🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ٢

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

قاعدا والمسلمون قيام ، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول :

«يا أيها (١) الناس : سعّرت النّار وأقبلت الفتن ... إلى آخر كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم».

«وإن سلّم» أنّ النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره بالصلاة «فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّاه أوّلا وعزله آخرا بيان منه» صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لعدم استحقاقه» للإمامة الصغرى فضلا عن الإمامة الكبرى.

«وقيل : بل النص في أبي بكر وعمر معا وهو قوله تعالى : (سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ ...) الآية (٢).

والضمير في (ستدعون) للمخلفين ، وزعم صاحب هذا القول أنهم الذين تخلفوا عن غزة تبوك ، وهي آخر غزوة غزاها النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه وكانت في رجب سنة تسع.

قالوا إذ الدّاعي (٣) لهم أبو بكر إلى قتال بني حنيفة ، وعمر إلى قتال فارس والروم ، لأنّ الآية خطاب للمخلفين ولم يدعهم» أي المخلفين «النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» بدليل قوله تعالى : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ) (٤) وإذا كان الداعي لهم أبا بكر وعمر دلّ ذلك على إمامتهما.

«قلنا» أخطأتم في هذا التدريج لأنه ليس المراد المتخلفين في قوله تعالى «ستدعون ... الآية» المتخلفين عن غزوة تبوك لما سنذكره الآن إن

__________________

(١) (أ) أيها الناس.

(٢) الفتح (١٦).

(٣) (أ) والداعي.

(٤) التوبة (٨٣).

١٦١

شاء الله تعالى ، وإن سلّمنا أنهم المرادون على استحالته فليس فيه دلالة على أن الداعي أبو بكر وعمر.

«بل المراد : دعوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أمر» النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أسامة بن زيد» وأمرهم بغزو الشام وأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء من أرض فلسطين «فتخلفوا» أي هؤلاء المدعوّون المخلفون وغيرهم «عنه» أي عن أسامة بن زيد وكان ذلك في مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان يقول : «أنفذوا جيش أسامة» فلم ينفّذوا (١) ما أراد ، «فهو» أي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «الدّاعي» لهم «لا غيره» ولا ينافي ذلك قوله تعالى : (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً) «إذ لم يخرجوا معه» صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

«والآية» وهي قوله تعالى «فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوّا» «لم تمنع إلّا من الخروج معه» صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا من الدعاء» أي لا من دعائه لهم إلى الخروج مع غيره وهذا الكلام إنّما هو على ما ذكرناه وهو : «إن سلّمنا لهم أن المعنيّ بقوله «(سَتُدْعَوْنَ ...) الآية» هو المعنيّ بقوله «لن تخرجوا معي أبدا» الآية وهو باطل قطعا.

بل المعنيّ بقوله تعالى : (سَتُدْعَوْنَ ...) الآية : الذين تخلّفوا عن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن غزوة الحديبية وهم : أعراب مزينة وغفار وجهينة وأشجع وأسلم والدّئيل ، وذلك أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب والبوادي حذرا من قريش أن يصدّوه عن البيت ، وأحرم هو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا : يذهب (٢) إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم وظنّوا أنه يهلك ولا ينقلب إلى المدينة واعتلّوا بالشغل

__________________

(١) (ب) ينفذوا.

(٢) (ب) فذهب.

١٦٢

بأهاليهم وأموالهم. هكذا ذكره في الكشاف وغيره وهو الحق ، لأنّ هذه السورة (أعني سورة الفتح) نزلت على النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو بموضع بين مكة والمدينة مرجعه من الحديبيّة تسلية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما وقع مع أصحابه من الغم من عدم دخول مكة. ذكر ذلك الواحدي وغيره.

ولا خلاف أيضا أن سورة الفتح نزلت مرجع النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الحديبيّة في ذي القعدة من سنة ست ، وهي كلها في ذكر غزوة الحديبية وما كان من أهلها وما وعدهم الله به من الغنائم والظفر ، وما كان بسبب الهدنة والصلح من الفتح (١) العظيم والمصلحة الكبرى من إسلام كثير من الناس واختلاطهم بالمسلمين وتقوّي الإسلام ، وحينئذ فالداعي لهؤلاء المخلفين النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إمّا للخروج مع أسامة كما ذكرناه.

«أو من قبل» ذلك الوقت «إلى» قتال «غطفان وهوازن يوم حنين كما هو مذهب بعض المفسرين ، لأنّ قوله تعالى : (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ) الآية نص في أنّ المراد بها متخلفو الأعراب فقط» دون متخلفي المدينة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك الذين ذكرهم الله تعالى في سورة براءة.

««ولم يمنع قوله تعالى» (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ) أبدا «إلّا طائفة يرجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» من (٢) غزوة تبوك «إليهم» لقوله تعالى : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ).

«وهم متخلفو أهل المدينة» من المنافقين وغيرهم «لأنّ رجوعه كان إلى المدينة لا إلى الأعراب».

__________________

(١) (أ) من الفضل.

(٢) (أ) عن.

١٦٣

فصحّ أن المراد بقوله تعالى : (سَتُدْعَوْنَ ...) الآية : مختلفو الأعراب الذين تخلفوا عن الحديبيّة لا من تخلّف عن غزوة تبوك وكيف يصحّ أن يكون المراد بآية الفتح آية براءة وقد علم أن سورة الفتح نزلت قبل سورة براءة بزمان طويل كما ذكرنا من تاريخ الغزوتين والمعلوم عند الناس كافة : أنّ آية براءة التي ذكر فيها المخلفون إنّما هي فيمن تخلّف عن غزوة تبوك ، فمن ذهب إلى ذلك فهو غالط أو مغالط.

وأما قوله تعالى : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ) (١) أي وإن تتولوا وتتخلفوا عن دعاء النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكم إلى قتال هوازن أو غيرهم كما توليتم وتخلفتم عن دعوته لكم إلى غزوة الحديبية يعذبكم عذابا أليما.

وقوله تعالى : (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها) (٢) أي إذا توجهتم لقتال أهل خيبر ومغانمها (ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ) أي نسير معكم فنصيب من الغنائم (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ) أي يريدون أن يغيروا وعد الله تعالى لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه أهل الحديبية بما ذكره الله من المغانم ، وذلك أنّ الله تعالى وعد أهل الحديبية خاصة بمغانم خيبر وذلك قوله تعالى : (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) (٣).

ومن فسّر قوله تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ) أي قوله تعالى : (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) فقد غلط غلطا ظاهرا.

قال عليه‌السلام : «سلّمنا» تسليم جدل ومجاراة للخصم وإن كان محالا أن المعنيّ بقوله تعالى : (سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ) هم المتخلفون عن غزوة تبوك : فلا يلزم من ذلك أن يكون جميع المتخلفين عن غزوة تبوك لم

__________________

(١) الفتح (١٦).

(٢) الفتح (١٥).

(٣) الفتح (٢٠).

١٦٤

يدعهم النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيكونوا المرادين بقوله تعالى : (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً) لأنّ الكلام حينئذ يحتمل «أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يدع طائفة منهم لكنه قد دعا من عدا تلك الطائفة» التي لم يدعها «منهم» أي من متخلفي غزوة تبوك «لأنّ الآية لم تمنع إلّا طائفة من المتخلفين لا كلهم والمعنيّ بقوله تعالى : (سَتُدْعَوْنَ) : من عدا تلك الطائفة» يدعوهم النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّ متخلفي غزوة تبوك قد قسمهم الله تعالى طوائف يدل عليه قوله تعالى : (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى قوله تعالى : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ) أي من المخلفين.

و (من) موضوعة للتبعيض ، فهات الدليل على أنّ الطائفة المتخلفة المخصوصة بقوله تعالى : (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً) هي المرادة بقوله تعالى : (سَتُدْعَوْنَ ...) الآية؟ ولا دليل هيهات.

وهذا على الفرض بأن قوله تعالى : (سَتُدْعَوْنَ ...) الآية المراد بها آية براءة وهو محال كما سبق من تاريخ نزول السورتين وذلك واضح.

وقال «سائرهم» أي سائر من ذهب إلى إمامة أبي بكر وعمر وعثمان غير من تقدم ذكره : «بل الإجماع» من الناس دليل على إمامة الثلاثة :

أما أبو بكر : أجمعت الأمّة على إمامته يوم السقيفة بعد المنازعة فآل أمرهم إلى الوفاق.

وأما عمر : فلما نصّ عليه أبو بكر لم ينازعه أحد.

وأما عثمان : فلما جعلها عمر شورى بين الستة المعروفين ورضيت الأمّة بفعله ثم تراضى الستة بتفويض عبد الرحمن فيمن اختار فرضي عثمان وبايعه كان إجماعا.

«قلنا : دعوى الإجماع باطلة لاشتهار خلاف أمير المؤمنين عليه‌السلام وأهل بيته عليهم» «السلام وشيعتهم سلفا يعقبهم خلف إلى الآن» وذلك أن المشهور في كتب التواريخ : أنه وقع هناك من الاختلاف والمنازعة ما لا

١٦٥

ينكره إلّا مكابر وذلك بعد أن تركوا أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تنفيذ جيش أسامة وقد جعل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وكبار المهاجرين والأنصار وغيرهم تحت رايته وضيّق عليهم في الخروج معه ولم يرخّص لهم في المقام بالمدينة وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليل فلم يتركهم يشتغلون به وما يئول أمره إليه بل كان يقول «أنفذوا جيش أسامة أنفذوا بعث أسامة».

ودخل عليه أسامة وهو مغمى عليه فرفع صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه إلى السماء ، قال أسامة : فعرفت أنه يدعو لي فرجعت إلى معسكري وفي أنوار اليقين وغيره : أن المتخلفين عن السقيفة هم علماء الصحابة وأعيان الأمّة والذين يرجع إليهم في الأمور المهمة من فتوى وغيرها وأهل الورع والجد والاجتهاد من المهاجرين والأنصار وأرباب الجهاد مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

منهم أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام وعمّه العباس وجميع بني هاشم والزبير بن العوام وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وأبو الدرداء وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود وخالد بن سعيد بن العاص وأبو الهيثم بن التيهان وأبي بن كعب وسهل بن حنيف وأبو أيوب الأنصاري وحذيفة وبلال بن حمامة وكذلك أسامة ومن بقي معه من عسكره وعمرو بن سعيد بن العاص في بعض الروايات وعثمان بن حنيف في بعضها وسعد بن عبادة وقيس بن سعد بن عبادة وجميع عشيرته من الخزرج. فأين الإجماع مع هذا؟

ومن شك في ذلك طالع كتب التواريخ وقد بسطنا شيئا من ذلك في الشرح.

(فرع)

«واختلف في حكم من تقدّم الوصي» علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، أي اختلف من أثبت الإمامة له عليه‌السلام بعد النبيء صلّى الله

١٦٦

عليه وآله وسلّم بلا فصل في حكم المشايخ الثلاثة المتقدمين له عليه‌السلام بالإمامة :

فقال أبو الجارود ومن قال بقوله من الزيدية رضي الله عنهم : عليّ وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمام بعده وأن الأمّة كفرت وضلّت في تركها بيعته ، ثم الإمام بعده الحسن والحسين بالنص ثم هي بينهم شورى فمن خرج من أولادهما مستحقّا للإمامة فهو الإمام.

وكذلك قالت الصالحيّة الحسن بن صالح بن حيّ ومن قال بقوله في الإمامة إلّا أنهم قالوا : إنّ أبا بكر وعمر غير مخطئين بسبب سكوت عليّ عليه‌السلام عن حقّه ، وكذلك عثمان إلى أن تبرأ منه المسلمون وتوقف فيه بعد ذلك.

وكذلك قال ابن التمّار وهو كثير البتري بن الحسن بن صالح لأنّ المغيرة بن سعيد لقّب كثيرا هذا بالأبتر ومن قال بقوله من الزيدية وهم المسمّون البتريّة إلّا أنهم تبرءوا من عثمان بعد ما عزله المسلمون وشهدوا على من خالف عليّا بالكفر.

وقال سليمان بن جرير ومن قال بقوله في علي عليه‌السلام والحسن والحسين عليهم‌السلام مثل ذلك ، وإن بيعة أبي بكر وعمر خطاء لا يستحقان عليها اسم الفسق من قبل التّأويل وأن الأمّة تركت الصّلاح في ذلك ، ولم يتبرءوا من أبي بكر وعمر ولم يتولّوا أيضا. ذكره في المحيط ، وتبرءوا من عثمان وشهدوا عليه بالكفر.

وقالت الإمامية في علي والحسن والحسين عليهم‌السلام مثل قولنا وقالوا : لا يكون الإمام إلّا منصوصا عليه من نبيء أو وصيّ أو إمام هكذا حكى هذا الخلاف الإمام أحمد بن سليمان عليه‌السلام ، ومثله ذكر الديلمي في كتابه قواعد عقائد أهل البيت عليهم‌السلام وصاحب المحيط في الجزء الثاني ، وهو الصحيح.

قال عليه‌السلام : «والحق أنهم» أي المتقدمين له عليه‌السلام «إن

١٦٧

لم يعلموا استحقاقه عليه‌السلام» عليهم للإمامة «دونهم بعد التحرّي» منهم في طلب الأدلة الموصلة إلى الحق فلم يجدوها «فلا إثم عليهم وإن أخطئوا» أي وإن كان فعلهم خطيئة مخالفة للحق ولمراد الله سبحانه منهم لأنهم لم يتعمدوا عصيانه تعالى «لقوله تعالى» : (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ) «ولم يفصل» بين خطاء وخطاء.

«وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» «رفع عن أمتي الخطاء والنسيان» «ولم يفصل» هذا هو الحق وهو على سبيل الإنصاف والفرض والتقدير ، لأنّ مسألة الإمامة كما سبق ذكره من أمهات أصول الدين التي يجب على كل مكلف معرفتها لا سيما عند من جعل دليلها العقل والشرع ، فهل يجوز من الشارع أن يخفي دليلها ويكلف معرفتها جميع خلقه لأنه يكون كالتكليف لما لا يطاق وحينئذ يبعد بل يستحيل أن يكونوا جهلوا استحقاقه عليه‌السلام الإمامة (١) دونهم.

قال في المحيط : أجمعت الزيدية على أن معرفة إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام والحسن والحسين عليهما‌السلام واجبة على كل مكلّف.

قلت : فلا بدّ أن يكون الطريق إليها معلوما لكل مكلف إمّا ضرورة وإمّا استدلالا كمعرفة الباري تعالى ، وإلّا كان تلبيسا من الشارع وتكليفا لما لا يطاق وذلك لا يجوز على الله تعالى.

«وإن علموا» أنه المستحق للإمامة دونهم «فخطيئتهم كبيرة» إجماعا ، أمّا عند من يجعل كل عمد كبيرة فواضح.

وأمّا عند غيرهم ف «للإجماع» من الأمّة «على أنّ من منع إمام الحق من تناول الواجب» أي ما يجب تسليمه إليه من الحقوق أو من الواجب عليه إقامته كالحدود والجمعات وغير ذلك «أو منع الواجب منه» أي منع ما يجب للإمام من الحقوق فلم يسلمها إليه : «بغي عليه ، والإجماع على أن البغي عليه فسق لأنه اتّباع لغير سبيل المؤمنين والله تعالى يقول» «ومن

__________________

(١) (ض) للإمامة.

١٦٨

يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا» وهذا وعيد على هذه المعصية والوعيد يوجب كون المعصية كبيرة.

قال عليه‌السلام : «ولعل» توقف «من توقف من أئمتنا عليهم‌السلام» عن البراءة ممّن تقدمه عليه‌السلام بالإمامة «لعدم حصول العلم بأنهم علموا» استحقاقه عليه‌السلام الإمامة دونهم «أو جهلوا» ذلك فلما لم يحصل لهم أحد الأمرين توقفوا وذلك لا يكون إلّا فيمن لم يبحث عن حقيقة الأمر الواقع بعد قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينظر في كتب التواريخ ، وأما من نظر في ذلك وطالع كتب التواريخ فإنه يعلم قطعا أحد الأمرين «ومعارضة إبقائهم على الأصل من الجهل باستحقاقه عليه‌السلام بأن الأصل في أعمال المكلفين التي تعلّق بالحقوق العمد».

أي لو قيل : الأصل الجهل فيحملهم هذا المتوقف عليه ولا يتوقف في شأنهم بل يتولّاهم إبقاء لهم على هذا الأصل قيل له قد عارض هذا الأصل أصل آخر وهو : أن الأصل في أعمال المكلفين التي تتعلق بحقوق بعضهم على بعض العمد فوجب الوقف لتعارض الأصلين.

«ألا ترى لو أن رجلا قتل رجلا» بأن ضربه بسيف أو طعنه أو باشره بأي شيء «ثم ادّعى الخطاء» في قتله إيّاه ومباشرته له «أنّه لا يقبل قوله» في دعوى الخطاء «بالإجماع» لأنّ مباشرته إيّاه وهو ينظر تكذب دعواه الخطاء ، ومثلها مسألة الإمامة بل أولى لأنهم لم يقعدوا في دست الخلافة إلّا متعمدين غير ساهين ، ولأنّ أدلة الإمامة يجب ظهورها كما سبق ذكره.

وأما من ادّعى على غيره أنه قتل أباه فقال : كان ذلك خطاء فهو إقرار منه بالقتل ، والقول قوله في أنه خطاء نص عليه المرتضى عليه‌السلام وذكره القاضي زيد والأستاذ والفقيه محمد بن سليمان والفقيه حسن لأن الأصل براءة الذمّة من القصاص.

وقال أبو جعفر : الظاهر العمد لأن الظاهر في فعل كل عاقل العمد فهي مسألة غير ما أراده الإمام عليه‌السلام.

١٦٩

«وبوجوب» أي ومعارض ذلك الأصل الذي هو الجهل بوجوب «حمل علماء الصحابة رضي الله عنهم على السّلامة» من ارتكاب المعصية من عدم الإخلال منهم بتعريفهم أي تعريف المتقدمين على عليّ عليه‌السلام أنهم مخطئون في ادّعائهم الإمامة لأنه يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيحمل علماء الصحابة أنهم قد عرّفوهم ذلك.

«إذ مثل ذلك» التعريف «واجب» عليهم «لقوله تعالى» : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (١) فيبعد حينئذ تقدير (٢) الجهل مع اجتماع هذه القرائن المقتضية (٣) لخلافه «ولنقل تعريفهم» أي نقل تعريف علماء الصحابة «إيّاهم» أي المتقدمين لهعليه‌السلام «نقلا لم يبلغ حدّ التواتر» كما روي : أن اثني عشر من المهاجرين والأنصار.

قال بعضهم لبعض : قوموا إلى هذا الرجل فأنزلوه عن منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وقال بعضهم : إن هذا الرجل اتفقت عليه الأمّة ولكن انطلقوا بنا إلى صاحب هذا الأمر حتى نشاوره ونستطلع رأيه فانطلق القوم حتى أتوا أمير المؤمنين عليّا عليه‌السلام فقالوا له : كنّا في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأينا هذا الرجل قد صعد المنبر فأردنا أن ننزله عن منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكرهنا أن ننزله دونك ونحن نعلم أن الحق لك.

فقال عليه‌السلام : (أما إنكم لو فعلتم ما كنتم لهم إلّا حربا وما كنتم إلّا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد وقد اتفقت هذه الأمّة التاركة قول نبيئها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم ، وقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلّا السكوت لما يعلمون من وغر صدور القوم

__________________

(١) البقرة (١٥٩).

(٢) (ب) تقرير الجهل.

(٣) (ض) المفضية.

١٧٠

وبغضهم لأهل بيت نبيئهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن انطلقوا إليه فأخبروه بما سمعتم من قول نبيئكم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا تتركوه في شبهة من أمره ليكون ذلك أوكد في الحجة وأبلغ في العقوبة إذا لقي الله وقد عصاه وخالف أمر نبيئه).

فانطلق القوم في يوم جمعة حتى جثوا حول منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقبل أبو بكر فصعد المنبر.

فقال المهاجرون للأنصار : قوموا فتكلموا بما سمعتم من قول نبيئكم.

فقال الأنصار للمهاجرين : بل أنتم قوموا فتقدموا فإن الله قدمكم [في كتابه].

فقام المهاجرون فتكلموا رجلا رجلا ، ثم قام الأنصار فتكلموا رجلا رجلا في خبر طويل : روى حديث الاثني عشر هذا القاسم بن إبراهيم والهادي والإمام أحمد بن سليمانعليهم‌السلام وغيرهم كالفقيه محمد بن الحسن الديلمي صاحب قواعد عقائد أهل البيت عليهم‌السلام وغيره وكذلك قد روي عن غير هؤلاء الاثني عشر الإنكار على المتقدمين على عليّعليه‌السلام.

وقد روى المرتضى عليه‌السلام عن أبيه الهادي إلى الحق عليه‌السلام أنّ النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر المسلمين بمكة أن يسلّموا على عليّ عليه‌السلام بإمرة المؤمنين حين قدم عليه من اليمن.

قال عليه‌السلام : «و» مع هذه المعارضات للجهل «وجب الوقف» عند هذا الذي التبس عليه تعمّدهم «في حقّهم دون علماء الصحابة» فلا يجوز له أن يتوقف في حقهم على معنى أنه يجوّز أن يكونوا أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر.

ويجوّز أن يكونوا أخلّوا بهذا الواجب وإذا جوّز الأمرين وقف في حقّهم وذلك لأنهم لم يعلم من علماء الصحابة تلبّس بالمعصية بعد علمنا بإيمانهم في الظاهر فهذا التجويز لا ينسخ العلم بإيمانهم في الظاهر بخلاف المتقدمين على عليّ عليه‌السلام فساغ له التوقّف في حقهم.

١٧١

«لحصول العلم بتلبسهم بالمعصية وهو اغتصاب إمامته عليه‌السلام ولم يحصل مثل ذلك» أي التلبّس بالمعصية «في حق علماء الصحابة» كما ذكرناه من قبل.

«فإن قيل : فحاصل الكلام» الذي تقدم ذكره : «أن أمرهم» أي المتقدمين على عليّ عليه‌السلام «ملتبس» في الإيمان وعدمه «والأصل الإيمان» في حقّهم إذ قد علمنا إيمانهم ، فإذا كانوا كذلك «فلنتولّهم إبقاء لهم على الأصل» من إيمانهم المعلوم.

قال عليه‌السلام : «قلت وبالله التوفيق : ذلك الأصل معارض بأن الأصل في كل معصية» متعمدة «الكبر كما هو مذهب عيون العترة عليهم» «السلام لقوله تعالى» : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها ...) الآية (١).

«وقوله تعالى» : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) (٢) ولم يفصل بين معصية ومعصية كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قلت : المعصية : هي اغتصاب الإمامة وهو بغي والبغي على إمام الحق فسق فلا حاجة إلى القول بأن الأصل في كل معصية الكبر لأنّ هذه معصية إن وقعت عمدا فقد دلّ الشرع على كبرها ، وإن وقعت سهوا أو خطأ فلا إثم أصلا لما مرّ.

قال عليه‌السلام : «وأيضا : فإن حصول الالتباس» أي التباس إيمانهم بسبب تلبّسهم بالمعصية «نسخ العلم بإيمانهم في الظاهر» أي في ظاهر الأمر «ولا يصحّ التّولي إلّا مع العلم بالإيمان في الظاهر بإجماع العترة عليهم» «السلام» ، وهذا مع الفرض بأن معصيتهم لم يعلم قدرها وقد علم قطعا تلبّسهم بها.

«فإن قيل : قد ثبت عن أهل المذهب وجوب صلاة الجنازة على من

__________________

(١) النساء (١٤).

(٢) الجن (٢٣).

١٧٢

شهدت قرينة بإسلامه» كالختان وفرق الرأس ونحو ذلك «والدعاء له فيها مشروع وهو فرع التّولّي» إذ لا يجوز الدعاء إلّا لمن يجوز تولّيه أي محبته.

قال عليه‌السلام : «قلت : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كل مولود يولد على الفطرة» حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه «يوجب العلم بإيمانه في الظاهر» عملا بهذا الخبر ، ودلالة العقل أيضا وذلك أن الله سبحانه قد ركب في قلب كل مكلف عقلا يهديه إلى مراشده ، ونصب له علامات من خلقه ودلائل واضحات فلا يضل إلّا إذا رفض دلالة عقله وهذا أصل في الإيمان.

«و» هذا الميت الذي على هذه الصورة «لم يعلم تلبسه بمعصية» ترفع حكم الإيمان في الظاهر «فلم ينسخ العلم بإيمانه في الظاهر شيء» وإذا كان كذلك وجبت الصلاة عليه والدعاء له فيها «مع أن قياس ما المطلوب فيه العلم» كالموالاة والمعاداة «على الظني» كصلاة الجنازة على من شهدت قرينة بإسلامه لأنها من مسائل الفروع العمليّة فيكفي في وجوبها الظنّ «كما هو مذهبكم في الفروع» من أنه يكفي في العمل بها الظن بخلاف الموالاة والمعاداة فلا بدّ من العلم فيهما «لا يصحّ إجماعا» بين من يقول : كل مجتهد مصيب وبين من يقول الحق مع واحد لأنه قياس لما يجب فيه العلم على ما يكفي فيه الظن فثبت توجيه توقف من توقف من أئمتنا عليهم‌السلام بما ذكر على تلفيق واجتهاد كما رأيت. وأقرب ما يحملون عليه : أنهم كانوا يعتقدون أن الناس لا يطيعونه لكراهة الأكثر من قريش لهعليه‌السلام لما وترهم به على كفرهم وبغضهم حسدا وبغيا لما فضله الله سبحانه على غيره من الخلال الكثيرة فكانوا كالقاطعين بأن الأمر لا يتم له مع ذلك.

ولكن؟ هل يكون هذا عذرا عند الله سبحانه؟

وأنا أقول كما قال الله سبحانه : (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (١).

__________________

(١) البقرة (١٤١).

١٧٣

قال «الإمام يحيى» بن حمزة «والإمام المهدي» أحمد بن يحيى «عليهما‌السلام : وحكم أبي بكر في فدك صحيح لأنه حكم باجتهاده» وقد ثبت أن كل مجتهد مصيب.

«قلنا : هو المنازع» أي هو الخصم الذي نازعته فاطمة عليها‌السلام «وأيّما منازع» كائنا من كان «حكم لنفسه فحكمه باطل إجماعا ولو لم يخالف» في حكمه «اجتهاده» فكيف يصحّ أن يقال : إن حكمه صحيح وقد علم أن أمير المؤمنين عليّا عليه‌السلام لم يحكم لنفسه في قضية النصراني معه بل تحاكما إلى شريح ، وكذلك روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنه لم يحكم لنفسه بل حاكم إلى علي عليه‌السلام ، لأنّ الله سبحانه أمر المتحاكمين أن يتحاكما إلى غيرهما لأن الحاكم لنفسه متهم بالميل ولو حكم بالحق وإذا كانت شهادة الخصم على خصمه غير مقبولة فما ظنّك بالحكم ولهذا قال الشاعر :

«ومن يكن القاضي له من خصومه

أضرّ به إقراره وجحوده»

 «وأيضا : فإن الإمام عندهما» أي عند الإمامين المذكورين عليهما‌السلام بعد النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا فصل «عليّ عليه‌السلام وهو لم يرض ولايته» بل كرهها أشدّ الكراهة لما تواتر من تجرّمه ولأنه سار مع فاطمة عليهما‌السلام للشهادة لها ، وولاية القضاء إلى الأئمة بالإجماع ، «فكيف صحّ قضاؤه؟» أي قضاء أبي بكر في فدك والحال ما ذكر؟

«وأيضا : كانت اليد في فدك لفاطمة عليها‌السلام ، لأنّ في الرواية : أنها أتته» أي أتت أبا بكر «تطلبه حقّها بعد أن رفع عاملها» أي وكيلها على فدك «فإيجاب البينة عليها خلاف الإجماع» (١) من المسلمين لأن الشارع حكم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر ، فمن حكم بخلاف ذلك فحكمه باطل بالإجماع.

اعلم : أنه لا خلاف بين الناس : أن فاطمة عليها‌السلام نازعت أبا

__________________

(١) هذا يستقيم إذا ادّعته ميراثا وأما إذا ادّعته نحلة فالبيّنة عليها وهو ظاهر تمت من خط سيدي الحسين بن القاسم.

١٧٤

بكر في فدك ، وأنها جاءت بعلي عليه‌السلام وأم أيمن شاهدين وأنها رجعت بغير شيء ، وأنها دفنت ليلا ولم يحضرها أبو بكر ولا عمر ، فهذا ممّا لا يخالف فيه أحد وروى أهل البيت عليهم‌السلام كافّة : أنها ماتت غضبانة على أبي بكر وعمر ، وأنها أوصت أن لا يحضرا جنازتها.

وقال في محاسن الأزهار للفقيه حميد رحمه‌الله : روى البخاري بسنده عن عائشة : أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر وهجرته ولم تكلمه حتى توفيت ، وقد عاشت بعد النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستة أشهر فلما ماتت دفنها الإمام علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر.

وقال ابن أبي الحديد : نازعت فاطمة أبا بكر في ثلاثة أشياء :

الأول : الإرث ، الثاني : النحلة في فدك ، الثالث : في سهم ذوي القربى ومنعها أبو بكر ذلك جميعا وهي على هذا الترتيب.

وفدك قال الإمام يحيى : قريّات أفاءها الله على رسوله من غير إيجاف.

وقال الجوهري : فدك قرية بخيبر.

وقيل : إنّ عدد القرى سبع وكان النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنحلها فاطمة عليها‌السلام وكانت غلتها في كل سنة (ثلاث مائة ألف دينار) وقيل : أكثر من ذلك.

وروي : أنه كان فيها ممّا غرسه النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده الطاهرة إحدى عشرة نخلة (١١ نخلة) وكان ثمر هذه النخلات يستشفى به من الآلام.

وروى أبو العباس الحسني بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال : لما نزل قوله تعالى : (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) (١) : دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة وأعطاها فدكا.

__________________

(١) الإسراء (٢٦).

١٧٥

وروى أيضا بإسناده إلى جعفر بن محمد عن أبيه : أن فدكا سبع قريّات متّصلات حدّ منها ممّا يلي وادي القرى غلتها في كل سنة (ثلاث مائة ألف دينار) أعطاها النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاطمة عليها‌السلام قبل أن يقبض بأربع سنين ، وكانت في يدها تحتمل غلتها وعبد يسمّى جبيرا وكيلها ، فلما قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنفذ أبو بكر رجلا من قريش بعد خمسة عشر يوما فأخرج وكيل فاطمة [من فدك].

قال أبو العباس : وأخبرنا علي بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن الحسن عليهم‌السلام أنه أخرج وكيل فاطمة عليها‌السلام من فدك وطلبها بالبينة بعد شهر من موت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... إلى قوله : فكتب لها صحيفة وختمها فأخذتها فاطمة فاستقبلها عمر فقال : يا بنت محمد : هلمّي الصحيفة ، فنظر فيها وتفل فيها ومزقها.

[ومثل هذه الرواية : ذكر الأمير الحسين في الشفاء (يعني تمزيقها)].

وروى صاحب كتاب المحيط بالإمامة بإسناده إلى عبد الله بن الحسن : أن أبا بكر أخرج وكيل فاطمة من فدك وطلبها بالبيّنة بعد شهر من موت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجاءها وكيلها فقال : أخرجني أبو بكر ، فسارت فاطمة إلى أبي بكر ومعها أم أيمن ونسوة من قومها فقالت : فدك بيدي أعطانيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا بنت محمد : أنت عندنا مصدّقة إلّا أن عليك البينة ، فقالت : يشهد لي علي بن أبي طالب وأم أيمن ، فقال : هاتي فشهدا وكتب لها صحيفة وختمها فأخذتها فاطمة فاستقبلها عمر فقال : يا بنت محمد هات الصحيفة فأخذها ونظر فيها فتفل فيها وخزّقها ، واستقبلها عليّ عليه‌السلام فقال : (يا بنت محمد ما لك غضبانة؟ فذكرت له ما صنع عمر فقال : ما ركبوا من أبيك ومنّي أكبر من هذا).

قال : فمرضت فجاءا يعودانها فلم تأذن لهما ، فجاء أمير المؤمنين إليها من الغد وبلغهما أنّ عليّا عليه‌السلام عندها فتشفّعا به إليها فأذنت لهما فدخلا فسلّما فردّت عليهما سلاما ضعيفا ثم قالت : سألتكما بالله الّذي لا إله إلّا هو هل سمعتما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

١٧٦

يقول : «من آذى فاطمة فقد آذاني»؟

فقالا : نعم ، فقالت : فأشهد أنكما قد آذيتماني.

وروي أيضا بإسناده عن جابر عن أبي جعفر مثله ، وزاد : فسألته فدكا فقال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» فقالت : قد قال الله تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) فلما خصمته أمر من يكتب لها ... إلى آخره سواء.

قال الفقيه حميد الشهيد رحمه‌الله : وقد تقرر في الأخبار : أنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها.

ومتى كان الخبر مقطوعا به كان الحال في عصمتها جليّا ظاهرا.

قلت : وإجماع العترة عليهم‌السلام وشيعتهم على عصمتها وقد كثرت الأخبار في ذلك وأنّ الله يغضب لغضبها.

«وأيضا :» فإن أبا بكر في بعض الروايات «اعتمد على خبره» الذي رواه هو وزعم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاله وهو : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما خلّفناه صدقة».

«مع احتمال أن يكون معناه» لو فرضنا صحته : «أن الصدقة» أي «الزكاة التي لا تحلّ لبني هاشم غير موروثة بل تصرف في مصارفها» وإن كان النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قبضها فكيف يصحّ الاحتجاج به مع هذا الاحتمال ونجعله ناسخا لعموم آية المواريث والآيات المصرّحة بإرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وأيضا : روي في كتب التواريخ وغيرها من كتب أهل البيت عليهم‌السلام : أنّ عليّاعليه‌السلام : قبض ما خلفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دوابه وسلاحه وجميع آلاته حتى أنها بقيت منطقة كان ينتطق (١) بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقت الحرب فأخذها عليّ عليه‌السلام. وكذلك فإنها وردت هدايا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) (ض) يتمنطق بها.

١٧٧

وسلّم بعد موته فأخذها علي عليه‌السلام.

فما الفرق بين ذلك وبين فدك (١).

وقد أورد ابن أبي الحديد اعتراضا واضحا على أبي بكر في قبض عليّ عليه‌السلام الأدرع والأفراس ونحوها.

إن قيل : إنّ ما ذكرتموه قد روي أن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قد أعطاه عليّا عليه‌السلام في حياته.

قلنا : إن صحّ ذلك فإنّما أعطاه على سبيل الإرث خوفا من اغتصابه بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدل على ذلك آخر الخبر وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اقبضه في حياتي لا ينازعك فيه أحد بعدي».

ولأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ وأعظم من أن يزوي أحدا من خلق الله سبحانه ميراثه ويظلمه حقّه ، وممّا يدل على بطلان هذا الخبر : ردّ عمر بن عبد العزيز فدكا إلى أولاد فاطمة وذلك أنه لمّا ولي معاوية أقطع مروان ثلثها بعد موت الحسن عليه‌السلام ، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت لمروان أيام خلافته فوهبها لعبد العزيز ابنه فوهبها لابنه عمر فلما ولي الخلافة كانت أول مظلمة ردّها فكانت بيد أولاد فاطمة مدة خلافته فلما ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم فصارت في أيدي بني مروان كما كانت فلمّا ولي السّفاح ردّها على عبد الله بن الحسن ، ثم قبضها أبو جعفر المنصور حتى ولي المأمون فردّها على الفاطميين ، ثم قبضها المتوكل فأقطعها بعض عماله ثم ردّها المستنصر على أولاد فاطمة. ذكره المسعودي والنهرواني في تاريخيهما.

«و» أيضا : فإن «لفاطمة عليها‌السلام أن تعتمد على خبرها وخبر علي والحسن والحسين عليهم‌السلام» مع كون خبرهم موافقا للشريعة المطهرة غير مصادم لها وهو أنّ النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنحلها

__________________

(١) في الاحتجاج بهذا انظر لأن الهديّة لا تملك قبل القبض تمت من خط سيدي الحسين بن القاسم رضوان الله عليهما.

١٧٨

إيّاها نحلة في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ويكون قول هؤلاء المعصومين إخبارا عن النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا شهادة.

قال عليه‌السلام : «صحّ لنا ذلك» أي كون الحسنين عليهما‌السلام ممّن شهد لفاطمة عليها‌السلام بالنحلة «من رواية الهادي عليه‌السلام» في كتاب تثبيت الإمامة «وأم أيمن» رضي الله عنها ، وهي أم أسامة بن زيد ، وهي عتيقة النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد بشّرها النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجنة فشهدت مثل شهادة علي والحسنين عليهم‌السلام.

وقال الإمام الموفق بالله : أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الحسني عليه‌السلام في كتاب الإحاطة : وقيل : إنه شهد لفاطمة بالنحلة أبو سعيد الخدري وقال : أشهد أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطى فاطمة عليها‌السلام فدكا لمّا أنزل الله تعالى «وآت ذا القربى حقّه».

«مع أنه» أي خبرها عليها‌السلام المتضمن للنحلة الذي أكدته بشهادة من تقدم ذكره «نص صريح» فيما ادّعت «لا يحتمل التأويل» بخلاف خبر أبي بكر فإنه لو صحّ لاحتمل التأويل كما مرّ.

«ثم» مع ذلك «لا» يصحّ أن «يكون» أبو بكر هو «الأولى» من فاطمة عليها‌السلام «بترجيح دعواه» دونها «لأنهما متنازعان كل» منهما «يجر إلى نفسه ، مع أن الخبرين» خبر فاطمة عليها‌السلام وخبر أبي بكر «لا يكذب أحدهما الآخر» فيصحّ الجمع بينهما «لأن خبره يتضمن عدم استحقاقها الإرث بزعمه ، وخبرها متضمّن لعقد» هبة «عقده لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا ثبت الحكم» من أبي بكر «لنفسه بلا مرجح كما تقرر فالعقل والشرع يقضي ببطلانه».

أمّا العقل : فلأنّه رجّح دعواه على دعوى خصمه لغير برهان والعقل يحكم بأن ذلك ميل وجور.

١٧٩

وأما الشرع : فكما تقدم من الإجماع على أن من حكم لنفسه فحكمه باطل وإيجاب البيّنة على المدّعى عليه خلاف حكم الشرع.

«وأيضا :» نقول : «إن خبر علي والحسن والحسين عليهم‌السلام وأم أيمن رضي الله عنها أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنحلها دليل على ذلك» أي على النحلة والهبة «لا» أنّه «شهادة يجب تتميمها» وأن لا تجرّ إلى من شهد بها منفعة ، كما في بعض الروايات : أن أبا بكر قال لفاطمة : هات رجلا مع الرجل وامرأة مع الامرأة ، وفي بعضها : أنه قال : إنّ عليّا يجر إليها فلا يقبل بل يكون ذلك الخبر دليلا «كسائر ما يروى» عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «من الأخبار المثبتة للحقوق» فهي مقبولة مع أنه ليس للراوي هنا في هذا الخبر حق فكيف مع كون الراوي له معصوما والمدّعي أيضا معصوما ، «ولو لم يكن» من هذه الأخبار التي تثبت الحقوق «إلّا خبره الذي رواه عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو : أن الخليفة أولى بميراث النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» فإنه قبله مع أن له فيه حقّا.

قلت : ولعل الإمام عليه‌السلام أراد بهذا الخبر ما رواه أبو بكر وهو قوله : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» إلّا أنه عليه‌السلام حكاه بالمعنى أو ما رواه ابن بهران في تخريجه عن أبي الطفيل.

قال : جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها من أبيها ، فقال لها : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول «إنّ الله إذا أطعم نبيئه طعمة فهو للذي يقوم من بعده».

قال : أخرجه أبو داود.

وروى ابن أبي الحديد قال : روي أن فاطمة عليها‌السلام أتت إلى أبي بكر فقالت له : أنت ورثت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم أهله؟ قال : بل أهله.

قالت : فما بال سهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟

فقال : إني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «إنّ الله إذا أطعم نبيئا طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم بعده».

١٨٠