا الجملي : فقول الرسول بزعمهم «الأئمة من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل».

وأمّا التفصيلي : فما رووه بزعمهم أنّ النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصّ عليهم بأعيانهم وهم : علي بن أبي طالب عليه‌السلام والحسنان ، وعلي بن الحسين ، ومحمد بن علي الباقر ، وجعفر الصادق ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى الرضى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي العسكري ، والمنتظر وهو محمد بن الحسن بزعمهم.

قال العنسي : ولمّا مات الحسن العسكري سنة (ستين ومائتين) بسامرّا ولم يخلف ولدا اختلط أمرهم.

قال في المحيط : وادّعت بعض جواريه الحمل فبقيت معدّلة أربع سنين فلم يظهر بها حبل ولا ولد ، وفي أثناء هذه الأيام انتدب رجل سمّان يعرف بالعمري فادّعى أن للحسن ابنا وأنه وكّله ، وساعده على ذلك طائفة من جملة هؤلاء الحشوية واعتزل عن جملته أكثر فقهاء القطعيّة في ذلك الزمان فافترقوا على خمس عشرة فرقة وكان أكثر تلك الفرق أنه لم يثبت للحسن بن علي ولد ، ومنهم من وقف عليه كما وقفت الواقفية على موسى بن جعفر ومنهم من رجع إلى إمامة محمد بن علي ، ومنهم من لحق بالقطعيّة وصاروا فرقا.

١٩٢

واختلفت فرقة السّمان في اسم الولد ، فمنهم من زعم أن اسمه علي ومنهم من زعم أن اسمه محمد ، ومنهم من زعم أنه لا يسمّى ولا يذكر واختلفوا في وقت ولادته أيضا وفي أمّه أيضا : فمنهم من زعم أنه ولد من جارية اسمها نرجس ، ومنهم من زعم أنه من الجارية المعدّلة وأنّ الله أخفى خبره عن ذلك القاضي الذي عدّلت عنده ورفعه إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم عليه‌السلام.

ومنهم من زعم أن ذلك القاضي عرف خبره لكنه كتمه لمّا كان أخذ من ماله. إلى غير ذلك من الاختلاف والهذيان.

وفرقة زعمت أن الإمامة بعد الحسن العسكري لأخته قالوا : إمامة النساء جائزة. انتهى ما في المحيط.

«قلنا :» ردّا على الإمامية : «لا نصّ على رجل بعينه فيمن عدا الثلاثة» الذين هم علي والحسنان عليهم‌السلام «وإلّا كان مشهورا» أي وإن لم نقل بعدم النص فيمن عدا الثلاثة لكان يجب أن يكون ذلك النص المدّعى مشهورا يعلمه كل الناس كما كان في الثلاثة كذلك «لأنه ممّا تعمّ به البلوى علما وعملا» كما تكرر ذكره فوجب اشتهاره «للإجماع على وجوب اشتهار ما شأنه كذلك كالصلاة» والصوم والحج ونحوها من أصول الشرائع والإمامة من أعظم مسائل الأصول كما تكرر ذكره.

واعلم : أن بين الإمامية اختلافا شديدا في هذا الاختلاق والافتراء على الله سبحانه وعلى رسوله وعلى هؤلاء الذين سمّوهم أئمة قائمين بأمور العباد والجهاد وإن كانوا أئمة في العلم والهدى والدين والتّقى صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته.

ولو علم هؤلاء الأئمة ما نسب إليهم هؤلاء الجهّال المغترون بأقوال الزور والمحال لتبرءوا ممّا نسبوه إليهم.

قال الهادي عليه‌السلام : وروي عن جعفر الصادق عليه‌السلام لمّا جاءه خبر قتل عمّه زيد وأصحابه أنه قال : ذهب والله زيد كما ذهب علي ابن أبي طالب والحسن والحسين وأصحابهم شهداء إلى الجنة التابع لهم

١٩٣

مؤمن والشّاك فيهم ضالّ والرادّ عليهم كافر ، انتهى وإنّما فرّق بين زيد وجعفر قوم كانوا بايعوا زيد بن علي فلما بلغهم أن سلطان الكوفة يطلب من بايع زيدا ويعاقبهم خافوا على أنفسهم فخرجوا من بيعة زيد ورفضوه مخافة من هذا السلطان ثم لم يدروا بم يحتجّون على من لامهم وعاب عليهم فعلهم فقالوا : بالوصية حينئذ فقالوا : كانت الوصية من علي بن الحسين إلى ابنه محمد ومن محمد إلى جعفر ليموّهوا به على الناس فضلّوا وأضلّوا كثيرا وتبعهم على قولهم من أحب البقاء وترك الجهاد في سبيل الله ، ثم جاء قوم من بعد أولئك فوجدوا كلاما مرسوما في كتب ودفاتر فأخذوا بذلك من (١) غير تمييز ولا برهان بل كابروا عقولهم ونسبوا فعلهم هذا إلى الأخيار منهم من ولد الرسول عليه وعليهم‌السلام كما نسبت الحشوية ما روت من أباطيلها وزور أقاويلها إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليثبت لهم باطلهم على من اتخذوه مأكلة لهم وجعلوهم خدما وخولا ... إلى قوله عليه‌السلام : وكذلك هؤلاء الذين رفضوا زيد بن علي وتركوه ثم لم يرضوا بما أتوا من الكبائر حتى نسبوا ذلك إلى المصطفين من آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلما كان فعلهم على ما ذكرناه سمّاهم حينئذ روافض ورفع يديه فقال : (اللهم اجعل لعنتك ولعنت آبائي وأجدادي ولعنتي على هؤلاء الذين رفضوني وخرجوا من بيعتي كما رفض أهل حرورا علي بن أبي طالب عليه‌السلام حتى حاربوه).

فكان هذا خبر من رفض زيد بن علي وخرج من بيعته.

قال عليه‌السلام : وروي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال لعلي «يا عليّ : إنه سيخرج قوم في آخر الزمان لهم نبز يعرفون به يقال لهم : الرافضة ، فإذا أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون فهم لعمري شر الخلق والخليقة».

قال عليه‌السلام : فأمّا الوصية فكل من قال بإمامة أمير المؤمنين ووصيته فهو يقول بالوصية على معنى أن الله عزوجل أوصى بخلقه على

__________________

(١) (ن) عن بدل من.

١٩٤

لسان النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى علي بن أبي طالب عليه‌السلام والحسن والحسين وإلى الأخيار من ذرية الحسن والحسين ، أوّلهم علي بن الحسين وآخرهم المهدي ثم الأئمة فيما بينهما ، وذلك أن تثبيت الإمامة عند أهل الحق في هؤلاء الأئمة من الله عزوجل على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمن ثبّت الله فيه الإمامة واختاره واصطفاه وبيّن فيه صفات الإمام فهو إمام عندهم مستوجب للإمامة لقول النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله».

قال : (من ذريتي) فولد الحسن والحسين من ذرية النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم قال : «عليكم بأهل بيتي فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ردى» انتهى كلام الهادي عليه‌السلام.

وروى صاحب المحيط بإسناد رفعه إلى أبي الطيب أحمد بن محمد بن فيروز الكوفي قال : حدثنا يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليهم‌السلام.

قال : حدثني أبي عن أبيه قال : لما ظهر زيد بن علي ودعا الناس إلى نصرة الحق فأجابته الشيعة وكثير من غيرهم : قعد (١) قوم عنه وقالوا له : لست الإمام ، فقال : فمن؟

قالوا : ابن أخيك جعفر ، فقال لهم : إن قال جعفر هو الإمام فقد صدق فاكتبوا إليه وسلوه : فقالوا : الطريق مقطوعة ولا نجد رسولا إلّا بأربعين دينارا ، فقال : هذه أربعون دينارا فاكتبوا إليه وأرسلوا ، فلما كان من الغد أتوه فقالوا : إنّه يداريك ، قال ويلكم إمام يداري من غير بأس أو يكتم حقّا أو يخشى في الله أحدا.

اختاروا : إمّا أن تقاتلوا معي وتبايعوني على ما بويع عليه عليّ عليه

__________________

(١) (ض) وقعد.

١٩٥

السلام والحسن والحسين عليهما‌السلام أو تعينوني بسلاحكم وتكفّوا عنّي ألسنتكم.

قالوا : لا نفعل ، فقال : الله أكبر أنتم والله الروافض الذين ذكر جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «سيكون من بعدي قوم يرفضون الجهاد مع الأخيار من أهل بيتي ويقولون ليس عليهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر يقلّدون دينهم ويتبعون أهواءهم» انتهى.

وقال الدامغاني في رسالته في شأن الإمامية ما لفظه : فمنها : أن كتب أهل المقالات اتفقوا أنهم لم يأخذوا مذهبهم عن أئمتهم ولا عن الثقات وإنّما هو موضوع وضعه المنصور أبو الدوانيق بعد قتل محمد بن عبد الله النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم وعدّة من فضلاء العلوية ، فظنّ أبو الدوانيق أنه لا يزال يخرج إليه قائم منهم بالخلافة فأعمل الحيلة ورأى جماعة من الشيعة تنكر قيام القائم بالإمامة وتعتقد أن إمامها منصوص عليه وأنّه غائب وهم الكيسانية فلاحت له الحيلة وبعث إلى الأقطار التي يظن أن فيها من جهّال الشيعة من تطرأ عليه الشبهة ، وأمر ببثّ هذا المذهب فيهم وصنع لهم نسخة وجعلها مع بعض أتباعه وأمرهم بإظهار التشيّع وإلقائها إلى جهّال الشيعة ، ومضمون ما في النسخة :

(إنّ بني إسرائيل كان لهم اثنا عشر نقيبا وبعد عيسى اثنا عشر في أمّته ، وأن جبريل أتى بلوح فيه أسماء الخلفاء على الأمّة وأنهم اثنا عشر بعد محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد مضى منهم خمسة إلى جعفر الصادق ، وهذا جعفر سادسهم لما علم أن جعفرا متزهّد ، والستة الباقون من ولده).

فاعتقد الجهال منهم ذلك المذهب.

ولما سمع به جعفر الصادق أنكر ذلك على الشيعة ، فأبوا وقالوا : إنّ جعفرا ينكر علينا تقيّة على نفسه ، فاستمروا على ذلك وكل من ادّعى الخلافة بعد هذا يكونون أعداء الأعداء له وأحرص الناس على إتلافه وأخذل الناس له لاعتقادهم أن النص في غيره ، وحصل بذلك مراد أبي

١٩٦

الدوانيق لعنه الله. انتهى.

وقال الحاكم في السفينة : وعن بشير المنهال قال : كنت جالسا عند الصادق فقلت: إنّي تركت فلانا في الطواف يتبرأ من عمّك.

فقال : أنت سمعته (ثلاثا) فقلت نعم ، فطلع الرجل فقال له جعفر أنت تبرأ من عمّي؟ قال : أوليس قد سبق الإمام؟

فقال له جعفر : برئ الله منك برئ الله منك إن نتبع إلّا أثر عمّي زيد ، إن علم عمّي لينهال انهيال الكثيب ما نظر أحد إلى عمّي شامتا إلّا كفر أو كان كافرا.

وقال فيها أيضا : عن جابر عن أبي جعفر قال : ليس منّا إمام تفترض (١) طاعته أرخى عليه ستوره والناس يظلمون خلف بابه ، إنّما الإمام المفترض طاعته منّا : من شهر سيفه ودعا إلى سبيل الله. انتهى.

وقالت «المعتزلة وغيرهم» كالأشعرية ومن وافقهم : «بل» طريق الإمامة «العقد» للإمام «والاختيار» له من فضلاء الحاضرين فمتى عقد له واختير ثبتت إمامته. واختلفوا في عدد العاقدين :

فقال الشيخان والقاضي وجمهور المعتزلة : لا بدّ من خمسة كما في العاقدين لأبي بكر وهم : عمر وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وأسيد بن حضير وبشير بن سعد.

وقيل : سالم مولى أبي حذيفة مكان عبد الرحمن.

وقيل : ستة كالذين نصبهم عمر للشورى.

وقيل : أربعة منصب أكبر الشهادة.

وقيل : ثلاثة لقول عمر في الشورى : فإن اجتمع ثلاثة وثلاثة فالحق مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن.

وقيل : اثنان كسائر الشهادات.

__________________

(١) (ب) يفترض.

١٩٧

وكل هذه الأقوال هوس وخرافات لا يلتفت إليها إلّا من عظم جهله لأنه لا أصل لذلك في الدين إلّا ما جرى في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان من التخاليط.

قال عليه‌السلام في الردّ عليهم : «قلنا : لم يثبته الشرع لفقد الدليل على ثبوته».

وأمّا بيعة أبي بكر : فإنما كانت فلتة من غير رضى من أفاضل الناس.

وبيعة عمر كانت بالوصية من أبي بكر من غير عقد أحد له ولا رضى من الناس لأنه استخلفه مع كراهة الأكثر من الناس.

وبيعة عثمان : كانت بالحيلة من عمر وعبد الرحمن بن عوف.

(تنبيه)

اعلم : أنه يلحق بما تقدم من الكلام في الإمامة مسائل :

الأولى : هل يجوز أن يقوم إمامان في وقت واحد؟

فالذي صرّح به أهل المذهب : أنه لا يجوز لما لا يؤمن من الفساد والاختلاف والتنازع بخلاف النبوّة فإنه لا يجوّز فيها ذلك للعصمة ولوقوف النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الوحي لا سيما فيما شأنه الاختلاف.

وقال الناصر عليه‌السلام : لو يخرج اثنان أو ثلاثة من ولد فاطمة عليها‌السلام صالحون يدعون إلى الله تعالى متفرقين متبعين أمر الله تعالى آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر : كان الواجب على من قاربهم وسمع دعاءهم إجابة من قرب منه منهم وعونه بالمال والنفس فإذا تبيّن لهم الأفضل بعد ذلك وجب على المفضول تسليم الأمر له حكى ذلك عنه عليه‌السلام صاحب المحيط.

وقال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم‌السلام في الجامع الكافي : أجمع آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه جائز أن يدعوا جماعة متفرقون أو مجتمعون ويعقد كل [واحد] في كل ناحية هذا

١٩٨

العقد على النصرة والقيام بأمر الله تعالى على كل من حضر قائما بأمر الله بأن ينصره بقدر الطاقة ، فإذا ظهر أمر الله تعالى فآل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأتقياء العلماء أعلم بالرّضى منهم.

قال الحسن بن يحيى عليه‌السلام : فإن زعم زاعم أنه لا يصلح أن يكون لإمام إلّا واحدا فإن النبوّة أعظم قدرا عند الله من الإمامة قال الله عزوجل (إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ) (١).

وقال عزوجل : (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ) (٢) وقال لموسى وهارون (اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ) (٣).

وكان إبراهيم وإسماعيل ولوط في زمن واحد يدعون إلى الله تعالى فإذا استقام أن يكون الداعي إلى الله تعالى من الرسل في زمن واحد اثنين وثلاثة فذلك فيما دون النبوّة أجوز.

المسألة الثانية : هل يجوز للإمام أن يتنحّى عن الإمامة بعد انتصابه لها؟ فالذي نعرفه من مذهب أئمتنا عليهم‌السلام : أنه لا يجوز له التنحّي مهما وجد أعوانا أو كان راجيا لذلك لأنه قد تعلّق به تكليف فلا يسقطه عنه إلّا عدم الاستطاعة ، فإن وجد من هو أنهض منه بالأمر وأنفع للمسلمين وجب عليه التّنحّي له والله أعلم.

المسألة الثالثة : فيما تبطل به إمامة الإمام :

وهي تبطل بثلاثة أشياء :

الأول : من فعل الله وهو ما كان مانعا من مخالطة المسلمين ومباشرتهم ومعرفة أحوالهم كالعمى والجنون المطبق والجذام والصّمم الشديد ونحو ذلك.

الثاني : من فعله كالفسق وذلك بعيد في حق من كملت فيه شروط

__________________

(١) يس (١٤).

(٢) الأنبياء (٧٨).

(٣) طه (٤٣).

١٩٩

الإمامة وعدم القيام بما يجب عليه من ثمرة الإمامة وعدم التأثير في منابذة الظالمين والقيام بأمور الدين.

والثالث : ما يرجع إلى فعل غيره كالأسر المأيوس. والعبرة في ذلك بأيأس الرعية والله أعلم.

(فصل) في التفضيل

اعلم : أن التفضيل من جملة الابتلاء والامتحان يمتحن بذلك الفاضل والمفضول :

أما الفاضل : فهل يشكر ويعرف قدر النعمة فيتواضع ولا يتطاول أو يكفر فيتعدّى طوره.

وأما المفضول : فهل يصبر ويعترف بالفضل لأهله ويعطي الفاضل حقّه أو يتكبر ويحسده على ما أنعم الله به عليه من الفضل والزيادة.

ووجه حسن ذلك : التمييز بين المطيعين والعاصين بما يظهر عند البلوى والامتحان من أسرارهم لأنّ الله سبحانه لا يعذب على ما يعلم من معاصي العباد قبل ظهورها ، قال الله سبحانه : (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (١).

واعلم : أن الاعتقادات أصول الأديان ، والاعتقاد الصحيح أصل الدين الصحيح ، والاعتقاد الفاسد أصل الدين الفاسد فمتى صحّ الأصل ثبت الفرع :

وهل يستوي الممشى وما ثمّ منهج

وكيف يقوم الظل والعود أعوج

فلا تكون الأعمال وإن كثرت وأتعبت من طول القيام وتكرير الصلاة والصيام وإظهار التقشف والزهد وإدامة التعبّد ودرس الكتب في المدارس وكثرة أهل المجالس والأتباع والأشياع دليلا على إصابة الحق ولا نافعا مع

__________________

(١) العنكبوت (١ ـ ٢).

٢٠٠